منتديات ياسمين الشام
اهلا وسهلا زائرنا الكريم التسجيل مجاني وسهل ومتاح للجميع
ان كانت زيارتك لموقعنا هي الاولى بامكانك التسجيل
بالضغط على زر التسجيل بهذه الصفحة او اعلى المنتدى



وسنقوم بتفعيل حسابك يدويا ان لم تستطع العودة لايميلك
لنتشرف بك كاحد اعضاء اسرة منتدانا
نرحب بكم اعضاء وزوار
مع تحيات ادارة منتديات ياسمين الشام


ثقافة منوعات مجتمع علوم تسلية
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الأربعاء ديسمبر 05, 2012 6:08 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

المقدمة
كتاب اللؤلؤة في السلطان
السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدنيا؛ وهو حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده؛ به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم.
قالت الحكماء: إمام عادل، خير من مطر وابل؛ وإمام غشوم، خير من فتنة تدوم؛ ولما يزع الله بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن.
وقال وهب بن منبه: فيما أنزل الله على نبيه داود عليه السلام: إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن كان لي على طاعة جعلت الملوك عليهم نعمة، ومن كان لي على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة.
فحق على من قلده الله أزمة حكمه، وملكه أمور خلقه؛ واختصه بإحسانه، ومكن له في سلطانه، أن يكون من الاهتمام بمصالح رعيته، والاعتناء بمرافق أهل طاعته؛ بحيث وضعه الله عز وجل من الكرامة، وأجرى له من أسباب السعادة. قال الله عز وجل: " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر والله عاقبة الأمور " .
وقال حذيفة بن اليمان: ما مشى قوم قط إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل موتهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة.
وقال صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته.
وقال الشاعر:
فكلكم راع ونحن رعية ... وكل سيلقى ربه فيحاسبه
ومن شأن الرعية قلة الرضا عن الأئمة، وتحجر العذر عليهم، وإلزام اللائمة لهم؛ ورب ملوم لا ذنب له. ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة، إذ كان رضا جملتها، وموافقة جماعتها؛ من المعجز الذي لا يدرك، والممتنع الذي لا يملك؛ ولكل حصته من العدل، ومنزلته من الحكم.
فمن حق الإمام على رعيته أن تقضي عليه بالأغلب من فعله، والأعم من حكمه. ومن حق الرعية على إمامها حسن القبول لظاهر طاعتها، وإضرابه صفحاً عن مكاشفتها، كما قال زياد لما قدم العراق والياً عليها: أيها الناس، قد كانت بيني وبينكم إحن، فجعلت ذلك دبر أذني، وتحت قدمي، فمن كان محسناً فليزد في إحسانه، ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته. إني والله لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولم أهتك له ستراً، حتى يبدي صفحته لي.
وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر.
وقال كعب الأحبار: مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام؛ والعمود السلطان؛ والأطناب والأوتاد الناس. ولا يصلح بعضها إلا ببعض.
وقال الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إلا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
نصيحة السلطان ولزوم طاعته
قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " .
وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية أمرنا بطاعة الأئمة. وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من فارق الجماعة، أو خلع يداً من طاعة، مات ميتة جاهلية.
وقال صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأولي الأمر منكم.
فنصح الإمام ولزوم طاعته وإتباع أمره ونهيه في السر والجهر فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه.
الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال لي أبي: أرى هذا الرجل - يعني عمر بن الخطاب يستفهمك ويقدمك على الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وإني موصيك بخلال أربع: لا تفشين له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تطو عنه نصيحة، ولا تغتابن عنده أحداً.
قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحد خير من ألف. قال: إي والله، ومن عشرة آلاف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب الموضوعرسالة
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 9:37 pm

وروي أن عامر بن عبد القيس في نسكه وزهده وتقشفه وإخباته وعبادته كلمه حمران مولى عثمان بن عفان عند عبد الله بن عامر صاحب العراق في تشنيع عامر على عثمان وطعنه عليه، فأنكر ذلك، فقال له حمران: لا كثر الله فينا مثلك؛ فقال له عامر: بل كثر الله فينا مثلك؛ فقيل له أيدعو عليك وتدعو له؟ قال: نعم، يكسحون طرقنا ويخرزون خفافنا ويحوكون ثيابنا. فاستوى ابن عامر جالسا وكان متكئا، فقال: ما كنت أظنك تعرف هذا الباب لفضلك وزهادتك؛ فقال: ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه لا أعرفه. وقالوا: إن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد لما وجه أخاه عبد العزيز إلى قتال الأزارقة هزموه، وقتلوا صاحبه مقاتل بن مسمع، وسبوا امرأته أم حفص بنت المنذر بن الجارود العبدي، فأقاموها في السوق حاسرة بادية المحاسن، غالوا فيها، وكانت من أكمل الناس كمالا وحسنا، فتزايدت فيها العرب والموالى، وكانت العرب تزيد فيها على العصبية، والموالى تزيد فيها على الولاء، حتى بلغتها العرب عشرين ألفا، ثم تزايدوا فيها حتى بلغوها تسعين ألفا، فأقبل رجل من الخوارج من عبد القيس من خلفها بالسيف فضرب عنقها، فأخذوه ورفعوه إلى قطري بن الفجاءة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا استهلك تسعين ألفا من بيت المال، وقتل أمة من إماء المؤمنين؛ فقال له: ما تقول؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت هؤلاء الإسماعيلية والإسحاقية. قد تنازعوا عليها حتى ارتفعت الأصوات واحمرت الحدق، فلم يبق إلا الخبط بالسيوف، فرأيت أن تسعين ألفا في جنب ما خشيت من الفتنة بين المسلمين هينة. فقال قطري: خلوا عنه، عين من عيون الله أصابتها. قالوا: فأقد منه؛ قال: لا أقيد من وزعة؛ الله ثم قدم هذا العبدي بعد ذلك البصرة وأتى المنذر بن الجارود يستجديه بذلك السبب، فوصله وأحسن إليه.
قال أبو عبيدة: مر عبد الله بن الأهتم بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النحو، فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وحاقان ومؤمل بن خاقان. الأصمعي قال: قدم أبو مهدية الأعرابي من البادية، فقال له رجل: أبا مهدية، أتتوضأون بالبادية؟ قال: والله يا بن أخي، لقد كنا نتوضأ فيكفينا التوضؤ الواحد الثلاثة الأيام والأربعة، حتى دخلت علينا هذه الحمراء، يعني الموالي، فجعلت تليق أستاهها بالماء كما تلاق الدواة. ونظر رجل من الأعراب إلى رجل من الموالي يستنجي بماء كثير، فقال له: إلى كم تغسلها، ويلك! أتريد أن تشرب بها سويقا؟ وكان عقيل بن علفة المري أشد الناس حمية في العرب، وكان ساكنا في البادية، وكان يصهر إليه الخلفاء. وقال لعبد الملك بن مروان إذ خطب إليه ابنته الجرباء: جنبني هجناء ولدك. وهو القائل:
كنا بني غيظ رجالا فأصبحت ... بنو مالك غيظا وصرنا لمالك
لحى الله دهرا ذعذع المال كله ... وسود أشباه الإماء العوارك
وقال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى، وكان جائرا شديد العصبية.

(1/419)

من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين؛ قال: فما هما؟ قلت: موليان؛ قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار؛ قال: فما هؤلاء؟ قلت: موإلى، قال: فمن فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم ومحمد ابن المنكدر ونافع بن أبي نجيح؛ قال: فما هؤلاء؟ قلت: موالى. فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي وابن الزناد؛ قال: فما كانا؟ قلت: من الموالي. فاربد وجهه، ثم قال: فمن كان فقيه اليمن؟ قلت: طاووس وابنه وهمام بن منبه؛ قال: فما هؤلاء؟ قلت: من الموالي. فانتفخت أوداجه وانتصب قاعدا ثم قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني، قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى. فازداد وجهه تربدا واسود اسودادا حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول؛ قال: فما كان مكحول هذا؟ قلت: مولى. فازداد تغيظا وحنقا، ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران؛ قال؛ فما كان؟ قلت: مولى. قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ قال: فوالله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عيينة وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم والشعبي؛ قال: فما كانا؟ قلت عربيان، قال: الله أكبر، وسكن جأشه.
وذكر عمرو بن بحر الجاحظ، في كتاب الموالي والعرب: أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن الجارود، ولقي ما لقي من قرى أهل العراق، وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه الفقهاء والمقاتلة والموالى من أهل البصرة، فلما علم أنهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم، أحب أن يسقط ديوانهم، ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا، ولا يتعاقدوا، فأقبل على الموالي، وقال، أنتم علوج وعجم، وقراكم أولى بكم، ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب، وسيرهم كيف شاء، ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجهه إليها، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني سعد بن عجل بن لجيم، يقال له خراش بن جابر. وقال شاعرهم:
وأنت من نقش العجلي راحته ... فر شيخك حتى عاد بالحكم
يريد الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج على البصرة. وقال آخر، وهو يعني أهل الكوفة، وقد كان قاضيهم رجل من الموالي يقال له نوح بن دراج:
إن القيامة فيما أحسب اقتربت ... إذ كان قاضيكم نوح بن دراج
لو كان حيا له الحجاج مابقيت ... صحيحة كفه من نقش حجاج
وقال آخر:
جارية لم تدر ما سوق الإبل ... أخرجها الحجاج من كن وظل
لو كان شاهدا حذيف وحمل ... ما نقشت كفاك من غير جدل
ويروى أن أعرابيا من بني العنبر دخل على سوار القاضي، فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي، وخط خطين، ثم قال: وهجينا، ثم خط خطا ناحية، فكيف يقسم المال؟ فقال له سوار: ها هنا وارث غيركم؟ قال: لا؟ قال: فالمال أثلاثا؛ قال: ما أحسبك فهمت عني، إنه تركني وأخي وهجينا، فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا وكما يأخذ أخي؟ قال: أجل؛ فغضب الإعرابي، ثم أقبل على سوار، فقال: والله لقد علمت أنك قليل الخالات بالدهناء؛ قال سوار: لا يضرني ذلك عند الله شيئا.
//كلام العرب قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في النسب الذي هو سبب إلى التعارف، وسلم إلى التواصل، وفي تفضيل العرب. وفي كلام بعض الشعوبية، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في كلام الأعراب خاصة إذ كان أشرف الكلام حسبا، وأكثره رونقا، وأحسنه ديباجا، وأقله كلفة، وأوضحه طريقة، وإذ كان مدار الكلام كله عليه، ومنتسبة إليه

(1/420)

قال رجل من منقر: تكلم خالد بن صفوان بكلام في صلح لم يسمع الناس كلاما قبله مثله، وإذا بأعرابي في بت ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت أبي مت قبل أن أسمعه، فلما رأى خالد ما نزل به قال لي: ويحك! كيف نجاريهم وإنما نحكيهم، أم كيف نسابقهم وإنما نجري بما سبق إلينا من أعراقهم؛ قلت له: أبا صفوان، والله ما ألومك في الأولى، ولا أدع حمدك على الأخرى.
وتكلم ربيعة الرأي يوما بكلام في العلم فأكثر، فكأن العجب داخله، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه، فقال: ما تعدون البلاغة يا أعرابي؟ قال: قلة الكلام وإيجاز الصواب؛ قال: فما تعدون العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم، فكأنما ألقمه حجرا.
قول الأعراب في الدعاء

(1/421)

قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما قوم أشبه بالسلف من الأعراب لولا جفاء فيهم. وقال غيلان: إذا أردت أن تسمع الدعاء فاسمع دعاء الأعراب. قال أبو حاتم: أملى علينا أعرابي! يقال له مرثد: اللهم اغفر لي والجلد بارد، والنفس رابطة، واللسان منطلق، والصحف منشورة، والأقلام جارية، والتوبة مقبولة، والأنفس مريحة، والتضرع مرجو، قبل أز العروق، وحشك النفس، وعلز الصدر، وتزيل الأوصال، ونصول الشعر، وتحيف التراب. وقبل ألا أقدر على استغفارك حين يفنى الأجل، وينقطع العمل، أعني على الموت وكربته، وعلى القبر وغمته، وعلى الميزان وخفته وعلى الصراط وزلته، وعلى يوم القيامة وروعته، اغفر لي مغفرة واسعة، لا تغادر ذنبا، ولا تدع كربا، اغفر لي جميع ما افترضت علي ولم أؤده إليك، اغفر لي جميع ما تبت إليك منه ثم عدت فيه. يا رب، تظاهرت علي منك النعم، وتداركت عندك مني الذنوب، فلك الحمد على النعم التي تظاهرت، وأستغفرك للذنوب التي تداركت، وأمسيت عن عذابي غنيا، وأصبحت إلى رحمتك فقيرا؟ اللهم إني أسألك نجاح الأمل عند انقطاع الأجل، اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي، اللهم اجعلني من الذين إذا أعطيتهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، إذا هم ذكرتهم ذكروا، واجعل لي قلبا توابا أوابا، لا فاجرا ولا مرتابا، اجعلني من الذين إذا أحسنوا ازدادوا، وإذا أساءوا استغفروا، اللهم لا تحقق علي العذاب، ولا تقطع بي الأسباب، واحفظني في كل ما تحيط بن شفقتي، وتأتي من ورائه سبحتي، وتعجز عنه قوتي، أدعوك دعاء خفيف عمله، متظاهرة ذنوبه، ضنين على نفسه، دعاء من بدنه ضعيف، ومنته عاجزة، قد انتهت عدته، وخلقت جدته، وتم ظمؤه. اللهم لا تخيبني وأنا أرجوك، ولا تعذبني وأنا أدعوك، والحمد لله على طول النسيئة، وحسن!التباعة، وتشنج العروق، وإساغة الريق، وتأخر الشدائد، والحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته، والحمد لله الذي لا يودي قتيله، ولا يخيب سوله، ولا يرد رسوله، اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، وأعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا، أعوذ بك من شماتة الأعداء، وعضال الداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، أو فجاءة النقمة، دعا أعرابي وهو يطوف بالكعبة، فقال: إلهي، من أولى بالتقصير والزلل مني وأنت خلقتني، ومن أولى بالعفو منك عني، وعلمك بي محيط، وقضاؤك في ماض. إلهي أطعتك بقوتك والمنة لك، ولم أحسن حين أعطيتني، وعصيتك بعلمك، فتجاوز عن الذنوب التي كتبت علي، وأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك، وانقطاع حجتي، وافتقاري إليك، وغناك عني، أن تغفر لي وترحمني. اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك، الشرك بك، فأغفر لي ما بين ذلك. اللهم إنك انس المؤنسين لأوليائك، وخير المعنيين للمتوكلين عليك. إلهي، أنت شاهدهم وغائبهم والمطلع على ضمائرهم وسر ي لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة، انسني ذكرك، وإذا أكبت علي الهموم لجأت إلى الاستجارة بك، علما بأن أزمة الأمور كلها بيدك، ومصدرها عن قضائك، فأقلني إليك مغفورا لي، معصوما بطاعتك باقي عمري، يا أرحم الراحمين.

(1/422)

الأصمعي قال: حججت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة ويقول: يا خير موفود إليه سعى إليه الوفد، قد ضعفت قوتي وذهبت منتى، وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار، ولا تحملها البحار، أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك. ثم التفت فقال: أيها المشفعون، ارحموا من شملته الخطايا، وغمرته البلايا، ارحموا من قطع البلاد، وخفف ما ملك من التلاد، ارحموا عمن رنحته الذنوب، وظهرت منه العيوب، ارحموا أسير ضر، وطريد فقر، أسألكم بالذي أعملتكم الرغبة إليه، إلا ما سألتم الله أن يهب لي عظيم جرمي. ثم وضع في حلقة الباب خده وقال: ضرع خدي لك، وذل مقامي بين يديك، ثم أنشأ يقول:
عظيم الذنب مكروب ... من الخيرات مسلوب
وقد أصبحت ذا فقر ... وما عندك مطلوب
العتبي قال: سمعت أعرابيا بعرفات عشية عرفة وهو يقول: اللهم إن هذه عشية من عشايا محبتك، وأحد أيام زلفتك، يأمل فيها من لجأ إليك من خلقك، لا يشرك بك شيئا، بكل لسان فيها تدعى، ولكل خير فيها ترجى، أتتك العصاة من البلد السحيق، ودعتك العناة من شعب المضيق، رجاء مالا خلف له من وعدك، ولا انقطاع له من جزيل عطائك، أبدت لك وجوهها المصونة، صابرة على لفح السمائم، وبرد الليالي، ترجو بذلك رضوانك يا غفار، يا مستزادا من نعمه، ومستعاذا من كل نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق. ثم بسط كلتا يديه إلى السماء، وقال: اللهم، إن كنت بسطت يدي إليك راغبا، فطالما كفيت ساهيا بنعمك التي تظاهرت علي عند الغفلة، فلا أيأس منها عند التوبة، فلا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الإصلاح في الولد، والأمن في البلد، والعافية في الجسد، إنك سميع مجيب. ودعا أعرابي فقال: يا عماد من لا عماد له، ويا ركن من لا ركن له، ويا مجير الضعفاء، ويا منقذ الغرقى، ويا عظيم الرجاء، أنت الذي سبح لك سواد الليل وبياض النهار وضوء القمر وشعاع الشمس وحفيف الشجر ودوي الماء، يا محسن، يا مجمل، يا مفضل، لا أسألك الخير بخير هو عندي، ولكني أسألك برحمتك، فاجعل العافية لي شعارا ودثارا، وجنة دون كل بلاء.
الأصمعي قال: خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق، فقالت: يا رب، أخذت وأعطيت وأنعمت وسلبت، وكل ذلك منك عدل وفضل، والذي عظم على الخلائق أمرك لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك، ولا بذلت رغبتي إلا إليك، يا قرة أعين السائلين، أغثني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته، وأتقلب في راووق نضرته، احملني من الرجلة، وأغنني من العيلة، وأسدل على سترك الذي لا تخرقه الرماح، ولا تزيله الرياح، إنك سميع الدعاء. قال: وسمعت أعرابيا في فلاة من الأرض وهو يقول في دعائه: اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز. إلهي كم تحببت إلي بنعمك وأنت غني عني، وكم أتبغض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك. سبحان من إذا توعد عفا، وإذا وعد وفي.
قال: وسمعت أعرابيا يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرك، وإن ر حمتك إياي لا تنقصك، فاغفر لي ما لا يضرك، وهب في ما لا ينقصك. قال: وسمعت أعرابيا وهو يقول في دعائه: اللهم إني أسألك عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنغم بترك النعيم طمعا فيما وعدت، وخوفا مما أوعدت. اللهم أعذني من سطواتك

(1/423)

وأجرني من نقماتك، سبقت لي ذنوب وأنت تغفر لمن يتوب، إليك بك أتوسل، ومنك إليك أفر. قال: وسمعت أعرابيا يقول: اللهم إن أقواما آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم، فأدركوا ما أملوا، وقد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك، فأدرك بنا ما أملنا. قال: ورأيت أعرابيا متعلقا بأستار الكعبة رافعا يديه إلى السماء وهو يقول: رب، أتراك معذبنا وتوحيدك في قلوبنا وما إخالك تفعل، ولئن فعلت لتجمعننا مع قوم طالما أبغضناهم لك. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول في صلاته: الحمد لله حمدا لا يبلى جديده، ولا يحمى عديده، ولا تبلغ حدوده. اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره، واجعل القبر خير بيت نعمره، واجعل ما بعده خيرا لنا منه. اللهم إن عيني قد اغرورقتا دموعا من خشيتك، فاغفر الزلة، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك. الأصمعي قال: وقف أعرابي في بعض المواسم فقال: اللهم إن لك علي حقوقا فتصدق بها على، وللناس قبلى تبعات فتحملها عني، وقد وجب لكل ضيف قرى، وأنا ضيفك الليلة، فاجعل قراي فيها الجنة. قال: ورأيت أعرابيا أخذ بحلقتي باب الكعبة وهويقول: سائلك عبد ببابك، ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه، وإن لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو المولى عن عبده وهو عنه غير راض. قال: ودعا أعرابي عند الكعبة فقال: اللهم إنه لا شرف إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، فأعطني ما أستعين به على شرف الدنيا والآخرة. قال زيد بن عمر: سمعت طاووسا يقول: بينا أنا بمكة إذ رفعت إلى الحجاج بن يوسف، فثنى لي وسادا فجلست، فبينا نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية، فقال الحجاج: علي بالملبي، فآتي به، فقال: ممن الرجل؟ قال: من أفناء الناس؛ قال: ليس عن هذا سألتك، قال: فعم سألتني؟ قال: من أي البلدان أنت؟ قالت: من أهل اليمن؛ قال له الحجاج: فكيف خلفت محمد بن يوسف، يعني أخاه، وكان عامله على اليمن. قال: خلفته جسيما خراجا ولاجا؛ قال: ليس عن هذا سألتك. قالت: فعم سألتني؟ قال: كيف خلفت سيرته في الناس؟ قال: خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق مطيعا للمخلوق. فازور من ذلك الحجاج وقال: لما أقدمك على هذا، وقد تعلم مكانه مني؟ فقال له الأعرابي: أفتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله تبارك وتعالى، وأنا وافد بيته وقاض دينه ومصدق نبيه صلى الله عليه وسلم قال: فوجم لها الحجاج! ولم يدر له جوابا حتى خرج الرجل بلا إذن. قال: طاووس: فتبعته حتى أتي الملتزم فتعلق بأستار الكعبة، فقال: بك أعوذ، وإليك ألوذ، فاجعل لي في اللهف إلى جوارك، الرضا بضمانك، مندوحة عن منع الباخليين، وغنى عما في أيدي المستأثرين. اللهم عد بفرجك القريب، ومعروفك القديم، وعادتك الحسنة. قال طاووس: ثم اختفى في الناس فألفيته بعرفات قائما على قدميه وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجي ونصبي وتعبي، فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته، فلا اعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك وانصرف محروما من سعة رحمتك الأصمعي قال: رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة وهو يقول: إلهي، عجت إليك الأصوات بضروب من اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك إلهي أن تذكرني على طول البلاء إذ نسيني أهل الدنيا. اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك. للهم لا تعيني بطلب ما لم تقدره لي، وما قدرته لي فيسره لي. قال: ودعت أعرابية لابن وجهته إلى حاجة، فقالت: كان الله صاحبك في أمرك، وخليفتك في أهلك، وولي نجح طلبتك، امض مصاحبا مكلوءا، لا أشمت الله بك عدوا، ولا أرى محبيك فيك سوءا، قال: ومات ابن لأعرابي فقال: اللهم إني وهبت له ما قصر فيه من برى، فهب له ما قمر فيه من طاعتك، فإنك أجود وأكرم.
قولهم في الرقائق

(1/424)

العتبي قال: ذكر أعرابي مصيبة فقال: مصيبة والله تركت سود الرؤوس بيضا، بيض الوجوه سودا، وهونت المصائب بعدها أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال يرثي آل أبي سفيان:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
بكيت بكاء موجعة بحزن ... أصاب الدهر واحدها الفريدا،
قال: وقيل لأعرابية أصيبت بابنها: ما أحسن عزاءك؟ قالت: إن فقدي إياه أمنني كل فقد سواه، وإن مصيبتي به هونت علي المصائب بعده، ثم أنشأت تقول:
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
أكنت السواد لمقلتي ... فعليك يبكي الناظر
ليت المنازل والديا ... ر حفائر ومقابر
وقيل لأعرابي: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك هم الغداة والعشاء لي حزنا. وقيل لأعرابي: ما أذهب شبابك؟ قال: من طال أمده وكثر ولده وذهب جلده ذهب شبابه. وقيل لأعرابي: ما أنحل جسمك؟ قال: سوء الغذاء، وجدوبة المرعى، واعتلاج الهموم في صدري، ثم أنشأ يقول:
الهم ما لم تمضه لسبيله ... داء تضمنه الضلوع عظيم
ولربما استيأست ثم أقول لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم
وقيل لأعرابي قد أخذته السن: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت تقيدني الشعرة، وأعثر في البعرة، قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره. وقال أعرابي: لقد كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء، فيا خير مبدول ويا شر بدل. وقال أعرابي:
إذا الرجال ولدت أولادها ... وجعلت أسقامها تعتادها
واضطربت من كبر أعضادها ... فهي زروع قد دنا حصادها
وذكر أعرابي قطيعة بعض إخوانه، فقال: صفرت عياب الود بعد امتلائها، واكفهرت وجوه كانت بمائها، فأدبر ما كان مقبلا، وأقبل ما كان مدبرا. وذكر أعرابي منزلا باد أهله، فقال: منزل والله رحلت عنه ربات الخدور، وأقامت فيه أثافي القدر، وقد اكتسى بالنبات، كأنه ألبس الحلل. وكان أهله يعفون فيه آثار الرياح، فأصبحت الريح تعفو أثارهم، فالعهد قريب، والملتقى بعيد. وذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم، فقال أعين والله كحلت بالعبرة بعد الحبرة، وأنفس لبست الحزن بعد السرور. وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم، فقال: كانوا والله في عيش رقيق الحواشي فطواه الدهر بعد سعة، حتى يبست أبدانهم من القر، ولم أر صاحبا أغر من الدنيا، ولا ظالما أغشم من الموت، ومن عصف به الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه. وقف إعرابي على دار قد باد أهلها، فقال: دار والله معتصرة للدموع، حطت بها السحاب أثقالها، وجرت بها الرياح أذيالها. وذكر أعرابي رجلا تغيرت حاله، فقال: طويت صحيفته، وذهب رزقه، فالبلاء مسرع إليه، والعيش عنه قابض كفيه. وذكر أعرابي رجلا ضاق عيشه بعد سعة، فقال: كان والله في ظل عيش ممدود، فقدحت عليه من الدهر يد غير كابية الزند.
الأصمعي قال: أنشدني العقيلي لأعرابية ترثي ابنها:
ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفين من قنا ونصال
في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال
كنت أخبؤك لاعتداء يد الده ... ر ولم تخطر المنون ببالي
وقال أعرابي يرثي ابنه عند دفنه:
دفنت بكفي بعض نفسي فأصبحت ... وللنفس منها دافن ودفين
وقال أعرابي: إن الدنيا تنطق بغير لسان، فتخبر عما يكون بما قد كان. خرج أعرابي هاربا من الطاعون، فبينا هو سائر إذا لدغته أفعى فمات، فقال فيه أبوه:
طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك
والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك

(1/425)

كل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
وذكر أعرابي بلدا، فقال: بلد كالترس ما تمشي فيه الرياح إلا عابرات سبيل، ولا يمر فيها السفر إلا بأدل دليل.
قولهم في الإستطعام
قدم أعرابي من بني كنانة على معن بن زائدة وهو باليمن، فقال: إني والله ما أعرف سببا بعد الإسلام والرحم أقوى من رحلة مثلى من أهل السن والحسب إليك من بلاده بلا سبب ولا وسيلة إلا دعاءك إلى المكارم، ورغبتك في المعروف، فإن رأيت أن تضعني من نفسك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل. فوصله وأحسن إليه. الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: وقف أعرابي على قوم، فقال: إنا - رحمكم الله - أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وفلال سنة، رحم الله امرأ أعطى عن سعة، وواسى من كفاف. فأعطاه رجل درهما، فقال: آجرك الله من غير أن يبتليك. ووقف أعرابي بقوم، فقال: يا قوم تتابعت علينا سنون جماد شداد، لم يكن للسماء فيها رجع، ولا للأرض فيها صدع، فنصب العد، ونشف الوشل، وأمحل الخصب، وكلح الجدب، وشف المال، وكسف البال، وشظف المعاش، وذهبت الرياش، وطرحتني الأيام إليكم غريب الدار، نائي المحل، ليس لي ما لم أرجع إليه، ولا عشيرة ألحق بها، فرحم الله امرأ رحم اغترابي، وجعل المعروف جوابي.
خرج المهدي يطوف بعد هدأة من الليل، فسمع أعرابية من جانب المسجد، وهي تقول: قوم معوزون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون، باد رجالهم، وذهبت أموالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية رسوله، فهل من أمر بخير، كلأه الله في سفره، وخلفه في أهله. فأمر نصيرا الخادم فدفع إليها خمسمائة درهم. الأصمعي قال: أغير على إبل خزيمة، فركب بحيرة، فقيل له: أتركب حراما؟ قال: يركب الحرام من لا حلال له. وقال أعرابي:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
أبو الحسن قال: اعترض أعرابي لعتبة بن أبي سفيان وهو على مكة؛ فقال: أيها الخليفة، قال: لست به ولم تبعد؛ قال: فيا أخاه؛ قال: أسمعت فقل، قال: شك من بني عامر يتقرب إليك بالعمومة ويختص بالخئولة، ويشكو إليك كثرة العيال، ووطأة الزمان، وشدة فقر، وترادف ضر، وعندك ما يسعه ويصرف عنه بؤسه. فقال عتبة، أستغفر الله منك، وأستعينه عليك، قد أمرنا لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك.
وسأل أعرابي فقال: رحم الله مسلما لم تمج أذناه كلامي، وقدم لنفسه معاذا من سوء، مقامي، فإن البلاد مجدبة، والدار مضيعة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والعدم عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين، فرحم الله آمرا بمير وداعيا بخير. فقال له بعض القوم: ممن الرجل؟ فقال: ممن لا تنفعكم مغرفته، ولا تضركم جهالته، ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب. العتبي قال: قدم علينا أعرابي في فشاش قد أطردت اللصاص إبله، فجمعت له شيئا من أهل المسجد، فلما دفعت إليه الدراهم أنشأ يقول:
لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماته أعداء ذوي إحن
ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن أمرا قضاه الله لم يكن
أخذ هذا المعنى بعض المحدثين فقال:
لولا شماتة أعداء ذوي حسد ... وأن أنال بنفعى من يرجيني
لما خطبت إلى الدنيا مطالبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني
لكن منافسة الأكفاء تحملني ... على أمور أراها سوف ترديني
وقد خشيت بأن أبقى بمنزلة ... لا دين عندي ولا دنيا تواتيني
العتبى قال: دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسرى، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 9:38 pm

أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهر ألقى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: أرسلوك وانتظروا! والله لا تجلس حتى تعود إليهم بما يسرهم، فأمر له بأربعة أبعرة موقورة برا وتمرا، وخلع عليه. الشيباني قال: أقبل أعرابي إلى مالك بن طوق، فأقام بالرحبة حينا، وكان الأعرابي من بني أسد، صعلوكا في عباءة صوف وشملة شعر، فكلما أراد الدخول منعه الحجاب، وشتمه العبيد، وضربه الأشراط، فلما كان في بعض الأيام خرج مالك بن طوق يريد التنزه حول الرحبة، فعارضه الأعرابي، فضربوه، ومنعوه، فلم يثنه ذلك حتى أخذ بعنان فرسه، ثم قال: أيها الأمير، إني عائذ بالله من أشراطك هؤلاء؛ فقال مالك: دعوا الأعرابي، هل من حاجة يا أعرابي؟ قال: نعم أصلح الله الأمير، أن تصغي إلي بسمعك، وتنظر إلي بطرفك، وتقبل إلي بوجهك؛ قال: نعم، فأنشأ الأعرابي يقول:
ببابك دون الناس أنزلت حاجتي ... وأقبلت أسعى حوله وأطوف
ويمنعني الحجاب والستر مسبل ... وأنت بعيد والشروط صفوف
يدورون حولي في الجلوس كأنهم ... ذئاب جياع بينهن خروف
فأما وقد أبصرت وجهك مقبلا ... فأصرف عنه إنني لضعيف
وما لي من الدنيا سواك ولا لمن ... تركت ورائي مربع ومصيف
وقد علم الحيان قيس وخندف ... ومن هو فيها نازل وحليف
تخطي أعناق الملوك ورحلتي ... إليك وقد أخنت علي صروف
فجئتك أبغي اليسر منك فمر بي ... ببابك من ضرب العبيد صنوف
فلا تجعلن في نحو بابل عودة ... فقلبي من ضرب الشروط محوف
فاستضحك مالك حتى كاد أن يسقط عن فرسه، ثم قالت لمن حوله: من يعطيه درهما بدرهمين، وثوبا بثوبين؟ فوقعت عليه الثياب والدراهم من كل جانب، حتى تحير الأعرابي، ثم قال له: هل بقيت لك حاجة يا أعرابي؟ قال: أما إليك فلا؛ قال: فإلى من؟ قال: إلى الله أن يبقيك للعرب، فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها.

(1/427)

دخل أعرابي على هشام بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، أتت علينا ثلاثة أعوام: فعام أذاب الشحم، وعام أكل اللحم، وعام انتقى العظم، وعندكم أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن للناس فلم تحجب عنهم؟ وإن تكن لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. قال هشام: هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟ قال: ما ضربت إليك أكباد الإبل أدرع الهجير، وأخوض الدجا لخاص دون عام، ولا خير في خير لا يعم، فأمر له هشام بأموال فرقت في الناس، وأمر للأعرابي بمال فرقه في قومه. طلب أعرابي من رجل حاجة فوعده قضاءها، فقال الأعرابي: إن من وعد قضى الحاجة وإن كثرت، والمطل من غير عسر آفة الجود. وقال: أتي أعرابي رجلا لم تكن بينهما حرمة في حاجة له، فقال: إني امتطيت إليك الرجاء، وسرت على الأمل، ووفدت بالشكر، وتوصلت بحسن الظن فحقق الأمل، وأحسن المنزلة، وأكرم القصد، وأتم الود، وعجل المراد. وقف أعرابي على حلقة يونس النحوي، فقال: الحمد لله، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، إنا أناس قدمنا هذه المدينة، ثلاثون رجلا لا ندفن ميتا، ولا نتحول من منزل وإن كرهنا، فرحم الله عبدا تصدق على ابن سبيل، ونضو طريق، وفل سنة، فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت. يقول الله عز وجل: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا. إن الله لا يستقرض من عوز، ولكن ليبلو خيار عباده. وقف أعرابي في شهر رمضان على قوم، فقال: يا قوم، لقد ختمت هذه الفريضة على أفواهنا من صبح أمس، ومعي بنتان لي والله ما علمتهما تخلتا بخلال، فهل رجل كريم يرحم اليوم ذلنا، وبرد حشاشتنا، منعه الله أن يقوم مقامنا، فإنه مقام ذل وعار وصغار. فافترق القوم ولم يعطوه شيئا، فالتفت إليهم حتى تأملهم جميعا، ثم قال: أشد والله علي من سوء حالي وفاقتي توهمي فيكم المواساة، انتعلوا الطريق لا صحبكم الله. الأصمعي قال: وقف أعرابي علينا، فقال: يا قوم تتابعت علينا سنون بتغيير وإنتقاص، فما تركت لنا هبعا ولا ربعا، ولا عافطة ولا نافطة، ولا ثاغية ولا راغية، فأماتت الزرع، وقتلت الضرع، وعندكم من مال الله فضل نعمة، فأعينوني من عطية لله إياكم، وأرحموا أبا أيتام، ونضو زمان، فلقد خلفت أقواما ما يمرضون مريضهم، ولا يكفنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزل إلى منزل، وإن كرهوه. ولقد مشيت حتى انتعلت الدماء، وجعت حتى أكلت النوى. الأصمعي قال: وقفت أعرابية من هوازن على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فقالت: إني أتيت من أرض شاسعة، تهبطني هابطة، وترفعني رافعة، في بواد برين لحمي، وهضن عظمي، وتركنني والهة قد ضاق بي البلد بعد الأهل والولد وكثرة من العدد، لا قرابة تؤويني، ولا عشيرة تحمين، فسألت أحياء العرب: المرتجى سيبه، المأمون غيبه، الكثير نائله، المكفي سائله، فدللت عليك، وأنا امرأة هوازن فقدت الولد والوالد، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث: إما أن تحسن صفدي، وإما أن تقيم أودي، وإما أن تردني إلى بلدي، قال: بل أجمعهن لك. ففعل ذلك بها أجمع، وقال أعرابي:
يا عمر الخير رزقت الجنة ... اكس بنياتي وأمهنه
وكن لنا من الرمان جنة ... واردد علينا إن إن إنه
أقسمت بالله لتفعلنه

(1/428)

الأصمعي قال: وقفت أعرابية بقوم فقالت: يا قوم، سنة جردت، وأيد جمدت، وحال جهدت، فهل من فاعل خير، وآمر بمير، رحم الله من رحم، وأقرض من يقرض. الأصمعي قال: أصابت الأعراب أعوام جدبة وشدة وجهد، فدخلت طائفة منهم البصرة، وبين أيديهم أعرابي وهو يقول: أيها الناس، إخوانكم في الدين وشركاؤكم في الإسلام، عابرو سبيل، وفلال بؤس، وصرعى جدب، تتابعت علينا سنون ثلاث غيرت النعم، وأهكت النعم، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها، فلم نزل نعلل بذلك أنفسنا، ونمني بالغيث قلوبنا، حتى عاد مخنا عظاما، وعاد إشراقنا ظلاما، وأقبلنا إليكم يصرعنا الوعر، وينكبنا السهل، وهذه آثار مصائبنا، لائحة في سماتنا، فرحم الله متصدقا من كثير، ومواسيا من قليل، فلقد عظمت الحاجة، وكسف البال، وبلغ المجهود، والله يجزي المتصدقين. الأصمعي قال: كنت في حلقة بالبصرة إذ وقف علينا أعرابي سائلا، فقال: أيها الناس، إن الفقر يهتك الحجاب، ويبرز الكعاب، وقد حملتنا سنو المصائب ونكبات الدهور على مركبها الوعر، فواسوا أيا أيتام، ونضو زمان، وطريد فاقة، وطريح هلكة، رحمكم الله. أتي أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال: رجل من أهل البادية ساقته إليك الحاجة، وبلغت به الغاية، والله سائلك عن مقامي هذا. فقال عمر: ما سمعت أبلغ من قائل، ولا أوعظ لمقول له من كلامك هذا. سمع عدي بن حاتم رجلا من الأعراب وهو يقول: يا قوم، تصدقوا على شيخ معيل، وعابر سبيل، شهد له ظاهره، وسمع شكواه خالقه، بدنه مطلوب، وثوبه مسلوب؟ فقال له: من أنت؟ قال: رجل من بني سعد سعى في دية لزمتني؛؟ قال: فكم هي؟ قال: مائة بعير؛ قال: دونكها في بطن الوادي. سأل أعرابي رجلا، فأعطاه، فقال: جعل الله للمعروف إليك سبيلا، وللخير عليك دليلا، ولا جعل حظ السائل منك عذرة صادقة. وقف أعرابي بقوم فقال: أشكو إليكم أيها الملأ زمانا كلح لي وجهه، وأناخ علي كلكله، بعد نعمة من البال، وثروة من المال، وغبطة من الحال، اعتورتني شدائده بنبل مصائبه، عن قسي نوائبه، فما ترك لي ثاغية أجتدى ضرعها، ولا راغية أرتجى نفعها، فهل فيكم من معين على صرفة، أو معد على حيفه؛ فرده القوم ولم ينيلوه شيئا. فأنشأ يقول:
قد ضاع من. يأمل من أمثالكم ... جودا وليس الجود من فعالكم
لا بارك الله لكم في مالكم ... ولا أزاح السوء عن عيالكم
فالفقر خير من صلاح حالكم
الأصمعي قال: سأل أعرابي، فلم يعط شيئا، فرفع يديه إلى السماء وقال:
يا رب أنت ثقتي وذخري ... لصبية مثل صغار الذر
جاءهم البرد وهم بشر ... بغير لحف وبغير أزر
كأنهم خنافس في جحر ... تراهم بعد صلاة العصر
وكلهم ملتصق بصدري ... فاسمع دعائي وتول أجري
سأل أعرابي ومعه ابنتان له، فلم يعط شيئا، فأنشأ يقول:
أيا ابنتي صابرا أباكما ... إنكما بعين من يراكما
الله مولاي وهو مولاكما ... فأخلصا لله من نجواكما
تضرعا لا تذخرا بكاكما ... لعله يرحم من أواكما
إن تبكيا فالدهر قد أبكاكما

(1/429)

العتبي قال: كانت الأعراب تنتجع هشام بن عبد الملك بالخطب كل عام، فتقدم إليهم الحاجب يأمرهم بالإيجاز، فقام أعرابي فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الله تبارك وتعالى جعل العطاء محبة، والمنع مبغضة، فلأن نحبك خير من أن نبغضك. فأعطاه وأجزل له. الأصمعي قال: وقف أعرابي غنوي على قوم، فقال بعد التسليم: أيها الناس، ذهب النيل، وعجف الحيل، وبخس الكيل، فمن يرحم نضو سفر وفل سنة، ويقرض الله قرضا حسنا. لا يستقرض الله من عدم ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، ثم أنشأ يقول:
هل من فتى مقتدر معين ... على فقير بائس مسكين
أبي بنات وأبي بنين ... جزاه ربي بالذي يعطيني
أفضل ما يجزي به ذو الدين
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول لرجل: أطعمك الله الذي أطعمتني له، فقد أحييتني بقتل جوعي، ودفعت عنى سوء ظني بيومي، فحفظك الله على كل جنب، وفرج عنك كل كرب، وغفر لك كل ذنب. وسأل أعرابي رجلا فاعتل عليه، فقال: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا. وقال أعرابي للمأمون:
قل للإمام الذي ترجى فضائله ... رأس الأنام وما الأذناب كالراس
إني أعوذ بهارون وخفرته ... وبابن عم رسول الله عباس
من أن تشد رحال العيس راجعة إلى ... اليمامة بالحرمان والياس
الأصمعي قال: أصابت الأعراب مجاعة، فمررت برجل منهم قاعد مع زوجته بقارعة الطريق وهو يقول:
يا رب إني قاعد كما ترى ... وزوجتي قاعدة كما ترى
والبطن مني جائع كما ترى ... فما ترى يا ربنا فيما ترى
الأصمعي قال: حدثني بعض الأعراب قال: أصابتنا سنة وعندنا رجل من غني وله كلب، فجعل كلبه يعوي جوعا فأنشأ يقول:
تشكى إلي الكلب شدة جوعه ... وبي مثل ما بالكلب أو بي أكثر
فقلت لعل الله يأتي بغيثه ... فيضحي كلانا قاعدا يتكبر
كأني أمير المؤمنين من الغنى ... وأنت من النعمى كأنك جعفر
الأصمعي قال: سأل أعرابي رجلا يقال له عمرو، فأعطاه درهمين، فردهما عليه وقال:
تركت لعمرو درهميه ولم يكن ... ليغني عني فاقتي درهما عمرو
وقلت لعمرو خذهما فاصطرفهما ... سريعين في نقص المروءة والأجر
أبو الحسن قال: وقف علينا أعرابي، فقال: أخ في كتاب الله، وجار في بلاد الله، وطالب خير من رزق الله، فهل فيكم من مواس في الله؟ الأصمعي قال: ضجر أعرابي بكثرة العيال والولد وبلغه أن الوباء بخيبر شديد فخرج إليها يعرضهم للموت، وأنشأ يقول:
قلت لحمى خيبر استعدي ... هاك عيالي فاجهدي وجدي
وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذي الجند
فأخذته الحمى، فمات هو وبقي عياله. سأل أعرابي شيخا من بني مروان وحوله قوم جلوس، فقال: أصابتنا سنة ولي بضيم عشرة بنتا فقال الشيخ: أما السنة فوددت والله أن بينكم وبين السماء صفائح من حديد، ويكون مسيلها مما يلي البحر فلا تقطر عليكم قطرة، وأما البنات فليت الله أضعفهن لك أضعافا كثيرة، وجعلك بينهن مقطوع اليدين والرجلين ليس لهن كاسب غيرك؛ قال: فنظر إليه الأعرابي ثم قال: والله ما أدري ما أقول لك، ولكن أراك قبيح المنظر، سيء الخلق، فأعضك الله ببظور أمهات هؤلاء الجلوس حولك. وقف أعرابي على رجل شيخ من أهل الطائف، فذكر له سنة، وسأله، فقال: وددت والله أن الأرض لا تنبت شيئا؛ قال: ذلك أيبس لجعر أمك في آستها.
قولهم في المواعظ والزهد

(1/430)

أبو حاتم عن الأصمعي، قال: دخل أعرابي على هشام بن عبد الملك، فقال له: عظني يا أعرابي، فقال: كفى بالقرآن واعظا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم " ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمي " ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذا جزاء من يطفف في الكيل والميزان، فما ظنك بمن أخذه كله. وقال أعرابي لأخيه: يا أخي، أنت طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، فكأن ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، فأمهد لنفسك، وأعد زادك، وخذ في جهازك. ووعظ أعرابي أخا له أفسد ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، ولا الشيب يزجرك، والساعات تحصى عليك، والأنفاس تعد منك، والمنايا تقاد إليك، وأحب الأمور إليك أعودها بالمضرة عليك. وقيل لأعرابي: ما لك لا تشرب النبيذ؟ قال: لثلاث خلال فيه، لأنه متلف للمال، مذهب للعقل، مسقط للمروءة. وقال أعرابي لرجل: أي أخي، إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنى فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم، واعلم أن المؤمن على خير، ترحب به الأرض، وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه في بطنها، وقد أحسن على ظهرها. وقال أعرابي: الدراهم مياسم تسم حمدا أو ذما، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، ما كان من أعطى مالا أعطي حمدا، ولا كل عديم ذميم. أخذ هذا المعنى الشاعر فقال:
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك

(1/431)

وهذا نظير قول ابن عباس، ونظر إلى درهم في يد رجل، فقال: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك. وقال أعرابي لأخ له: يا أخي، إن مالك إن لم يكن لك كنت له، وإن لم تفنه أفناك فكله قبل أن يأكلك. وقال أعرابي: مضى لنا سلف، أهل تواصل، اعتقدوا مننا، واتخذوا الأيادي ذخيرة لمن بعدهم، يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا لازما، وإظهار البر واجبا، ثم جاء الزمان ببنين اتخذوا مننهم بضاعة، وبرهم مرابحة، وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة، كنقد السوق خذ مني وهات. وقال أعرابي لولده: يا بني، لا تكن رأسا ولا تكن، ذنبا، فإن كنت رأسا فتهيأ للنطاح، وإن كنت ذنبا فتهيأ للنكاح. قال: وسمعت أعرابيا يقول لابن عمه: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على شك، ومن الآخر على يقين، ولكن ليتم المعروف مني إليك، ولتقوم الحجة لي عليك. قال: وسمعت أعرابيا يقول: إن الموفق من ترك أرفق الحالات به لأصلحها لدينه نظرا لنفسه إذا لم تنظر نفسه لها. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما اخلفوا، وكم من ميتة علتها طلب الحياة، وكم من حياة سببها التعرض للموت. وقال أعرابي: إن الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب غر من رآه، وأخلف من رجاه. وقال أعرابي: لا تسأل من يفر من أن تسأله ولكن سل من أمرك أن تسأله، وهو الله تعالى. وقيل لأعرابي في مرضه: ما تشتكي؟ قال: تمام العدة، وانقضاء المدة. ونظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضر، فقال: يا هذا، أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وقالت أعرابية لابنها: يا بني، إن سؤالك الناس ما في أيديهم من أشد الإفتقار إليهم، ومن افتقرت إليه هنت عليه، ولا تزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب، فإذا ألحت عليك الحاجة ولزمك سوء الحال، فأجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسئول، فإنه يغني السائل ويكفي العائل. وقالت أعرابية توصي ابنا لها أراد سفرا: يا بني، عليك بتقوى الله، فإنها أجدى عليك من كثير عقلك، وإياك والنمائم، فإنها تورث الضغائن، وتفرق بين المحبين، ومثل لنفسك مثالا تستحسنه من غيرك فاحذ عليه واتخذه إماما واعلم أنه من جمع بين السخاء والحياء، فقد أجاد الحلة إزارها ورداءها. قال الأصمعي: لا تكون الحلة إلا ثوبين: إزارا ورداء. أنشد الحسن لأعرابي كان يطوف بأمه على عاتقه حول الكعبة:
إن تركبي على قذالي فاركبي ... فطالما حملتني وسرت بي
في بطنك المطهر المطيب ... كم بين هذاك وهذا المركب
وأنشد لآخر كان يطوف بأمه:
ما حج عبد حجة بأمه ... فكان فيها منفقا من كده إلا استتم الأجر

(1/432)

عند ربه وقال: وسمعت أعرابيا يقول: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرض للآفات. ولقد عجبت من المؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله وأظمأ له نهاره. وذكر أهل السلطان عند أعرابي فقال: أما والله لئن عزوا في الدنيا بالجور فقد ذلوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل فإن عوضا عن كثير باق، وإنما تزل القدم حيث لا ينفع الندم. ووصف أعرابي الدنيا، فقال: هي رنقة المشارب، جمة المصائب، لا تمتعك الدهر بصاحب. وقال أعرابي: من كانت مطيتاه الليل والنهار سارا به وإن لم يسر، وبلغا به وإن لم يبلغ. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة، والزهادة في الآخرة مفتاح الرغبة في الدنيا. وقيل لأعرابي وقد مرض: إنك تموت، قال: وإذا مت فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله، قال: فما كراهتي أن يذهب بي إلى من لم أر الخير إلا منه. وقال أعرابي: من خاف الموت بادر الفوت، ومن لم ينح النفس عن الشهوات أسرعت به إلى الهلكات، والجنة والنار أمامك. وقال أعرابي لصاحب له: والله لئن هملجت إلى الباطل إنك لعطوف عن الحق، ولئن أبطأت ليسر عن إليك، وقد خسر أقوام وهم يظنون أنهم رابحون، فلا تغرنك الدنيا فإن الآخرة من ورائك. وقال أعرابي: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة، وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت. وقال أعرابي: حسبك من فساد أنك ترى أسنمة توضع، وأخفافا ترفع، والخير يطلب عند غير أهله، والفقير قد حل غير محله. وقدم أعرابي إلى السلطان، فقال له: قل الحق وإلا أوجعتك ضربا؛؟ قال له: وأنت فاعمل به، فوالله لما أوعدك الله على تركه أعظم مما توعدني به. وقيل لأعرابي: من أحق الناس بالرحمة؟ قال: الكريم يسلط عليه اللئيم، والعاقل يسلط عليه الجاهل. وقيل له: أي الداعين أحق بالإجابة؟ قال: المظلوم الذي لا ناصر له إلا الله قيل له: فأي الناس أغنى عن الناس؟ قال: من أفرد الله بحاجته. ونظر عثمان إلى أعرابي في شملة، غائر العينين، مشرف الحاجبين، ناتيء الجبهة، فقال له: يا أعرابي. أين ربك؟ قال: بالمرصاد. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: إذا أشكل عليك أمران فانظر أيهما أقرب من هواك فخالفه، فإن أكثر ما يكون الخطأ عليك مع متابعة الهوى. قال: وسمعت أعرابيا يقول: من نتج الخير أنتج له فراخا تطير بأجنحة السرور، ومن غرس الشر أنبت له نباتا مرا مذاقه، قضبانه الغيظ وثمرته الندم. وقال أعرابي: الهوى عاجله لذيذ، وأجله وخيم. وقيل لأعرابي: إنك لحسن الشارة؛ قال: ذلك عنوان نعمة الله عندي. قال الأصمعي: ورأيت أعرابيا أمامه شاء، فقلت له، لمن هذا الشاء؟ قال: هي لله عندي. وقيل؛ لأعرابي: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. وقال أعرابي: من كساه الحياء ثوبه، خفي على الناس عيبه. وقال: بئس الزاد التعدي على العباد. وقال: التلطف بالحيلة أنفع من الوسيلة. وقال: من ثقل على صديقه خف على عدوه، ومن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون. قال: وسمعت أعرابيا يقول لابنه وهو يعاتبه: لا تتوهمن على من يستدلى على غائب الأمور يشاهدها الغفلة عن أمور يعاينها فتكون بنفسك بدأت وحظك أخطأت. ونظر أعرابي إلى رجل حسن الوجه بضه، فقال: إني أرى وجها ما علقه برد وضوء السحر، ولا هو بالذي قال فيه الشاعر:
من كل مجتهد يرى أوصاله ... صوم النهار وسجدة الأسحار
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا ينشد:
وإذا أظهرت أمرا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر
فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر مرسوم بشر

(1/433)

وقول الأعرابي هذا على ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسر امرؤ سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال: وأنشدني أعرابي:
وما هذه الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
فإنك لا تدري بأية بلدة ... تموت ولا ما يحدث الله في غد
يقولون لا تبعد ومن يك مسدلا ... على وجهه ستر من الأرض يبعد
وقال أعرابي: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم. وقال أعرابي لإبنه: لا يسرك أن تغلب بالشر، فإن الغالب بالشر هو المغلوب. وقال أعرابي لأخ له: لقد نهيتك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه، فإن حظك من عطيته السؤال. قال: وسمعت أعرابيا يقول: إن حب الخير خير وإن عجزت عنه المقدرة، وبغض الشر خير وإن فعلت أكثره. وشهد أعرابي عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: يا أعرابي: إن ميداننا لا يجري من العتاق، فيه إلا الجياد؛ قال: لئن كشفت عني لتجدني عثورا فسأل عنه سوار فأخبر بفضل وصلاح، فقال له: يا أعرابي، إنك ممن يجري في ميداننا؛ قال: ذلك بستر الله. وقال أعرابي: والله لولا أن المروءة ثقيل محملها، شديدة مؤونتها، ما ترك اللئام للكرام شيئا. احتضر أعرابي، فقال له بنوه: عظنا يا أبانا؛ فقال: عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليك، وإن متم بكوا عليكم. ودخل أعرابي على بعض الملوك في شملة شعر، فلما رآه أعرض عنه، فقال له: إن الشملة لا تكلمك هانما يكلمك من هو فيها. ومر أعرابي بقوم يدفنون جارية، فقال: نعم الصهر ما صاهرتم، وأنشد:
وفي الأعياص أكفاء لليلى ... وفي لحد لها كفء كريم
وقال أعرابي: رب رجل سره منشور على لسانه، وآخر قد التحف عليه قلبه التحاف الجناح على الخوافي. ومر أعرابيان برجل صلبه بعض الخلفاء، فقال أحدهما: أنبتته الطاعة وحصدته المعصية. وقال الآخر: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالجذع راحلته. العتبي عن زيد بن عمارة قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه وهو يبتني منزلا: يا أخي
أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك
واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك
واطلب الفوز بعيش الز ... هد من طول حياتك
ثم أطرق حينا ورفع رأسه وهو يقول:
قائد الغفلة الأمل ... والهوى قائد الزلل
قتل الجهل أهله ... ونجا كل من عقل
فاغتنم دولة السلا ... مة واستانف العمل
أيها المبتني القصو ... ر وقد شاب واكتهل
أخبر الشيب عنك أن ... ك في آخر الأجل
فعلام الوقوف في ... عرصة العجز والكسل
أنت في منزل إذا ... حله نازل رحل
منزل لم يزل يضي ... ق وينبو بمن نزل
فتأهب لرحلة ... ليس يسعى بها جمل
رحلة لم تزل على الدهر ... مكروهة القفل

(1/434)

وقيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال: ما جوفي له إلا قبر. وقال أعرابي: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل، ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه. وقال أعرابي: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور. وسئل أعرابي عن القدر فقال: الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، يعرف ضوءها ولا يقف على حدودها. وسئل آخر عن القدر، فقال: علم اختصمت فيه العقول، وتقاول فيه المختلفون، وحق علينا أن نردما التبس علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه. وقال أعرابي: تكوير الليل والنهار، لا تبقى عليه الأعمار، ولا لأحد فيه الخيار. أبو حاتم عن الأصمعي قال: خرج الحجاج ذات يوم فأصحر، وحضر غداؤه، فقال: اطلبوا من يتغدى معنا، فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيا في شملة فأتوه به؛ فقال له: هلم؛ قال له: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته؛ قال: ومن هو؟ قال: الله تبارك وتعالى، دعاني إلى الصيام فأنا صائم؛ قال: صوم في مثل هذا اليوم على حر؛ قال: صمت ليوم هو أحر منه؛ قال: فأفطر اليوم وصم غدا؛ قال: ويضمن لي الأمير أن أعيش إلى غد؛ قال: ليس ذلك إلي؛ قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل ليس إليه سبيل؛ قال: طعام طيب، قال: والله ما طيبه خبازك ولا طباخك، ولكن طيبته العافية؛ قال الحجاج: تالله ما رأيت كاليوم، أخرجوه عني. أبو الفضل الرياشي قال: أنشدنا أعرابي:
أباكية رزينة أن أتاها ... نعي أم يكون لها اصطبار
إذا ما أهل ودي ودعوني ... وراحوا والأكف بها غبار
وغودر أعظمي في لحد قبر ... تعاوره الجنائب والقطار
تظل الريح عاصفة عليه ... ويرعى حوله اللهق النوار
فذاك النأي لا الهجران حولا ... وحولا ثم تجتمع الديار
وهذا نظير قول ليلى الأخيلية:
لعمرك ما الهجران أن تشحط النوى ... ولكنما الهجران ما غيب القبر
ونظير قول الخنساء:
حسب الخليلين كون الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها رمما
وأنشد لآخر:
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
الرياشي، قال: مر عمر بن الخطاب بالجبانة، فإذا هو بأعرابي فقال له: ما تصنع هنا يا أعرابي في هذه الديار الموحشة؟ قال: وديعة لي هاهنا يا أمير المؤمنين، قال: ما وديعتك؟ قال: بني لي دفنته، فأنا أخرج إليه كل يوم أندبه؛ قال: فاندبه حتى أسمع، فأنشأ يقول:
يا غائبا ما يؤوب من سفره ... عاجله موته على صغره
يا قرة العين كأسا كنت لي سكنا ... في طول ليلي نعم وفي قصره
شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بد يوما له على كبره
يشربها والأنام كلهم ... من كان في بدوه وفي حضره
فالحمد لله لا شريك له ... الموت في حكمه وفي قدره
قد قسم العمر في العباد فما ... يقدر خلق يزيد في عمره
قولهم في المدح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 9:40 pm

ذكر أعرابي قوما عبادا، فقال: تركوا والله النعيم ليتنعموا، لهم عبرات متدافعة، وزفرات متتابعة، لا تراهم إلا في وجه وجيه عند الله. وذكر أعرابي قوما، فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، فلم تغرهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم، فذلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالوجد، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال. وسئل أعرابي عن قومه، فقالت: كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها، فرب يوم عارم قد أحسنوا أدبه، أو حرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، إنما قومي البحر ما ألقمته التقم. وذكر أعرابي قوما، فقال: ما رأيت أسرع إلى داع بليل على فرس حسيب وجمل نجيب منهم، ثم لا ينتظر الأول السابق الآخر اللاحق. وذكر أعرابي قوما، فقال: جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم، فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد، فيعطونها بطيبة أنفسهم إذا طلبت إليهم، ويباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بغي لديهم. وذكر أعرابي قوما، فقال: والله ما نالوا شيئا بأطراف أناملهم إلا وطئناه بأخماص أقدامنا، وإن أقصى همهم لأدنى فعالنا. وذكر أعرابي أميرا، فقال: إذا ولى لم يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم، شاهد معهم، فالمحسن راج، والمسيء خائف. ودخل أعرابي على رجل من الولاة، فقال: أصلح الله الأمير، اجعلني زماما من أزمتك لم التي تجر بها الأعداء، فإن مسعر حرب، وركاب نجب، شديد على الأعداء، لين على الأصدقاء، منطوي الحصيلة، قليل الثميلة، نومي غرار، قد غذتني الحرب بأفاويقها، وحلبت الدهر أشطره، ولا تمنعك عني الدمامة، فإن من تحتها شهامة. وذكر أعرابي رجلا ببراعة المنطق، فقال: كان والله بارع المنطق، جزل الألفاظ، عربي اللسان، فصيح البيان، رقيق حواشي الكلام، بليل الريق، قليل الحركات، ساكن الإشارات، وذكر أعرابي رجلا، فقال: رأيت رجلا له حلم وأناة، يحدثك الحديث على مقاطعه، وينشدك الشعر على مدارجه، فلا تسمع له لحنا ولا إحالة لعتبى قال: ذكر أعرابي قوما، فقال: آلت سيوفهم ألا تقضي دينا عليهم، ولا تضيع حقا لهم، فما اخذ منم مردود إليهم، وما أخذوا متروك لهم. ومدح أعرابي رجلا، فقال: ما رأيت عينا قط أخرق لظلمة الليل من عينه، ولحظة أشبه بلهيب النار من لحظته، له هزة كهزة السيف إذا طرب، وجرأة كجرأة الليث إذا غضب. ومدح أعرابي رجلا، فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين، لم أر أحدا أرثق لخلل الرأي منه، بعيد مسافة العقل ومراد الطرف، إنما يرمي بهمته حيث أشار إليه الكرم. ومدح أعرابي رجلا، فقال: ذاك والله فسيح النسب، مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته انتهى إليك بكرم فعال وحسن مقال. ومدح أعرابي رجلا فقال: كانت ظلمة ليله كضوء نهاره، آمرا بإرشاد، وناهيا عن فساد، لحديث السوء غير منقاد وقال أعرابي: إن فلانا خلقت، نعم للسانه قبل أن يخلق لسانه لها، فما تراه الدهر إلا وكأنه لا غنى له عنك، وإن كنت إليه أحوج، إذا أذنبت إليه غفر وكأنه المذنب، وإذا أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء. وذكر أعرابي رجلا، فقال: اشترى والله عرضه من الأذى، فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى بعدها عليه حقوقا، وكان منهاجا للأمور المشكلة إذا تناجز الناس باللائمة. ومدح أعرابي رجلا، فقال: كان والله يغسل من العار وجوها مسودة، ويفتح من الرأي عيونا منسدة. وذكر أعرابي رجلا، فقالت: ذاك والله ينفع سلمه، ولا يستمر ظلمه، إن قالت فعل، وإن ولي عدل. ومدح أعراب رجلا، فقال: ذاك والله يعنى في طلب المكارم، غير ضال في مسالك طرقها، ولا مشتغل عنها بغيرها. وذكر أعرابي رجلا، فقال: يسدد الكلمة إلى المعنى فتمرق مروق السهم من الرمية، فما أصاب قتل، وما أخطأ أشوى، وما عظعظ له سهم منذ تحرك لسانه في

(1/436)

فيه. وذكر أعرابي أخاه، فقال: كان والله ركوبا للأهوال، غير ألوف لربات الحجال إذا أرعد القوم من غير كر يهين نفسا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها. ومدح رجل رجلا، فقال: كان الألسن ريضت فما تنعقد إلا على وده، ولا تنطق إلا بثنائه. ومدح أعرابي رجلا، فقال؟ كان والله للإخاء وصولا؛ وللمال بذولا وكان الوفاء بهما عليه كفيلا، فمن فاضله كان مفضولا. وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: التباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير. ومدح أعرابي رجلا، فقال: يصم أذنيه عن استماع الخنا، ويخرس لسانه عن التكلم به، فهو الماء الشريب، والمصقع الخطيب. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ذاك رجال سبق إلي معروفه قبل طلبي إليه، فالعرض وافر، والوجه بمائه، وما استقل بنعمة إلا أثقلني بأخرى. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك رضيع الجود، والمفطوم به، عيي عن الفحشاء، معتصم بالتقوى، إذا خرست الألسن عن الرأي حذف بالصواب، كما يحذف الأريب، فإن طالت الغاية، ولم يكن من دونها نهاية، تمهل أمام القوم سابقا. وذكر أعرابي رجلا، فقال: إن جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء، والثمل على الغناء. وذكر أعرابي رجلا، فقال: كان له علم لا يخالطه جهل، وصدق لا يشوبه كذب، كأنه الوبل عند المحل. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ذاك والله من شجر لا يخلف ثمره، ومن بحر لا يخاف كدره. وذكر أعرابي رجلا، فقالت: ذاك والله فتى رباه الله بالخير ناشئا فأحسن لبسه، وزين به نفسه. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ما رأيت أعشق للمعروف منه، وما رأيت النكر أبغض لأحد منه. وقدم أعرابي البادية، وقد نال من بني برمك، فقيل له: كيف رأيتهم؟ قال: رأيتهم وقد أنست بهم النعمة كأنها من بناتهم. قال: وذكر أعرابي رجلا، فقال: مازال يبتني المجد، ويشتري الحمد، حتى بلغ منه الجهد. ودخل أعرابي على بعضيه. وذكر أعرابي أخاه، فقال: كان والله ركوبا للأهوال، غير ألوف لربات الحجال إذا أرعد القوم من غير كر يهين نفسا كريمة على قومها، غير مبقية لغد ما في يومها. ومدح رجل رجلا، فقال: كان الألسن ريضت فما تنعقد إلا على وده، ولا تنطق إلا بثنائه. ومدح أعرابي رجلا، فقال؟ كان والله للإخاء وصولا؛ وللمال بذولا وكان الوفاء بهما عليه كفيلا، فمن فاضله كان مفضولا. وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: التباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير. ومدح أعرابي رجلا، فقال: يصم أذنيه عن استماع الخنا، ويخرس لسانه عن التكلم به، فهو الماء الشريب، والمصقع الخطيب. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ذاك رجال سبق إلي معروفه قبل طلبي إليه، فالعرض وافر، والوجه بمائه، وما استقل بنعمة إلا أثقلني بأخرى. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذاك رضيع الجود، والمفطوم به، عيي عن الفحشاء، معتصم بالتقوى، إذا خرست الألسن عن الرأي حذف بالصواب، كما يحذف الأريب، فإن طالت الغاية، ولم يكن من دونها نهاية، تمهل أمام القوم سابقا. وذكر أعرابي رجلا، فقال: إن جليسه لطيب عشرته أطرب من الإبل على الحداء، والثمل على الغناء. وذكر أعرابي رجلا، فقال: كان له علم لا يخالطه جهل، وصدق لا يشوبه كذب، كأنه الوبل عند المحل. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ذاك والله من شجر لا يخلف ثمره، ومن بحر لا يخاف كدره. وذكر أعرابي رجلا، فقالت: ذاك والله فتى رباه الله بالخير ناشئا فأحسن لبسه، وزين به نفسه. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ما رأيت أعشق للمعروف منه، وما رأيت النكر أبغض لأحد منه. وقدم أعرابي البادية، وقد نال من بني برمك، فقيل له: كيف رأيتهم؟ قال: رأيتهم وقد أنست بهم النعمة كأنها من بناتهم. قال: وذكر أعرابي رجلا، فقال: مازال يبتني المجد، ويشتري الحمد، حتى بلغ منه الجهد. ودخل أعرابي على بعض

(1/437)

الملوك، فقال: إن جهلا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح، وإني والله ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك، ثم أنشد:
مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأن بابك مجمع الأسواق
حابوك أم هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشاق
وأنشد أعرابي في مثل هذا المعنى:
بنت المكارم وسط كفك بيتها ... فتلادها بك للصديق مباح
وإذا المكارم أغلقت أبوابها ... يوما فأنت لقفها مفتاح
وأنشد أعرابي في بني المهلب:
قدمت على آل المهلب شاتيا ... قصيا بعيد الدار في زمن المحل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي
وأنشد أعرابي:
كأنك في الكتاب وجدت لاء ... محرمة عليك فما تحل
وما تدري إذا أعطيت مالا ... أتكثر من سماحك أم تقل
إذا دخل الشتاء فأنت شمس ... وإن دخل المصيف فأنت ظل
وقال أعرابي في مدح عمر بن عبد العزيز:
مقابل الأعراق في الطاب الطاب ... بين أبي العاص وآل الخطاب
وأنشد أعرابي:
لنا جواد أعار النيل نائله ... فالنيل يشكر منه كثرة النيل
إن بارز الشمس ألفي الشمس مظلمة ... أو أزحم الصم ألجاها إلى الميل
أهدى من النجم إن نابته مشكلة ... وعند إمضائه أمضي من السيل
والموت يرهب أن يلقى منيته ... في شده عند لف الخيل بالخيل
قولهم في الذم
الأصمعي: قال: ذكر أعرابي قوما، فقال: أولئك سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت وجوههم باللؤم، لباسهم في الدنيا الملامة، وزادهم إلى الآخرة الندامة. قال: وذكر أعرابي قوما فقال: لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق ولا وسائد، فصح الأسن برد السائل، جعد الأكف عن النائل. قال: وسمعت أعرابيا يقول: لقد صغر فلانا في عيني عظم الدنيا في عينه، وكأنما يرى السائل إذا أتاه ملك الموت إذا رآه وسئل أعرابي عن رجل، فقال: ما ظنكم بسكير لا يفيق، يتهم الصديق، ويعصي الشفيق في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه،ولو نزلت لعنة من السماء لم تقع إلا عليه. وذكر أعرابي قوما فقال: أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم جرما إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء. وذكر أعرابي رجلا، فقال: إن فلانا ليعدي بإثمه من تسمى باسمه، ولئن خيبني فلرب قافية قد ضاعت في طلب رجل كريم. وذكر أعرابي رجلا فقال: تغدو إليه مواكب الضلالة فترجع من عنده ببدور الآثام، معدم مما تحب، مثر مما تكره، وصاحب السوء قطعة من النار. وقال أعرابي لرجل: أنت والله ممن إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوف، وإذا حدث حلف، وإذا وعد أخلف، تنظر نظر حسود، وتعرض إعراض حقود. وسافر أعرابي إلى رجل فحرمه، فقال لما سئل عن سفره: ما ربحنا في سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا، فأما الذي لقينا من الهواجر، ولقيت منا الأباعر، فعقوبة لنا فيما أفسدنا من حسن ظننا، ثم أنشأ يقول:
رجعنا سالمين كما خرجنا ... وما خابت سرية سالمينا
وقال أعرابي يهجو رجلا:
ولما رأيتك لا فاجرا ... قويا ولا أنت بالزاهد
ولا أنت بالرجل المتقي ... ولا أنت بالرجل العابد
عرضتك في السوق سوق الرقيق ... وناديت هل فيك من زائد
على رجل خائن للصديق ... كفور بأنعمه جاحد
فما جاءني رجل واحد ... يزيد على درهم واحد

(1/438)

سوى رجل زادني دانقا ... ولم يك في ذاك بالجاهد
فبعتك منه بلا شاهد ... مخافة ردك بالشاهد
وأبت إلى منزلي غانما ... وحل البلاء على الناقد
وذكر أعرابي رجلا فقال: كان إذا رآني قرب من حاجب حاجبا، فأقول له؛ لا تقبح وجهك إلى قبحه، فوالله ما أتيتك لطمع راغبا، ولا لخوف راهبا. وذم أعرابي رجلا، فقال: عبد الفعال، حر المقال، عظيم الزواق، دنيء الأخلاق الدهر يرفعه ونفسه تضعه. وذم أعرابي رجلا، فقال: ضيق الصدر، صغير القدر عظيم الكبر، قصير الشبر، لئيم النجر، كثير الفخر. وقال أعرابي: دخلت البصرة فرأيت ثياب أحرار على أجساد عبيد، إقبال حظهم إدبار حظ الكرام، شجر أصوله عند فروعه، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر. وذكر أعرابي رجلا، فقال: ذاك يتيم المجالس، أعيا ما يكون عند جلسائه، أبلغ ما يكون عند نفسه. وذكر أعرابي رجلا فقال: ذلك إلى من يداوي عقله من الجهل أحوج منه إلى من يداوي بدنه من المرض إنه لا مرض أوجع من قلة عقل. وذكر أعرابي رجلا لم يدرك بثأره، فقال: كيف يدرك بثأره من في صدره من اللؤم حشو مرفقيه، ولو دقت بوجهه الحجارة لرضها، ولو خلا بالكعبة لسرقها. وذكر أعرابي رجلا، فقال: تسهر والله زوجته جوعا إذا سهر الناس شبعا، ثم لا يخاف مع ذلك عاجل عار ولا آجل نار، كالبهيمة أكلت ما جمعت، ونكحت ما وجدت. وسمع أعرابي رجلا يدعو، فقال: ويحك! إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم، ولست بواحد منهما، وأراك يخف عليك ثقل الذنوب فتحسن عندك مقابح العيوب. وذكر أعرابي رجلا بضعف، فقال: سيء الروية، قليل التقية، كثير السعاية، ضعيف النكاية. وذكر أعرابي رجلا، فقال: عليه كل يوم من فعله شاهد بفسقه، وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال. وذكر أعرابي رجلا بذلة، فقال: عاش خاملا ومات موتورا. وذكر قوما ألبسوا نعمة ثم عروا منها، فقال ما كانت النعمة فيهم إلا طيفا، لما انتبهوا لها ذهبت عنهم. وذم أعرابي رجلا، فقال: هو، كالعبد القن، يسرك شاهدا، ويسوءك غائبا. ودعت أعرابية على رجل، فقال: أمكن الله منك عدوا حسودا، وفجع بك صديقا ودودا، وسلط عليك هما يضنيك، وجارا يؤذيك. وقال أعرابي لرجل شريف البيت، دنيء الهمة: ما أحوجك إلى أن يكون عرضك لمن يصونه، فتكون فوق من أنت دونه. وذكر أعرابي رجلا. فقال: إن حدثته سابقك إلى ذلك الحديث، وإن سكت عنه أخذ في الترهات. وذكر أعرابي أميرا، فقال: يصل النشوة، ويقضي بالعشوة، ويقبل الرشوة. وذكر أعرابي رجلا راكبا هواه، فقال: لهو والله أسرع إلى ما يهواه، من الأسن إلى راكد، المياه، أفقره ذلك أو أغناه. وقال أعرابي: ليت فلانا أقالني من حسن ظني به فأختم بصواب إذ بدأت بخطأ، ولكن من لم تحكمه التجارب أسرع بالمدح إلى من يستوجب الذم، وبالذم إلى من يستوجب المدح. وقال أعرابي لرجل: هل أنت إلا أنت لم تتغير، ولو كنت من حديد ووضعت في أتون محمي لم تذب. وسمعت أعرابيا يقول لأخيه: قد كنت نهيتك أن تدنس عرضك بعرض فلان، وأعلمتك أنه سمين المال، مهزول المعروف، من المرزوقين فجاءة، قصير عمر الغنى، طويل عمر الفقر.
أقبل أعراب! إلى سوار فلم يصادف عنده ما أحب، فقال فيه:
رأيت لي رؤيا وعبرتها ... وكنت للأحلام عبارا
بأنني أخبط في ليلتي ... كلبا فكان الكلب سوارا
وقال أعرابي في ابن عم له يسمى زيادا:
من يقادر من يطافس ... من يناذل بزياد
من يبادلني قريبا ... ببعيد من إياد
وقال سعيد بن سلم الباهلي: مدحني أعرابي، فاستبطأ الثواب، فقال:

(1/439)

لكل أخي مدح ثواب يعده ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت سعيدا والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب
وقاد أيضا:
وإن من غاية حرص الفتى ... طلابه المعروف في باهله
كبيرهم وغد ومولودهم ... تلعنه من قبحه القابله
وقال أيضا:
سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
وقال فيه:
لما رآنا فر بوابه ... وانسد من غير يد بابه
وعنده من مقته حاجب ... يحجبه إن غاب حجابه
دخل أعرابي على المساور بن هند وهو على الري فلم يعطه شيئا، فخرج وهو يقول:
أتيت المساور في حاجة ... ما زال يسعل حتى ضرط
وحك قفاه بكر سوعه ... ومسح عثنونه وامتخط؟
فأمسكت عن حاجتي خيفة ... لأخرى تقطع شرج السفط
فأقسم لوعدت في حاجتي ... للطخ بالسلح وشي النمط
وقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط
وكان كلما ركب صاح الصبيان: من الضرط جاء الغلط، حتى هرب من غير عزل إلى بلاد أصبهان.
أبو حاتم عن أبي زيد، قال: أنشدنا أعرابي في رجل قصير:
يكاد خليلي من تقارب شخصه ... يعض القراد باسته وهو قائم
وذكر أعرابي امرأة قبيحة، فقال: ترخى ذيلها على عرقوبي نعامة، وتسدل خمارها على وجه كالجعالة.
العتبي قال: سمعت أعرابيا يقول: لا ترك الله مخا في سلامى ناقة حملتني إليك، والداعي عليها أحق بالدعاء عليك، إذ كلفها المسير إليك؛ وقال أعرابي لابن الزبير بوركت ناقة حملتني إليك. قال: إن وصاحبها. قوله: إن، يريد: نعم. قال ابن قيس الرقيات:
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه
يريد: نعم. وذكر أعرابي رجلا، فقال: لا يؤنس جارا، ولا يؤهل دارا، ولا يثقب نارا. وسأل أعرابي رجلا فحرمه، فقال له أخوه: نزلت والله بواد غير ممطور، وبرجل غير مبرور، فارتحل بندم، أو أقم بعدم. ودخلت أعرابية على حمدونة بنت المهدي، فلما خرجت سئلت عنها، فقالت: والله لقد رأيتها، فما رأيت طائلا، كأن بطنها قربة، وكأن ثديها دبة، وكأن استها رقعة، وكأن وجهها وجه ديك، قد نفش عفريته يقاتل ديكا. وصاحب أعرابي امرأة، فقال لها: والله إنك لمشرفة الأذنين، جاحظة العينين، ذات خلق متضائل، يعجبك الباطل، إن شبعت بطرت، وإن جعت صخبت، وإن رأيت حسنا دفنته، وإن رأيت سيئا أذعته، تكرمين من حقرك، وتحمرين من أكرمك. وهجا أعرابي امرأته، فقال:
يا بكر حواء من الأولاد ... وأم آلاف من العباد
عمرك ممدود إلى التنادي ... فحدثينا بحديث عاد
والعهد من فرعون ذي الأوتاد ... يا أقدم العالم في البلاد
إني من شخصك في جهاده
وقال أعرابي في امرأة تزوجها، وذكر له أنها شابة طرية، ودسوا إليه عجوزا:
عجوز ترجى أن تكون فتية ... وقد نحل الجنبان واحدودب الظهر
تدسى إلى العطار سلعة أهلها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
تزوجتها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كله ذلك الشهر
وما غرني إلاخضاب بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفر
وقال فيها:
ولا تستطيع الكحل من ضيق عينها ... فإن عالجته صار فوق المحاجر
وفي حاجبيها حزة كغرارة ... فإن حلقا كانت ثلاث غرائر

(1/440)

وثديان أما واحد فهو مزود ... وآخر فيه قربة لمسافر
وقال فيها:
لها جسم برغوث وساقا بعوضة ... ووجه كوجه القرد أو هو أقبح
تبرق عينيها إذا ما رأيتها ... وتعبس في وجه الضجيع وتكلح
لها مضحك كالحش تحسب أنها ... إذا ضحكت في أوجه القوم تسلح
وتفتح لا كانت فما لو رأيتهتوهمته بابا من النار يفتح
إذا عاين الشيطان صورة وجهها ... تعوذ منها حين يمسى ويصبح
وقال أعرابي في سوداء:
كأنها والكحل في مرودها ... تكحل عينيها ببعض جلدها
وقال فيها:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لاشك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده
ولآخر في عجوز:
عجوز تطيب لي نفسها ... وقد عطل الدهر مسواكها
فمن ناكها أبدا طائعا ... فناك أباه كما ناكها
وقال كثير في نصيب بن رباح، وكان أسود:
رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده ... وإن كان مظلوما له وجه ظالم
وقال رجل من العمال لأعرابي: ما أحسبك تعرف كم تصلي في كل يوم وليلة؟ فقال له: فإن عرفت أتجعل لم على نفسك مسألة؟ قال: نعم؛ قال: إن الصلاة أربع وأربع ثم ثلاث بعدهن أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيع
قال: صدقت. هات مسألتك؟ قال له: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري؟ قال: أفتحكم بين الناس وتجهل هذا من نفسك!
قولهم في الغزل

(1/441)

ذكر أعرابي امرأة، فقال: لها جلد من لؤلؤ مع رائحة المسك، وفي كل عضو منها شمس طالعة. وذكر أعرابي امرأة ودعها للمسير: والله ما رأيت دمعة ترقرق من عين بإثمد على ديباجة خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها فأعشب لها قلبي. وسمعت أعرابيا يقول: إن لي قلبا مروعا، وعينا دموعا، فماذا يصنع كل واحد منهما بصاحبه، مع أن داءهما دواؤهما، وسقمهما شفاؤهما وقال أعرابي: دخلت البصرة فرأيت أعينا دعجا، وحواجب زجا، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب. وذكر أعرابي امرأة، فقال: خلوت بهما ليلة يرينيها القمر، فلما غاب أرتنيه، قلت له؛ فما جرى بينكما؟ فقال: أقرب ما أحل الله مما حرم، الإشارة بغير باس، والتقرب من غير مساس. وذكر أعرابي امرأة، فقال: هي أحسن من السماء، وأطيب من الماء. قال: وسمعت أعرابيا يقول: ما أشد جولة الرأي عند الهوى، وفطام النفس عن الصبا، ولقد تقطعت كبدي للعاشقين، لوم العاذلين قرطة في آذانهم، ولوعات الحب حبرات على أبدانهم، مع دموع على المغاني، كغروب السواني. وذكر أعرابي امرأة، فقال: لقد نعمت عين نظرت إليها، وشقي قلب تفجع عليها، ولقد كنت أزورها عند أهلها، فيرحب بي طرفها، ويتجهمنى لسانها؛ قيل له: فما بلغ من حبك؟ لها قال: إني لذاكر لها وبيني وبينها عدوة الطائر، فأجد لذكرها ريح المسك. وذكر أعرابي نسوة خرجن متنزهات، فقال: وجوه كالدنانير، وأعناق كأعناق اليعافير، وأوساط كأوساط الزنابير، أقبلن إلينا بحجول تخفق، وأوشحة تقلق، فكم من أسير لهن وكم مطلق. قال: وسمعت أعرابيا يقول: أتبعت فلانة إلى طرابلس الشام، والحريص جاهد، والمضل ناشد، ولو خضت إليها النار ما ألمتها. قال: وسمعت أعرابيا يقول: الهوى هوان، ولكن غلط باسمه، وإنما يعرف ما أقول من أبكته المنازل والطلول. وقال أعرابي: كنت في شبابي أعض على الملام عض الجواد على اللجام، حتى أخذ الشيب بعنان شبابي. وذكر أعرابي امرأة، فقال، إن لساني بذكرها لذلول، وإن حبها لقلبي لقتول، وإن قصير الليل بها ليطول. وصف أعرابي نساء ببلاغة وجمال، فقال: كلامهن أقتل من النبل، وأو وقع بالقلب من الوبل بالمحل، وفروعهن أحسن من نروع النخل. ونظر أعرابي إلى امرأة حسناء جميلة تسمى ذلفاء، ومعها صبي يبكي، وكلما بكى قبلته، فأنشأ يقول:
يا ليتني كنت صبيا مرضعا ... تحملني الذلفاء حولا اكتعا
إذا بكيت قبلتني في أربعا ... فلا أزال الدهر أبكي أجمعا
وأنشد أبو الحسن علي بن عبد العزيز بمكة لأعرابي:
جارية في سفوان دارها ... تمشي الهوينى مائلا خمارها
قد أعصرت أو قد دنا إعصارها ... يطير من غلمتها إزارها
العتبي قال: وصف أعرابي امرأة حسناء، فقال: تبسم عن حمش اللثات، كأقاحي النبات، فالسعيد من ذاقه، والشقي من أراقه. وقال العتبي: خرجت ليلة حين انحدرت النجوم، وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى إنصدع الفجر، فإذا بجارية كأنها علم، فجعلت أغازلها، فقالت: يا هذا، أما لك ناه من كرم إن لم يكن لك زاجر من عقل؟ قلت: والله ما ترانا إلا الكواكب؛ قالت: فأين مكوكبها؟ ذكر أعرابي امرأة، فقال هي السقم الذي لا برء منه، والبرء الذي لا سقم معه، وهي أقرب من الحشى، وأبعد من السما. قال أعرابي: وقد نظر إلى جارية بالبصرة في مأتم:
وبصرية لم تبصر العين مثلها ... غدت ببياض في ثياب سواد
غدوت إلى الصحراء تبكين هالكا ... فأهلكت حيا كنت أشأم عاد
فيا رب خذ لي رحمة من فؤادها ... وحل بين عينيها وبين فؤادي
وقال في جارية ودعها:
مالت تودعني والدمع يغلبها ... كما يميل نسيم الريح بالغصن

(1/442)

ثم استمرت وقالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
العتبي قال: أنشد أعرابي:
يا زين من ولدت حواء من ولد ... لولاك لم تحسن الدنيا ولم تطب
أنت التي من أراه الله رؤيتها ... نال الخلود فلم يهرم ولم يشب
وأنشد الرياشي لأعرابي:
من دمنة خلقت عيناك في هتن ... فما يرد البكا جهلا على الدمن
ما كنت للقلب إلا فتنة عرضت ... يا حبذا أنت من معروضة الفتن
تسيء سلمى وأجزيها به حسنا ... فمن سواي يجازي السوء بالحسن
قال: وسمعت أعرابيا يصف امرأة، فقال: بيضاء جعدة، لا يمس الثوب منها إلا مشاشة كتفيها، وحلمة ثدييها، ورضفتي ركبتيها، ورانفتي أليتيها، وأنشد:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون و أن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
وقال أعرابي: ليت فلانة حظي من أملي، ولرب يوم سرته إليها حتى قبض الليل بصري دونها، وإن من كلام النساء ما يقوم مقام الماء، فيشفي من الظمأ. وذكر أعرابي امرأة، فقال: تلك شمس باهت بها الأرض شمس سمائها. وليس لي شفيع في اقتضائها، وإن نفسي لكتوم لدائها، ولكنها تفيض عند امتلائها. أخذ هذا المعنى حبيب فقال:
ويا شمس أرضيها التي تم نورها ... فباهت بها الأرضون شمس سمائها
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها
وقيل لأعرابي: ما بال الحب اليوم على غير ما كان عليه قبل اليوم؟ قال: نعم، كان الحب في القلب فانتقل إلى المعدة، إن أطعمته شيئا أحبها، وإلا فلا. كان الرجل يحب المرأة، يطيف بدارها حولا ويفرح إن رأى من رآها، وإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار، وإنه اليوم يشير إليها وتشير إليه ويعدها وتعده، فإذا اجتمعا لم يشكوا حبا، ولم ينشدا شعرا، ولكن يرفع رجليها ويطلب الولد. وقال أعرابي:
شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحئي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت لشدما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدلو فتقصيني فأبعد طالبا ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعلمونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
قولهم في الخيل
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع، كأن هواديها أعلام، وآذانها أطراف أقلام، وفرسانها أسود آجام. أخذ هذا المعنى عدي بن الرقاع فقال:
تخرجن فرجات النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام
وقال أعرابي: خرجنا حفاة حين انتعل كل شيء بظله، وما زادنا إلا التوكل، ولا مطايانا إلا الأرجل، حتى لحقنا القوم. وذكر أعرابي فرسا وسرعته، فقال: لما خرجت الخيل أقبل شيطان في أشطان، فلما أرسلت لمع لمع البرق، فكان أقربها إليه الذي تقع عينه عليه. وقال أعرابي في فرس الأعور السلمي:
مر كلمع البرق سام ناظره ... تسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره

(1/443)

سئل أعرابي عن سوابق الخيل، فقال: الذي إذا مشى ردى، وإذا عدا دحا، وإذا استقل أقعى، وإذا استدبر جبى، وإذا اعترض استوى. وذكر أعرابي خيلا، فقال: والله ما انحدرت في واد إلا ملأت بطنه، ولا ركبت بطن جبل إلا أسهلت حزنه. وقال أعرابي: خرجت على فرس يختال اختيال ابن العشرين، نسوف للحزام، مهارش للجام، فما متع النهار حتى أمتعنا برف ورفاهة.
قولهم في الغيث
الأصمعي قال: قلت لأعرابي: أي الناس أوصف للغيث؟ قال: الذي يقول - يعني امرأ القيس - :
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر
قلت: فبعده مات؛ قال الذي يقول - يعني عبيد بن الأبرص - :
يا من لبرق أبيت الليل أرقبه ... في عارض مكفهر المزن دلاح
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام الراح
ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك، فقال له: أصابتك سماء في وجهك يا أعرابي؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين، غير أنها سحاء طخياء وطفاء، كأن هواديها الدلاء، مرجحنة النواحي، موصولة بالآكام، تمس هام الرجال، كثير زجلها، قاصف رعدها، خاطف برقها، حثيث ودقها، بطىء سيرها، متفجر قطرها، مظلم نوؤها، قد ألجأت الوحش إلى أوطانها، تبحث عن أصولها بأظلافها، متجمعة بعد شتاتها، فلولا اعتصامنا يا أمير المؤمنين بعضاه الشجر، وتعلقنا بقنن الجبال، لكنا جفاء في بعض الأودية ولقم الطريق، فأطال الله لأمة بقاءك، ونسألها في أجلك، فهذا، ببركتك، وعادة الله بك على رعيتك، وصلى الله على سيدنا محمد. فقال سليمان: لعمر أبيك، لئن كانت بديهة لقد أحسنت، وإن كانت محبرة لقد أجدت؛ قال: بل محبرة مزورة يا أمير المؤمنين؟ قال: يا غلام، أعطه، فوالله لصدقه أعجب إلينا من وصفه.
قيل لأعرابي: أي الألوان أحسن؟ قال: قصور بيض في حدائق خضر.
وقيل لآخر: أي الألوان أحسن؟ قال: بيضة في روضة عن غب سارية والشمس مكبدة. وقال أعرابي: لقد رأيت بالبصرة برودا كأنها صبغت بأنوار الربيع، فهي تروع، واللابس لها أروع.
العتبي قال: سمعت أعرابيا يقول: مررت ببلدة ألقى بها الصيف بعاعه، فأظهر غديرا يقصر الطرف عن أرجائه، وقد نفت الريح القذى عن مائه، فكأنه سلاسل درع ذات فضول. وأنشد أبو عثمان الجاحظ لأعرابي:
أين إخواننا على السراء ... أين أهل القباب والدهناء
جاورنا والأرض ملبسة نو ... ر الأقاحي يجاد بالأنواء
كل يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء
قال ابن عمران المخزومي: أتيت مع أبي واليا على المدينة من قريش وعنده أعرابي يقال له ابن مطير، وإذا مطر جود، فقال له الوالي: صفه؟ فقال: دعني أشرف وأنظر. فأشرف ونظر، ثم نزل فقال:
كثرت لكثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء
وله رباب هيدب لرقيقه ... قبل التبعق ديمة وطفاء
وكأن بارقه حريق تلتقي ... ريح عليه وعرفج وألاء
وكأن ريقه ولما يحتفل ... دون السماء عجاجة طخياء
مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يؤلف بينه وبكاء
حيران متبع صباه تقوده ... وجنوبه كف له ورهاء
ثقلت كلاه فبهرت أصلابه ... وتبعجت عن مائه الأحشاء
غدق تبعج بالأباطح مزقت ... تلك السيول ومالها أشلاء
غر محجلة دوالح ضمنت ... حمل اللقاح وكلها عذراء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 9:43 pm

سحم فهن إذا عبسن فواحم ... سود وهن إذا ضحكن وضاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السواحل ماء
قال هشام بن عبد الملك لأعرابي: أخرج فانظر كيف ترى السحاب، فخرج فنظر، ثم انصرف فقال: سفائن وإن اجتمعن بععن.
قولهم في البلاغة والإيجاز
قيل لأعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: أحسنهم لفظا وأسرعهم بديهة.
الأصمعي قال: خطب رجل في نكاح فأكثر وطول؛ فقيل من يجيبه؟ فقال أعرابي: أنا، قيل له: أنت وذاك؟ فالتفت إلى الخاطب، فقال: إني والله ما أنا من تخطيطك وتمطيطك في شيء، قدمتت بحرمة، وذكرت حقا، وعظمت مرجوا، فحبلك موصول، وفرضك مقبول، وأنت لها كفء كريم، وقد أنكحناك وسلمنا. وتكلم ربيعة الرأي يوما فأكثر، فكأن العجب داخله وأعرابي إلى جنبه، فأقبل على الأعرابي، فقال ما تعدون البلاغة يا أعرابي؟ قال:قلة الكلام وإيجاز الصواب، قال فما تعدون العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم فكأنما ألقمه حجرا. شبيب بن شيبة قال: لقيت أعرابيا في طريق مكة، فقال لي: تكتب؟ قلت: نعم، قال: ومعك دواة؟ قلت: نعم. فأخرج قطعة جراب من كمه، ثم قال: اكتب ولا تزد حرفا لا تنقص: هذا كتاب كتبه عبد الله بن عقيل الطائي، لأمته لؤلؤة: إني أعتقك لوجه الله واقتحام العقبة، فلا سبيل لي ولا لأحد عليك إلا سبيل الولاء والمنة علي وعليك من الله وحده، ونحن في الحق سواء، ثم قال: اكتب شهادتك. روي أن أعرابيا حضر مجلس ابن عباس فسمع عنده قارئا يقرأ: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " . فقال الأعرابي: والله ما أنقذكم منها وهو يرجعكم إليها. فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه.
قولهم في حسن التوقيع وحسن التشبيه
قيل لأعرابي: مالك لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لأعرابي: كم بين بلد كذا وبلد، كذا؟ قال: عمر ليلة وأديم يوم. وقال آخر: سواد ليلة وبياض يوم. وقيل لأعرابي: كيف كتمانك للسر؟ قال؟ ما صدري له، إلا قبر. قال معاوية لأعرابية: هل من قرى؟ قالت: نعم؟ قال: وما هو؟ قالت: خبز خمير، ولبن فطير، وماء نمير. وقيل لأعرابي: فيم كنتم؟ قال: كنا بين قدر تفور، وكأس تدور، وحديث لا يحور. وقيل لأعرابي: ما أعددت للبرد؟ قال: شدة الرعدة، وقرفصاء القعدة، وذرب المعدة. وقيل لإعرابي: مالك من الولد؟ قال: قليل خبيث، قيل له: ما معناه؟ قال: إنه لا أقل من واحد، ولا أخبث من أنثى. وقال: أضل أعرابي الطريق ليلا، فلما طلع القمر اهتدى، فرفع رأسه إليه متشكرا، فقال: ما أدرى ما أقول لك وما أقول فيك؟ أقول: رفعك الله، فقد رفعك، أم أقول: نورك الله، فقد نورك، أم أقول: حسنك الله، فقد حسنك، أم أقول: عمرك الله، فقد عمرك، ولكني أقول: جعلني الله فداك. وقيل لأعرابي: ما تقول في ابن العم؟ قال: عدوك وعدو عدوك. وقيل لأعرابي، وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها: صف لنا ناقتك؛ قال: ما طلبت عليها قط إلا أدركت، وما طلبت إلا فت؛ قيل له: فلم تبيعها؟ قال: لقول الشاعر:
وقد تخرج الحاجات يا أم عامر ... كرائم من رب بهن ضنين
وقيل لأعرابي: كيف ابنك؟ - وكان له عاقا - قال: عذاب لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب في الشكر، فليتني قد استودعته القبر. قيل لشريح القاضي: هل كلمك أحد قط فلم تطق له جوابا؟ قال: ما أعلمه، إلا أن يكون أعرابيا خاصم عندي، وجعل يشير بيديه، فقلت له: أمسك فإن لسانك أطول من يدك؛ قال:
أسامري أنت لا تمس

(1/445)

وقيل لأعرابي: ما عندكم في البادية طبيب؟ قال: حمر الوحش لا تحتاج إلى بيطار. وقال أعرابي يصف خاتما: سيف تدوير حلقته، ودور كرسي قضته، وأحكم تركيبه، وأتقن تدبيره، فبه يتم الملك، وينفذ الأمر، ويكرم الكتاب، ويشرف المكتوب إليه.
وقال آخر يصف خاتما:
وأبيض أما جسمه فمنور ... نقي وأما رأسه فمعار
ولم يكتسب إلا لتسكن وسطه ... بزيعة رأس ما عليه خمار
لها أخوات أربع هن مثلها ... ولكنها الصغرى وهن كبار
قولهم في المناكح
يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن الحكم عن الشافعي قال: تزوج رجل من الأعراب امرأة جديدة على امرأة قديمة، وكانت جارية الجديدة تمر على باب القديمة فتقول:
وما تستوي الرجلان رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ثم مرت بعد أيام فقالت:
وما يستوي الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد
فخرجت إليها جارية القديمة فقالت:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما القلب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل
الأصمعي قال: أخبرني أعرابي قال: خطب منا رجل مغموز امرأة مغموزة فزوجوه، فقال رجل لولي المرأة: تعمم لكم فلان فزوجتموه؛ فقال: ما تعمم لنا حتى تبرقعنا له.
أبو حاتم عن الأصمعي قال: قالت أعرابية لبنات عم لها: السعيدة منكن يتزوجها ابن عمها، فيمهرها بتيسين وكلبين وعيرين ورحيين، فينب التيسان، وينهق العيران، وينبح الكلبان، وتدور الرحيان، فيعج الوادي، والشقية منكن من يتزوجها الحضري، فيكسوها الحرير، ويطعمها الخمير، ويحملها ليلة الزفاف على عود، تعنى سرجا. الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يشار امرأته، فقالت لها أخته: أما والله أيام شرخه، إذ كان ينكتك كما ينكت العظم عن مخه، لقد كنت له تبوعا، ومنه سموعا، فلما لان منه ما كان شديدا، وأخلق منه ما كان جديدا، تغيرت له، وايم الله، لئن كان تغير منه البعض لقد تغير منك الكل. وقيل لأعرابي: كيف حبك لزوجتك؟ قال: ربما كنت معها على الفراش، فمدت يدها إلى صدري، فوددت والله أن آجرة خرت من السقف فقدت يدها وضلعين من أضلاع صدري، ثم أنشأ يقول:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء باق معمر
فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذبها فيه نكير ومنكر
وتزوج أعرابي امرأة، فطالت صحبتها له فتغير لها، وقد طعنت في السن، فقالت له: ألم تكن ترضى إذا غضبت، وتعتب إذا عتبت، وتشفى إذا أبيت، فما بالك لآن؟ قال: ذهب الذي كان يصلح بيننا. الأصمعي قال: كنت أختلف إلى أعرابي أقتبس منه الغريب، فكنت إذا استأذنت عليه يقول: يا أمامة، ائذني له، فتقول: ادخل. فاستأذنت ليه مرارا فلم أسمعه يذكر أمامة، فقلت له: يرحمك الله، ما أسمعك تذكر أمامة منذ حين؛ قال: فوجم وجمة، ندمت معها على ما كان مني، ثم قال:
ظعنت أمامة بالطلاق ... ونجوت من غل الوثاق
بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تدمع مآقي
ودواء ما لا تشته ... يه النفس تعجيل الفراق
والعيش ليس يطيب بي ... ن اثنين من غير اتفاق
لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق
الأصمعي قال: تزوج أعرابي امرأة فآذته وافتدى منها بحمار وجبة، فقدم عليه ابن عم له من البادية، فسأله عنها، فقال:
خطبت إلى الشيطان للحين بنته ... فأدخلها من شقوتي في حباليا

(1/446)

فأنقذني منها حماري وجبتي ... جزى الله خيرا جبتي وحماريا
الأصمعي قال: خاصم أعرابي امرأته إلى زياد، فشدد على الإعرابي، فقال: أصلح الله الأمير، إن خير عمر الرجل آخره، يذهب جهله ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه؛ وإن شر عمر المرأة آخره، يسوء خلقها، ويحتد لسانها، وتعقم رحمها. قال له؛ صدقت، اسفع بيدها. قال: وذكرت أعرابية زوجها، وكان شيخا، فقالت: ذهب ذفره وبقي بخره، وفتر ذكره. الأصمعي قال: كان أعرابي قبيح طويل خطب امرأة، فقيل له: أي ضرب تريدها؟ قالت أريدها قصيرة جميلة، فيأتي ولدها في جمالها وطولي، فتزوجها على تلك الصفة، فجاء ولدها في قصرها وقبحه. قدم أعرابي من طيء، فاحتلب لبنا ثم قعد مع زوجته ينتجعان، فقالت له: من أنعم عيشا أنحن أم بنو مروان؟ فقال لها: بنو مروان أطيب منا طعاما، إلا أنا أردأ منهم كسوة، وهم أظهر منا نهارا، إلا أنا أظهر منهم ليلا. الأصمعي قال: خاصم أعرابي امرأته إلى السلطان، فقيل له: ما صنعت؟ قال خيرا، أكبها الله لوجهها، ولو أمر بي إلى السجن. الأصمعي قال: استشارت أعرابية في رجل تتزوجه، فقيل لها: لا تفعلي فإنه وكلة تكلة، يأكل خلله، أي يأكل ما يخرج من بين أسنانه إذا تخلل. قال أبو حاتم: هو الخلالة، ووكلة تكلة، إذا كان يكل أمره إلى الناس ويتكل عليهم. العتبى قال: خطب إلى أعرابي رجل موسر إحدى ابنتيه، وكان للخاطب امرأة، فقالت الكبرى: لا أريده. قال أبوها: ولم؟ قالت: يوم عتاب، ويوم اكتئاب، يبلى فيما بين ذلك الشباب. قالت الصغرى زوجنيه؛ قال لها: على ما سمعت من أختك؟ قالت: نعم، يوم تزين، ويوم تسمن، وقد تقر فيما بين ذلك الأعين. الأصمعي قال: رأيت امرأة ترقص طفلا لها، وتقول:
أحبه حب الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بدا له
الأصمعي قال: هلك أعرابي، فأدمنت امرأته البكاء عليه، فقال لها بعض بنيها
أتفقدين من أبينا غيره ... أتفقدين نفعه وخيره
أراك ما تبكين إلا أيره
قال: فأمسكت عن البكاء. جلس أعرابي إلى أعرابية، فعلمت أنه ما جلس إلا لينظر إلى محاسنها، فأنشأت تقول:
وما نلت منها غير أنك نائك ... بعينيك عينيها وأيرك خائب
الرياشي قال: أنشدني العتبي لأعرابي:
ماذا تظن بسلمى إن ألم بها ... مرجل الرأس ذو بردين مزاح
حلو فكاهته خز عمامته ... في كفه من رقى إبليس مفتاح
أبو حاتم عن الأصمعي قال: خطب أعرابي امرأة، فقالت له: سل عني بني فلان وبنى فلان؛ قال لها: وما علمهم بذلك؟ قالت: في كلهم نكحت؟ قال: أراك جلنفعة قد خزمتك الخزائم؛ قالت: لا، ولكن جوالة بالرحل عنتريس. تزوج رجل من الأعراب امرأة منهم عجوزا ذات مال، فكان يصبر عليها لمالها، ثم ملها وتركها، فكتبت إليه تسترده، فكتب إليها يقول:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلا وضرب الرقاب
فكتبت إليه: إنه والله ما يريد قيس غير طعن الكلا.
المفضل الضبي قال: خطب أعرابي امرأة، فجعل يخطبها وينعظ، فضرب ذكره بيده، وقال: مه، إليك يساق الحديث، فأرسلها مثلا. علي بن عبد العزيز قال: كان أبو البيداء عنينا، وكان يتجلد ويقول لقومه: زوجوني امرأتين، فيقال له: إن في واحدة كفاية؛ فيقول: أما لي فلا؛ فقالوا نزوجك واحدة فإن كفتك وإلا زوجناك أخرى، فزوجوه إعرابية، فدما دخل بها أقام معها أسبوعا، فلما كان في اليوم السابع أتوه، فقالوا له: يا أبا البيداء، ما كان أمرك في اليوم الأول؟ قال: عظيم جدا، قالوا: ففي الثاني؟ قال: أجل وأعظم؟ قالوا: ففي الثالث؟ قال: لا تسألوا. فأجابت المرأة من وراء الستر، فقالت:

(1/447)

كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا أدخل في البيت أبق
فيه غزال حسن الدل خرق ... مارسه حتى إذا ارفض العرق
انكسر المفتاح وانسد الغلق
كانت لأعرابي امرأة لا ترد يد لامس، فقيل له: مالك لا تفارقها؟ قال: إنها حسناء فلا تفرك، وأم بنين فلا تترك. قال شيخ من الإعراب:
أنا شيخ ولي امرأة عجوز ... تراودني على ما لا يجوز
تريد أنيكها في كل يوم ... وذلك عند أمثالي عزيز
وقالت رق إيرك مذ كبرنا ... فقلت لها بل اتسع القفيز
الأصمعي قال: قال أعرابي في امرأة تزوجها، وقد تزوجت قبله خمسة، وتزوج هو قبلها أربعا، فلاحته يوما، فقال فيها:
لو لابس الشيطان ما ألابس ... أو مارس الغول التي أمارس
لأصبح الشيطان وهو عابس ... زوجها أربعة عمارس
فانفلتوا منها ومات الخامس ... وساقني الحين فها أنا السادس
وقال فيها:
بويزل أعوام أذاعت بخمسة وتعتدني إن لم يق الله ساديا
ومن قبلها غيبت في الترب أربعا ... وأعتدها مذ جئتها في رجائيا
كلانا مطل مشرف لغنيمة ... يراها ويقضي الله ما كان قاضيا
وقال أعرابي:
أشكو إلى الله عيالا دردقا ... مقرقمين وعجوزا شملقا
الدردق: الصغار. والمقرقم: البطيء الشباب. والشملق: السيئة الخلق.
قولهم في الإعراب الأصمعي قال: قلت لأعرابي، أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء؛ قلت له: أفتجر فلسطين؟ قال: إني إذا لقوي. وسمع أعرابي إماما يقرأ: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا. قال: ولا إن آمنوا أيضا لن ننكحهم؛ فقيل له: إنه يلحن وليس هكذا يقرأ؛ فقال: أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما، فإنه يحل ما حرم الله. وسمع أعرابي أبا المكنون النحوي، وهو يقول في دعائه يستسقي: اللهم ربنا وإلهنا وسيدنا ومولانا، فصل على محمد نبينا، ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غيثا مريئا، مريعا مجلجلا مسحنفرا هزجا سحا سفوحا طبقا غدقا مثعنجرا صخبا نافعا لعامتنا وغير ضار بخاصتنا. فقال الأعرابي: يا خليفة نوح، هذا، الطوفان ورب الكعبة، دعني حتى آوى إلى جبل يعصمني من الماء. الأصمعي قال: أصابت الأرض مجاعة، فلقيت رجلا منهم خارجا من الصحراء كأنه جذع محترق، فقلت له: أتقرأ مني كتاب الله شيئا؟ قال: لا؛ قلت: فأعلمك؟ قال: ما شئت؛ قلت: اقرأ: " قل يا أيها الكافرون " قال: كل يا أيها الكافرون؛ قلت: " قل يا أيها الكافرون " كما أقول لك؛ قال: ما أجد لساني ينطلق بذلك. قال: ورأيت أعرابيا ومعه بني له صغير ممسك بفم قربة، وقد خاف أن تغلبه القربة، فصاح: يا أبت، أدرك فاها غلبني فوها لا طاقة لي بفيها.
قولهم في الدين
قال أعرابي: الدين ذل بالنهار، وهم بالليل. وقال أعرابي في غرماء له يطلبونه بدين:
جاءوا إلي غضابا يلغطون معا ... فقلت موعد كم ابن هبار
وما أواعدهم إلا لأدرأهم ... عني فيحرجني نقضي وإمراري
وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلى وسيف جفنه عاري
إن القضاء سيأتي دونه زمنفاطو الصحيفة واحفظها من النار الأصمعي قال: كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين، فلما حل دينه هرب الأعرابي، وأنشأ يقول:
ذا حل دين اليحصبي فقل له ... تزود بزاد واستعن بدليل
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا ... بقالي قلا أو من وراء دبيل

(1/448)

الأصمعي قال: فأخبرني رجل أنه رآه مقتولا بقالي قلا وعليه نسر أقتم الريش. الأصمعي قال: اختصم أعرابيان إلى بعض الولاة في دين لأحدهما على صاحبه، فجعل المدعى عليه يحلف بالطلاق والعتاق، فقال له المدعي: دعني من هذه الأيمان، واحلف بما أقول لك: لا ترك الله لك خفا يتبع خفا، ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتك من أهلك حت الورق من الشجر، إن لم يكن لي هذا الحق قبلك. فأعطاه حقه ولم يحلف له. الهيثم بن عدي قال: يمين لا يحلف بها أعرابي أبدا: لا أورد الله لك صادرة، ولا أصدر لك واردة، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك.
قولهم في النوادر والملح
الشيباني قال: خرج أبو العباس أمير المؤمنين متنزها بالأنبار فأمعن في نزهته وانتبذ من أصحابه، فوافى خباء لأعرابي، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة، قال: من أي كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: فأنت إذا من قريش؛ قال: نعم؛ قال: فمن أي قريش؛ قال: من أبغض قريش إلى قريش؟ قال: فأنت إذا من ولد عبد المطلب؟ قال؛ نعم؛ قال: فمن أي ولد عبد المطلب؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى عبد المطلب؟ قال: فأنت إذا أمير المؤمنين، ووثب إليه، فاستحسن ما رأى منه، وأمر له بجائزة. الشيباني قال: خرج الحجاج متصيدا بالمدينة فوقف على أعرابي يرعى إبلا له، فقال له: يا أعرابي، كيف. رأيت سيرة أميركم الحجاج؛ قال له الأعرابي: غشوم ظلوم لا حياه الله، فقال: فلم لا شكوتموه إلى أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: فأظلم وأغشم. فبينما هو كذلك إذ أحاطت به الخيل، فأومأ الحجاج إلى الأعرابي، فأخذ وحمل، فلما صار معهم، قال: من هذا؟ قالوا له: الحجاج، فحرك دابته حتى صار بالقرب منه، ثم ناداه: يا حجاج، قال: ما تشاء يا أعرابي؟ قال: السر الذي بيني وبينك أحب أن يكون مكتوما؛ قال: فضحك الحجاج، وأمر بتخلية سبيله: الأصمعي قال: ولى يوسف بن عمر صاحب العراق أعرابيا على عمل له، فأصاب عليه خيانة فعزله، فلما قدم عليه قال له: يا عدو الله، أكلت مال الله، قال الأعرابي: فمال من آكل إذا لم آكل مال الله؟ لقد راودت إبليس أن يعطيني فلسا واحدا فما فعل. فضحك منه وخلى سبيله. الشيباني قال: نزل عبد الله بن جعفر إلى خيمة أعرابية ولها دجاجة وقد دجنت عندها، فذبحتها وجاءتها بها إليه، فقالت: يا أبا جعفر، هذه دجاجة لي كنت أدجنها وأعلفها من قوتي، وألمسها في آناء الليل، فكأنما ألمس بنتى زلت عن كبدي، فنذرت لله أن أدفنها في أكرم بقعة تكون، فلم أجد تلك البقعة المباركة إلا بطنك، فأردت أن أدفنها فيه. فضحك عبد الله بن جعفر وأمر لها بخمسمائة درهم.
ونظر أعرابي إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان، فقال: والله لئن أريتموه لتمسكن منه بذناب عيش أغبر. الأصمعي قال: رأيت أعرابيا واقفا على ركية ملحة، فقلت: كيف هذا الماء يا أعرابي؟ قال: يخطيء القلب ويصيب الأست. ونظر أعرابي إلى رجل سمين، فقال: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك. قال: وسمعت أعرابيا يقول: اللهم إني أسألك ميتة كميتة أبي خارجة أكل بذجا وشرب معسلا، ونام في الشمس، فمات دفيئا شبعان ريان. محمد بن وضاح يرفعه إلى أبي هريرة رضي الله عنه. قال: دخل أعرابي المسجد والنبي جالس، فقام يصلي، فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد حجرت واسعا يا أعرابي. قال: وسمعت أعرابيا وهو يقول في الطواف: اللهم اغفر لأمي؛ فقلت له: مالك لا تذكر أباك؛ فقال أبي رجل يحتال لنفسه، وأما أمي فبائسة ضعيفة.

(1/449)

أبو حاتم عن أبي زيد قال: رأيت أعرابيا كأن أنفه كوز من عظمه، فرآنا نضحك منه، فقال: ما يضحككم؟ فوالله لقد كنت في قوم ما كنت فيهم إلا أفطس. قال: وجيء بأعرابي إلى السلطان ومعه كتاب قد كتب فيه قصته، وهو يقول: هاؤم اقرؤا كتابيه. فقيل له: يقال هذا يوم القيامة؛ قال: هذا والله شر من يوم القيامة، إن يوم القيامة يؤتي بحسناتي وسيأتي، وأنتم جئتم بسيآتي وتركتم حسناتي.
قيل لأبي المخش الأعرابي: أيسرك أنك خليفة وأن أمتك حرة؛ قال: لا والله ما يسرني؟ قيل له: ولم؟ قال: لأنها كانت تذهب الأمة وتضيع الأمة. اشترى أعرابي غلاما، فقيل للبائع: هل فيه من عيب؟ قال: لا، إلا أنه يبول في الفراش؛ قال: هذا ليس بعيب، إن وجد فراشا فليبل فيه. أخذ الحجاج أعرابيا لصا بالمدينة فأمر بضربه، فلما قرعه بسوط قال: يا رب شكرا، حتى ضربه سبعمائة سوط؟ قال: لماذا؟ قال: لكثرة شكرك، إن الله تعالى يقول: " لئن شكرتم لأزيدنكم " . قال: وهذا في القرآن؟ قال: نعم. فقال الأعرابي:
يا رب لا شكر فلا تزدني ... أسأت في شكري فاعف عني
باعد ثواب الشاكرين مني
مر أعرابي بقوم وهو ينشد ابنا له، فقالوا له: صفه؛ قال: كأنه دنينير، قالوا: لم نره. ثم لم يلبث القوم أن أقبل الأعرابي وعلى عنقه جعل، فقالوا: هذا الذي قلت فيه كأنه دنينير؟ فقال: القرنبي في عين أمها حسناء. والقرنبي دويبة من خشاش الأرض إذا مسها أحد تقبضت فصارت من الكرة.
قيل لأعرابي: ما يمنعك أن تغزو؟ قال: والله إني لأبغض الموت على فراشي، فكيف أمضي إليه ركضا! وغزا أعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما رأيت مع رسول الله في غزاتك هذه؟ قال: وضع عنا نصف الصلاة، وأرجو في الغزاة الأخرى أن يضع النصف الباقي.
جلس أعرابي إلى مجلس أيوب السختياني، فقيل له: يا أعرابي، لعلك قدري؛ قال: وما القدري؟ فذكر له محاسن قولهم؛ قال: أنا ذاك، ثم ذكر له ما يعيب الناس من قولهم، فقال: لست بذاك، قال: فلعلك مثبت؟ قال: وما المثبت؟ فذكر محاسنهم، فقال: أنا ذاك، ثم ذكر له ما يعيب الناس منهم، فقال: لست بذاك! قال أيوب: هكذا يفعل العاقل، يأخذ من كل شيء أحسنه.
الأصمعي قال: سمع أعرابي جريرا ينشد:
كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني ... وكاد يقتلني. يوما بنعمان
وكاد يقتلني يوما بذي خشب ... وكاد يقتلني يوما بسلمان
فقال: هذا رجل أفلت من الموت أربع مرات، لا يموت هذا أبدا. الشيبان قال: بلغني أن أعرابيين ظريفين من شياطين العرب حطمتهما سنة فانحدرا إلى العراق، فبينما هما يتماشيان في السوق، واسم أحدهما خندان، إذا فارس قد أوطأ دابته رجل خندان، فقطع إصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا أرش الإصبع، وكانا جائعين مقرورين، فلما صار المال بأيديهما قصدا إلى بعض الكرابج فابتاعا من الطعام ما اشتهيا، فلما شبع صاح خندان أنشأ يقول:
فلا غرثة ما دام في الناس كربج ... وما بقيت في رجل خندان إصبع
وهذا شبيه قول أعرابية في إبنها، وكان لها ابن شديد العرام، كثير القتال للناس، مع ضعف أسر، ورقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب، فقطع الفتى أنفه، فأخذت أمه دية أنفه، فحسن حالها بعد فقر مدقع، ثم واثب آخر فقطع شفته، ثم أخذت دية شفته، فلما رأت ما صار عندها من الإبل والبقر والغنم والمتاع بجوارح ابنها ذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:
أحلف بالمروة حلفا والصفا ... أنك خير من تفاريق العصا
فقلت لأعرابي: ما تفاريق العصا؟ قال: العصا تقطع ساجورا، ثم يقطع الساجور أوتادا، ثم تقطع الأوتاد أشظه.

(1/450)

الأصمعي قال: خرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له، فلما كان ببعض الطريق راجعا يريد أهله لقيه ابن عم له، فسأله عن أهله ومنزله، فقال: أعلم أنك لما خرجت وكانت لك ثلاثة أيام وقع في بيتك الحريق. فرفع الأعرابي يديه إلى السماء، وقال: ما أحسن هذا يا رب! تأمرنا بعمارة بيتك وتخرب أنت بيوتنا. وخرجت أعرابية إلى الحج، فلما كانت ببعض الطريق عطبت راحلتها، فرفعت يديها إلى السماء، وقالت: يا رب، أخرجتني من بيتي إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك. الأصمعي قال: عرضت السجون بعد هلاك الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا، لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب، وفيهم أعرابي أخذ وهو يبول في أصل سور، مدينة واسط، فكان فيمن أطلق، فانشأ يقول:
إذا ما خرجنا من مدينة واسط ... خرينا وبلنا لا نخاف عقابا
ذكر عند أعرابي الأولاد والانتفاع بهم، فقال: زوجوني امرأة أولدها ولدا أعلمه الفروسية حتى يحوى الرهان، والنزع عن القوس حتى يصيب الحدق، ورواية الشعر حتى يفحم الفحول. فزوجوه امرأة، فولدت له ابنة، فقال فيها:
قد كنت أرجو أن تكوني ذكرا ... فشقك الرحمن شقا منكرا
شقا أبى الله له أن يجبرا ... مثل الذي لامها أو أكبرا
ثم حملت حملا آخر، فدخل عليها وهي في الطلق، وكانت تسمى ربابا، فقال:
أيا ربابى طرقى بخير ... وطرقى بخصيه وأير
ولا ترينا طرف البظير
ثم ولدت له أخرى، فهجر فراشها. وكان يأتى جارة لها، فقالت فيه، وكان يكنى أبا حمزة:
ما لأبى حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان أن لا نلد البنينا ... وإنما نأخذ ما أعطينا
فألانه قولها، ورجع إليها.
وقال سعيد بن أبي الفرج: سمعت أعرابيا يطوف بالبيت و هو يقول:
لا هم رب الناس حين لببوا ... وحين راحوا من منى وحصبوا
لا سقيت عثبثب وغلب ... والمستزار لا سقاه الكوكب
فقلت: يا أعرابي، ما لهذه المواضع تدعو عليها في هذا الموضع، فنظر إلي كالغضبان، وقال:
من أجل حماهن ماتت زينب
قولهم في التلصص
أبو حاتم قال: أنشدنا أبو زيد لأعرابي وكان لصا:
ثلاث خلال لست عنهن تائبا ... وإن لامني فيهن كل خليل
فمنهن أني لا أزال معانقا ... حمائل ماضي الشفرتين صقيل
به كنت أستعدي وأعدى صحابتي ... إذا صرخ الزحفان باسم قتيل
ومنهن سوق النهب في ليلة الدجى ... يحار بها في الليل كل مميل
وهذا المعنى سبقه إليه الأول:
فلولا ثلاث هن عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام رامس
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كأن أخاها مطلع الشمس ناعس
ومنهن تقريط الجراد عنانه ... إذا ابتدر الشخص الصفي االفوارس
ومنهن تجريد الكواعب كالدمى ... إذا ابتز عن أكفالهن الملابس
وأول من قال هذا المعنى طرفة حيث يقول:
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضى نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد
قولهم في الطعام
الأصمعي قال: اصطحب شيخ وحدث في سفر، وكان لهما قرص في كل يوم

(1/451)

وكان الشيخ منخلع الأضراس بطيء الأكل. وكان الحدث يبطش بالقرص ثم يجلس يشتكي العشق، ويتضور الشيخ جوعا، وكان الحدث يسمى جعفرا، فقال الشيخ:
لقد رابني من جعفر أن جعفرا ... بطيش بقرصي ثم يبكي على جمل
فقلت له لو مسك الحرب لم تبت ... بطينا ونساك الهوى شدة الأكل
الأصمعي قال: أنشدني أعرابي لنفسه:
ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البر في فرسانها الزبد
فاطلب فيما بينهن شهادة ... بموت كريم لا يعد له لحد
الشيباني عن العتبي عن أبيه قال: قال أعرابي: كنت أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من اللحم، لها جناحان من العراق، أضرب فيها كما يضرب ولي السوء في مال اليتيم. وقال رجل لأعرابي: ما يسرني لو بت ضيفا لك؟ فقال له الأعرابي: لو بت ضيفا لي لأصبحت أبطن من أمك لبل أن تلدك بساعة.
حضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فجعل يمر إلى ما بين يديه، فقال له الحاجب: مما يليك فكل يا أعرابي؛ فقال: من أجدب انتجع. فشق ذلك على سليمان، فقال للحاجب: إذا خرج عنا فلا يعد إلينا. وشهد بعد هذا سفرته أعرابي آخر، فمر إلى ما بين يديه أيضا، فقال له الحاجب: مما يليك فكل يا أعرابي؛ قال: من أخصب تخير. فأعجب ذلك سليمان، فقربه وأكرمه وقضى حوائجه.
مر أعرابي بقوم من الكتبة في متنزه لهم وهم يأكلون، فسلم، ثم وضع يده

(1/452)

يأكل معهم، فقالوا: أعرفت فينا أحدا؟ قال: بلى، عرفت هذا، وأشار إلى الطعام. فقال بعض الكتاب يصف أكله: لم أر مثل سرطه ومطه قال الثاني: وأكله دجاجة ببطه قال الثالث: ولفه رقاقه بإقطه. قال الرابع: كأن جالينوس تحت إبطه. فقالوا للرابع: أما الذي وصفنا من فعله فمعلوم فما يصنع جالينوس من تحت إبطه؟ قال: يلقمه الجوارش كلما خاف عليه التخمة يهضم بها طعامه. وقال رجل من أهل المدينة لأعرابي: ما تأكلون وما تعافون؟ قال له الأعرابي: نأكل كل ما دب وهب إلا أم حبين. قال المدني: تهنيء، أم حبين العافية. قال رجل من الأعراب لولده: اشتروا لي لحما، فاشتروا، وطبخه حتى تهرأ، فأكل منه حتى انتهت نفسه، ولم يبق إلا عظمه، وشرعت إليه عيون ولده، فقال: ما. أنا مطعمه أحدا منكم إلا من أحسن أكله. فقال له الأكبر: ألوكه يا أبت حتى لا أدع فيه للذرة مقيلا؟ قال: لست بصاحبه، قال الآخر: ألوكه حتى لا تدري ألعامه هو أم لعام أول؛ قال: لست بصاحبه. قال له الأصغر: أدقه يا أبت وأجعل إدامه المخ، قال: أنت صاحبه وهو لك. بلغني عن محمد بن يزيد بن معاوية أنه كان نازلا بحلب على الهيثم بن عدي فبعث إلى ضيف له من عذرة أعرابي، فقال له: حدث أبا عبد الله بما رأيت في حضر المسلمين من الأعاجيب؛ قال: نعم، رأيت أمورا معجبة، منها: أنني دخلت قرية بكر بن عاصم الهلالي، وإذا أنا بدور متباينة، وإذا خصاص بيض بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون، وعليهم ثياب حكوا بها أنواع الزهر، فقلت لنفسي: هذا أحد العيدين، الفطر أو الأضحى، ثم رجع إلي ما عزب من عقلي فقلت: خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك. فبينا أنا واقف أتعجب إذ أتاني رجل: فأخذ بيدي فأدخلني بيتا قد نجد، وفي وجهه فرش ممهدة، وعليها شاب ينال فرع شعره كتفيه، والناس حوله سماطين، فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي يحكى لنا جلوسه وجلوس الناس حوله، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله؛ قال: فجذب رجل بيدي، وقال: ليس بالأمير، اجلس؛ قلت: فمن هو؟ قال: عروس؛ قلت: واثكل أماه! لرب عروس بالبادية قد رأيته أهون على أصحابه من هن أمه. فلم ألبث أن أدخلت الرجال علينا هنات مدورات من خشب، أما ما خف منها فتحمل حملا، وأما ما ثقل فيدحرج، فوضعت أمامنا وحلق القوم عليها حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت عليها، فهممت والله أن أسأل القوم خرقة منها أرقع بها قميصي، وذلك أني رأيت لها نسجا متلاحما لا تتبين له سدى ولا لحمة، فلما بسط القوم أيديهم، إذا هو يتمزق سريعا، وإذا صنف من الخبز لا أعرفه. ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض، وحار وبارد، فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم. ثم أتينا بشراب أحمر في عساس بيض، فلما نظرت إليه، قلت: لا حاجة لي به، لأني أخاف أن يقتلني، وكان إلى جانبي رجل ناصح لي، أحسن الله عني جزاءه، كان ينصحني بين أهل المجلس، فقال لي: يا أعرابي، إنك قد كثرت من الطعام، فإن لضربت الماء همى بطنك. فلما ذكر البطن ذكرت شيئا أوصاني به الأشياخ، قالوا: لا تزال حيا ما دام بطنك شديدا، فإذا اختلف فأوص، فلم أزل أتداوى بذلك الشراب ولا أمله حتى داخلني به صلف لا أعرفه من نفسي، ولا عهد لي به، ولا اقتدار على أمري؛ وكان إلى جانبي الرجل الناصح لي، فجعلت نفسي محدثني بهتم أسنانه مرة وهشم أنفه أخرى، وأهم أحيانا أن أقول له: يا بن الزانية. فبينا نحن كذلك، إذ هجم علينا شياطين أربعة: أحدهم قد علق جعبة فارسية مفتحة الطرفين، قد شبكت بالخيوط، وقد ألبست قطعة فرو كأنهم يخافون عليها القر، ثم بدا الثاني فاستخرج من كفه هنة كفيشلة الحمار، فوضع طرفها في فيه فضرط فيها، ثم جس على حجزتها فاستخرج منها صوتا مشاكلا بعضه بعضا، ثم بدا الثالث وعليه قميص وسخ، وقد غرق رأسه بالدهن، معه مرآتان، فجعل يمر إحداهما على الأخرى، ثم بدا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 9:45 pm

الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصيرة. فجعل يقفز صلبه ويهز كتفيه، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه ورب الكعبة، ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم، فبعثوا بهم إليهن، وبقيت الأصوات تدور في آذاننا. وكان معنا في البيت شاب لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة في يده، عينها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من جوانبها عودا فوضعه على آذنه، ثم زم الخيوط الظاهرة فلما أحكمها عرك أذنها، فنطق فوها، فإذا هي أحسن قينة رأيتها قط، فاستخفني حتى قمت - من مجلسي، فجلست إليه فقلت: بأبي أنت وأمي، ما هذه الدابة؟ قال: يا أعرابي هذا البربط؟ قلت: ما هذه الخيوط؟ قال: أما الأسفل فزير، والذي يليه مثنى، والذي يليه مثلث، والذي يليه بم، فقلت: آمنت بالله. وقال أعرابي: تمرنا خرس فطس، يغيب فيهن الضرس، كأن فاها ألسن الطير،ابع عليه قميص قصير وسراويل قصيرة. فجعل يقفز صلبه ويهز كتفيه، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه ورب الكعبة، ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم، فبعثوا بهم إليهن، وبقيت الأصوات تدور في آذاننا. وكان معنا في البيت شاب لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة في يده، عينها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من جوانبها عودا فوضعه على آذنه، ثم زم الخيوط الظاهرة فلما أحكمها عرك أذنها، فنطق فوها، فإذا هي أحسن قينة رأيتها قط، فاستخفني حتى قمت - من مجلسي، فجلست إليه فقلت: بأبي أنت وأمي، ما هذه الدابة؟ قال: يا أعرابي هذا البربط؟ قلت: ما هذه الخيوط؟ قال: أما الأسفل فزير، والذي يليه مثنى، والذي يليه مثلث، والذي يليه بم، فقلت: آمنت بالله. وقال أعرابي: تمرنا خرس فطس، يغيب فيهن الضرس، كأن فاها ألسن الطير، تقع التمرة منها في فيك فتجد حلاوتها في كعبك. وحضر أعرابي سفرة سليمان بن عبد الملك، فلما أتي بالفالوذج جعل يسرع فيه، فقال سليمان: أتدري ما تأكل يا أعرابي؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريقا هنيئا ومزدردا لينا، وأظنه الصراط المستقيم الذي ذكره الله في كتابه. قال: فضحك سليمان، وقال: أريدك منه يا أعرابي، فإنهم يذكرون أنه يزيد في الدماغ؟ قال: كذبوك يا أمير المؤمنين، لو كان كذلك لكان رأسك مثل رأس البغل. قال: ومررت بأعرابي يأكل في رمضان، فقلت له: ألا تصوم يا أعرابي؟ فقال:
وصائم هب يلحاني فقلت له ... أعمد لصومك واتركني وإفطاري
واظمأ فإني سأروى ثم سوف ترى ... من ذا يصير إذا متنا إلى النار
وحضر سفرة سليمان أعرابي، فنظر إلى شعرة في لقمة الأعرابي، فقال: أرى شعرة في لقمتك يا أعرابي؟ قال: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر الشعرة في لقمتي، والله لا واكلتك أبدا، فقال استرها علي يا أعرابي، فإنها زلة ولا أعود إلى مثلها أبدا.
أخبار أبي مهدية الأعرابي

(1/454)

أبو عثمان المازني قال: قال أبو مهدئة: بلغني أن الأعراب والأعزاب هجاؤها واحد، قلت: نعم؛ قال: فاقرأ الأعزاب أشد كفرا ونفاقا، ولا تقرأ: الأعراب ولا يغرك العزب وإن صام وصلى. وتوفي بني لأبي مهدية صغير، فقيل له: أبشر أبا مهدية، فإنا نرجو أن يكون شفيع صدق يوم القيامة؛ قال: لا وكلنا الله إلى شفاعته، إذا والله يكون أعيانا لسانا، وأضعفنا حجة، ليته المسكين كفانا نفسه. وقيل لأبي مهدية: أكنتم تتوضئون بالبادية؟ قال: نعم والله، لقد كنا نتوضأ فتكفي التوضئة الرجل منا الثلاثة الأيام والأربعة، حتى دخلت علينا هذه الحمراء - يعني الموالي - فجعلت تليق أستاهها كما تلاق الدواة. وقيل لأبي مهدية: أتقرأ من كتاب الله تعالى شيئا؟ قال: نعم، ثم افتتح يقرأ: " والضحى والليل إذا سجى " حتى انتهى إلى " ووجدك ضالا فهدى " ، فالتفت إلى صاحب له فقال: إن هؤلاء العلوج يقولون: ووجدك ضالا فهدى، والله لا أقولها أبدا. ولما أسن أبو مهدية ولي جانبا من اليمامة، وكان به قوم من اليهود أهل عطاء وجدة فأرسل إليهم، فقال: ما عندكم في المسيح؟ قالوا: قتلناه وصلبناه؛ قال: فهل غرمتم ديته؟ قالوا: لا؛ قال: إذا والله لا تبرحوا حتى تغرموا ديته، فأرضوه حتى كف عنهم. وقيل لأبي مهدية، ما أصبركم معشر العرب على البدو؟ قال: كيف لا يصبر على البدو من طعامه الشمس، وشرابه الريح. ونظر أبو مهدية إلى رجل يستنجي ويكثر من الماء فقال له: إلى كم تغسلها ويحك! أتريد أن تشرب فيها سويقا. ومات طفل لأبي مهدية، فقيل له: اصبر يا أبا مهدية، فإنه فرط افترطته، وخير قدمته، وذخر أحرزته، فقال: بل ولد دفنته، وثكل تعجلته، والله لئن لم أجزع للنقص لا أفرح بالمزيد. قال أبو عبيدة: سمع أبو مهدية رجلا يقول بالفارسية: ذود ذود، فقال: ما يقول هذا؟ فقيل له: يقول، عجل عجل؛ فقال: أفلا يقول: حيهلا؟
خبر أبي الزهراء
المعلى بن المثنى الشيباني قال: حدثنا سويد بن منجوف قال: أقبل أعرابي من بنى تميم حتى دخل الكوفة من ناحية جيانة السبيع تحته أتان له تخب، وعليه ذلاذل وأطمار من سحق صوف، وقد اعتم بما يشبه ذلك، من أشوه الناس منظرا، وأقبحهم شكلا، وهو يهدر كما يهدر البعير، وهو يقوله: ألا سبد ألا لبد، ألا مؤو ألا سعدي ألا يربوعي ألا دارمي؟ هيهات هيهات، وما يغنى أصل حوض الماء صاديا معنى؟ قال سويد: فدخل علينا في درب الكناسة فلم يجد منفذا، وقد تبعه صبيان كثيرون وسواد من سواد الحي، فسمعت سواديا يقول له: يا عماه يا إبليس، متى أذن لك بالظهور؟ فالتفت إليهم، فقال: منذ سرق آباؤكم وفسقت أمهاتكم. قال: وكان معنا أبو حماد الخياط، وكان من أطلب الناس لكلام الأعراب، وأصبرهم على الإنفاق على أعرابي يدخل علينا، وكان مع؛ ذلك مولى لبني تميم، فأتيته فأخبرته، فخرج مبادرا كأني قد أفدته فائدة عظيمة، وقد نزل الأعرابي عن الأتان واستند إلى بعض الحيطان، وأخذ قوسه بيده، فتارة يشير بها إلى الصبيان، وتارة يذب بها الشذا عن الأتان، وهو يقول لأتانه:
قد كنت بالأمعز في خصب خصب ... ما شئت من حمض وماء منسكب
فربك اليوم ذليل قد نصب ... يرى وجوها حوله ما ترتقب
ولا عليها نور إشراق الحسب ... كأنها الزنج وعبدان العرب
إلى عجيل كان كالرغل السرب ... ولو أمنت اليوم من هذا اللجب
رميت أفواقا قويمات النصب ... الريش أولاها وأخراها العقب

(1/455)

قال: فلم يزل أبو حماد يلطفه ويتلطف به ويبخله إلى أن أدخله منزله، فمهد له وحطه عن أتانه، ودعا بالعلف، فجعل الأعرابي يقول: أين الليف والنئيف والوساد والنجاد. يعني بالليف: الحصير، وبالنئيف: عشبة عندهم، يقال لها البهمى. وبالوساد: جلد عنز يسلخ ولا يشق ويحشى وبرا وشعرا ويتكأ عليه، وبالنجاد، مسح شعر يستظل تحته. قال: فلما نزع القتب عن الأتان إذا ظهرها قد دبر حتى أضرت بنا رائحته. فجعل الأعرابي يتنهد ويقول:
إن تنحضي أو تدبري أو تزحري ... فذاك من دؤوب ليل مسهر
أنا أبو الزهراء من آل السري ... مشمخ الأنف كريم العنصر
إذا أتيت خطة لم أفسر
وكان يسمى الأعرابي صلتان بن عوسجة، من بني سعد بن دارم، ويكنى بأبي الزهراء. وما رأيت أعرابيا أعجب منه، كان أكثر كلامه شعرا، وأمثل أعرابي سمعته كلاما، إلا أنه ربما جاء باللفظة بعد الأخرى لا نفهمها، وكان من أضجر الناس وأسوأهم خلقا، وإذا نحن سألناه عن الشيء، قال؛ ردوا علي القوس والأتان، يظن أنا نتلاعب به، وكنا نجتمع معه في مجلس أبي حماد وما منا إلا من يأتيه بما يشتهيه فلا يعجبه ذلك، حتى أتيناه يوما بخربز، وكانت أمامه، فلما أبصرها تأملها طويلا وجعل يقول.
بدلت والدهر قديما بدلا ... من قيض بيض القفر فقعا حنظلا
أخبث ما تنبت أرض مأكلا
فكنا نقول له: يا أبا الزهراء، إنه ليس بحنظل، ولكنه طعام هنيء مريء ونحن نبدؤك فيه إن شئت؛ قال: فخذوا منه حتى أرى. فبدأنا نأكل وهو ينظر لا يطرف، فلما رأى ذلك بسط يده، فأخذ واحدة، فنزع أعلاها، وقور أسفلها؛ فقلنا لها: ما تريد أن تصنع يا أبا الزهراء؟ فقال: إن كان السم يا بن أخي ففيما ترون. فلما طعمه استخفه واستعذبه واستحلاه، فلم يكن يؤثر عليه شيئا، وما كنا نأتيه بعد بغيره، وجعل في خلال ذلك يقول:
هذا طعام طيب يلين ... في الجوف والحلق له سكون
الشهد والزبد به معجون
فلما كان إلى أيام، قلت له: يا أبا الزهراء، هل لك في الحمام؟ دال: وما الحمام يا بن أخي؛ قلنا له: دار فيها أبيات حار وفاتر وبارد، تكون في أيها شئت، تذهب عنك قشف السفر، ويسقط عنك هذا الشعر. قال: فلم نزل به حتى أجابنا، فأتينا به الحمام وأمرنا صاحب الحمام أن لا يدخل علينا أحدا، فدخل وهو خائف مترقب لا ينزع يده من يد أحدنا حتى صار في داخل الحمام، فأمرنا من طلاه بالنورة، وكان جلده أشعر كجلد عنز، فقلق ونازع للخروج، وبدأ شعره يسقط؛ فقلنا: أحين طاب الحمام وبدأ شعرك يسقط تخرج؟ قال: يا بن أخي، وهل بقي إلا أن أنسلخ كما ينسلخ الأديم في احتدام القيظ، وجعل يقول:
وهل يطيب الموت يا إخواني ... هل لكم في القوس والأتان
خذوهما مني بلا أثمان ... وخلصوا المهجة يا صبياني
فاليوم لو أبصرني جيراني ... عريان بل أعرى من العريان
قد سقط الشعر عن الجثمان ... حسبت في المنظر كالشيطان
قال: ثم خرج مبادرا، وأتبعه أحداث لنا لولاهم لخرج بحاله تلك ما يستره شيء، ولحقناه في وسط البيوت، فأتيناه بماء بارد، فشرب وصب على رأسه، فارتاح واستراح، وأنشأ يقول:
الحمد للمستحمد القهار ... أنقذني من حر بيت النار
إلى ظليل ساكن الأوار ... من بعد ما أيقنت بالدمار

(1/456)

قال: فدعونا بكسوة غير كسوته فألبسناه، وأتينا به مجلس أبي حماد وكان أبو حماد يبيع الحنطة والتمر وجميع الحبوب، وكان يجاوره قوم يبيعون أنبذة التمر، وكان أبو الحسن التمار ماهرا، فإذا خضنا في النحو وذكرنا الرواسي والكسائي وأبا زيد جعل ينظر بفقه الكلام، ولا يفهم التأويل فقلنا له: ما تقول يا أبا الزهراء؟ فقال: يا بن أخي، إن كلامكم هذا لا يسد عوزا مما تتعلمونه له؛ فقال أبو الحسن: إن بهذا تعرف العرب صوابها من خطئها؛ فقال له: ثكلت وأثكلت، وهل تخطىء العرب؛ قال: بلى؛ قال: على أولئك لعنة الله، وعلى الذين أعتقوا مثلك، قال سويد: وكنت أحدثهم سنا، قالت: فقلت: جعلت فداك، أنا رجل من بني شيبان وربيعة، ما نعلم أنا على مثل الذي أنت عليه من الإنكار عليهم، فقال فيهم:
يسائلني بياع تمر وجردق ... ومازج أبوال له في إنائه
عن الرفع بعد الخفض لا زال خافضا ... ونصب وجزم صيغ من سوء رائه
فقلت له هذا كلام جهلته ... وذو الجهل يروي الجهل عن نظرائه
فقال بهذا يعرف النحو كله ... يرى أنني في العجم من نظرائه
فأما تميم أو سليم وعامر ... ومن حل غمر الضال أو في إزائه
ففيهم وعنهم يؤثر العلم كله ... ودع عنك من لا يهتدي لخطائه
فمن ذا الرؤاسي الذي تذكرونه ... ومن ذا الكسائي سالح في كسائه
ومن ثالث لم أسمع الدهر باسمه ... يسمونه من لؤمه سيبوائه
فكيف يحيل القوم من كان أهله ... ويهدي له من ليس من أوليائه
فلست لبياع التميرات مغضيا ... على الضيم إن واقفت بعد عشائه
ولقد قلنا له: يا أبا الزهراء ... هل قرأت من كتاب الله شيئا؟
قال: أي وأبيك، آيات مفصلات، أرددهن في الصلوات، أباء وأمهات، وعمات وخالات ثم أنشأ يقول:
قرأت قول الله في الكتاب ... ما أنزل الرحمن في الأحزاب
لعظم ما فيها من الثواب ... الكفر والغلظة في الأعراب
وأنا فاعلم من ذوي الألباب ... أومن بالله بلا ارتياب
بعرشه المستور بالحجاب ... والموت والبعث وبالحساب
وجنة فيها من الثياب ... ما ليس بالبصرة في حساب
وجاحم يلفح بالتهاب ... أوجه أهل الكفرو والتباب
ودفع رحل الطارق المنتاب ... في ليلة ساكنة الكلاب
ولما أحضرناه ذات يوم جنازة، قلنا له: يا أبا الزهراء، كيف رأيت الكوفة؟ فقال: يا بن أخي، حضرا حاضرا، ومحلا أهلا، أنكرت من أفعالكم الأكيال والأوزان، وشكل النسوان، ثم نظر إلى الجبانة، فقال: ما هذه التلال يا بن أخي؟ قلت له: أجداث الموتى: فقال: أماتوا أم قتلوا؟ فقلت: قد ماتوا بآجالهم، ميتات مختلفات، قال: فماذا ننتظر نحن يا بن أخي؟ قلت: مثل الذي صاروا إليه، فاستعبر وبكى، وجعل يقول:
يا لهف نفسي أن أموت في بلد ... قد غاب عني الأهل فيه والولد
وكل ذي رحم شفيق معتقد ... يكون ما كنت سقيما كالرمد
يا رب يا ذا العرش وفق للرشد ... ويسر الخير لشيخ منحصد
ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى أخذته الحمى والبرسام، فكنا لا نبارحه عائدين متفقدين، فبينا نحن عنده ذات يوم، وقد اشتد كربه وأيقنى بالموت، جعل يقول:
أبلغ بناتي اليوم أبلغ بالصوى ... قد كن يأملن إيابي بالغنى
وقر تمنين وما تفنى المنى ... بأن نفسي وردت حوض الردى
يا رب يا ذا العرش في أعلى السما ... إليك قدمت صيامي في الظما
ومن صلاتي في صباح ومسا ... فعد على شيخ كبير ذي انحنا

(1/457)

كفاه ما لاقاه في الدنيا كفى
قلنا له: يا أبا الزهراء، ما تأمرنا في القوس والأتان، وفيما قسم الله لك عندنا من رزق؟ فقال: يا بن أخي، أما ما قسم الله لي عندكم، فمردود إليكم وأما القوس والأتان فبيعوها وتصدقوا بثمنهما في فقراء صلبة بني تميم، وما بقي ففي مواليهم، ثم جعل يقول: اللهم اسمع دعاء عبدك إليك، وتضرعه بين يديك، وأعرف له حق إيمانه بك، وتصديقه برسلك الذين صليت عليهم وسلمت، اللهم إني جان مقترف، وهائب معترف، لا أدعي براءة، ولا أرجو نجاة إلا برحمتك إياي، وتجاوزك عني، اللهم إنك كتبت علي في الدنيا التعب والنصب، وكان في قضائك وسابق علمك قبض روحي في غير أهلي وولدي، اللهم فبدل لي التعب والنصب روحا وريحانا وجنة نعيم فضل كريم. ثم صار يتكلم بما لا نفقهه ولا نفهمه، حتى مات رحمه الله. فما سمعت دعاء أبلغ من دعائه، ولا شهدت جنازة أكثر باكيا وداعيا من جنازته، رحمه الله.
عودة إلى كلام الأعراب
وقال أعرابي يصف كساء:
ن كان ذابت فهذا بتي ... مقيظ مصيف مشتي
سجته من نعجات ست
وقال أعرابي:
قالت سليمى ليت لي بعلا بمن ... يغسل أسي ويسلبني الحزن
حاجة ليس لها عندي ثمن ... مشهورة قضاؤها منه وهن
قالت جواري الحي يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قلت وإن
قال الإعرابي:
جاريتان حلفت أماهما ... وأن ليس مغبونا من أشتراهما
والله لا أخبركم أسماهما ... إلا بقولي هكذا هما هما
ما اللتان صادني سهماهما ... حيا وحيا الله من حياهما
أمات ربي عاجلا أباهما ... حتى تلاقي منيتي مناهما
وقال أعرابي:
إن لنا لكنه ... معنة مفنه
سمعنة نظرنه ... إلا تره تظنه
السمعنة النظرنة: المرأة التي إذا سمعت أو نظرت فلم تر شيئا تظنت تظنيا. وأنشد أبو عبد الله بن لبانة لأعرابي:
كريمة يحبها أبوها ... مليحة العينين عذبا فوها
لا تحسن السب وإن سبوها
قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه بدرة، فقال: يا أصمعي، إن حدثتني بحديث العجز فأضحكتني وهبتك هذه البدرة، قلت: نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا في صحارى الأعراب في يوم شديد البرد والريح، إذا أنا بأعرابي قاعد إلى أجمة، قد احتملت الريح كساءه فألقته على الأجمة وهو عريان، فقلت له: يا أعرابي، ما أجلسك ها هنا على هذه الحال؟ فقال: جارية واعدتها يقال لها سلمى أنا منتظر لها؛ فقلت وما يمنعك من أخذ كسائك؟ قال: العجز يوقفني عن أخذه؛ قلت له: فهل قلت في سلمى شيئا؟ قال: نعم: قلت له: أسمعني لله أبوك؛ قال: لا أسمعك حتى تأخذ كسائي وتلقيه علي. قال: فأخذته فألقيته عليه، فأنشأ يقول:
لعل الله أن يأتي بسلمى ... فيبطحها ويلقيني عليها
ويأتي بعد ذاك سحاب مزن ... يطهرنا ولا نسعى إليها
فاستضحك هارون حتى استلقى على ظهره، وقال: خذ البدرة لا بورك لك فيها أذكروا أن أعرابيا أتى عينا من ماء صاف في شهر رمضان، فشرب حتى روي، ثم أومأ بيده إلى السماء فقال:
إن كنت قدرت الصيا ... م فأعفنا من شهر آب
أولا فإنا مفطرو ... ن وصابرون على العذاب
خلا أعرابي بامرأة ليفسق بها فلم ينتشر له. فقالت له: قم خائبا؛ فقال: الخائب من فتح فم الجراب ولم يكل له دقيق. فخجلت ولم ترد جوابا.
كتاب المجنبة في الأجوبة
قال أحمد بن محمد بن، عبد ربه: قد مضى قولنا في كلام الأعراب خاصة

(1/458)

ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الجوابات التي هي أصعب الكلام كله مركبا، وأعزه مطلبا، وأغمضه مذهبا، وأضيقه مسلكا، لأن صاحبه يعجل مناجاة الفكرة، واستعمال! القريحة؛ يوم في بديهة، نقض ما أبرم في روية؛ فهو كمن أخذت عليه الفجاج، وسدت عليه المخارج؛ قد تعرض للأسنة، واستهدف للمرامي؛ لا يدري ما يقرع به فيتأهب له، ولا ما يفجؤه من خصمه فيقرعه بمثله. ولا سيما إذا كان القائل قد أخذ بمجامع الكلام فقاده بزمامه، بعد أن روى فيه وأحتفل، وجمع خواطره وأجتهد، وترك الرأي يغب حتى يختمر، فقد كرهوا الرأي الفطير، كما كرهوا الجواب الدبري؛ فلا يزال في نسج الكلام واستئناسه، حتى إذا اطمأن شارده، وسكن نافره، صك به خصمه جملة واحدة؟ ثم إذا قيل له: أجب ولا تخطىء، وأسرع ولا تبطىء، تراه يجاوب من غير أناة ولا استعداد، يطبق المفاصل، وينفذ إلى، المقاتل، كما يرمى الجندل بالجندل، ويقرع الحديد بالحديد؟ فيحل به عراه، وينقض به مرائره، ويكون جوابه على كلامه، كسحابة لبدت عجاجة. فلا شيء أعضل من الجواب الحاضر، ولا أعز من الخصم الألد، الذي يقرع صاحبه، ويصرع منازعه
بقول كمثل النار في الحطب الجزل
قال أبو الحسن: أسرع الناس جوابا عند البديهة قريش ثم بقية العرب؛ وأحسن الجواب كله ما كان حاضرا مع إصابة معنى وإيجاز لفظ. وكان يقال: اتقوا جواب عثمان بن عفان. وقالت النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن الزبرقان؛ قال: مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: والله يا رسول الله، لقد علم مني أكثر من هذا، ولكن حسدني. قال عمروبن الأهتم: أما والله يا رسول الله، إنه لزمر المروءة، ضيق العطن أحمق الوالد، لئيم الخال والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى؟ رضيت عن ابن عمي فقلت فيه أحسن ما فيه ولم أكذب، وسخطت عليه فقلت أقبح ما فيه ولم أكذب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن من البيان سحرا.
جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية
وأصحابه

(1/459)

لما قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية، أكرمه وقربه وقضى حوائجه وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الأيام: والله إن عليا غير حافظ لك، قطع قرابتك وما وصلك ولا اصطنعك. قال له عقيل: والله لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنه بالله إذ ساء به ظنك، وحفظ أمانته وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أبالك، فإنه عما تقول بمعزل. وقال له معاوية يوما: أبا يزيد، أنا لك خير من أخيك علي. قال: صدقت، إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي، وأخي خير لنفسه منك. وقال له ليلة الهرير: أبا يزيد، أنت الليلة معنا؟ قال: نعم، ويوم بدر كنت معكم. وقال رجل لعقيل: إنك لخائن حيث تركت أخاك وترغب إلى معاوية. قال: أخون مني والله من سفك دمه بين أخي وابن عمي أن يكون أحدهما أميرا. ودخل عقيل على معاوية، وقد كف بصره، فأجلسه معاوية على سريره، ثم قال له: أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم. قال: وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم. ودخل عتبة بن أبي سفيان، فوسع له معاوية بينه وبين عقيل، فجلس بينهما، فقال عقيل، من هذا الذي اجلس أمير المؤمنين بيني وبينه؟ قال: أخوك وابن عمك عتبة. قال: أما إنه إن كان أقرب إليك مني إني لأقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم منك ومنه، ومنه، وأنتما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ونحن سماء. قال عتبة: أبا يزيد، أنت كما وصفت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق ما ذكرت، وأمير المؤمنين عالم بحقك، ولك عندنا مما تحب أكثر مما لنا عندك مما نكره. ودخل عقيل على معاوية، فقال لأصحابه: هذا عقيل عمه أبو لهب. قال له عقيل: وهذا معاوية عمته حمالة الحطب؛ ثم قال: يا معاوية إذا دخلت النار فاعدل ذات اليسار، فإنك ستجد عمي أبا لهب مفترشا عمتك حمالة الحطب، فانظر أيهما خير: الفاعل أو المفعول به؟ وقال له معاوية يوما: ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم! قال: لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية. وقال له معاوية يوما: والله إن فيكم لخصلة ما تعجبني يا بني هاشم؟ قال: وما هي؟ قال: لين فيكم؛ قال: لين ماذا؛ قال: هو ذاك؛ قال: إيانا تعير يا معاوية! أجل والله، إن فينا للينا من غير ضعف، وعزا من غير جبروت؛ وأما أنتم يا بني أمية، فإن لينكم غدر، وعزكم كفر؛ قال معاوية: ما كل هذا أردنا يا أبا يزيد. قال عقيل:
لذى اللب قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
قال معاوية:
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: لم جفوتمونا يا أبا يزيد؟ فأنشأ يقول:
إني امرؤ مني التكرم شيمة ... إذا صاحبي يوما على الهون أضمرا
ثم قال: وايم الله يا معاوية، لئن كانت الدنيا مهدتك مهادها، وأظلتك بحذافيرها، ومدت عليك أطناب سلطانها، ما ذاك بالذي يزيدك مني رغبة، ولا تخشعا لرهبة. قال معاوية: لقد نعتها أبا يزيد نعتا هش له قلبي، وإني لأرجو أن يكون الله تبارك وتعالى ما رداني برداء ملكها، وحباني بفضيلة عيشها، إلا لكرامة ادخرها لي؛ وقد كان داود خليفة، وسليمان ملكا، وإنما هو لمثال يحتذى عليه، والأمور أشباه؛ وايم الله يا أبا يزيد، لقد أصبحت علينا كريما، وإلينا حبيبا، وما أصبحت أضمر لك إساءة. ويقال إن امرأة عقيل، وهي بنت عتبة بن ربيعة خالة معاوية، قالت لعقيل: يا بني هاشم، لا يحبكم قلبي أبدا، أين أبي؟ أين أخي؟ أين عمي؛ كأن أعناقهم أباريق فضة. قال عقيل: إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك.
جواب ابن عباس لمعاوية
رضي الله عنهما لمعاوية وأصحابه

(1/460)

اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم عبد الله بن عباس، وكان جريئا على معاوية، حقارا له، فبلغه عنه بعض ما غمه، فقال معاوية: رحم الله أبا سفيان والعباس، كانا صفيين دون الناس، فحفظت الميت في الحي والحي في الميت؛ استعملك علي يا بن عباس على البصرة واستعمل أخاك عبيد الله على اليمن، واستعمل أخاك تماما على المدينة، فلما كان من الأمر ما كان هنأتكم بما في أيديكم، ولم أكشفكم عما وعت غرائركم، وقلت: أخذ اليوم وأعطى غدا مثله؟ وعلمت أن بدء اللؤم يضر بعاقبة الكرم، ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم، وقيأتكم ما أكلتم، ولا يزال يبلغني عنكم ما تبرك به الإبل؟ وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم: خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفين؛ ولعمري لبنو تيم وعدي أعظم ذنوبا منا إليكم، إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، وسنوا فيكم هذه السنة؛ فحتى متى أغضي الجفون على القذى، وأسحب الذيول على الأذى، وأقول: لعل الله وعسى! ما تقول يا بن عباس؟ قال: فتكلم ابن عباس فقال: رحم الله أبانا وأباك، كانا صفيين متقارضين، لم يكن لأبي من مال إلا ما فضل أباك، وكان أبوك كذلك لأبي، ولكن من هنأ أباك بإخاء أبي أكثر من هنأ أبي بإخاء أبيك؛ نصر أبي أباك في الجاهلية، وحقن دمه في الإسلام؛ وأما استعمال علي إيانا، فلنفسه دون هواه، وقد استعملت أنت رجالا لهواك لا لنفسك منهم ابن الحضرمي على البصرة، فقتل؛ وابن بشر بن أرطأة على اليمن، فخان، وحبيب بن مرة على الحجاز، فرد، والضحاك بن قيس الفهري على الكوفة، فحصب؛ ولو طلبت ما عندنا وقينا أعراضنا؛ وليس الذي يبلغك عنا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع أصغر ذنوبكم إلينا على مائة حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا إليكم على مائة سيئة لحسنها؛ وأما خذلنا عثمان، فلو لزمنا نصره لنصرناه، وأما قتلنا أنصاره يوم الجمل، فعلى خروجهم مما دخلوا فيه؛ وأما حربنا إياك بصفين، فعلى تركك الحق وأدعائك الباطل؛ وأما إغراؤك إيانا بتيم وعدي، فلو أردناها ما غلبونا عليها، وسكت. فقال في ذلك ابن أبي لهب:
كان ابن حرب عظيم القدر في الناس ... حتى رماه بما فيه ابن عباس
ما زال يهبطه طورا ويصعده ... حتى استقاد وما بالحق من باس
لم يتركن خطة مما يذلله ... إلا كواه بها في فروة الرأس
وقال ابن أبي مليكة: ما رأيت مثل ابن عباس! إذا رأيت أصح الناس، وإذا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 9:48 pm

تكلم فأعرب الناس، وإذا أفتى فأفقه الناس، ما رأيت أكثر صوابا، ولا أحضر جوابا من ابن عباس. ابن الكلبي قال: أقبل معاوية يوما على ابن عباس، فقال: لو وليتمونا ما أتيتم إلينا ما أتينا إليكم من الترحيب والتقريب، وإعطائكم الجزيل، وإكرامكم على القليل، وصبري على ما صبرت عليه منكم؛ وإني لا أريد أمرا إلا أظمأتم صدره، ولا آتي معروفا إلا صغرتم خطره، وأعطيكم العطية فيها قضاء حقوقكم فتأخذونها متكارهين عليها، تقولون: قد نقص الحق دون الأمل؛ فأي أمل بعد ألف ألف أعطيها الرجل منكم، ثم أكون أسر بإعطائها منه بأخذها. والله لئن انخدعت لكم في مالي، وذللت لكم في عرضي، أرى انخداعي كرما، وذلي حلما. ول وليتمونا رضينا منكم بالانتصاف، ولا نسألكم أموالكم، لعلمنا بحالنا وحالكم، ويكون أبغضها إلينا وأحبها إليكم أن نعفيكم. فقال ابن عباس: لو ولينا أحسنا المواساة، وما ابتلينا بالأثرة، ثم لم نغشم الحي، ولم نشتم الميت، ولستم بأجود منا أكفا، ولا أكرم أنفسا، ولا أصون لأعراض المروءة؛ ونحن والله أعطى الآخرة منكم للدنيا، وأعطى في الحق منكم في الباطل، وأعطى على التقوى منكم على الهوى؛ والقسم بالسوية والعدل في الرعية يأتيان على المنى والأمل. ما رضاكم منا بالكفاف! فلو رضيتم به، منا لم ترض أنفسنا به لكم والكفاف رضا من لا حق له فلا تبخلونا حتى تسألونا، ولا تلفظونا حتى تذوقونا. أبو عثمان الحزامي قال: اجتمعت بنو هاشم عند معاوية فأقبل عليهم، فقال: يا بني هاشم، والله إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح، فلا يقطع خيري عنكم علة، ولا يوصد بابي دونكم مسألة، ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا، إنكم لترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتم عطية فيها قضاء حقكم، قلتم: أعطانا دون حقنا، وقصر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب، المسلوب لا حمد له، وهذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم. قال: فأقبل عليه ابن عباس فقال: والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك لله أوسع منك، ولئن أغلقت دوننا لنكفن، أنسفنا عنك. وأما هدا المال، فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة، وحق في الفيء، فالغنيمة ما غلبنا عليها، والفيء ما اجتنيناه. ولولا حقنا في هذا المال لم ياتك منا زائر، يحمله خف ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؛ قال: كفاني، فإنك لا تهر ولا تنبح. وقال يوما معاوية، وعنده ابن عباس: إذا جاءت هاشم بقديمها وحديثها، وجاءت بنو أمية بأحلامها وسياستها، وبنو أسد بن عبد العزي برفادتها ودياتها، وبنو عبد الدار بحجابها ولوائها، وبنو مخزوم بأموالها وأفعالها، وبنو تيم بصديقها وجوادها، وبنو عدي بفاروقها ومتفكرها، وبنو سهم بأرائها ودهائها، وبنو جمح بشرفها وأنفتها، وبنو عامر بن لؤي بفارسها وقريعها، فمن ذا يجلي في مضمارها، ويجري إلى غايتها؟ ما تقول يا بن عباس؟ قال: أقول: ليس حي يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم، إلا قريشا فإنهم يفخرون بالنبوة التي لا يشاركون فيها، ولا يساوون بها، ولا يدفعون عنها؛ وأشهد أن الله لم يجعل محمدا من قريش إلا وقريش خير البرية، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم، ما نريد أن نفخر عليكم إلا بما تفخرون به، إن بنا فتح الأمر وبنا يختم، ولك ملك معجل، ولنا مؤجل، فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك، لأنا أهل العاقبة، والعاقبة للمتقين أبو مخنف قال: حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا بن عباس، مالك إذا رأيتني وليتني القصرة، وكان بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة الهمزة! فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، ولقريش الكرام البررة

(1/462)

لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما. دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه وتسمو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا. المدائني قال: قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية وتناول بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، واجتمعت قريش، فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو، فقال: يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية، وأعطيته ما بيدك، ومناك ما بيد غيرك، وكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، حتى لو كانت نفسك في يدك ألقيتها، وكل راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعذل والتنقص، وذكرت مشاهدك بصفين، فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك، ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان، آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير وأخري لا تقبضها عن شر، ولسان غادر ذو وجهين؛ وجهان وجه موحش، ووجه مؤنس؛ ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره، لحري أن يطول عليها ندمه. لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك. فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قريش أثقل علي مسئلة، ولا أمر جوابا منك، ولو استطعت ألا أجيبك لفعلت، غير أني لم أبع ديني من معاوية، ولكن بعت الله نفسي، ولم أنس نصيبي من الدنيا، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته، فإنه لا تعلم العوان الخمرة؛ وأما ما أتى إلي معاوية في مصر، فإن ذلك لم يغيرني له؛ وأما خفة وطأتي عليكم بصفين، فلم استثقلتم حياتي واستبطأتم وفاتي؛ وأما الجبن، فقد علمت قريش أني أول من يبارز، وأمر من ينازل؛ وأما طول لساني، فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان رضي الله عنه:ا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما. دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه وتسمو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك، فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا. المدائني قال: قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب، فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية وتناول بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، واجتمعت قريش، فأقبل عبد الله بن عباس على عمرو، فقال: يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية، وأعطيته ما بيدك، ومناك ما بيد غيرك، وكان الذي أخذ منك أكثر من الذي أعطاك، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته، حتى لو كانت نفسك في يدك ألقيتها، وكل راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعذل والتنقص، وذكرت مشاهدك بصفين، فوالله ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك، ولقد كشفت فيها عورتك، وإن كنت فيها لطويل اللسان، قصير السنان، آخر الخيل إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير وأخري لا تقبضها عن شر، ولسان غادر ذو وجهين؛ وجهان وجه موحش، ووجه مؤنس؛ ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره، لحري أن يطول عليها ندمه. لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك. فأجابه عمرو بن العاص: والله ما في قريش أثقل علي مسئلة، ولا أمر جوابا منك، ولو استطعت ألا أجيبك لفعلت، غير أني لم أبع ديني من معاوية، ولكن بعت الله نفسي، ولم أنس نصيبي من الدنيا، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته، فإنه لا تعلم العوان الخمرة؛ وأما ما أتى إلي معاوية في مصر، فإن ذلك لم يغيرني له؛ وأما خفة وطأتي عليكم بصفين، فلم استثقلتم حياتي واستبطأتم وفاتي؛ وأما الجبن، فقد علمت قريش أني أول من يبارز، وأمر من ينازل؛ وأما طول لساني، فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان بن عفان رضي الله عنه:

(1/463)

لساني طويل فاحترس من شذاته ... عليك وسيفي من لساني أطول
وأما وجهاي ولساناي، فإن ألقى كل ذي قدر بقدره، وأرمي كل نابح بحجره، فمن عرف قدره كفاني نفسه، ومن جهل قدره كفيته نفسي. ولعمري ما لأحد من قريش مثل قدرك ما خلا معاوية، فما ينفعني ذلك عندك؛ وأنشأ عمرو يقول:
بني هاشم مالي أراكم كأنكم ... بي اليوم جهال وليس بكم جهل
ألم تعلموا أني جسور على الوغى ... سريع إلى الداعي إذا كثر القتل
وأول من يدعو نزال، طبيعة ... جبلت عليها، والطباع هو الجبل
وأني فصلت الأمر بعد اشتباهه ... بدومة إذ أعيا على الحكم الفصل
وأني لا أعيا بأمر أريده ... وأني إذا عجت بكاركم فحل
محمد بن سعيد عن إبراهيم بن حويطب قال: قال عمرو بن العاص لعبد الله ابن عباس بعد قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن هذا الأمر، الذي نحن فيه وأنتم، ليس بأول أمر قاده البلاء، وقد بلغ الأمر بنا وبكم إلى ما ترى، وما أبقت لنا هذه الحرب حياء ولا صبرا، ولسنا نقول!: ليت الحرب عادت، لكنا نقول: ليتها لم تكن كانت، فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فإنك رأس هذا الأمر بعد علي، فإنك أمير مطاع، ومأمور مطيع، ومشاور مأمون، وأنت هو.
مجاوبة بني هاشم وبني عبد شمس لابن الزبير
الشعبي قال: قال ابن الزبير لعبد الله بن عباس: قاتلت أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفتيت بزواج المتعة. فقال: أما أم المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سميت أم المؤمنين، وكناها خير بنين، فتجاوز الله عنها. وقاتلت أنت وأبوك عليا، فإن كان علي مؤمنا، فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين؛ هان كان علي كافرا، فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف؛ وأما المتعة، فإن عليا رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها فأفتيت بها، ثم سمعته ينهي عنها فنهيت عنها؟ وأول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير. دخل الحسن بن علي على معاوية، وعنده ابن الزبير وأبو سعيد بن عقيل ابن أبي طالب، فلما جلس الحسن، قال معاوية: يا أبا محمد، أيهما كان أكبر: علي أم الزبير؛ قال: ما أقرب ما بينهما! علي كان أسن من الزبير، رحم الله عليا. فقال ابن الزبير: ورحم الله الزبير. فتبسم الحسن. فقال أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب: دع عنك عليا والزبير، إن عليا دعا إلى أمر فاتبع، وكان فيه رأسا، ودعا الزبير إلى أمر كان فيه الرأس امرأة، فلما تراءت الفئتان والتقى الجمعان نكص الزبير على عقيبه وأدبر منهزما قبل أن يظهر الحق فيأخذه أو يدحض الباطل فيتركه، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر، فضرب عنقه، وأخذ سلبه وجاء برأسه، ومضى علي قدما كعادته من ابن عمه ونبيه صلى الله عليه وسلم، فرحم الله عليا ولا رحم الزبير. فقال ابن الزبير: أما والله لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلم، قال: إن الذي تعرض به يرغب عنك. وأخبرت عائشة بمقالتهما، فمر أبو سعيد بفنائها فنادته: يا أحول يا خبيث! أنت القائل لابن أختي كذا وكذا؛ فالتفت أبو سعيد فلم يعر شيئا، فقال: إن الشيطان ليراك من حيث لا تراه. فضحكت عائشة وقالت: لله أبوك! ما أخبث لسانك!

(1/464)

الشعبي قال: دخل الحسين بن علي يوما على معاوية ومعه مولى له يقال له ذكوان، وعند معاوية جماعة من قريش فيهم ابن الزبير، فرحب معاوية بالحسين وأجلسه على سريره، وقال: ترى هذا القاعد - يعني ابن الزبير - فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف. فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن إن شئت أن أعلمك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت. فتكلم ذكوان مولى الحسين ابن علي، فقال: يا بن الزبير، إن مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان، رابط الجنان، فإن نطق نطق بعلم، وإن صمت صمت بحلم غير أنه كف الكلام وسبق إلى السنان، فأقرت بفضله الكرام، وأنا الذي أ قول:
فيم الكلام لسابق في غاية ... والناس بين مقصر ومبلد
إن الذي يجري ليدرك شأوه ... ينمى بغير مسود ومسدد
بل كيف يدرك نور بدر ساطع ... خير الأنام وفرع آل محمد
فقال معاوية: صدق قولك يا ذكوان، أكثر الله في موالي الكرام مثلك. فقال

(1/465)

ابن الزبير: إن أبا عبد الله سكت، وتكلم مولاه، ولو تكلم لأجبناه، أو لكففنا عن جوابه إجلالا له، ولا جواب لهذا العبد. قال ذكوان: هذا العبد خير. منك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مولى القوم منهم " . فأنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت ابن الزبير بن العوام بن خويلد، فنحن أكرم ولاء وأحسن فعلا. قال ابن الزبير: إني لست أجيب هذا، فهات ما عندك يا معاوية. فقال معاوية: قاتلك الله يا بن الزبير! ما أعياك وأبغاك! أتفخر بين يدي أمير المؤمنين وأبي عبد الله! إنك أنت المتعدي لطورك، الذي لا تعرف قدرك، فقس شبرك بفترك، ثم تعرف كيف تقع بين عرانين بني عبد مناف. أما والله لئن دفعت في بحور بني هاشم وبني عبد شمس لقطعتك باع مواجها، ثم لترمين بك في لججها. فما بقاؤك في البحور إذا غمرتك، وفي الأمواج إذا بهزتك هنالك تعرف نفسك، وتندم على ما كان من جرأتك، وتمنى ما أصبحت فيه من أمان، وقد حيل بين العير والنزوان. فأطرق ابن الزبير مليا! ثم رفع رأسه فالتفت إلى من حوله، ثم قال: أسألكم بالله، أتعلمون أن أبي حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أباه أبا سفيان حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأمه هند الأكباد؛ وجدي الصديق، وجده المشدوخ ببدر ورأس الكفر، وعمتي خديجة ذات الخطر والحسب، وعمته أم جميل حمالة الحطب، وجدتي صفية، وجدته حمامة، وزوج عمتي خير ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم وزوج عمته شر ولد آدم أبو لهب سيصلى نارا ذات لهب، وخالتي عائشة أم المؤمنين. وخالته أشقى الأشقين، وأنا عبد الله وهو معاوية. قال له معاوية: ويحك يا بن الزبير! كيف تصف نفسك بما وصفتها؟ والله مالك في القديم من رياسة، ولا في الحديث من سياسة، ولقد قدناك وسدناك قديما وحديثا، لا تستطيع لذلك إنكارا، ولا عنه فرارا، وإن هؤلاء الخصوم ليعلمون أن قريشا قد اجتمعت يوم الفجار على رياسة حرب بن أمية، وأن أباك وأسرتك تحت رايته راضون بإمارته، غير منكرين لفضله ولا طامعين في عزله، إن أمر أطاعوا، وإن قال أنصتوا؛ فلم تزل فينا القيادة وعز الولاية حتى بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم فأنتخبه من خير خلقه، من أسرتي لا من أسرتك، وبني أبي لابني أبيك، فجحدته قريش أشد الجحود، وأنكرته أشد الإنكار، وجاهدته أشد الجهاد، إلا من عصم الله من قريش؛ فما ساد قريشا وقادهم إلا أبو سفيان ابن حرب، فكانت الفئتان تلتقي، ورئيس الهدى منا ورئيس الضلالة منا، فمهديكم تحت راية مهدينا، وضالكم تحت راية ضالنا، فنحن الأرباب وأنتم الأذناب، حتى خلص الله أبا سفيان بن حرب بفضله من عظيم شركه، وعصمه بالإسلام من عبادة الأصنام، فكان في الجاهلية عظيما شأنه، وفي الإسلام معروفا مكانه، ولقد أعطي يوم الفتح ما لم يعط أحد من آبائك، وإن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو أمن؛ وكانت داره حرما، لا دارك ولا دار أبيك؛ وأما هند، فكانت امرأة من قريش، في الجاهلية عظيمة الخطر، وفي الإسلام كريمة الخبر؛ وأما جدك الصديق، فبتصديق عبد مناف سمي صديقا لا بتصديق عبد العزي؛ وأما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر فلعمري لقد دعا إلى البراز هو وأخوه وابنه، فلو برزت إليه أنت وأبوك ما بارزوكم ولا رأوكم لهم أكفاء، كما قد طلب ذلك غيركم فلم يقبلوهم، حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم، فقضى الله مناياهم بأيديهم، فنحن قتلنا ونحن قتلنا، وما أنت وذاك؟ وأما عمتك أم المؤمنين، فبنا شرفت وسميت أم المؤمنين، وخالتك عائشة مثل ذلك، وأما صفية، فهي أدنتك من الظل ولولاها لكنت ضاحيا؛ وأما ما ذكرت من عمك وخال أبيك سيد الشهداء، فكذلك كانوا رحمهم الله، وفخرهم وإرثهم لي دونك، ولا فخر لك فيهم، ولا إرث بينك وبينهم؛ وأما قولك أنا عبد الله وهو معاوية، فقد

(1/466)

علمت قريش أينا أجود في الإزم، وأمضى في القدم وأمنع للحرم، لا والله ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالبهم بالذحول، وقدم إليهم الخيول، وخدعتم أم المؤمنين، ولم تراقبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مددتم على نساءكم السجوف، وأبرزتم زوجته للحتوف، ومقارعة السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا، فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد بأيدي العبيد، وأما أنت، فأفلت بعد أن خمشتك براثنه ونالتك مخالبه. وايم الله، ليقومنك بنو عبد مناف بثقافها أو لتصيحن منها صياح أبيك بوادي السباع، وما كان أبوك المرهوب جانبه، ولكنه كما قال الشاعر:علمت قريش أينا أجود في الإزم، وأمضى في القدم وأمنع للحرم، لا والله ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالبهم بالذحول، وقدم إليهم الخيول، وخدعتم أم المؤمنين، ولم تراقبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مددتم على نساءكم السجوف، وأبرزتم زوجته للحتوف، ومقارعة السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا، فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد بأيدي العبيد، وأما أنت، فأفلت بعد أن خمشتك براثنه ونالتك مخالبه. وايم الله، ليقومنك بنو عبد مناف بثقافها أو لتصيحن منها صياح أبيك بوادي السباع، وما كان أبوك المرهوب جانبه، ولكنه كما قال الشاعر:
أكيلة سرحان فريسة ضيغم ... فقضقضه بالكف منه وحطما
نازع مروان بن الحكم يوما ابن الزبير عند معاوية، فكان معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا معاوية: إن لك حقا وطاعة، وإن لك صلة وحرمة، فأطع الله نطعك، فإنه لا طاعة لك علينا إن لم تطع الله، ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السخبر. وقال معاوية يوما وعنده ابن الزبير، وذكر له مروان فقال: إن يطلب هذا الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وان يتركه يتركه لمن هو فوقه، وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا تعطفه قرابة، ولا ترده مودة، يسومكم خسفا، ويوردكم تلفا. قال ابن الزبير: إذا والله نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد، حافاتها الأسل، لها دوي كدوي الريح، تتبع طريفا من قريش، لم تكن أمه براعية ثلة قال معاوية: أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، وأكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع، وليس للآكل بعدي إلا الفلذة، ولا للشارب إلا الرنق.
مجاوبة الحسن بن علي لمعاوية
وأصحابه

(1/467)

وفد الحسن بن علي على معاوية، فقال عمرو لمعاوية: يا أمير المؤمنين: إن الحسن لفه، فلو حملته على المنبر فتكلم وسمع الناس كلامه عابوه وسقط من عيونهم، ففعل. فصعد المنبر وتكلم وأحسن، ثم قال: أيها الناس، لو طلبتم ابنا لنبيكم ما بين لابتيها لم تجدوه غيري وغير أخي، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. فساء ذلك عمرا وأراد أن يقطع كلامه، فقال له: أبا محمد، أتصف الرطب؟ فقال: أجل، تلحقه الشمال، وتخرجه الجنوب. وتنضجه الشمس، ويصبغه القمر. قال: أبا محمد، هل تنعت الخراءة؟ قال: نعم، تبعد المشي في الأرض الصحصح حتى تتوارى من القوم، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تستنج بالقمامة والرمة - يريد الروث والعظم - ولا تبل في الماء الراكد. بينما معاوية بن أبي سفيان جالس في أصحابه إذ قيل له: الحسن بالباب؟ فقال معاوية: إن دخل أفسد علينا ما نحن فيه؛ فقال له مروان بن الحكم: ائذن لي، فإني أسأله ما ليس عنده فيه جواب؛ قال معاوية: لا تفعل، فإنهم قوم قد. ألهموا الكلام، وأذن له. فلما دخل وجلس، قال له مروان: أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن، ويقال إن ذلك من الخرق، فقال الحسن: ليس كما بلغك، ولكنا - معشر بني هاشم - أفواهنا عذبة شفاهها، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن وقبلهن، وأنتم معشر بني أمية فيكم بخر شديد، فنساؤكم يصرفن أفواههن وأنفاسهن عنكم إلى أصداغكم، فإنما يشيب منكم موضع العذار من أجل ذلك. قال مروان: إن فيكم يا بني هاشم خصلة سوء؟ قال: وما هي؟ قال: الغلمة؟ قال: أجل، نزعت الغلمة من نسائنا ووضعت في رجالنا، ونزعت الغلمة من رجالكم ووضعت في نسائكم، فما قام؟ لأموية إلا هاشمي. فغضب معاوية، وقال: قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم، وأفسد عليكم مجلسكم. فخرج الحسن وهو يقول:
ومارست هذا الدهر خمسين حجة ... وحمسا أزجي، قائلا بعد قائل
فلا أنا في الدنيا بلغت جسيمها ... ولا في الذي أهوى كدحت بطائل
وقد شرعت دوني المنايا أكفها ... وأيقنت أني رهن موت معاجل
قال الحسن بن علي لحبيب بن مسلمة الفهري: رب مسير لك في غير طاعة الله؛ قال: أما مسيري إلى أبيك فلا، قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية عن دنيا قليلة، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك، ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت كما قال الله عز وجل: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولكنك كما قال الله: " بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " . قدم عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، فقال له يحيى بن الحكم: ما فعلت خبيثة؛ فقال: سبحان الله! يسميها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وتسميها خبيثة! لقد اختلفتما في الدنيا وستختلفان في الآخرة؛ قال يحيى: لأن أموت بالشام أحب إلي من أن أموت بها؛ قال: اخترت جوار النصارى على جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحيى: ما تقول في علي وعثمان؛ قال: أقول ما قاله من هو خير مني فيمن هو شر منهما: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
مجاوبة بين معاوية وأصحابه

(1/468)

قال معاوية يوما وعنده الضحاك بن قيس وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص: ما أعجب الأشياء؟ قال الضحاك بن قيس: إكداء العاقل وإجداء الجاهل. وقالت سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقالت عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حق له ذا الحق على حقه. فقال معاوية: أعجب من هذا أن تعطي من لاحق له ما ليس له بحق من غير غلبة. حضر قوم من قريش مجلس معاوية، فيهم عمرو بن العاص وعبد الله بن صفوان ابن أمية وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال عمرو: أحمد الله يا معشر قريش إذ جعل أمركم إلى من يغضي على القذى، ويتصام عن العوراء، ويجر ذيله على الخدائع. قال عبد الله: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضراء، ودببنا إليه الخمر، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يطعمك مال مصر. قال معاوية: يا معشر قريش، حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؛ قال عبد الرحمن بن الحارث: إن عمرا أفسدك علينا وأفسدنا عليك، ولو أغضبتك هذه. قال: إن عمرا لي ناصح؛ قال عبد الرحمن: فأطعمنا مثل ما أطعمته، وخذنا بمثل نصيحته؛ إنا رأيناك يا معاوية تضرب عوام قريش بأياديك في خواصها، كأنك ترى أن بكرامها قوتك دون لئامها، وإنك والله لتفرغ في إناء فعم من إناء ضخم، وكأنك بالحرب قد حل عقالها عليك من لا ينظرك قال معاوية: يا بن أخي، ما أحوج أهلك إليك، فلا تفجعهم بنفسك، ثم أنشد:
أغر رجالا من قريش تتايعوا ... على سفه مني الحيا والتكرم
وقال معاوية لابن الزبير: تنازعني هذا الأمر كأنك أحق به مني! قال: لم لا أكون أحق به منك يا معاوية، وقد اتبع أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان، واتبع الناس أباك على الكفر؛ قال له معاوية: غلطت يا بن الزبير، بعث الله ابن عمي نبيا، فدعا أباك فأجابه، فما أنت إلا تابع لي، ضالا كنت أو مهديا. العتبي قال: دعا معاوية مروان بن الحكم، فقال له: أشر علي في الحسين؛ قال: تخرجه معك إلى الشام فتقطعه عن أهل العراق وتقطعهم عنه؛ قال: أردت والله أن تستريح منه وتبتليني به، فإن صبرت عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأت إليه كنت قد قطعت رحمه. فأقامه، وبعث إلى سعيد ابن العاص، فقال له: يا أبا عثمان، أشر علي في الحسين؟ قال: إنك والله ما تخاف الحسين إلا على من بعدك، وإنك لتخلف له قرنا إن صارعه ليصرعنه، هان سابقه ليسبقنه، فذر الحسين منبت النخلة، يشرب من الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السماء؛ قال: فما غيبك عني يوم صفين؟ قال: تحملت الحرم، وكفيت الحزم، وكنت قريبا، لو دعوتنا لأجبناك، ولو أمرت لأطعناك؛ قال معاوية: يأهل الشام، هؤلاء قومي وهذا كلامهم.
مجاوبة بين بني أمية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:03 pm

قال: لما أخرج أهل المدينة عمرو بن سعيد الأشدق، وكان واليهم بعد الوليد بن عتبة هو الذي، أمر أهل المدينة بإخراجي، فأرسل إليه وتوثقه. فأرسل إليه معاوية، فلما دخل عليه، قال له عمرو: أوليد، أنت أمرت بإخراجي؟ قال: لا، ورحمك أبا أمية، ولا أمرت أهل الكوفة بإخراج أبيك، بل كيف أطاعني أهل المدينة فيك إلا أن تكون عصيت الله فيهم، إنك لتحل عرى ملك شديدة عقدتها، وتمري أخلاف فيقة سريعة درتها، وما جعل الله صالحا مصلحا كفاسد مفسد. جلس يوما عبد الملك بن مروان وعند رأسه خالد بن عبد الله بن خالد بن، أسيد، وعند رجليه أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت بين يديه، فقال: هذا والله التوفير وهذه الأمانة! لا ما فعل هذا، وأشار إلى خالد، استعملته على العراق فاستعمل كل ملط فاسق، فأدوا إليه العشرة واحدا، وأدى إلي من العشرة واحدا؛ وأدى إلي من العشرة واحدا، واستعملت هذا على خراسان، وأشار إلى أمية، فأهدى إلى برذونين حطمين، فإن استعملتكم ضيعتم، وإن عزلتكم قلتم استخف بنا وقطع أرحامنا. فقال خالد بن عبد الله: استعملتني على العراق وأهله رجلان: سماع مطيع مناصح، وعدو مبغض مكاشح، فإنا داريناه ضغنه، وسللنا حقده، وكثرنا لك المودة في صدور رعيتك؟ وإن هذا جنى الأموال، وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال، فيوشك أن تنبت البغضاء، فلا أموال ولا رجال. فلما خرج ابن الأشعث قال عبد الملك: هذا والله ما قال خالد.
قدم محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص الشام فأتى عمته آمنة بنت سعيد بن العاص، وكانت عند خالد بن يزيد بن معاوية، فدخل عليه خالد، فراه، فقال له: ما يقدم علينا أحد من أهل الحجاز إلا اختار المقام عندنا على المدينة. فظن محمد أنه يعرض به، فقال: وما يمنعهم وقد قدم من المدينة قوم على النواضح فنكحوا أمك، وسلبوك ملكك، وفرغوك لطلب الحديث، وقراءة الكتب، ومعالجة ما لا تقدر عليه، يعني الكيميا، وكان يعملها. لما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن سرح، دخل عليه عمرو وعليه جبة، فقال له: ما حشو جبتك يا عمرو؛ قال: أنا؛ قال: قد علمت أنك فيها، ثم قال: أشعرت يا عمرو أن اللقاح درت بعدك ألبانها بمصر؟ قال: لأنكم أعجفتم أولادها. وقع بين ابن لعمر بن عبد العزيز وابن لسليمان بن عبد الملك كلام، فجعل ابن عمر يذكر فضل أبيه؛ قال له ابن سليمان: إن شئت فأقلل وإن شئت فأكثر، ما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي. لأن سليمان هو ولى عمر بن عبد العزيز. ذكروا أن العباس بن الوليد وجماعة من بني مروان كانوا عند هشام، فذكروا الوليد بن يزيد فحمقوه وعابوه، وكان هشام يبغضه، ودخل الوليد، فقال له العباس بن الوليد: كيف حبك للروميات؟ فإن أباك كان مشغوفا بهن، قال: إني لأحبهن، وكيف لا يحببن وهن يلدن مثلك؟ قال: اسكت فلست بالفحل يأتي عسبه بمثلي؟ قال له هشام: يا وليد، ما شرابك؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين، وقام فخرج. فقال هشام: هذا الذي تزعمون أنه أحمق. وقرب إلى الوليد بن يزيد فرسه، فجمع جراميزه ووثب على سرجه، ثم التفت إلى ولد لهشام بن عبد الملك، فقال: يحسن أبوك أن يصنع مثل هذا؟ قال: لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا، فقال الناس: لم ينصفه في الجواب. خطب عبد الملك بن مروان بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقالت: والله لا تزوجني أبا الذباب. فتزوجها يحيى بن الحكم. فقال عبد الملك ليحيى: أما والله لقد تزوجت أسود أفوه، قال يحيى: أما إنها أبت مني ما كرهت منك. كان عبد الملك رديء الفم يدمى فيقع عليه الذباب، فسمي أبا الذباب.
الجواب القاطع
نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام، فقال: إني لأبغض هذه الوجوه؟ قال له سعيد بن عثمان: تبغضهم لأنهم قتلوا أباك؟ قال: صدقت، ولكن

(1/470)

الأنصار والمهاجرين قتلوا أباك. وقال الحجاج لرجل من الخوارج: والله إنك من قوم أبغضهم؛ قال له: أدخل الله أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. وقال ابن الباهلي لعمرو بن معد يكرب: إن مهرك لمقرف؛ قال: هجين عرف هجينا مثله. وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: والله لأعدنكم عدا ولاحصدنكم حصدا؛ قالت له: الله يزرع وأنت تحصد، فأين قدرة المخلوق من الخالق؟ وأني الحجاج بامرأة من الخوارج، فقال لأصحابه: ما تقولون فيها؟ قالوا: عاجلها القتل أيها الأمير، قالت الخارجية: لقد كان وزراء صاحبك خيرا من وزرائك يا حجاج؛ قال لها: ومن صاحبي؟ قالت: فرعون، استشارهم في موسى، فقالوا: أرجه وأخاه. وأتي زياد برجل من الخوارج، فقال له: ما تقول في وفي أمير المؤمنين؟ قال: أما الذي تسميه أمير المؤمنين فهو أمير المشركين؛ وأما أنت، فما أقول في رجل أوله لزنية وآخره لدعوة؟ فأمر به فقتل وصلب. قال الأشعث بن قيس لشريح القاضي: لشد ما ارتفعت! قال: فهل رأيت ذلك ضرك؟ قال: لا، قال: فأراك تعرف نعمة الله عليك وتجهلها على غيرك. نازع محمد بن الفضل بعض قرابته في ميراث، فقال له: يا بن الزنديق؛ قال له: إن كان أبي كما تقوله وأنا مثله، فلا يحل لك أن تنازعني في هذا الميراث، إذ كان لا يرث دين دينا.
وأتي الحجاج بامرأة من الخوارج، فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه، فقيل لها: الأمير يكلمك وأنت لا تنظرين إليه! قالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فأمر بها فقتلت. لقي عثمان بن عفان علي بن أبي طالب، فعاتبه في شيء بلغه عنه، فسكت عنه علي؟ فقال له عثمان: ما لك لا تقول؟ قال له علي: ليس لك عندي إلا ما تحب وليس جوابك إلا ما تكره. وتكلم الناس عند معاوية في يزيد ابنه، إذ أخذ له البيعة، وسكت الأحنف فقال له: ما لك لا تقول أبا بحر؟ قال: أخافك إن صدقت، وأخاف الله إن كذبت. قال معاوية يوما: أيها الناس إن الله فضل قريشا بثلاث، فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: وانذر عشيرتك الأقربين فنحن عشيرته، وقال: وإنه لذكر لك ولقومك فنحن قومه، وقال: لإيلاف قريش إيلافهم إلى قوله الذي أطعمهم من جوع أمنهم من خوف ونحن قريش. فأجابه رجل من الأنصار، فقال: على رسلك يا معاوية، فإن الله يقول: " وكذب به قومك " وأنتم قومه، وقال: " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " وأنتم قومه، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا، وأنتم قومه، ثلاثة بثلاثة، ولو زدتنا لزدناك، فأفحمه.
وقال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم، ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
مجاوبة الأمراء والرد عليهم
قال معاوية لجارية بن قدامة: ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية!

(1/471)

قال: ما كان أهونك على أهلك إذ سموك معاوية! وهي الأنثى من الكلاب، قال: لا أم لك! قال: أمي ولدتني للضيوف التي لقيناك بها في أيدينا؛ قال: إنك لتهددني؛ قال: إنك لم تفتتحنا قسرا، ولم تملكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهدا وميثاقا، وأعطيناك سمعا وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن فزعت إلى غير ذلك، فإنا تركنا وراءنا رجالا شدادا، وألسنة حدادا قال له معاوية: لا كثر الله في الناس أمثالك؛ قال جارية: قل معروفا وراعنا، فإن شر الدعاء المحتطب. عدد معاوية بن أبي سفيان على الأحنف ذنوبا، فقال: يا أمير المؤمنين، لا ترد الأمور على أعقابها، أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت فترا من غدر لنمدن باعا من ختر، ولئن شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك، قال: فإني أفعل. قال معاوية لعدي بن حاتم: ما فعلت الطرفات يا أبا طريف؟ - يعني أولاده - قال: قتلوا؟ قال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قتل بنوك معه وبقي له بنوه؛ قال: لئن كان ذلك لقد قتل هو وبقيت أنا بعده؛ قال له معاوية: ألم تزعم أنه لا يخنق في قتل عثمان عنز؛ قد والله خنق فيه التيس الأكبر. ثم قال معاوية: أما إنه قد بقيت من دمه قطرة ولا بد أن أتبعها؛ قال عدي: لا أبا لك! شم السيف، فإن سل السيف يسل السيف. فالتفت معاوية إلى حبيب بن مسلمة، فقال: اجعلها في كتابك فإنها حكمة. الشيباني عن أبي الحباب الكندي عن أبيه: أن معاوية بن أبي سفيان بينما هو جالس وعنده وجوه الناس إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليا، فأطرق الناس وتكلم الأحنف، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل ما قال آنفا لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله ودع عنك عليا، فقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله - ما علمنا - المبرز بسبقه، الطاهر خلقه، الميمون نقيبته، العظيم مصيبته؛ فقال له معاوية: يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدن المنبر فلتلعنه طوعا أو كرها، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، إن تعفني فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري به شفتاي أبدا؛ قال: قم فاصعد المنبر؛ قال الأحنف: أما والله مع ذلك لأنصفنك في القول والفعل، قال: وما أنت قائل يا أحنف إن أنصفتني؛ قال: أصعد المنبر فاحمد الله بما هو أهله، وأصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم أقوله: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا، هان عليا ومعاوية اختلفا فاقتتلا، وأدى كل واحد منهما أنه بغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، وألعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعنا كثيرا، أمنوا رحمكم الله؛ يا معاوية، لا أزيد على هذا ولا أنقص منه حرفا ولو كان فيه ذهاب نفسي. فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر.

(1/472)

وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر؟ قال: أفعل. فإصعد فصعد، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب، فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ثم نزل. فقال له معاوية: إنك لم تبين أبا يزيد من لعنت بيني وبينه؟ قال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت آخر، والكلام إلى نية المتكلم. الهيثم بن عدي قال: قال معاوية لأبي الطفيل: كيف وجدك على علي؟ قال: وجد ثمانين مثكلا؛ قال: فكيف حبك له؟ قال: حب أم موسى، وإلى الله أشكو التقصير. وقال له مرة أخرى: أبا الطفيل؟ قال: نعم؟ قال: أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكني ممن حضره ولم ينصره؟ قال وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرن والأنصار فلم أنصره؟ قال: لقد كان حقه واجبا، وكان عليهم أن ينصروه؟ قال: فما منعك من نصرته يا أمير المؤمنين وأنت ابن عمه؟ قال: أو ما طلبي بدمه نصره له؟ فضحك أبو الطفيل وقال: مثلك ومثل عثمان كما قال الشاعر:
لأعرقنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادا
العتبي قال: صعد معاوية المنبر فوجد من نفسه رقة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس: إن عمر ولأني أمرا من أمره، فوالله ما غششته ولا خنته، ثم ولاني الأمر من بعده ولم يجعل بيني وبينه أحدا، فأحسنت والله وأسأت، وأصبت وأخطأت، فمن كان يجهلني فإني أعرفه بنفسي. فقام إليه سلمة بن الخطل العرجي، فقال: أنصفت يا معاوية، وما كنت منصفا. قال: فغضب معاوية، وقال: ما أنت وذاك يا أحدب! والله لكأني انظر إلى بيتك بمهيعة، وبطنب تيس، وبطنب بهمة. بفنائه أعنز عشر، يحتلبن في مثل قوارة حافر العير، تهفو الرح منه بجانب، كأنه جناح نسر. قال: رأيت والله ذاك، في شر زماننا إلينا، والله إن حشوه يومئذ لحسب غير دنس، فهل رأيتني يا معاوية أكلت مالا حراما أو قتلت امرأ مسلما؟ قال: وأين كنت أراك وأنت لا تدب إلا في خمر، وأي مسلم يعجز عنك فتقتله؛ أم في مال تقوى عليه فتأكله؟ اجلس لا جلست؟ قال: بل اذهب حتى لا تراني؛ قال: إلى أبعد الأرض لا إلى أقربها، فمضى. ثم قال معاوية: ردوه علي، فقال الناس: يعاقبه؛ فقال له أستغفر الله منك يا أحدب، والله لقد بررت في قرابتك، وأسلمت فحسن إسلامك، وإن أباك لسيد قومه، ولا أبرح أقول بما تحب، فاقعد.
الأوزاعي قال: دخل خريم الناعم على معاوية فنظر إلى ساقيه، فقال: أي ساقين لو إنهما على جارية! قال: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين: قال معاوية: واحدة بأخرى والبادي أظلم. دخل عطاء المضحك على عبد الملك بن مروان، فقال له: أما وجدت لك أمك اسما إلا عطاء؟ قال: لقد استكثرت من ذلك ما استكثرته يا أمير المؤمنين، ألا سمتني باسم المباركة، صلوات الله عليها، مريم. قال معاوية لصحار بن العباس العبدي: يا أزرق؛ قال: البازي أزرق؛ قال:

(1/473)

يا أحمر؛ قال: الذهب أحمر، قال: ما هذه البلاغة فيكم عبد القيس؟ قال: شيء يختلج في صدورنا فتقذفه ألسنتنا كما يقذف البحر الزبد، قال: فما البلاغة عندكم؟ قال: أن نقول فلا نخطىء، ونجيب فلا نبطىء. وقال عبد الله بن عامر بن كريز لعبد الله بن حازم: يا بن عجلى قال: ذاك اسمها؛ قال: يا بن السوداء؛ قال: ذاك لونها، قال: يا بن الأمة؛ قال: كل أنثى أمة، فاقصد بذرعك لا يرجع سهمك عليك، إن الإماء قد ولدتك. دخل عبيد الله بن زياد بن، ظبيان على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما هذا الذي يقول الناس؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون إنك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه به من الماء بالماء، والغراب، ولكن أدلك على من لم يشبه أباه؟ قال: من هو؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام؟ قاد: ومن هو؟ قال: ابن عمي سويد بن منجوف، وإنما أراد عبد الملك بن مروان، وذلك أنه ولد لستة أشهر.
دخل زيد بن علي على هشام بن عبد الملك فلم يجد موضعا يقعد فيه، فعلم أن ذلك فعل به على عمد، فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله! قال: أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى الله؛ قال زيد إنه لا يكبر أحد فوق أن يوصى بتقوى الله، ولا يصغر دون أن يوصى بتقوى الله. قال له هشام: بلغني أنك تحدث نفسك بالخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة؛ قال زيد: أما قولك إني أحدث نفسي بالخلافة، فلا يعلم الغيب إلا الله؛ وأما قولك إني ابن أمة، فهذا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن، ابن أمة، من صلبه خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وإسحاق، ابن حرة، أخرج من صلبه القردة والخنازير وعبدة الطاغوت. قال له: قم، قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره، فلما خرج من عنده قال: ما أحب أحد قط الحياة إلا ذل. قال له حاجبه: لا يسمع هذا الكلام منك أحد. وقال زيد بن علي:
شرده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد
محتفي الرجلين يشكو الوجى ... تقرعه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
ثم خرج بخراسان فقتل وصلب في كناسة. وفيه يقوله سديف بن ميمون في دولة بني العباس:
واذكروا مقتل الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس
يريده حمزة بن عبد المطلب المقتول بأحد.

(1/474)

دخل رجل من قيس على عبد الملك بن مروان فقال: زبيري! والله لا يحبك قلبي أبدا؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنما يجزع من فقد الحب النساء، ولكن عدلا وإنصافا. وقال عمر بن الخطاب لأبي مريم الحنفي، قاتل زيد بن الخطاب: والله لا يحبك قلبي أبدا حتى تحب الأرض الدم؛ قال: يا أمير المؤمنين، فهل تمنعني لذلك حقا؟ قال: لا؛ قال: فحسبي. دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، فقال له: على امرىء أوطأك رسنك وسلطك على الأمة لعنة الله؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمر مدبر عني، ولو رأيتني والأمر مقبل علي لعظم في عينك ما استصغرت مني؟ قال: أتظن الحجاج استقر في قعر جهنم أم هو يهوي فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه من النار حيث شئت. وقال مروان بن الحكم لزفر بن الحارث: بلغني أن كندة تدعيك؛ قال: لا خير فيمن لا يتقى رهبة ولا يدعى رغبة. قال مروان بن الحكم للحسن بن دلجة: إني أظنك أحمق؟ قال: ما يكون الشيخ إذا أعمل ظنه؟ وقال مروان لحويطب بن عبد العزي: وكان كبيرا مسنا. أيها الشيخ، تأخر إسلامك حتى سبقك الأحداث؛ فقال: الله المستعان، والله لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ذلك يعوقني عنه أبوك وينهاني ويقول: يضع من قدرك، وتترك دين آبائك لدين محدث، وتصير تابعا. فسكت مروان. قال عبد الملك بن مروان لثابت بن عبد الله بن الزبير: أبوك كان أعلم بك حيث كان يشتمك؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنما كان يشتمني لأني كنت أنهاه أن يقاتل بأهل المدينة وأهل مكة، فإن الله لا ينصر بهما؛ أما أهل مكة فأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخافوه، ثم جاءوا إلى المدينة فآذوه، حتى سيرهم، يعرض بالحكم بن أبي العاصي طريد النبي صلى الله عليه وسلم وأما أهل المدينة فخذلوا عثمان حتى قتل بين أظهرهم ولم يدفعوا عنه، قال له: عليك لعنة الله. جلس معاوية يبايع الناس على البراءة من علي، فقال له رجل من بني تميم: يا أمير المؤمنين، نطيع أحياءكم ولا نبرأ من موتاكم؛ فالتفت معاوية إلى زياد فقال: هذا رجل فاستوص به. قال معاوية يوما: يا معشر الأنصار، لم تطلبون ما عندي، فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا مع علي، ولقد فللتم حدى يوم صفين، حتى رأيت المنايا تتلظى من أسنتكم، ولقد هجوتموني بأشد من وخز الأسل، حتى إذا أقام الله منا ما حاولتم ميله، قلتم ارع فينا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم هيهات! أبى الحقين العذرة. فأجابه قيس بن سعد، قال: أما قولك جئناك نطلب ما عندك، فبالإسلام الكافي به الله لا بما تمت به إليك الأحزاب؛ وأما استقامه الأمر، فعلى كره منا كان؛ وأما فلنا حدك يوم صفين، فأمر لا نعتذر منه؛ وأما عداوتنا لك، فلو شئت - كففتها عنك، وأما هجاؤنا إياك، فقول يثبت حقه، ويزول باطله؛ وأما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يؤمن به يحفظها من بعده، وأما قولك: أبى الحقين العذرة، فليس دون الله يد تجزك منا، فدونك أمرك يا معاوية، فإنما مثلك كما قال الشاعر:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجر فبيضى واصفرى
وقال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: فيمن العز بالبصرة؟ قال: فينا وفي حلفائنا من ربيعة. قال سليمان: الذي تحالفتما عليه أعز منكما.

(1/475)

مر عمر بن الخطاب بالصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، ففروا، وثبت ابن الزبير؟ قال له عمر: كيف لم تفر مع أصحابك؟ قال: لم أجترم فأخافك، ولم يكن بالطريق من ضيق فأوسع لك. وقال عبد الله بن الزبير لعدي بن حاتم: متى فقئت عينك؟ قال: يوم قتل أبوك، وهربت عن خالتك، وأنا للحق ناصر، وأنت له خاذل. وكان فقئت عينه يوم الجمل. وقال هارون الرشيد ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخطباء في ربيعة؟ قال: نعم، ولكن منابرهم الجذوع. كان المسور بن مخرمة جليلا نبيلا، وكان يقول في يزيد بن معاوية: إنه يشرب الخمر. فبلغه ذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلده الحد، ففعل. فقال المسور في ذلك:
أيشربها صرفا يفض ختامها ... أبو خالد ويجلد الحد مسور
قال المأمون ليحمى بن أكثم القاضي: أخبرني من الذي يقول؟
قاض يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
قال: يقوله يا أمير المؤمنين الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضى وعلى ال ... أمة وال من آل عباس
قال: ومن يقوله؟ قال: أحمد بن نعيم، قال: ينفى إلى السند، وإنما مزحنا معك.
قال سليمان بن عبد الملك لعدي بن الرقاع: أنشدني قولك في الخمر:
كميت إذا شجت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونهلوجه أخيها في الإناء قطوب فأنشده. فقال له سليمان: شربتها ورب الكعبة، قال عدي: والله يا أمير المؤمنين، لئن رابك وصفي لها قد رابتني معرفتك بها. فتضاحكا وأخذا في الحديث. الأصمعي قال: لما ولي بلال بن أبي بردة البصرة بلغ ذلك خالد بن صفوان، فقال:
سحابة صيف عن قليل تقشع
فبلغ ذلك بلالا فدعا به، فال له: أنت القائل:
سحابة صيف عن قليل تقشع

(1/476)

أما والله لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، فضربه مائة سوط. وكان خالد يأتي بلالا في ولايته، ويغشاه في سلطانه، ويغتابه إذا غاب عنه، ويقول: ما في قلب بلال من الإيمان إلا ما في بيت أبي الزرد الحنفي من الجواهر. وأبو الزرد رجل مفلس. دخل عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على خالد بن عبد الله القسري بعد حجاب شديد، وكان عتبة رجلا سخيا، فقال له خالد، يعرض به: إن هاهنا رجالا يداينون في أموالهم، فإذا فنيت يداينون في أعراضهم. فعلم القرشي أنه يعرض به، فقال: أصلح الله الأمير، إن رجالا تكون أموالهم أكثر من مرواتهم، فأولئك تبقى أموالهم، ورجالا تكون مرواتهم أكثر من أموالهم، فإذا نفدت دانوا على سعة ما عند الله. فخجل خالد وقال: أما إنك منهم ما علمت. كان شريك القاضي يشاحن الربيع صاحب شرطة المهدي، فحمل الربيع المهدي عليه، فدخل شريك يوما على المهدي، فقال له المهدي: بلغني أنك ولدت في قوصرة؛ فقال: ولدت يا أمير المؤمنين بخراسان والقواصر هناك عزيزة؛ قال: إني لأراك فاطميا خبيثا؛ قال: والله إني لأحب فاطمة وأبا فاطمة صلى الله عليه وسلم، قال: وأنا والله أحبهما، ولكني رأيتك في منامي مصروفا وجهك عني، وما ذاك إلا لبغضك لنا، وما أراني إلا قاتلك لأنك زنديق؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الدماء لا تسفك بالأحلام، ليس رؤياك رؤيا يوسف النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قولك بأني زنديق، فإن للزنادقة علامة وليس رؤياك رؤيا يوسف النبي صلى الله عليه وسلم وأما قولك بأني زنديق، فإن للزنادقة علامة يعرفون بها؟ قال: وما هي؟ قال: بشرب الخمر والضرب بالطنبور؛ قال: صدقت أبا عبد الله، وأنت خير من الذي عحملني عليك. قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص لما قدم عليه من مصر: لقد سرت سيرة عاشق، قال: والله ما تأبطتني الإماء، ولا حملتني البغايا! في غبرات المآلي؛ قال عمر: والله ما هذا جواب كلامي الذي سألتك عنه، وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل، والبيضة منسوبة إلى طرقها، وقام عمر فدخل. فقال عمرو: لقد فحش علينا أمير المؤمنين. وتزعم الرواة أن قتيبة بن مسلم لما افتتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وإلى آلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليهم، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهروا عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفي صحنها قدور أشتات، ترتقى بالسلالم. فإذا الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل، والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله ابن مسلم قال لقتيبة: إئذن لي في كلامه؛ فقال: لا ترده، فإنه خبيث الجواب فأبى عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك - فأقبل على الحضين، فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، ضعف عمك عن تسور الحيطان؛ قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها؟ قال: أجل، ولا عيلان، ولو كان رآها سمي شبعان ولم يسم عيلان، قال له عبد الله: أتعرف الذي يقوله:
عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول:
وخيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن يعصر والرباب،
يريد: يا خيبة من يخيب. قال له: أتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: نعم. وأعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أما الشعر، فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: أقرأ منه الأكثر: هل على الإنسان حين من الدهر لم يكن مشيئا مذكورا قال: فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من غيره. قال: فما

(1/477)

تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، ثم قال على هرسله: وما يكون! تلد غلاما على فراشي، فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله، فقال: لا يبعد الله غيرك. والحضين هذا هو الحضين ابن المنذر الرقاشي، ورقاش أمه، وهو من بنى شيبان ابن بكر بن وائل، وهو صاحب لواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه بصفين على ربيعة كلها، وله يقول علي بن أبي طالب:
لمن راية سوداء يحفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما
يقدمها في الصف حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر السم والدما
جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما
وقال المنذر بن الجارود العبدي لعمرو بن العاص: أي رجل أنت لو لم تكن أمك، ممن هي؟ قال: أحمد الله إليك، لقد فكرت فيها البارحة، فجعلت أنقلها في قبائل العرب، فما خطرت لي عبد القيس ببال. قال خالد بن صفوان لرجل من بني عبد الدار، وسمعه يفخر بموضعه من قريش، فقال له خالد: لقد هشمتك هاشم، وأمتك أمية، وخزمتك مخزوم، وجمحتك جمح، وسهمتك سهم، فأنت ابن عبد دارها، تفتح الأبواب إذا أغلقت، وتغلقها إذا فتحت.
جواب في هزل
كان للمغيرة بن عبد الله الثقفي - وهو والي الكوفة - جدي يوضع على مائدته، فحضره أعرابي فمد يده إلى الجدي؟ وجعل يسرع فيه، قال له المغيرة: إنك لتأكله بحرد كأن أمه نطحتك، قال قال: وإنك لمشفق عليه كأن أمه أرضعتك. كان إبراهيم بن عبد الله بن مطيع جالسا عند هشام، إذ أقبل عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص أحمر الجبة والمطرف والعمامة، فقال إبراهيم: هذا ابن عنبسة قد أقبل في زينة قارون. قال: فضحك هشام. قال له عبد الرحمن: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ فأخبره بقول إبراهيم. فقال له عبد الرحمن: لولا ما أخاف من غضبه عليك وفي وعلى المسلمين لأجبته؟ قال: وما تخاف من غضبه؟ قال: بلغني أن الدجال يخرج من غضبة يغضبها، وكان إبراهيم أعور. قال إبراهيم: لولا أن له عندي يدا عظيمة لأجبته؛ قال: وما يده عندك؟ قال: ضربه غلام له بمدية فأصابه، فلما رأى الدم فزع، فجعل لا يدخل عليه مملوك إلا قال له: أنت حر، فدخلت عليه عائدا، فقلت له: كيف نجدك؟ قال لي: أنت حر؛ قلت له: أنا إبراهيم؛ قال لي: أنت حر. فضحك هشام حتى استلقى. قال عبد الرحمن بن حسان لعطاء بن أبي صيفي بن ثابت: لو أصبت ركوة مملوءة خمرا بالبقيع ما كنت صانعا؟ قال: كنت أعرفها بين التجار، فإن لم تكن لهم. فهي لك؟ لكن أخبرني عن الفريعة أكبر أم ثابت؟ وقد تزوجها قبله أربعة كلهم يلقاها بمثل ذراع البكر، ثم يطلقها عن قلى، فقيل لها: يا فريعة، لم تطلقين وأنت جميلة حلوة؛ قالت: يريدون الضيق ضيق الله عليهم. ولقي رجل من قريش، كان به وضح، حارثة بن بدر، وكان مغرما بالشراب، فقال لها: أشعرت أنه بعث نبي لهذه الأمة يحل الخمر للناس؟ قال: إذا لا نصدق به حتى يبرئ الأكمه والأبرص. دخل الزبرقان بن بدر على زياد، فسلم تسليما جافيا، فأدناه زياد فأجلسه معه، ثم قال له: يا أبا عياش، الناس يضحكون من جفائك، قال ولم ضحكوا؛ فوالله إن منهم رجل إلا ود أني أبوه دون أبيه لغية كان أو لرشدة. دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة وعنده ناس من اليمامة يضحكون، فقال: يا أبا فراس، أتدري مم يضحكون؟ قال: لا أدري؟ قال: من جفائك؟ قال: أصلح الله الأمير، حججت فإذا رجل على عاتقه الأيمن صبي، وامرأة آخذة بمئزره، وهو يقول:
أنت وهبت زائدا ومزيدا ... وكهلة أولج فيها الأجردا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:04 pm

وهي تقول: إذا شئت، فسألت؟ ممن الرجل؟ قيل: من الأشعريين، فأنا أجفى من ذلك الرجل؛ قال: لا حياك الله، فقد علمت أنا لا نفلت منك. اجتمع رجل كوسج مع رجل مسبل، فقال المسبل: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا، قالت الكوسج: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث. مر مسلمة بن عبد الملك، وكان من أجمل الناس، بموسوس على مزبلة، فقال له الموسوس: لو رآك أبوك آدم لقرت عينه بك؟ وقال له مسلمة: لو رآك أبوك آدم لأذهبت سخنة عينه بك قرة عينه بي! وكان مسلمة من أحضر الناس جوابا.
خرج إبراهيم النخعي وقام سليمان الأعمش يمشي معه، فقال إبراهيم: إن الناس إذا رأونا قالوا: أعور وأعمش! قال: وما عليك أن يأثموا ونؤجر؟ قال وما عليك أن يسلموا ونسلم. وقال شداد الحارثي: لقيت أسود بالبادية، فقلت: لمن أنت يا أسود؟ قال: لسيد الحي يا أصلع؟ قلت: ما أغضبك مني الحق؟ قال لي: الحق أغضبك؟ قلت: أولست بأسود؟ قال: أولست بأصلع؟ أدخل مالك بن أسماء السجن - سجن الكوفة - فجلس إليه رجل من بني مرة فاتكأ عليه المري يحدثه، ثم قال: أتدري كم قتلنا منكم في الجاهلية؟ قال: أما في الجاهلية فلا ولكن أعرف من قتلتم منا في الإسلام قال: أنا، قد قتلتني بنتن إبطيك. مرت امرأة من بني نمير على مجلس لهم في يوم ريح، فقال رجل منهم: إنها لرسحاء. قالت: والله يا بني نمير ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر، قال الله تبارك وتعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " وقال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير
قيل لشريح: أيهما أطيب: الجوزنيق أم اللوزنيق؛ قال: لست أحكم على غائب. هشام بن القاسم قال: جمعني والفرزدق مجلس فتجاهلت عليه فقلت: من الكهل؟ قال: وما تعرفني؟ قلت: لا؟ قال: أبو فراس، قلت: ومن أبو فراس؟ قال: الفرزدق؟ قلت: ومن الفرزدق؟ قال: وما تعرف الفرزدق؟ قلت: لا أعرف الفرزدق إلا شيئا يفعله النساء عندنا يتشهون به كهيئة السويق؛ قال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم يتشهون بي. قال هشام بن عبد الملك للأبرش الكلبي؛ زوجني امرأة من كلب، فزوجه، فقال له ذات يوم: لقد وجدنا في نساء كلب سعة؛ قال: يا أمير المؤمنين، نساء كلب خلقن لرجال كلب. وقال له يوما، وهو يتغدى معه يا أبرش، إن أكلك أكل معدي؟ قال: هيهات! تأبى ذلك قضاعة. عمارة عن محمد بن أبي بكر البصري قال: لما مات جعفر بن محمد قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: مات إمامك، وذلك عند المهدي؛ فقال شيطان الطاق: لكن إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. فضحك المهدي من قوله، وأمر له بعشرة آلاف درهم. العتبي قال: حدثني أبي قال: لما افتتح النجير، وهي مدينة باليمن، سمع رجل من كندة رجلا وهو يقول؟ وجدنا في نساء كندة سعة؟ فقال له: إن نساء كندة مكاحل فقدت مراودها. لقي خالد بن صفوان الفرزدق، وكان كثيرا ما يداعيه، وكان الفرزدق دميما، فقال له: يا أبا فراس، ما أنت بالذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن؟ قال له: ولا أنت أبا صفوان بالذي قالت فيه الفتاة لأبيها: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. باع رجل ضيعة من رجل، فلما انتقد المال قال للمشتري: أما والله لقد أخذتها كثيرة المؤونة، قليلة المعونة؛ قال له المشتري: وأنت والله أخذتها بطيئة الإجتماع، سريعة الإفتراق. واشترى رجل من رجل دارا، فقال لصاحبها: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دنانير؛ قال له البائع: وأنت لو صبرت لاشتريت مني الذراع بدرهم. وكان بالرقة رجل يحدث بأخبار بني إسرائيل، فقال له الحجاج بن حنتمة: كيف كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال: حنتمة؛ فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: أين وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.

(1/479)

وقال رجل للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: إن ذلك نكاح ما شهدناه. ودخل رجل على الشعبي فوجده قاعدا مع امرأة، فقال: أيكما الشعبي؟ قال الشعبي: هذه، وأشار إلى المرأة. كان معن بن زائدة ظنينا في دينه، فبعث إلى ابن عياش المنتوف بألف دينار، وكتب إليه: قد بعثت إليك بألف دينار، اشتريت بها منك دينك، فاقبض المال وأكتب إلي بالتسليم. فكتب إليه: قد قبضت المال وبعتك به ديني خلا التوحيد، لما علمت من زهدك فيه. بعث بلال بن أبي بردة في ابن أبي علقمة الممرور، فلما أتي به قال: أتدري لما بعثت إليك؟ قال: لا أدري؟ قال: بعثت إليك لأضحك بك؟ قال: لئن فعلت لقد ضحك، أحد الحكمين من صاحبه، يعرض له بجده أبي موسى، فغضب به بلال وأمر به إلى الحبس. فكلمه الناس وقالوا: إن المجنون لا يعاقب ولا يحاسب، فأمر بإطلاقه وأن يؤتى به إليه. فأتي به في يوم سبت وفي كمه طرائف أتحف بها قي الحبس، فقال له بلال: ما هذا الذي في كمك؟ قال: من طرائف الحبس؟ قال: ناولني منها؟ قال: هو يوم سبت ليس يعطى ولا يؤخذ يعرض بعمة كانت له من اليهود. دخل حسان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فأنشدها:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قالت له: لكنك لست كذلك، وكان حسان من الذين جاءوا بالإفك.

(1/480)

نظر رجل من الأزد إلى هلال بن الأحوز حين قدم من قندابيل، وقد أطافت به بنو تميم فقال: انظروا إليهم وقد أطافوا به إطافة الحواريين بعيسى. فقال له محمد بن عبد الملك المازني: هذا ضد عيسى، عيسى كان يحيى الموتى وذا يميت الأحياء. لما حلقت لحية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، كانت امرأة من المسجد تقف عليه كل يوم في حلقته، وتقول: الله لك يا بن أبي عبد الرحمن! من حلق لحيتك؟ فلما أبرمته، قال لها: يا هذه، إن ذلك حلقها في جزة واحدة وأنت تحلقينها في كل يوم. خرج سعيد بن هشام بن عبد الملك يوما بحمص في يوم مطر عليه طيلسان وقد كاد يمس الأرض، فقال له رجل وهو لا يعرفه: أفسدت ثوبك يا عبد الله؟ قال: وما يضرك؟ قال: وددت أنك وهو في النار؛ قال: وما ينفعك؟ لما قدم الحجاج العراق واليا عليها خرج عبيد الله بن ظبيان متوكئا على مولى له وقد ضربه الفالج، فقال: قدم العراق رجل على ديني، فقال له حضين ابن المنذر الرقاشي؛ فهو إذا منافق؟ قالت عبيد الله: إنه يقتل المنافقين؟ قال له حضين: إذا يقتلك. لما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان، فمر الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد، وعلى الحجاج سيف محلى، وهو يخطر متبخترا في المسجد، فقال له رجل من قريش: من هذا التخطارة؟ فقال خالد بخ بخ! هذا عمرو بن العاص. فسمعه الحجاج فمال إليه، فقال: قلت: هذا عمرو بن العاص! والله ما سرني أن العاص ولدني ولا ولدته، ولكن إن شئت أخبرتك من أنا، أنا ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل من قريش، والذي ضرب مائة ألف بسيفه هذا، كلهم يشهد على أبيك بالكفر وشرب الخمر، حتى أقروا أنه خليفة، ثم ولى وهو يقول: هذا عمرو بن العاص! قال رجل من بني لهب لوهب بن منبه: ممن الرجل؟ قال: رجل من اليمن؟ قال: فما فعلت أمكم بلقيس؟ قال: هاجرت مع سليمان لله رب العالمين، وأمكم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وقال رجل لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم إليكم؟ قال: نعم، ثم لم يرجع إليكم. نظر يزيد بن منصور، خال المهدي، إلى يزيد بن مزيد، وعليه رداء يمان وهو يسحبه، فقال: ليس عليك غزله، فاسحب وجر؛ قال له: على آبائك غزله، وعلي سحبه. فشكاه إلى المهدي؟ فقال: لم تجد أحدا تتعرض له إلا يزيد بن مزيد! دخل أبو يقظان القيسي علي يزيد بن حاتم، وهو والي مصر وعنده هاشم ابن حديج، فقال له يزيد: حركه، وعلى أبي اليقظان حلة وشي وكساء خز، فقال هاشم: الحمد لله أبا اليقظان، لبستم الوشي بعد العباء؛ قال: أجل، تحوكون ونلبس، فلا عدمتم هذا منا، ولا عدمنا هذا منكم. كتب الفرزدق إلى عبد الجبار بن سلمى المجاشعي يستهديه جارية، وهو بعمان، فكتب إليه:
كتبت إلي تستهدي الجواري ... لقد أنعظت من بلد بعيد
وقال رجل من العرب: رأيت البارحه الجنة قي منامي، فرأيت جميع ما فيها من القصور، فقلت: لمن هذه؟ فقيل لي: للعرب؟ قال له رجل من الموالي: صعدت الغرف؟ قال: لا؟ قال: تلك لنا. قال عبد الله ابن صفوان، وكان أميا، لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: أبا جعفر، لقد صرت حجة لفتياننا علينا، إذا نهيناهم عن الملاهي قالوا: هذا ابن جعفر سيد بني هاشم يحضرها ويتخذها؛ قال له: وأنت أبا صفوان صرت حجة لصبياننا علينا، إذا لمناهم في ترك المكتب قالوا: هذا أبو صفوان سيد بني جمح يقرأ آية ولا يخطها. قال معاوية لعبد الله بن عامر: إن ليإليك حاجة؟ قال: بحاجة تقضيها يا أمير المؤمنين، فسل حاجتك؟ قال: أريد أن تهب لي دورك وضياعك بالطائف؛ قال: قد فعلت، قال: وصلتك رحم، فسل حاجتك، قال: حاجتي إليك أن تردها علي يا أمير المؤمنين؟ قال: قد فعلت. وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة، قال: وأنا لي إليك حاجة؟ قال: وما حاجتك؟ قال: فتقضيها؟ قال: نعم، فلما توثق منه قال: فإن حاجتي إليك ألا تسألني حاجة.
جواب في فخر

(1/481)

سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مال! تفاخر عمرو بن سعيد بن العاص وخالد بن يزيد بن معاوية عند عبد الملك بن مروان، فقال عبد الملك لشيخ من موالي قريش: اقض بينهما: فقال الشيخ: كان سعيد بن العاصي لا يعتم - أحد في البلد الحرام بلون عمامته، وكان حرب بن أمية لا يبكى على أحد من بني أمية ما كان في البلد شاهدا، فلما مات سعيد وحرب شاهد لم يبك عليه. قال الأبرش الكلبي لخالد بن صفوان: هلم أفاخرك، وهما عند هشام بن عبد الملك، قال له خالد؛ قل، فقال له الأبرش: لنا ربع البيت - يريد الركن اليماني - ومنا حاتم طيىء، ومما المهلب بن أبي صفرة. فقال خالد بن صفوان: منا النبي المرسل، وفينا الكتاب المنزل ولنا الخليفة المؤمل. قال الأبرش: لا فاخرت مضريا بعدك. ونزل بأبي العباس قوم من اليمن من أخواله من كعب، ففخروا عنده بقديمهم وحديثهم، فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: أجب القوم؟ فقال: أخوال أمير المؤمنين؛ قال: لا بد أن تقول؛ قال: وما أقول، يا أمير المؤمنين لقوم هم بين حائك برد، ودابغ جلد، وسائس قرد، ملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد، وغرقتهم فأره. فلم يقم بعدها ليماني قائمة. قال عبد الملك بن الحجاج: لم كان رجل من ذهب لكنته. قال له رجل من قريش: وكيف ذلك؟ قال: لم تلدتي أمه بيني وبين آدم ما خلا هاجر؛ فقال له: لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب. دخل عمر بن عبيد الله بن معمر على عبد الملك بن مروان وعليه حبرة صدأة عليها أثر الحمائل، فقالت له أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: يا أبا حفص، أي رجل أنت لو كنت من غير من أنت منه من قريش؛ قال: ما أحب أني من غير من أنا منه، إن منا لسيد الناس في الجاهلية عبد الله بن جدعان، وسيد الناس في الإسلام أبا بكر الصديق، وما كانت هذه يدي عندك، إني استنقذت أمهات أولادك من عدوك أبي فديك بالبحرين، وهن حبالى، فولدن في حجابك.
قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، لمعاوية: أما والله لو كنا بمكة على السواء، لعلمت! قال معاوية: إذا كنت أكون معاوية بن أبي سفيان، منزلي الأبطح، ينشق عني سيله، وكنت عبد الرحمن بن خالد، منزلك أجياد، أعلاه مدرة، وأسفله عذرة. تنازع الزبير بن العوام وعثمان بن عفان في بعض الأمر، فقال الزبير: أنا ابن صفية؛ قال عثمان: هي أدنتك من الظل، ولولا ذاك لكنت ضاحيا. قال أحمد بن يوسف الكاتب لمحمد بن الفضل: يا هذا، إنك تتطاول بهاشم كأنك جمعتها، وهي تعتد في أكثر من خمسة آلاف؛ قال له محمد بن الفضل: إن كثرة عددها ليس يخرج من عنقك فضل واحدها. فخر مولى لزياد بزياد عند معاوية. قال له فعاوية: اسكت، فوالله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا أدركت أكثر منه بلساني. وقال رجل من مخزوم للأحوص محمد، بن عبد الله الأنصاري: أتعرف الذي يقول:
ذهبت قريش بالمكارم كلها ... والذل تحت عمائم الأنصار؟
قال: لا، ولكني أعرف الذي يقول:
الناس كنوه أبا حكم ... والله كناه أبا جهل
أبقت رياسته لأسرته ... لؤم الفروع ورقة الأصل

(1/482)

سأل رجل من قريش رجلا من بني قيس بن ثعلبة: ممن أنت؟ قال: من ربيعة؛ قال له القرشسي: لا أثر لكم ببطحاء مكة؛ قال القيسي: آثارها. في أكناف الجزيرة مشهورة، مواقفنا في ذي قار معروفة، فأما مكة فسواء العاكف فيها والبادي، كما قال الله تبارك و، تعالى، فأفحمه. قال الأشعث بن قيس لشريح القاضي: شد ما ارتفعت! قال: فهل ضرك؟ قال: لا؟ قال: فأراك تعرف نعمة الله على غيرك، وتجلهلها على نفسك. قال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: فيمن العز بالبصرة؛ قال: فينا، وفي أحلافنا من ربيعة؛ قال له سليمان بن عبد الملك: الذي تحالفتما عليه أعز منكما. قدم أعرابي البصرة فدخل المسجد الجامع، وعليه خلقان وعمامة قد كورها على رأسه، فرمى بطرفه يمنة ويسرة، فلم ير فتية أحسن وجوها ولا أظهر زيا من فتية حضروا حلقة عتبة المخزومي، فدنا منهم وفي الحلقة فرجة فطبقها، فقال له عتبة: ممن أنت يا أعرابي؟ قال: من مذحج، قال: من زيدها الأكرمين، أو من مرادها الأطيبين؛ قال: لست من زيدها ولا من مرادها؟ قال: فمن أنت؟ قال: فإني من حماة أعراضها، وزهرة رياضها بني زبيد. قال: فأفحم عتبة حتى وضع قلنسوته عن رأسه، وكان أصلع، فقال له الأعرابي: فأنت يا أصلع، ممن أنت؟ قال: أنا رجل من قريش؛ قال: فمن بيت نبوتها، أو من بيت مملكتها؛ قال: إني من ريحانتها بني محزوم، قال: والله لو تدري لم سميت بنو مخزوم ريحانة قريش، ما فخرت بها أبدا، إنما سميت ريحانة قريش لخور رجالها، ولين نسائها، قال عتبة: والله لا نازعت أعرابيا بعدك أبدا. وضع فيروز بن، حصين يده على رأس نميلة بن مالك بن أبي عكابة عند زياد، فقال: من هذا العبد؟ قال: أنت العبد، ضربناك فما انتصرت، ومننا عليك فما شكرت. اجتمعت بكر بن وائل إلى مالك بن مسمع لأمر أراده مالك، فأرسل إلى بكر بن وائل وأرسل إلى عبيد الله بن زياد بن، ظبيان، فأتى عبيد الله، فقال: يا أبا مسمع، ما منعك أن ترسل إلي؟ قال: يا أبا مطر، ما في كنانتي سهم أنا أوثق به مني بك. قال: وإني لفى كنانتك! أما والله لئن كنت فيها قائما لأطولنها، ولئن كنت فيها قاعدا لأخرقنها. نازع مالك بن مسمع شقيق بن ثور، فقال له مالك! إنما شرفك قبر بتستر؛ قال شقيق: لكن وضعك قبر بالمشقر. وذلك أن مسمعا أبا مالك جاء إلى قوم بالمشقر، فنبحه كلبهم، فقتله، فقتلوه به، فكان يقال له: قتيل الكلاب. وأراد مالك قبر مجزأة بن ثور، أخي شفيق، وكان استشهد بتستر مع أبي موسى الأشعري. قال قتيبة بن مسلم لهبيرة بن مسروح: أي رجل أنت لو كانت أحوالك من غير سلول! فبادل بهم، قال: أصلح الله الأمير، بادل! بهم من شئت وجنبني باهلة. وكان قتيبة من باهلة.
جواب ابن أبي دواد
قال أحمد بن أبي دواد لمحمد بن عبد الملك، الزيات عند الواثق: أضوي أي أسكت - يا لنبطية - فقال له: لماذا والله؟ ما أنا بنبطي ولا بدعي؟ قال له: ليس فوقك أحد يفضلك، ولا دونك أحد تنزل إليه، فأنت مطرح في الحالتين جميعا. ودخل أحمد بن أبي دواد على أشناس، فقال له: بلغني أنك أفسدت هذا الرجل، يعني، محمد بن عبد الملك، وهو لنا صديق، فأحب أن لا تأتينا؛ قال له ابن أبي دواد: أنت رجل صنعتك هذه الدولة، فإن أتيناك فلها، هان تركناك فلنفسك. قال أحمد بن أبي دواد: دخلت على الواثق، فقال: ما زال قوم اليوم في ثلبك ونقصك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، لكل امرئ منهم ما اكتسب مات الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، فالله ولي جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ضاع امرؤ أنت حائطه، ولا ذل من كنت ناصره، فماذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: أبا عبد الله:
وسعى إلى بعيب عزة نسوة ... جعل المليك خدودهن نعالها

(1/483)

وقال أبو العيناء الهاشمي: قلت لابن أبي دواد: إن قوما تضافروا علي؛ قال: يد الله فوق أيديهم. قلت: إنهم جماعة؛ قال: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. قلت: إن لهم مكرا؛ قال: ولا يحيق المكر السيء بأهله. قال أبو العيناء: فحدثت به أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي دواد إلا أن القرآن إنما أنزل عليه.
جواب في تفحش
خطب خالد بن عبد الله القسري، فقال: يأهل البادية، ما أخشن بلدكم! وأغلظ معاشكم! وأجفى أخلاقكم! لا تشهدون جمعة، ولا تجالسون عالما فقام إليه رجال منهم دميم، فقال: أما ما ذكرت من خشونة بلدنا، وغلظ طعامنا، وجفاء أخلاقنا، فهو كذلك؛ ولكنكم معشر أهل الحضر فيكم ثلاث خصال هي شر من كل ما ذكرت، قال له خالد: وما هي؟ قال: تنقبون الدور، وتنبشون القبور، وتنكحون الذكور؛ قال: قبحك الله وقبح ما جئت به. أبو الحسن قال: أتى موسى بن مصعب منزل امرأة مدنية لها قينة تعرضها، فإذا امرأة جميلة لها هيئة، فنظر إلى رجل دميم يجيء ويذهب ويأمر وينهى في الدار، فقال: من هذا الرجل؟ قالت: هو زوجي؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أما وجدت من الرجال غير هذا وبك من الجمال ما أرى؟ قالت: والله يا أبا عبد الله لو استدبرك بمثل ما يستقبلني به لعظم في عينك. أبو الحسن قال: قالت عاتكة بنت الملاءة لرائض دواب زوجها في طريق مكة: ما وجدت عملا شرا من عملك، إنما كسبك باستك! فقال لها: جعلت فداك، ما بين ما أكتسب به، وما تكتسبين به أنت إلا إصبعان؛ قالت: ويلي عليك! خذوا الخبيث. فطلبه حشمها، ففاتهم ركضا. أبو الحسن قال: قال رجل من الأزد في مجلس يونس النحوي: وددت والله أن بني تميم جميعا في جوفي، على أن يضرب وسطي بالسيف. قال له شيخ في ناحية المجلس حرمازي من بني تميم: يا هذا، يكفيك من ذاك كمرة حمارية يملأ بها أستك إلى لهاتك.

(1/484)

وسأل أعرابي شيخا من بني مروان وحوله قوم جلوس، فقال: أصابتنا سنة ولي بضع عشرة بنتا؟ فقال الشيخ: أما السنة، فوددت والله أن بينكم وبين السماء صفيحة من حديد؛ وأما البنات، فليت الله أضعفهن لك أضعافا كثيرة، وجعلك مقطوع اليدين والرجلين ليس لهن كاسب غيرك. قال: فنظر الأعرابي مليا، ثم قال: ما أدري ما أقول لك! ولكني أراك قبيح المنظر، لئيم المخبر، فأعضك الله ببظور أمهات هؤلاء الجلوس حولك. وسأل أعرابي شيخا من الطائف وشكا إليه سنة أصابته؛ فقال: وددت والله أن الأرض حصاء ولا تنبت شيئا، قال: ذلك أيبس لجعر أمك في آستها. قال عبيد الله بن زياد بن، ظبيان لزرعة بن ضمرة الضمري: إني لو أدركتك يوم الأهواز، لقطعت منك طابقا شحيما؛ قال: ألا أدلك على طابق شحيم، هو أولى بالقطع؛ قال: بلى، قال: البظر الذي بين استي أمك. قال عبد الله بن الزبير لعدي بن حاتم: متى فقئت عينك؟ قال: يوم طعنتك في آستك وأنت مول. وقال الفرزدق: ما عييت بجواب أحد قط ما عييت بجواب امرأة، وصبي، ونبطي؟ فأما المرأة، فإني ذهبت ببغلتي أسقيها في النهر، فإذا معشر نسوة، فلما همزت البغلة حبقت، فاستضحك النسوة، فقلت لهن: ما أضحككن؟ فوالله ما حملتني أنثى إلا فعلت مثلها؟ فقالت امرأة منهن: فكيف كان ضراط أمك قفيرة؛ فقد حملتك في بطنها تسعة أشهر، فما وجدت لها جوابا؛ وأما الصبي فإني كنت أنشد بجامع البصرة، وفي حلقتي الكميت ابن زيد، وهو صبي، فأعجبني حسن استماعه، فقلت له: كيف سمعت يا بني؟ قال لي: حسن؛ قلت: أفيسرك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أريد به بديلا، ولكن وددت أن تكون أمي؟ قلت: استرها علي يا بن أخي، فما لقيت مثلها؟ وأما النبطي، فإني لقيت نبطيا بيثرب فقال لي: أنت الفرزدق؟ لمحلت: نعم؟ قال: أنت الذي يخاف الناس لسانك؟ قلت: نعم، قال: فأنت الذي إذا هجوتني يموت فرس هذا؟ قلت: لا، قال: فيموت ولدي؟ قلت: لا؟ قال: فأموت أنا؛ قلت: لا؟ قال: فأدخلني الله في حرام الفرزدق من رجلي إلى عنقي؛ قلت: ويلك! ولم تركت رأسك؟ قال: حتى أرى ما تصنع الزانية. ولقي جرير الفرزدق بالكوفة، فقال: أبا فراس، تحتمل عني مسألة؟ قال: أحتملها بمسألة؟ قال: نعم، قال: فسل عما بدا لك؟ قال: أي شيء أحب إليك: يتقدمك الخير أو تتقدمه؟ قال: لا يتقدمني ولا أتقدمه، ولكن أكون معه في قرن؟ قال: هات مسألتك؟ قال له الفرزدق: أي شيء أحب إليك إذا دخلت على امرأتك: أن تجديدها على أير رجل أو تجد يد رجل على حرها؟ قال: قاتلك الله! ما أقبح كلامك! وأرذل لسانك! أبو الحسن قال: مر الفرزدق يوما بمسجد الأحامرة وفيه جماعة فيهم أبو المزرد الحنفي، فقال له الفرزدق. يا أخا بني حنيفة، ما شيء لم يكن له أسنان ولا تكون، ولو كان لم يستقم؟ قال: لا أدري، قال: يا أبا المزرد، إنه سفيه، فإن لم تغضب أخبرتك؟ قال: قل فإني لا أغضب؟ فقال: حر أمك، لم تكن له أسنان ولا تكون، ولو كان لم يستقم. أبو الحسن قال: لقي الفرزدق عمرو بن عفراء فعاتبه في شيء بلغه عنه، فقال له ابن عفراء وهو بالمربد: ما شيء أحب إلي من أن آتي كل شي تكرهه؟ قال له الفرزدق: بالله إنك لأتي كل شيء أكرهه؟ قال: نعم؟ قال فإني أكره أن تأتي أمك فأتها. ضاف رجل قبيح الوجه دني الحسب أبا عبد الله الجمار، فجعل يفخر ببيته؟ فقال له الجماز: اسكت، فقباحة وجهك، ودنو حسبك يمنعاننا من سبك؛ فأبى إلا التمادي في اللجاج، فقال له الجماز:
لو كنت ذا عرض هجوناكا ... أو حسن الوجه لنكناكا
جمعت مر قبحك لؤما فلل ... قبح أو اللؤم تركناكا
كتاب الواسطة في الخطب

(1/485)

قال أبو عمر، أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأجوبة وتباين الناس فيها على قدر عقولهم ومبلغ فطنهم، وحضور أذهانهم بم ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الخطب التي يتخير لها الكلام، وتفاخرت بها العرب في مشاهدهم، ونطقت بها الأئمة على منابرهم، وشهرت بها في، وقامت بها على رؤوس خلفائهم، وتباهت بها في أعيادهم ومساجدهم، ووصلتها بصلواتهم، وخوطب بها العوام، واستجزلت لها الألفاظ، وتخيرت لها المعاني: أعلم أن جميع الخطب على ضربين: منها الطوال، ومنها القصار؛ ولكل ذلك موضع يليق به، ومكان يحسن فيه. فأول ما نبدأ به من ذلك خطب النبي صلى الله عليه وسلم ثم السلف المتقدمين، ثم الجلة من التابعين، والجلة من الخلفاء الماضين، والفصحاء المتكلمين، على ما سقط إلينا، ووقع عليه اختيارنا؛ ثم نذكر بعض خطب الخوارج، لجزالة ألفاظهم، وبلاغة منطقهم، كخطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا، فإنها معدومة النظير، منقطعة القرين، وخطبة أبي حمزة التي سمعها مالك بن أنس، فقال: خطبنا أبو حمزة بالمدينة خطبة شكك فيها المستبصر، ورد بها المرتاب؟ ثم نسمح بصدر من خطب البادية وقول الأعراب خاصة، لمعرفتهم بداء الكلام ودوائه، وموارده ومصادره.
قال عبد الملك بن مروان لخالد بن سلمة القرشي المخزومي من أخطب الناس؟ قال: أنا؟ قال: ثم من؟ قال: أنا؟ قال: ثم من؟ قال: شيخ جذام - يعني روح بن زنباع - قال؟ ثم من؟ قال: أخيفش ثقيف - يعني الحجاج - ؛ قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين.
وقال معاوية لما خطب الناس عنده فأكثروا: والله لأرمينكم بالخطيب المصقع، قم يا زياد. وقال محمد كاتب المهدي - وكان شاعرا راوية، وطالبا للنحو علامة - ، قال: سمعت أبا دواد يقول: وجرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام، فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، والنظر في عيون الناس عي، ومسح اللحية هلك، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب. قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير اللفظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه. وأنشدني بيتا له في خطباء إياد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
أنشدني في عي الخطيب واستعانته بمسح العثنون وفتل الأصابع:
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع

(1/486)

مر بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب، وهو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر يستمع، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد، أو يكون رجلا من النظارة. فقال بشر: اضربوا عما قال صفحا، واطووا عنه كشحا، ثم دفع إليهم صحيفة من تنميقه وتحبيره، فيها: خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة، من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة، والمجاهدة بالتكليف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، كما خرج من ينبوعه، ونجم من معدنه؛ وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك. ومن أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف؛ ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. وكن في ثلاث منازل: وإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، إما عند الخاصة، إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة، إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، على أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام. فقال له إبراهيم بن جبلة: جعلت فداك، أنا أحوج إلى تعلمي هذا الكلام من هؤلاء الغلمة.
خطبة رسول الله في حجة الوداع
صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:06 pm

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، و أحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت، اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، ففيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس، إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإنالزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق، السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادي وشعبان، ألا هل بلغت، اللهم أشهد. أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا، وإن لكم عليهن حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوار لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا. أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه، ألا هل بلغت، اللهم أشهد. فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا: كتاب الله، ألا هل بلغت، اللهم أشهد. أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؟ قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية ولا تجوز وصية، في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وخطب أبو بكر يوم السقيفة
أراد عمر الكلام، فقال له أبو بكر؟ على رسلك، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال؟ أيها الناس، نحن المهاجرون أول الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك وتعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين أتبعوهم بإحسان. فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم وآسيتم، فجزاكم الله خيرا، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.
وخطب أيضا

(1/488)

حمد الله وأثنى عليه، قال: أيها الناس، إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته لا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وخطب أخرى
فلما حمد الله بما هو أهله، وصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام، قال: إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك. فرفع الناس رؤوسهم، فقال: ما لكم أيها الناس، إنكم لطعانون عجلون. إن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما بيده، ورغبه فيما بيد غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخط الكثير، ويسأم الرخاء، وتنقطع عنده لذة البقاء، لا يستعمل العبرة، ولا يسكن إلى الثقة، فهو كالدرهم القسي، والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن؟ فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظله، حاسبه الله فأشد حسابه، وأقل عفوه. ألا إن الفقراء هم المرحومون، وخير الملوك من أمن بالله وحكم بكتابه وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم وإنكم اليوم على خلافة نبوة ومفرق محجة، وسترون بعدي ملكا عضوضا، وملكا عنودا، وأمة شعاعا، ودما مفاجا، فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة، يعفو بها الأثر، ويموت لها الخبر، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، واعتصموا بالطاعة. وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طوله التناظر. أفي بلاد خرشنة؛ إن الله سيفتح لكم أقصاها، كما فتح عليكم أدناها.
وخطب أيضا فقال
الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله بالهدى، وأعوذ به من الضلال والردى، ومن الشك والعمى. من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إلى الناس كافة رحمة لهم وحجة عليهم، والناس حينئذ على شر حال، في ظلمات الجاهلية، دينهم بدعة، ودعوتهم فرية. فأعز الله الدين بمحمد صلى الله عليه وسلم وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. فأطيعوا الله ورسوله، فإنه قال عز وجل: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا. أما بعد، أيها الناس، إني أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل أمر وعلى كل حال، ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم، فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير. من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك. وإياكم والفخر، وما فخر من خلق من تراب وإلى التراب يعود، هو اليوم حي غدا ميت. فاعملوا وعدوا أنفسكم في الموتى، وما أشكل عليكم فردوا علمه إلى الله، وقدموا لأنفسكم خيرا تجدوه محضرا، فإنه قال عز وجل: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد. فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه واعتبروا بمن مضى قبلكم، واعلموا إنه لا بد من لقاء ربكم والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها، إلا ما غفر الله أنه غفور رحيم، فأنفسكم أنفسكم والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك، وزكنا بالصلاة عليه، وألحقنا به، وأحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه. اللهم أعنا على طاعتك، وانصرنا على عدوك
خطبة أخرى رضي الله عنه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:07 pm

حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، وان تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته، فقال: أنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا وكانوا لنا خاشعين. ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، وعوضكم بالقليل الفاني الكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره. فثقوا بقوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا به ليوم الظلمة، فإنه خلقكم لعبادته، ووكل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون. ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل بأعمالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم، فإن أقواما جعلوا أجالهم لغيرهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم. فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا مره، سريعا سيره.
خطب عمر بن الخطاب
رضي الله عنه
قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس، تعلموا القرآن واعملوا به تكونوا من أهله، إنه لم يبلغ حق مخلوق أن يطاع في معصية الخالق. إلا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة وإلي اليتيم: إن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرم البهمة الأعرابية: القضم لا الخضم.
وخطب أيضا
حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل! عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما. إني بادىء بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، أنا وأصحابي، ثم بالأنصار الذين تبؤءوا الدار والإيمان من قبلهم، ثم من أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء، وجمن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء. فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته. إني قد بقيت فيكم بعد صاحبي، فابتليت بكم وابتليتم بي، وإني لن يحضرني من أموركم شيء فأكله إلى غير أهل الجزاء والأمانة، فلئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لا نكلن بهم.
وخطب أيضا
فقال: الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيه صلى الله عليه وسلم، فهدانا به من الضلالة، وجمعنا به من الشتات، وألف بين قلوبنا، ونصرنا على عدونا، ومكن لنا في البلاد، وجعلنا به إخوانا متحابين. فاحمدوا الله على هذه النعمة، واسألوه المزيد فيها والشكر عليها، فإن الله قد صدقكم الوعد بالنصر على من خالفكم. وإياكم والعمل بالمعاصي، وكفر النعمة، فقلما كفر قوم بنعمة ولم ينزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم. أيها الناس، إن الله قد أعز دعوة هذه الأمة وجمع كلمتها وأظهر فلجها ونصرها وشرفها، فاحمدوه عباد الله على نعمه، واشكروه على آلائه. جعلنا الله وإياكم من الشاكرين.
وخطبة له أيضا
أيها الناس، إنه قد أتي علي زمان وأنا أرى أن قوما، يقرءون القرآن يريدون به الله عز وجل وما عنده، فخيل إلي أن قوما قرءوه يريدون به الناس والدنيا. ألا فأريدوا الله بأعمالكم. ألا إنما كنا نعرفكم إذ يتنزل الوحي وإذ رسول الله بين أظهرنا ينبئنا من أخباركم، فقد انقطع الوحى، وذهب النبي، فإنما نعرفكم بالقول. ألا من رأينا منه خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه. سرائركم بينكم وبين ربكم. ألا وإني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسننكم، ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ويأخذوا أموالكم. ألا من رابه شيء من ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده لاقصنكم منه.

(1/490)

فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن بعثت عاملا من عمالك فأدب رجلا من رعيتك فضربه، أتقصه منه؟ قال: نعم، والذي نفس عمر بيده، لأقصنه منه، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه.
وخطب أيضا فقال
أيها الناس، اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضعه يخرقه، فنظر إليه أصحابه فمنعوه، فقال: هو موضعي ولي أن أحكم فيه. فإن اخذوا على يده سلم وسلموا، وإن تركوه هلك وهلكوا معه. وهذا مثل ضربته لكم، رحمنا الله وإياكم.
خطب عام الرمادة بالعباس
رحمه الله:
حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: أيها الناس، استغفروا ربكم إنه كان غفارا، اللهم إني استغفرك وأتوب إليك. اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبار رجاله، فإنك تقول وقولك الحق: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا. فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه. اللهم أغفر لنا إنك كنت غفارا. اللهم أنت الراعي، لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسيرة بمضيعة. اللهم قد ضرع الصغير، ورق الكبير؛ وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى. اللهم أغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. فما برحوا حتى علقوا الحذاء، وقلصوا المآزر، وطفق الناس بالعباس يقولون: هنيئا لك يا ساقي الحرمين.
خطب إذ ولي الخلافة
صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأيها الناس، إني داع فأمنوا. اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق، ابتغاء وجهك والدار الآخرة، و ارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق، من غير ظلم مني لهم ولا اعتداء عليهم. اللهم إني شحيح فسخني في نوائب المعروف، قصدا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني ابتغي بذلك وجهك والدار الآخرة. اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين. اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال، وذكر الموت في كل حين. اللهم إني ضعيف عند العمل بطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك. اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى، وذكر المقام بين يديك، والحياء منك، وأرزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وصلاح النيات، والحذر من الشبهات، اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له، والمعرفة بمعانيه، والنظر في عجائبه، والعمل بذلك ما بقيت، إنك على كل شيء قدير.
وكان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عرف أنه قد فرغ من خطبته: اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك. وكان آخر كلام عمر الذي إذا تكلم به عرف أنه فرغ من خطبته: اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني على غرة، ولا تجعلني من الغافلين.
خطبة لعثمان بن عفان
رضي الله عنه
ولما ولي عثمان بن عفان قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، ثم أرتج عليه، فقال. أيها الناس، إن أول كل مركب صعب، هان أعش فستأتيكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد عسر يسرا.
خطبة أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب رضوان الله عليه

(1/491)

أول خطبة خطبها بالمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام، ثم قال: أيها الناس، كتاب الله وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم أما بعد، فلا يدعين مدع إلا على نفسه، شغل من الجنة والنار أمامه. ساع نجا، وطالب يرجو، ومقمر في النار، ثلاثة، واثنان: ملك طار بجناحيه، ونبي أخذ الله بيديه، لا سادس. هلك من اقتحم، وردي من هوى اليمين والشمال مضلة، والوسطى الجادة. منهج عليه أم الكتاب والسنة وآثار النبوة. إن الله داوى هذه الأمة بدواءين: السوط والسيف، لا هوادة عند الإمام فيهما. استتروا ببيوتكم، واصلحوا فيما بينكم، فالموت من ورائكم. من أبدى صفحته للحق هلك. قد كانت أمور لم تكونوا فيها محمودين. أما إني لو أشاء أن أقول لقلت. عفا الله عما سلف. سبق الرجلان ونام الثالث كالغراب همته بطنه، ويله! لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له. انظروا فإن أنكرتم فانكروا، وإن عرفتم فاعرفوا. حق وباطل، ولكل أهل، ولئن كثر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل، ولقلما أدبر شيء فاقبل، ولئن رجعت إليكم أموركم إنكم لسعداء، وإني لأخشى أن تكونوا في فتر، وما علينا إلا الاجتيهاد. وروى فيها جعفر بن محمد رضوان الله عليه: ألا إن الأبرار عترتي، وأطايب أرومتي؛ أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل البيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا. معنا راية الحق، من يتبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق. ألا وبنا ترد ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح الأمر وبنا يختم.
وخطبة له أيضا
حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته، وتقديم العمل، وترك الأمل، فإنه من فرط في عمله، لم ينتفع بشيء من أمله. أين التعب بالليل والنهار، والمقتحم للجج البحار، ومفاوز القفار؛ يسير من وراء الجبال، وعالج الرمال؛ يصل الغدو بالرواح، والمساء بالصباح، في طلب محقرات الأرباح؛ هجمت عليه منيته، فعظمت بنفسه رزيته؛ فصار ما جمع بورا، وما اكتسب غرورا، ووافى القيامة محسورا. أيها اللاهي الغاز نفسه، كأني بك وقد أتاك رسول ربك، لا يقرع لك بابا، ولا يهاب لك حجابا؟ ولا يقبل منك بديلا، ولا يأخذ منك كفيلا؛ ولا يرحم لك صغيرا، ولا يوقر فيك كبيرا؛ حتى يؤديك إلى قعر مظلمة، أرجاؤها موحشة، كفعله بالأمم الخالية، والقرون الماضية. أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وبنى وشيد، وزخرف ونجد، وبالقليل لم يقنع، وبالكثير لم يمتع؟ أين من قاد الجنود، ونشر البنود؛ أضحوا رفاتا، تحت الثرى أمواتا، وأنتم بكأسهم شاربون، ولسبيلهم سالكون. عباد الله، فاتقوا الله وراقبوه، واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال، وتشقق السماء بالغمام، وتطاير الكتب عن الأيمان والشمائل. فأي رجل يومئذ تراك؟ أقائل: هاؤم اقرءوا كتابيه؟ أم: يا ليتني لم أوت كتابيه؟ نسأل من وعدنا بإقامة الشرائع جنته أن يقينا سخطه. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
وخطبة له أيضا

(1/492)

الحمد لله الذي استخلص الحمد لنفسه، واستوجبه على جميع خلقه، الذي ناصية كل شيء بيده، ومصير كل شيء إليه، القوي في سلطانه، اللطيف في جبروته، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، خالق الخلائق بقدرته، ومسخرهم بمشيئته، وفي العهد، صادق الوعد، شديد العقاب، جزيل الثواب. أحمده وأستعينه على ما أنعم به، مما لا يعرف كنهه غيره، وأتوكل عليه توكل المستسلم لقدرته، المتبري من الحول والقوة إلا إليه، وأشهد شهادة لا يشويها شك أنه لا إله إلا هو وحده لا لشريك له، إلها واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا، وهو على كل شيء قدير. قطع ادعاء المدعي بقوله عز وجل: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. وأشهد أن صلى الله عليه وسلم صفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بالمعروف أمرا، وعن المنكر ناهيا، وإلى الحق داعيا، على حين فترة من الرسل، وضلالة من الناس، واختلاف من الأمور، وتنازع من الألسن، حتى تمم به الوحي، وانذر به أهل الأرض. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها العصمة من كل ضلال، والسبيل إلى كل نجاة؟ فكأنكم بالجثث قد زايلتها أرواحها، وتضمنتها أجداثها، فلن يستقبل معمر منكم يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله، وإنما دنياكم كفيء الظل، أو زاد الراكب. وأحذركم دعاء العزيز الجبار عبده، يوم تعفى آثاره، وتوحش منه دياره، ويوتم صغاره، ثم يصير إلى حفير من الأرض، متعفرا خده، غير موسد ولا ممهد. أسأل الذي وعدنا على طاعته جنته أن يقينا سخطه، ويجنبنا نقمته، ويهب لنا رحمته، إن وأبلغ الحديث كتاب الله.
وخطبة له رضي الله عني
أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلا، وإن المضمار اليوم والسباق غدا. ألا وإنكم في أيام أمل، ومن ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله، قبل حضور أجله، نفعه عمله، ولم يضره أمله؛ ومن قصر في أيام أمله، قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضجره أمله. ألا فاعملوا الله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها. ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على الزاد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل.
وخطبة له أيضا

(1/493)

قالوا: ولما أغار سفيان بن عوف الأسدي على الأنبار في خلافة في رضي الله عنه، وعليها حسان البكري، فقتله وأزال تلك الخيل عن مسارحها، فخرج علي رضي الله عنه حتى جلس على باب السدة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه. الله ثوب الذل، وأشمله البلاء، والزمه الصغار، وسامه الخسف، ومنعه النصف. ألا وإني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فولله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، فاتخدتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو غامد، قد بلغت خيله الأنبار، وقتل حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسارحها، وقتل منكم رجالا صالحين. ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينزع حجلها وقلبها ورعاثها، ثم انصرفوا وافرين، ما كلم رجل منهم. فلو أن رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان عندي جديرا. فواعجبا من جد هؤلاء في باطلهم، وفشلكم عن حقكم! فقبحا لكم وترحا! حين صرتم غرضا يرمي، يغار عليكم ولا تغيرون، تغزون، ولا تغزون ويعمى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في أيام الحر قلتم: حمارة القيظ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالمسير إليهم ضحى في الشتاء، قلتم: أمهلنا حتى ينسلخ عنا هذا القر. كل هذا فرارا من الحر والقر، فختم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال! ويا أحلام أطفال، وعقول ربات الحجال! وددت أن الله أخرجني من بين أظهركم وقبضني إلى رحمته من بينكم، وأني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت وهنا، ووريتم والله صدري غيظا، وجرعتموني الموت أنفاسا، وأفسدتم علي رأي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع، ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم! وهل منهم أحد أشد لها مراسا وأطول تجربة مني! لقد مارستها وأنا ابن عشرين، فها أنذا الآن بد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.
وخطبة له رضي الله عنه
قام فيهم فقال: أيها الناس، المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم؟ تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال! قلتم حيدي، حياد. ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأباطيل. وسألتموني التأخير، دفاع ذي الذين المطول. هيهات! لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد. أي دار بعد داركم تمنعون؟ أم مع أي إمام بعدي تقاتلون؛ المغرور والله من غرر تموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصرتكم، فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم. وددت والله إن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس ابن غنم، صرف الدينار بالدرهم.
خطب إذ استنفر أهل الكوفة لحرب الجمل

(1/494)

فأقبلوا إليه مع ابنه الحسن رضي الله عنه، فقام فيهم خطيبا، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين. أما بعد، فإن الله بعث محمدا عليه الصلاة والسلام إلى الثقلين كافة، والناس في اختلاف، والعرب بشر المنازل، مستضعفون لما بهم، بعضهم على بعض، فرأب الله به الثأي، ولأم به الصدع، ورتق به الفتق وأمن به السبل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الواغرة للقلوب، والضغائن المخشنة للصدور، ثم قبضه الله عز وجل مشكورا سعيه، مرضيا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند ربه. فيا لها مصيبة عفت المسلمين، وخضت الأقربين! وولي أبو بكر، فسار بسيرة رضيها المسلمون؛ ثم ولي عمر، فسار بسيرة أبي بكر رضير الله عنهما؛ ثم ولي عثمان، فنال منكم ونلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان، اتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم لي: بايعنا، فقلت لكم: لا أفعل، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتم كفي فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلا بك، ولا نجتمع إلا عليك، وتداككتم علي تداكك الإبل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل بعض، فبايعتموني، وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني للعمرة، فسارا إلى البصرة، فقتلا بها المسلمين، وفعلا الأفاعيل، وهما يعلمان والله أني لست بدون واحد ممن مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت: اللهم إنهما قطعا قرابتي، ونكثا بيعتي، وألبا علي عدوي. اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا.
مما حفظ عنه بالكوفة على المنبر
قال نافع بن كليب: دخلت الكوفة للتسليم على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فإني لجالس تحت منبره وعليه عمامة سوداء وهو يقول: انظروا هذه الحكومة، فمن دعا إليها فاقتلوه وإن كان تحت عمامتي هذه. فقال له عدي بن حاتم: قلت لنا أمس: من أبى عنها فاقتلوه، وتقول لنا اليوم: من دعا إليها فاقتلوه، والله ما ندري ما نصنع بك! وقام إليه رجل أحدب من أهل العراق فقال: أمرت بها أمسي وتنهى عنها اليوم! فأنت كما قال الأول: أكلك وأنا اعلم ما أنت. فقال علي: إلي يقال هذا؟
أصبحت أذكر أرحاما واصرة ... بدلت منها هوي الريح بالقصب
أما والله لو إني حين أمرتكم بما أمرتكم به، ونهيتكم عما نهيتكم عنه، حملتكم على المكروه الذي جعل الله عاقبته خيرا إذا كان فيه، لكانت الوثقى التي لا تفصم، ولكن متى وإلى متى أداويكم؟ إني والله بكم كناقش الشوكة بالشوكة! يا ليت لي بعض قومي، وليت لي من بعد خير قومي. اللهم إن دجلة والفرات نهران أعجمان أصمان أبكمان، اللهم سلط عليهما بحرك، وانزع منهما بصرك، وي للنزعة بأشطان الركي، دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فاحسنوه، ونطقوا بالشعر فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولوا اللقاح أولادها، وسلبوا الضيوف أغمادها، ضربا ضربا، وزحفا زحفا، لا يتباشرون بالحياة، ولا يعزون على القتلى:
أولئك إخواني الذاهبون ... فحق البكاء لهم أن يطيبا
رزئت حبيبا على فاقة ... وفارقت بعد حبيب حبيبا
ثم نزل تدمع عيناه. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون على ما صرت إليه! فقال: نعم؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! أقومهم والله غدوة، ويرجعون إلي عشية، مثل ظهر الحية، حتى متى وإلى متى؟ حسبي الله ونعم الوكيل!
خطبة الغراء
رضي الله عنه:

(1/495)

الحمد لله الأحد الصمد، الواحد المنفرد، الذي لا من شيء كان ولا من شيء خلق إلا وهو خاضع له، قدرة بان بها من الأشياء، وبانت الأشياء منه، فلست له صفة تنال، ولا حد يضرب له فيه الأمثال، كل دون صفته تحبير اللغات، وضلت هناك تصاريف الصفات، وحارت دون ملكوته مذاهب التفكير، وانقطعت دون علمه جوامع التفسير، وحالت دون غيبه حجب تاهت في أدنى دنوها طامحات العقول. فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن؛ وتعالى الذي ليس له نعت موجود، ولا وقت محدود. وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ، ولا غاية منتهى، ولا آخر يفنى؛ وهو سبحانه كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، أحاط بالأشياء كلها علمه، وأتقنها صنعه، وذللها أمره، وأحصاها حفظه، فلا يغرب عنه غيوب الهوى، ولا مكنون ظلم الدجى، ولا ما في السموات العلى، إلى الأرض السابعة السفلى؛ فهو لكل شيء منها حافظ ورقيب، أحاط بها. الأحد الصمد، الذي لم تغيره صروف الأزمان، ولم يتكاءده صنع شيء منها كان. قال لما شاء أن يكون؛ كن فكان؛ ابتدع ما خلق، بلا مثال سبق، ولا تعب، ولا نصب؛ وكل عالم من بعد جهل تعلم، والله لم يجهل ولم يتعلم؛ أحاط بالأشياء كلها علما، ولم يزدد بتجربتها خبرا؛ علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد تكوينها؛ لم يكونها لتسديد سلطان، ولا خوف من زوال ولا نقصان؛ ولا استعانة على ضد مناوئ، ولا نذ مكاثر؛ ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون. فسبحان الذي لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما برأ، خلق ما علم وعلم ما أراد، ولا يتفكر على حادث أصاب، ولا شبهة دخلت عليه فيما شاء؛ لكن قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم. توحد فيه بالربوبية، وخص نفسه بالوحدانية؛ فلبس العز والكبرياء، واستخلص المجد والسناء، واستكمل الحمد والثناء؛ فانفرد بالتوحيد، وتوحد بالتمجيد؛ فجل سبحانه وتعالى عن الأبناء، وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء؛ فليس له فيما خلق ند، ولا فيما ملك ضد هو الله الواحد الصمد، الوارث للأبد، الذي لا يبيد ولا ينفد، ملك السموات العلى، والأرضين السفلى، ثم دنا فعلا، وعلا فدنا، له المثل الأعلى، والأسماء الحسنى، والحمد لله رب العالمين. ثم إن الله تبارك وتعالى سبحانه وبحمده، خلق الخلق بعلمه، ثم اختار منهم صفوته لنفسه، واختار من خيار صفوته أمناء على وحيه، وخزنة له على أمره، إليهم تنتهي رسالته، وعليهم ينزل وحيه؛ جعلهم أصفياء، مصطفين أنبياء، مهديين نجباء. استودعهم وأقرهم في خير مستقر، تناسختهم أكارم الأصلاب، إلى مطهرات الأمهات؛ كلما مضى منهم سلف، انبعث لأمره منهم خلف؛ حتى انتهت نبوة الله وأفضت كرامته إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأخرجه من أفضل المعادن محتدا، وأكرم المغارس منبتا، وأمنعها ذروة، وأعزها أرومة، وأوصلها مكرمة؛ من الشجرة التي صاغ منها أمناء، وانتخب منها أنبياء؛ شجرة طيبة العود، معتدلة العمود، باسقة الفروع، مخضرة الأصول والغصون، يانعة الثمار، كريمة المجتنى؛ في كرم نبتت، وفيه بسقت وأثمرت، وعزت فامتنعت؛ حتى أكرمه الله بالروح الأمين، والنور المبين، فختم به النبيين، وأتم به عدة المرسلين؛ خليفته على عباده، وأمينه في بلاده؛ زينه بالتقوى، واثار الذكرى؛ وهو إمام من اتقى، ونصر من اهتدى؛ سراج لمع ضوؤه، وزند برق لمعه، وشهاب سطع نوره. فاستضاءت به العباد، واستنارت به البلاد، وطوى به الأحساب، وأزجى به السحاب، وسخر له البراق، حتى صافحته الملائكة، وأذعنت له الأبالسة، وهدم به أصنام الآلهة. سيرته القصد، وسنته الرشد؛ وكلامه فصل، وحكمه عدل. فصدع صلى الله عليه وسلم بما أمره به، حتى أفصح بالتوحيد دعوته، وأظهر في خلقه: لا إله إلا الله، حتى أذعن له بالربوبية، وأقر له بالعبودية والوحدانية. اللهم فخص محمدا صلى الله عليه وسلم بالذكر المحمود، والحوض

(1/496)

المورود. اللهم آت محمدا الوسيلة، والرفعة والفضيلة؛ واجعل في المصطفين محلته، وفي الأعلين درجته، وشرف بنيانه، وعظم برهانه؟ واسقنا بكأسه، وأوردنا حوضه، وأحشرنا في زمرته؛ غير خزايا ولا ناكثين، ولا شاكين ولا مرتابين، ولا ضالين ولا مفتونين، ولا فبذلين ولا حائدين ولا مضلين. اللهم أعط محمدا من كل كرامة أفضلها، ومن كل نعيم أكمله، ومن كل عطاء أجزله، ومن كل قسم أتمه؛ حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب منك مكانا، ولا أحظى عندك منزلة، ولا أدنى إليك وسيلة، ولا أعظم عليك حقا ولا شفاعة من محمد؛واجمع بيننا وبينه في ظل العيش، وبرد الروح، وقرة الأعين، ونضرة السرور، وبهجة النعيم؛ فإنا نشهد أنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة والنصيحة، واجتهد للأمة، وجاهد في سبيلك، وأوذي في جنبك، ولم يخف لومة لائم في دينك، وعبدك حتى أتاه اليقين. إمام المتقين، وسيد المرسلين، وتمام النبيين، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين. اللهم. رب البيت الحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام، بلغ محمدا منا السلام. اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى أنبيائك المرسلين، وعلى الحفظة الكرام الكاتبين، وصلى الله عليه أهل السموات وأهل الأرضين، من المؤمنين.ود. اللهم آت محمدا الوسيلة، والرفعة والفضيلة؛ واجعل في المصطفين محلته، وفي الأعلين درجته، وشرف بنيانه، وعظم برهانه؟ واسقنا بكأسه، وأوردنا حوضه، وأحشرنا في زمرته؛ غير خزايا ولا ناكثين، ولا شاكين ولا مرتابين، ولا ضالين ولا مفتونين، ولا فبذلين ولا حائدين ولا مضلين. اللهم أعط محمدا من كل كرامة أفضلها، ومن كل نعيم أكمله، ومن كل عطاء أجزله، ومن كل قسم أتمه؛ حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب منك مكانا، ولا أحظى عندك منزلة، ولا أدنى إليك وسيلة، ولا أعظم عليك حقا ولا شفاعة من محمد؛واجمع بيننا وبينه في ظل العيش، وبرد الروح، وقرة الأعين، ونضرة السرور، وبهجة النعيم؛ فإنا نشهد أنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة والنصيحة، واجتهد للأمة، وجاهد في سبيلك، وأوذي في جنبك، ولم يخف لومة لائم في دينك، وعبدك حتى أتاه اليقين. إمام المتقين، وسيد المرسلين، وتمام النبيين، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين. اللهم. رب البيت الحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام، بلغ محمدا منا السلام. اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى أنبيائك المرسلين، وعلى الحفظة الكرام الكاتبين، وصلى الله عليه أهل السموات وأهل الأرضين، من المؤمنين.
خطبة الزهراء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:09 pm

الحمد الله الذي هو أول كل شيء وبديه، ومنتهى كل شيء ووليه، وكل شيء خاشع له، وكل شيء قائم به، وكل شيء ضارع إليه، وكل شيء مستكين له. خشعت له الأصوات، وكلت دونه الصفات؛ وضلت دونه الأوهام، وحارت دونه الأحلام، وانحسرت دونه الأبصار. لا يقضي في الأمور غيره، ولا يتم شيء منها دونه، سبحانه ما أجل شأنه، وأعظم سلطانه! تسبح له السموات العلى، ومن في الأرض السفلى؛ له التسبيح والعظمة، والملك والقدرة، والحول والقوة؛ يقضي بعلم، ويعفو بحلم، قوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف، وعز كل ذليل، وولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، وكاشف كل كربة؛ المطلع على كل خفية، المحصي لكل سريرة، يعلم ما تكن الصدور، وما ترخى عليه الستور؛ الرحيم بخلقه، الرؤوف بعباده، من تكلم منهم سمع كلامه، ومن سكت منهم علم ما في نفسه، ومن عاش منهم فعليه رزقه، ومن مات منهم فإليه مصيره، أحاط بكل شيء علمه، وأحصى كل شيء حفظه. اللهم لك الحمد عدد ما تحيي وتميت، وعدد أنفاس خلقك ولفظهم ولحظ أبصارهم، وعدد ما تجري به الريح، وتحمله السحاب، ويختلف به الليل والنهار، ويسير به الشمس والقمر والنجوم، حمدا لا ينقضي عدده، ولا يفني أمده. اللهم أنت قبل كل شيء، وإليك مصير كل شيء، وتكون بعد هلاك كل شيء، وتبقى ويفنى كل شيء، وأنت وارث كل شيء، أحاط علمك بكل شيء، وليس يعجزك شيء، ولا يتوارى عنك شيء، ولا يقدر أحد قدرتك، ولا يشكرك أحذ حق شكرك، ولا تهتدي العقول لصفتك، ولا تبلغ الأوهام حدك. حارت الأبصار دون النظر إليك، فلم ترك عين فتخبر عنك كيف أنت وكيف كنت، لا نعلم اللهم كيف عظمتك، غير أنا نعلم أنك حي قيوم، تأخذك سنة ولا نوم، لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، ولا يقدر قدرتك ملك ولا بشر؛ أدركت الأبصار، وكتبت الآجال، وأحصيت الأعمال، وأخذت بالنواصي والأقدام؛ لم تخلق الخلق لحاجة ولا لوحشة؛ ملأت كل شيء عظمة، فلا يرد ما أردت، ولا يعطى ما منعت، ولا ينقص سلطانك من عصاك، ولا يزيد في ملكك من أطاعك. كل سر عندك علمه، وكل غيب عندك شاهده، فلم يستتر عنك شيء، ولم يشغلك شيء عن شيء، وقدرتك على ما تقضي كقدرتك على ما قضيت، وقدرتك على القوي كقدرتك على الضعيف، وقدرتك على الأحياء كقدرتك على الأموات. فإليك المنتهى، وأنت الموعد، لا منجى إلا إليك، بيدك ناصية كل دابة، وبإذنك تسقط كل ورقة، لا يعزب عنك مثقال ذرة، أنت الحي القيوم. سبحانك! ما أعظم ما يرى من خلقك! وما أعظم ما يرى من ملكوتك! وما أقلهما فيما غاب عنا منه! وما أسبغ نعمتك في الدنيا وأحقرها في نعيم الآخرة! وما أشد عقوبتك في الدنيا وما أيسرها في عقوبة الآخرة! وما الذي نرى من خلقك، ونعتبر من قدرتك ونصف من سلطانك فيما يغيب عنا منه، مما قصرت أبصارنا عنه، وكلت عقولنا دونه، وحالت الغيوب بيننا وبينه! فمن قرع سنه، وأعمل فكره: كيف أقمت عرشك؟ وكيف ذرأت خلقك؟ وكيف علقت في الهواء سمواتك؟ وكيف مددت أرضك؟ يرجع طرفه حاسرا، وعقله مبهورا، وسمعه والها، وفكره متحيرا. فكيف يطلب علم ما قبل ذلك من شأنك، إذ أنت وحدك في الغيوب التي لم يكن فيها غيرك، ولم يكن لها سواك، لا أحد شهدك حين فطرت الخلق، ولا أحد حضرك حين ذرأت النفوس، فكيف لا يعظم شأنك عند من عرفك، وهو يرى من خلقك ما ترتاع به عقولهم، ويملأ قلوبهم، من رعد تفزع له القلوب، وبرق يخطف الأبصار، وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سمواتك، وليست فيهم فترة، ولا عندهم غفلة، ولا بهم معصية. هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقومهم بطاعتك، ليس يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقود؛ لم يسكنوا الأصلاب، ولم تضمهم الأرحام؛ أنشأتهم، إنشاء، وأسكنتهم سمواتك، وأكرمتهم بجوارك، وائتمنتهبم على وحيك؟ وجنبتهم الأفات، ووقيتهم السيآت، وطهرتهم من الذنوب؛ فلولا تقويتك لم يقووا، ولولا تثبيتك لم يثبتوا، ولولا رهبتك لم يطيعوا، ولولاك لم يكونوا.

(1/498)

أما إنهم على مكانتهم منك، ومنزلتهم عندك، وطول طاعتهم إياك، لو يعاينون ما يخفى عليهم لاحتقروا أعمالهم، ولعلموا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك. فسبحانك حالقا ومعبودا ومحمودا بحسن بلائك عند خلقك! أنت خلقت ما دبرته مطعما ومشربا، ثم أرسلت داعيا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغبتنا فيه رغبنا، ولا إلى ما شوقتنا إليه اشتقنا. أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها ولا نشبع، وقد زاد بعضنا على بعض حرصا، لما يرى بعضنا من بعض؛ فافتضحنا بأكلها، واصطلحنا على حبها، فأعمت أبصار صلاحنا وفقهائنا، فهم ينظرون بأعين غير صحيحة، ويسمعون بآذان غير سميعة، فحيثما زالت زالوا معها، وحيثما مالت أقبلوا إليها؛ وقد عاينوا المأخوذين على الغرة كيف فجأتهم الأمور، ونزل بهم المحذور، وجاءهم من فراق الأحبة ما كانوا يتوقعون، وقدموا من الآخرة إلى، ما كانوا يوعدون. فارقوا الدنيا وصاروا إلى القبور وعرفوا ما كانوا فيه من الغرور؛ فاجتمعت عليه حسرتان؛ حسرة الفوت، وحسرة الموت، فاغبرت لها وجوههم، وتغيرت بها ألوانهم، وعرقت بها جباههم، وشخصت أبصارهم، وبردت أطرافهم، وحيل بينهم وبين المنطق؛ وإن أحدهم لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع بأذنه. ثم زاد الموت في جسده حتى خالط بصره، فذهبت من الدنيا معرفته، وهلكت عند ذلك حجته، وعاين هول أمر كان مغطى عليه، فأحد لذلك بصره. ثم زاد الموت في جسده، حتى بلغت نفسه الحلقوم، ثم خرج روحه من جسده فصار جسدا ملقى لا يجيب داعيا، ولا يسمع باكيا، فنزعوا ثيابه وخاتمه، ثم وضئوه وضوء الصلاة، ثم غسلوه وكفنوه أدراجا في أكفانه، وحنطوه ثم حملوه إلى قبره، فدلوه في حفرته، وتركوه مخلى بمقطعات من الأمور، وتحت مسألة منكر ونكير، مع ظلمة وضيق، ووحشة قبر؛ فذاك مثواه حتى يبلى جسده ويصير ترابا. حتى إذا بلغ الأمر إلى مقداره، وألحق آخر الخلق بأوله، وجاءه أمر من خالقه، أراد به تجديد خلقه، فأمر بصوت من سمواته، فمارت السموات مورا، وفرخ من فيها، وبقي ملائكتها على أرجائها، ثم وصل الأمر إلى الأرض - والخلق رفات لا يشعرون - فأرج أرضهم وأرجفها وزلزلها، وقلع جبالها ونسفها وسيرها، وركب بعضها بعضا من هيبته وجلاله، وأخرج من فيها، فجددهم بعد بلائهم، وجمعهم بعد تفرقهم، يريد أن يحصيهم ويميزهم: فريقا في ثوابه، وفريقا في عقابه، فخلد الأمرلأبده دائما، خيره وشره ثم لم ينس الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، فأراد عز وجل أن يجازي هؤلاء، وينتقم من هؤلاء، فأثاب أهل الطاعة بجواره، وحلول داره، وعيش رغد، وخلود أبد، ومجاورة الرب، وموافقة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث لا ظعن ولا تغير، وحيث لا تصيبهم الأحزان، ولا تعترضهم الأخطار، ولا تشخصهم الأسفار. وأما أهل المعصية، فخلدهم في النار، وأوثق منهم الأقدام، وغلت منهم الأيدي إلى الأعناق، في لهب قد اشتد حره، ونار مطبقة على أهلها، لا يدخل عليهم بها روح، همهم شديد، وعذابهم يزيد، ولا مدة للدار تنقضي، ولا أجل للقوم ينتهي. اللهم إني أسألك بأن لك الفضل، والرحمة بيدك، فأنت وليهما، لا يليهما أحد غيرك، وأسألك باسمك المخزون المكنون، الذي قال به عرشك وكرسيك وسمواتك وأرضك، وبه ابتدعت خلقك، الصلاة على محمد، والنجاة من النار برحمتك، آمين، إنك ولي كريم. إنهم على مكانتهم منك، ومنزلتهم عندك، وطول طاعتهم إياك، لو يعاينون ما يخفى عليهم لاحتقروا أعمالهم، ولعلموا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك. فسبحانك حالقا ومعبودا ومحمودا بحسن بلائك عند خلقك! أنت خلقت ما دبرته مطعما ومشربا، ثم أرسلت داعيا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغبتنا فيه رغبنا، ولا إلى ما شوقتنا إليه اشتقنا. أقبلنا كلنا على جيفة نأكل منها ولا نشبع، وقد زاد بعضنا على بعض حرصا، لما يرى بعضنا من بعض؛ فافتضحنا بأكلها، واصطلحنا على حبها، فأعمت أبصار صلاحنا وفقهائنا، فهم ينظرون بأعين غير صحيحة، ويسمعون بآذان غير سميعة، فحيثما زالت زالوا معها، وحيثما مالت أقبلوا إليها؛ وقد عاينوا المأخوذين على الغرة كيف فجأتهم الأمور، ونزل بهم المحذور، وجاءهم من فراق الأحبة ما كانوا يتوقعون، وقدموا من الآخرة إلى، ما كانوا يوعدون. فارقوا الدنيا وصاروا إلى القبور وعرفوا ما كانوا فيه من الغرور؛ فاجتمعت عليه حسرتان؛ حسرة الفوت، وحسرة الموت، فاغبرت لها وجوههم، وتغيرت بها ألوانهم، وعرقت بها جباههم، وشخصت أبصارهم، وبردت أطرافهم، وحيل بينهم وبين المنطق؛ وإن أحدهم لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع بأذنه. ثم زاد الموت في جسده حتى خالط بصره، فذهبت من الدنيا معرفته، وهلكت عند ذلك حجته، وعاين هول أمر كان مغطى عليه، فأحد لذلك بصره. ثم زاد الموت في جسده، حتى بلغت نفسه الحلقوم، ثم خرج روحه من جسده فصار جسدا ملقى لا يجيب داعيا، ولا يسمع باكيا، فنزعوا ثيابه وخاتمه، ثم وضئوه وضوء الصلاة، ثم غسلوه وكفنوه أدراجا في أكفانه، وحنطوه ثم حملوه إلى قبره، فدلوه في حفرته، وتركوه مخلى بمقطعات من الأمور، وتحت مسألة منكر ونكير، مع ظلمة وضيق، ووحشة قبر؛ فذاك مثواه حتى يبلى جسده ويصير ترابا. حتى إذا بلغ الأمر إلى مقداره، وألحق آخر الخلق بأوله، وجاءه أمر من خالقه، أراد به تجديد خلقه، فأمر بصوت من سمواته، فمارت السموات مورا، وفرخ من فيها، وبقي ملائكتها على أرجائها، ثم وصل الأمر إلى الأرض - والخلق رفات لا يشعرون - فأرج أرضهم وأرجفها وزلزلها، وقلع جبالها ونسفها وسيرها، وركب بعضها بعضا من هيبته وجلاله، وأخرج من فيها، فجددهم بعد بلائهم، وجمعهم بعد تفرقهم، يريد أن يحصيهم ويميزهم: فريقا في ثوابه، وفريقا في عقابه، فخلد الأمرلأبده دائما، خيره وشره ثم لم ينس الطاعة من المطيعين، ولا المعصية من العاصين، فأراد عز وجل أن يجازي هؤلاء، وينتقم من هؤلاء، فأثاب أهل الطاعة بجواره، وحلول داره، وعيش رغد، وخلود أبد، ومجاورة الرب، وموافقة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث لا ظعن ولا تغير، وحيث لا تصيبهم الأحزان، ولا تعترضهم الأخطار، ولا تشخصهم الأسفار. وأما أهل المعصية، فخلدهم في النار، وأوثق منهم الأقدام، وغلت منهم الأيدي إلى الأعناق، في لهب قد اشتد حره، ونار مطبقة على أهلها، لا يدخل عليهم بها روح، همهم شديد، وعذابهم يزيد، ولا مدة للدار تنقضي، ولا أجل للقوم ينتهي. اللهم إني أسألك بأن لك الفضل، والرحمة بيدك، فأنت وليهما، لا يليهما أحد غيرك، وأسألك باسمك المخزون المكنون، الذي قال به عرشك وكرسيك وسمواتك وأرضك، وبه ابتدعت خلقك، الصلاة على محمد، والنجاة من النار برحمتك، آمين، إنك ولي كريم.

(1/499)

وخطب أيضا فقال
أيها الناس، احفظوا عنى خمسا، فلو شددتم إليها المطايا حتى تنضوها لم تظفروا بمثلها: إلا لا يرجون أحدكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي أخدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم؛ أي وإن الخامسة الصبر؛ فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. من لا صبر له لا إيمان له، ومن لا رأس له لا جسد له. ولا خير في قراءة إلا بتدبر، ولا في عبادة إلا بتفكر، ولا في حلم إلا بعلم. ألا أنبئكم بالعالم كل العالم، من لم يزين لعباد الله معاصي الله، ولم يؤمنهم مكره، ولم يؤيسهم من روحه. ولا تنزلوا المطيعين الجنة، ولا المذنبين الموحدين النار، حتى يقضي الله فيهم بأمره. لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب الله، فإنه يقول: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. ولا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
من كلامه
رضوان الله عليه:
قال ابن عباس: لما فرغ علي بن أبي طالب من وقعة الجمل، دعا بأجرتين فعلاهما، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أنصار المرأة، وأصحاب البهيمة، رغا فجئتم، وعقر فانهزمتم. دخلت شر بلاد، أبعدها من السماء، بها يغيض كل ماء، ولها شر أسماء، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر أين ابن عباس؟ فدعيت، فقال لي: مر هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرت أن تقر فيه. وتمثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد الحكمين:
زللت فيكم زلة فأعتذر ... سوف أكيس بعدها وأنشمر
وأجمع الأمر الشتيت المنتشر
خطب معاوية
قال القحذمي: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقاه رجال قريش، فقالوا: الحمد الله الذي أعز نصرك، وأعلى كعبك. قال: فوالله ما رد عليهم شيئا حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني والله وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسزة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة، وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا، وأردتها على مثل، ثنيات عثمان، فأبت علي فسلكت بها طريقا لي ولكم فيه منفعة، مواكلة حسنة، ومشاربة جميلة، فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية. والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني وتحت قدمي، وإن لم تجدوني أقوا بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا يزاد عنى، وإذا قل أغنى؛ وإياكم والفتنة، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، ثم نزل.
خطبة أيضا لمعاوية
حمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، إنا قدمنا عليكم، وإنما قدمنا على صديق مستبشر، أو على عدو مستتر، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ولست واسعا كل الناس، فإن كانت محمدة فلا بد من مذمة، فلوما هونا إذا ذكر غفر، وإياكم والتي إن أخفيت أو بقت. وإن ذكرت أوثقت، ثم نزل.
خطبته أيضا لمعاوية
صعد منبر المدينة. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأهل المدينة، إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق، يعيبون الشيء وهم فيه، كل امرىء منهم شيعة نفسه، فاقبلونا بما فينا، فإن ما وراءنا شر لكم، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت، ولو قد أتى، فالرتق خير من الفتق، وفي كل بلاغ، ولا مقام على الرزية.
خطبة لمعاوية أيضا

(1/500)

قال العتبي: خطب معاوية الجمعة في يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن الله عز وجل خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فمال: يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. قوموا إلى صلاتكم.
ذكر لعبيد الله بن زياد عند معاوية

(2/1)

قال ابن دأب: لما قدم عبيد الله بن زياد على معاوية بعد هلاك زياد فوجده لاهيا عنه، أنكره، فجعل يتصدى له بخلوة ليسبر من رأيه ما كره أن يشرك به في عمله، فاستأذن عليه بعد انصداع الطلاب، وإشعال الخاصة، وافتراق العامة، وهو يوم معاوية الذي كان يخلو فيه بنفسه. ففطن معاوية لما أراد، فبعث إلى ابنه يزيد، وإلى مروان بن الحكم، وإلى سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، وعمرو بن العاص. فلما أخذوا مجالسهم آذن له، فسلم ووقف واجما يتصفح وجوه القوم، ثم قالت: صريح العقوق مكاتمة الأدنين، ولا خير في اختصاص إن وفر، أحمد الله إليكم على الآلاء، وأستعينه على اللأواء، وأستهديه من عمى مجهد، وأستعينه على عدو مرصد، وأشهد أن لا إله إلا الله، المنقذ بالأمين الصادق، من شقاء هاو، ومن غواية غاو؛ وصلوات الله على الزكي نبي الرحمة، ونذير الأمة، وقائد الهدى. أما بعد، يا أمير المؤمنين، فقد عسف بنا ظن فرع، وفرع صدع؛ حتى طمع السحيق، ويئس الرفيق؛ ودث الوشاة بموت زياد، فكلهم متحفز للعداوة، وقد قلص الإزرة، وشمر عن عطافه، ليقول: مضى زياد بما استلحق به، وولى على الدنية من مستلحقه. فليت أمير المؤمنين لسم في دعته، وأسلم زيادا في ضعته، فكان ترب عامة، وواحد رعية، فلا تشخص إليه عين ناظر، ولا إصبع مشير، ولا تذلق عليه ألسن. كلمته حيا، ونبشته ميتا، فإن تكن يا أمير المؤمنين حابيت زيادا بولاء رفات، ودعوة أموات، فقد حاباك زياد بجد هصور، وعزم جسور، حتى لانت شكائم الشرس، وذلت صعبة الأشوس، وبذل لك أمير المؤمنين يمينه ويساره، تأخذ بهما المنيع، وتقهر بهما البزيع، حتى مضى، والله يغفر له. فإن يكن زياد أخذ بحق فأنزلنا منازل الأقربين، فإن لنا بعده ما كان له، بدالة الرحم، وقرابة الحميم، ومالنا يا أمير المؤمنين نمشي الضراء، وندب الخفاء، و لنا من خيرك أكمله، وعليك من حوبنا أثقله، وقد شهد القوم، وما ساءني قربهم، ليقروا حقا، ويردوا باطلا، فإن الحق منارا واضحا، وسبيلا قصدا، فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت، فما نأرز إلى غير جحرنا، ولا نستكثر بغير حقنا، واستغفر الله لي ولكم. قال: فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب، فتصفحهم بلحظه رجلا، رجلا، وهو مبتسم. ثم اتجه تلقاءه، وعقد حبوته، وحسر عن يده، وجعل يومىء بها نحوه، ثم قال معاوية: الحمد لله على ما نحن فيه، فكل خير منه، وأشهد أن لا إله إلا الله، فكل شيء خاضع له، وأن محمدا عبده ورسوله، دل على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يؤتوا بمثله، فهو خاتم النبيين، ومصدق المرسلين، وحجة رب العالمين، وصلوات الله عليه وسلامه وبركاته. أما بعد، فرب خير مستور، وشر مذكور، وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به، والحط المرغب لمن فاز به، فيهما التفاضل وفيهما التغابن، وقد صفقت يداي من أبيك صفقة ذي الجلبة من ضوارع الفصلان، عامل اصطناعي له بالكفر لما أوليته، فما رميت به إلا انتصل، ولا انتضيته إلا غلق جفنه، وزلت شفرته؛ ولا قلت إلا عاند، ولاقمت إلا قعد، حتى اخترمه الموت؛ وقد أوقع بختره، ودل على حقد،. وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل، والتبس به الزلل، فأخذ مني بحظ الغفلة، وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء، فما برحت هناة أبيك تحطب في حبل القطيعة، حتى انتكث المبرم، وانحل عقد الوداد. فيالها توبة تؤتنف، من حوبة أورثت ندما؛ اسمع بها الهاتف، وشاعت للشامت، فليهنأ الواصم ما به احتقر. وأراك تحمد من أبيك جدا وجسورا، هما أوفيا به على سرف التقحم، وغمط النعمة، فدعهما، فقد أذكرتنا منه ما زهدنا فيك من بعده، وبهما مشيت الضراء، ودببت الخفاء، فاذهب إليك، فأنت نجل الدغل، وعترة النغل، والآخر شر.

(2/2)

فقال يزيد: يا أمير المؤمنين، إن للشاهد غير حكم الغائب، وقد حضرك زياد وله مواطن معدودة بخير، لا يفسدها التظني، ولا تغيرها التهم، وأهلوه أهلوك، التحقوا بك، وتوسطوا شأنك، فسافرت به الركبان، وسمعت به أهل البلدان، حتى اعتقده الجاهل، وشك فيه العالم، فلا تتحجر يا أمير المؤمنين ما قد اتسع، وكثرت فيه الشهادات وأعانك عليه قوم آخرون. فانحرف معاوية إلى من معه، هذا، وقد نفس عليه ببيعته، وطعن في إمرته، يعلم ذلك كاحما اعلمه، يا للرجال من آل أبي سفيان! لقد حكموا وبذهم يزيد وحده. ثم نظر إلى عبيد الله فقال: يا بن أخي، إني لأعرف بك من أبيك، وكأني بك في غمرة لا يخطوها السابح، فالزم ابن عمك، فإن ما قال حق. فخرجوا، ولزم عبيد الله يزيد، يرد مجلسه، ويطأ عقبه أياما، حتى رمى به معاوية إلى البصرة واليا عليها. ثم لم تزل توكسه أفعاله حتى قتله الله بالجازر.
خطبة لمعاوية
أيضا
قال بهيثم بن عدي: لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب، دعا بمسلم ابن عقبة المر والضحاك بن قيس القهري، وقال لهما: أبلغا عني يزيد وقولا له: انظر أهل الحجاز، فهم عصابتك اعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعاهده؟ وانظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم، فأعز له عنهم، فإن عزل عامل واحد أهون عليك من سل مائة ألف سيف، ثم لا تدري علام أنت عليه منهم ثم انظر أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار، فإن رابك من عدو ريب فارمه بهم، فإن أظفرك الله فاردد أهل الشام إلى بلادهم، لا يقيموا في غير بلادهم في فيتأدبوا بغير أدابهم. لست أخاف عليك غير عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي. فأما عبد الله بن عمر، فرجل قد وقذه الورع وأما الحسين، فأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه؛ وأما ابن الزبير، فإنه خب ضب. فإن ظفرت به فقطعه إربا إربا. ومات معاوية. فقام الضحاك بن قيس خطيبا فقال: إن أمير المؤمنين كان أنف العرب، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها ومخلون بينه وبين ربه، فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضر. فصلى عليه الضحاك. ثم قدم يزيد فلم يقدم أحد عك تعزيته، حتى دخل عليه عبد الله ابن همام فأنشأ يقول:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا
لا رزء أعظم في الأقوام قد علموا ... مما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت راعي أهل الدين كلهم ... فانت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا بقيت فلا نسمع بمنعاكا
قال: فانفتح الخطباء بالكلام.
خطبة أيضا لمعاوية

(2/3)

ولما مرض معاوية مرض وفاته قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون بموتك. قال: ويحك! لم؟ فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم. وأذن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه وأوجز، ثم قال: أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا؛ فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض وفره؛ ومنهم المصلت لسيفه، المجلب برجله، المعلن بشره، وقد أشرط نفسه، وأوبق دينه، لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه، وليس المتجران تراهما لنفسك ثمنا، وبمالك عند الله عوضا؟ ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه. وشمر عن ثوبه، وزخرف نفسه بالأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية، ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضآلة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرت به الحال عن حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزيا بلباس الزهادة، وليس من، ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المضجع، فهم بين شريد باد، وبين خائف منقمع، وساكت مكعوم، وداع محلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ، وقرادة الحلم؛ واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فقد رفضت من كان أشفق بها منكم.
ليزيد بن معاوية بعد موت أبيه
الحمد الله الذي ما شاء صنع، ومن شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع. إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال الله، مده ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه، وكان. دون من قبله، وخيرا ممن يأتي بعده، ولا أزكيه عند ربه، وقد صار إليه، فإن يعف عنه فبرحمته، وإن يعاقبه فبذنبه، وقد وليت بعده الأمر، ولست أعتذر من جهل، ولا آسى على طلب علم، وعلى رسلكم، إذا كره الله شيئا غيره، وإذا أحب شيئا يسره.
وخطبة أيضا ليزيد
الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، اصطفاه لوحيه. واختاره لرسالته، بكتاب فصله وفضله، وأعزه وأكرمه، ونصره وحفظه، ضرب فيه الأمثال، وحلل فيه الحلال، وحرم فيه الحرام، وشرع فيه الدين إعذارا وإنذارا، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ويكون بلاغا لقوم عابدين. أوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم، الذي ابتدأ الأمور بعلمه، وإليه يصير معادها، وانقطاع مدتها، وتصرم دارها. ثم إني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وأينعت بالفاني، وتحببت بالعاجل، لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجيعها، أكالة غوالة، غرارة، لا تبقي على حال، ولا يبقى لها حال، ولن تعدو الدنيا إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا بها، أن تكون كما قال الله عز وجل: " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " ، إلى قوله ومقتدرا نسأل الله ربنا وإلهنا وخالقنا ومولانا أن يجعلنا وإياكم من فزع يومئذ آمنين. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله: ما له " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة.
خطب بني مروان
خطبة عبد الملك بن مروان

(2/4)

وكان عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت عن أن تحمى، وهي صغيرة في جنب عفوك، فاعف عني. وخطب بمكة شرفها الله تعالى، فقال في خطبته: إني الله ما أنا بالخليفة المستضعف، يعني عثمان، ولا بالخليفة المداهن، يعني معاوية، ولا بالخليفة المأفون، يعني يزيد. قال أبو إسحق النظام: أما والله لولا نسبك من هذا المستضعف، وسببك من هذا المذاهن، لكنت منها أبعد من العيوق. والله ما أخذتها بوراثة، ولا سابقة، ولا قرابة، ولا بدعوى شورى، ولا بوصية.
خطبة الوليد بن عبد الملك
لما مات عبد الملك بن مروان ورجع الوليد من دفنه، لم يدخل منزله حتى دخل المسجد، ونودي في الناس: الصلاة جامعة. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه لا مؤخر لما قدم الله، ولا مقدم لما آخر الله، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه، وحملة عرشه من الموت، موت ولي هذه الأمة، ونحن نرجو أن يصير إلى منازل الأبرار، للذي كان عليه من الشدة على المريب، واللين على أهل الفضل والدين، مع ما أقام من منار الإسلام وأعلامه، وحج هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشن الغارات على أعداء الله، فلم يكن فيها عاجزا، ولا وانيا، ولا مفرطا. فعليكم أيها الناس بالطاعة، ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الجماعة أبعد. واعلموا أنه من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل.
خطب سليمان بن عبد الملك
فقال: الحمد لله، ألا إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، تضحك باكيا، وتبكي ضاحكا، وتخيف أمنا، وتؤمن خائفا، وتفقر مثريا، وتثري مقترا، ميالة غرارة، لعابة بأهلها. عباد الله، فاتحذوا كتاب الله إماما، وارتضوا به حكما، واجعلوه لكم قائدا، فإنه ناسخ لما كان قبله، ولم ينسخه كتاب بعده. واعلموا عباد الله أن هذا القران يجلو كيد الشيطان، كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس، ظلام الليل إذا عسعس.
خطب عمر بن عبد العزيز
رحمه الله ورضي عنه:
قالت العتبي: أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله: أيها الناس، أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم، وأصلحوا أخرتكم تصلح دنياكم؛ وإن امرئ ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق في الموت.
وخطبة له رحمه الله
إن لكل سفر زادا لا محالة، فتزودوا من دنياكم لأخرتكم التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه، فترهبوا وترغبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله، ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد إمسائه، أو يمسي بعد إصباحه، وربما كانت بين ذلك خطرات المنايا، وإنما يطمئن إلى الدنيا من أمن عواقبها، فإن من يداوي من الدنيا كلما أصابت جراحة من ناحية أخرى، فكيف يطمئن إليها، أعوذ بالله إن أمركم بما أنهى عنه نفسى فتخسر صفقتي، وتظهر عيلتي، وتبدو مسكنتي، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق. ثم بكى وبكى الناس معه.
خطبة لعمر بن عبد العزيز أيضا

(2/5)

شبيب بن شيبة عن أبي عبد الملك قال: كنت من حرس الخلفاء قبل عمر، فكنا نقوم لهم ونبدؤهم بالسلاح. فخرج علينا عمر رضي الله عنه في يوم عيد وعليه قميص كتان وعمامة على قلنسوة لاطئة، فمثلنا بين يديه وسلمنا عليه، فقال: مه، أنتم جماعة وأنا واحد، السلام علي والرد عليكم؟ وسلم، فرددنا، وقربت له دابته فأعرض عنها ومشى، ومشينا، حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وددت أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم، حتى نستوي نحن بهم، وأكون أنا أولهم. ثم قال: ما لي وللدنيا؛ أم مالها ومالي؛ وتكلم فأرق حتى بكى الناس جميعا، يمينا وشمالا. ثم قطع كلامه ونزق! فدنا منه رجاء بن حيوة، فقال له: يا أمير المؤمنين، كلمت الناس بما أرق قلويهم وأبكاهم، ثم قطعته أحوج ما كانوا إليه. فقال: يا رجاء، إني أكره المباهاة.
خطبة ابن الأهتم
بين يدي عمر بن عبد العزيز
ودخل عبد الله بن الأهتم على عمم بن عبد العزيز مع العامة، فلم يفجأ إلا وهو قائم بين يديه يتكلم؛ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فإن الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل، أهل الوبر وأهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشها، ميتهم في النار، وحيهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه، المزهود فيه. فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته، بعث إليهم رسولا منهم، عزيزا عليه ما عنتوا حريصا عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق، لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار. فلما أمر بالعزيمة، أسفر لأمر الله لونه، فأبلج الله حجته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، وفارق الدنيا تقيا صلى الله عليه وسلم ثم قام من عده أبو بكر رضي الله عنه، فسلك سنته، وأخذ سبيله؛ فارتدت العرب، فلم يقبل منهم إلا الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله؛ فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أو صالهم، ويسقي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الباب الذي خرجوا منه، وقررهم بالأمر الذي نفروا عنه. وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى ذلك غصة في حلقه عند موته، وثقلا على كاهله، فأداه إلى الخليفة من بعده، وبرئ إليهم منه، وفارق الدنيا نقيا نقيا على منهاج صاحبه. ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فمصر الأمصار، وخلط الشدة باللين، وحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، وأعد للأمور أقرانها، وللحرب آلتها. فلما أصابه قن المغيرة بن شعبة أمر ابن عباس أن يسأل الناس: هل يثبتون قاتله. فلما قيل له: قن المغيرة استهل بحمد الله أن لا يكون أصابه من له حق في الفيء فيستحل دمه بما استحل من حقه. وقد كان أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفا. فكسر بها رباعه، وكره فيها كفالة أهله وولده، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا تقيا على منهاج صاحبه. ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج. ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألغيتها وأجببت لقاء الله وما عنده، فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يغني عن الحق شيء، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين وللمؤمنات. ولما قال: ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج. سكت الناس كلهم غير هشام، فإنه قال: كذبت.
وخطبة أيضا لعمر نجن عبد العزيز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:10 pm

قال أبو الحسن: خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة خطبة لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا يحكم الله بينكم فيه، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضمها السموات والأرض. واعلموا أن الأمان غدا لمن يخاف اليوم، وباع قليلا بكثير، وفانيا بباق؛ ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون، حتى تردوا إلى خير الم الورثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله، قد قضى نحبه، وبلغ أجله، ثم تغيبونه في صدع في الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب، غنيا عما ترك: فقيرا إلى ما قدم، وايم الله، إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب، أكثر مما عندي، فاستغفر الله لي ولكم، وما تبلغنا حاجة يتسبع لها ما عندنا إلا سددناها، ولا أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي ولحمتي الذين يلونني، حتى يستوى عيشنا وعيشكم، وايم الله إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به ناطقا ذلولا عالما بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، دل فيهما على طاعته، ونهى عن معصيته؛ ثم بكى، فتلقى دموع عينيه بردائه ونزل. فلم يعد بعدها على تلك الأعواد حتى قبضه الله تعالى.
خطبة يزيد بن الوليد
حين قتل الوليد بن يزيد
بقي بن مخلد قال: حدثني خليفة بن خياط قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثني إبراهيم بن إسحاق، أن يزيد بن الوليد بن عبد الملك لما قتل الوليد بن يزيد قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، إني ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، ولا تزكية عملي، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه، حين درست معالم الهدى، وأطفيء نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد، المستحل الحرمة، والراكب البدعة، والمغير السنة. فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقلع، على كثير من ذنوبكم، وقسوة من قلوبكم، وأشفقت أن يدعم كثيرا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم، فاستخرت الله في أمري، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، وهو ابن عمي في نسبي، وكفيء في حسبي، فأراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد، ولاية من الله وعزما، بلا حول منا ولا قوة، ولكن بحول الله وقوته، وولايته وعزته. أيها الناس، إن لكم علي إن وليت أموركم ألا أضع لبنة على لبنة، ولا حجرا على حجر، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد، حتى أسد ثغره، وأقيم مصالحه، مما تحتاجون إليه، وتقوون به، فإن فضل شيء رددته إلى البلد الذي يليه، وهم من أحوج البلدان إليه، حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين وتكونوا فيه سواء، ولا أجمركم في بعوثكم فتفتتنوا وتفتن أهاليكم. فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا أقوى عليها مني فأردتم بيعته فانا أول من يبايعه، ويدخل في طاعته، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
خطب بني العباس
العتبي قال: قيل لمسلمة بن هلال العبدي، خطبنا جعفر بن سليمان الهاشمي خطبة لم يسمع أحسن منها، وما درينا أوجهه كان أحسن أم كلامه. قال: أولئك قوم بنور الخلافة يشرقون، وبلسان النبوة ينطقون.
خطبة أبي العباس السفاح بالشام

(2/7)

خطب أبو العباس عبد الله بن محمد علي، لما قتل مروان بن محمد، فقال: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار، نكص بكم يا أهل الشام آل حرب، وآل مروان، يتسكعون بكم الظلم، ويتهورون بكم مداحض الزلق، يطؤون بكم حرم الله وحرم رسوله، ماذا يقول زعماؤكم غدا؟ يقولون: ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار. إذا يقول الله عز وجل لكل ضعف ولكن لا تعلمون. أما أمير المؤمنين، فقد ائتنف بكم التوبة، واغتفر لكم الزلة، وبسط لكم الإقالة، وعاد بفضله على نقصكم، وبحلمه على جهلكم، فليفرح روعكم، ولتطمئن به داركم، ولتعظكم مصارع أوائلكم، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.
خطب المنصور
خطب أبو جعفر المنصور، واسمه عبد الله بن محمد بن علي، لما قتل الأمويين فقال: أحرز لسان رأسه، انتبه امرؤ لحظه، نظر امرؤ في يومه لغده، فمشى القصد، وقال الفصل، وجانب الهجر. ثم أخذ بقائم سيفه فقال: أيها الناس، إن بكم داء هذا داؤه، وأنا زعيم لكم بشفائه، فليعتبر عبد قبل أن يعتبر به، فإنما بعد الوعيد الإيقاع وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله.
خطبة المنصور حين خروجه إلى الشام
شنشنة أعرفها من أخزم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
مهلا مهلا، روايا الإرجاف، وكهوف النفاق، عن الخوض فيما كفيتم، والتخطي إلى ما حذرتم. قبل أن تتلف نفوس، ويقل عدد، ويدول عز، وما أنتم وذاك، ألم تجدوا ما وعد ربكم من إيراث المستضعفين من مشارق الأرض ومغاربها حقا والجحد الجحد. ولكن حب كامن، وحسد مكمد، فبعدا للقوم الظالمين.
وخطب أيضا
قال يعقوب بن السكيت: خطب أبو جعفر المنصور يوم جمعة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، اتقوا الله. فقام إليه رجل فقال: أذكرك من ذكرتنا به يا أمير المؤمنين. قال أبو جعفر، سمعا سمعا لمن فهم عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، فتأخذني العزة بالإثم، لقد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين. وأما أنت، والتفت إلى الرجل، فقال: والله ما الله أردت بها، ولكن ليقال قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها لو كانت العقوبة، وأنا أنذركم أيها الناس أختها، فإن الموعظة علينا نزلت، وفيناأنبتت، ثم رجع إلى موضعه من الخطبة.
خطبة للمنصور بمكة
وخطب بمكة فقال: أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه، وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إذ شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، وإذا شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " أن يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
خطبة لسليمان بن علي
" ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاكا لقوم عابدين. " قضاء مبرم، وقول فصل ما هو بالهزل. الحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة عرضا، والفيء إرثا، والدين هزؤا، وجعلوا القرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكأين ترى من بئر معطلة وقصر مشيد، ذلك ما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد. أمهلوا حتى نبذوا الكتاب، واضطهدوا العترة، ونبذوا السنة، واعتدوا واستكبروا وخاب كل جبار عنيد، ثم أخذهم، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا.
خطبة عبد الملك بن صالح بن علي

(2/Cool

أعوذ بالته السميع العليم من الشيطان الرجيم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، يأهل الشام، إن الله وصف إخوانكم في الدين، وأشباهكم في الأجسام، فحذرهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة. يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون " فقاتلكم الله أني تصرفون، جثث مائلة، وقلوب طائرة، تشبون الفتن، وتولون الدبر، إلا عن حرم الله، فإنها دريئتكم وحرم رسوله، فإنها مغزاكم، أما وحرمة النبوة، والخلافة لتنفرن خفافا وتقالا أو لاوسعنكم إرغاما ونكالا.
خطب صالح بن علي
يا أعضاد النفاق، وعمد الضلالة، أغركم لين إبساسي وطول إيناسي، حتى ظن جاهلكم أن ذلك لفلول حد، وفتور جد، وخور قناة، كذبت الظنون. إنها العترة بعضها من بعض، فإذ قد استمر أتم العافية، فعندي فصال وفطام، وسيف يقد الهام،! وإني أقول:
أغركم أني بأكرم شيمة ... رفيق وإني بالفواحش آخرق
ومثلي إذا لم يجزأحسن سعيه ... تكلم نعماه بفيها فتنطق
لعمري لقد فاحشتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالفحش أرفق
خطب داود بن علي بالمدينة
فقال: أيها الناس، حتام يهتف بكم صريخكم، أما آن لراقدكم أن يهب من نومه، كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال، هيهات منكم وكيف بكم والسوط في، كفي والسيف مشهر:
حتى يبيد قبيلة فقبيلة ... ويعض كل مثقف بالهام
ويقمن ربات الخدور حواسرا ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
خطبة داود بن علي بمكة وخطب داود بن علي بمكة: شكرا شكرا، والله ما خرجنا لنحفر فيكمم نهرا، ولا لنبني فيكم قصرا، أظن عدو الله أن لن نظفر إذ مد له في عنانه، حتى عثر في فضل زمامه، فالآن عاد الأمر في نصابه، وأطلعت الشمس من مشرقها، والآن حيث تولى القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الأمر إلى مستقره، في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، ولا تجعلوا النعم التي أنعم الله عليكم سببا إلى أن تبيح هلكتكم، وتزيل النعم عنكم.
خطبة للمهدي

(2/9)

الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه، ورضي به من خلقه، أحمده على الآئه، وأمجده لبلائه، وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، توكل راض بقضائه، وصابر لبلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بعد انقطاع الرجاء، وطموس العلم، واقتراب من الساعة، إلى أمة جاهلية، مختلفة أمية، أهل عداوة وتضاغن، وفرقة وتباين، قد استهوتهم شياطينهم، وغلب عليهم قرناؤهم، فاستشعروا الردى، وسلكوا العمى، يبشر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها، وينذر من عصاه بالنار وأليم عقابها، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال عظمته، وتوقير كبربائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته، وينخي، من سخطه، وينال به ما لديه من كريم الثواب، وجزيل المآب. فاجتنبوا ما خوقكم الله من شديد، لعقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب، يوم توقفون بي يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار، يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون، يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، فإن الدنيا دار غرور، وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلب وانتقال، قد أفنت من كان قبلكم، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ركن إليها صرعته، ومن وثق بها خانته، ومن أملها كذبته، ومن رجاها خذلته، عزها ذل، وغناها فقر، والسعيد من تركها، والشقي فيها من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه من دار أخرته بها، فالله الله عباد الله، والتوبة مقبولة، والرحمة مبسوطة، وبادروا بالأعمال الزاكية في هذه الأيام الخالية، قبل أن يؤخذ بالكظم، وتدموا فلا تقالون بالندم، في يوم حسرة وتأسف، وكابة وتلهف، يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله تبارك وتعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " . أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر إلى آخر السورة، أوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، وأرضى لكم طاعة الله، وأستغفر الله لي ولكم.
خطبة هارون الرشيد

(2/10)

الحمد لله نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصره على أعدائه نؤمن به حقا، ونتوكل عليه مفوضين إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه على فترة من الرسل، ودروس من العلم، وإدبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة، بشيرا بالنعيم المقيم، ونذيرا بين يدي عذاب أليم، فبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله، فأدى عن الله وعده ووعيده، حتى أتاه اليقين، فعلى النبي من الله صلاة ورحمة وسلام. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن في التقوى تكفير السيآت، وتضعيف الحسنات، وفوزا بالجنة، ونجاة من النار. وأحذركم يوما تشخص فيه الأبصار، وتبلى فيه الأسرار، يوم البعث ويوم التغابن ويوم التلاق ويوم التناد، يوم لا يستعتب من سيئة، ولا يزداد في حسنة، يوم الآزفة، إذا القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم فيه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. عباد الله، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، حصنوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة، فقد جاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ولا صلاة لمن لا زكاة له. إنكم سفر مجتازون، وأنتم عن قريب تنتقلون من دار فناء إلى دار بقاء، فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة، وإلى الرحمة بالتقوى، إلى الهدى بالإنابة؛ فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين، ومغفرته للتائبين، وهداه للمنيبين. قالت الله عز وجل وقوله الحق: " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤدون الزكاة " وقال: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " وإياكم والأماني، فقد غرت وأردت وأوبقت كثيرا، حتى أكذبتهم مناياهم، فتناوشوا التوبة من مكان بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأخبركم ربكم عن المثلات فيهم، وصرف الآيات، وضرب الأمثال، فرغب بالوعد، وقدم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعه بالقرون الخوالي جيلا فجيلا، وعهدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم ومن بين ظهركم، لا تدفعون عنهم ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فاسلمتهم إلى أعمالهم عند المواقف والحساب والعقاب، ليجزى الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين احسنوا بالحسنى. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله عز وجل: " وإذا قرىء القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، إنه هو السميع العليم. بسم الله الرحمن الرحيم " قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد. ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد " أمركم بما أمركم الله به، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه. وأستغفر الله لي ولكم.
خطبة المأمون في يوم الجمعة

(2/11)

الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبه على خلقه أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجز لوعده، والخوف لوعيده، فإنه لا يسلم إلا من اتقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه. فاتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم ويفنى، وترحلوا عن الدنيا، فقد جدبكم، واستعدوا للموت فقد اظلكم، وكونوا كقوم صيح فيهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فإن الله عز وجل لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبيني الجنة والنار إلا الموت أن ينزلى به؛ وإن غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة الواحدة، لجديرة بقصر المدة؛ وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار؛ لجدير بسرعة الأوبة، وإن قادما يحل بالفوز أو بالشقوة لمستحق لأفضل العدة. فاتقى عبد ربه، ونصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته؛ فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية ليركبها، ويمنيه التوبة ليسوفها، حتى تهجم عليه منيته، أغفل ما يكون عنها. فيالها حسرة على كل ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤديه منيته إلى شقوة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصر به عن طاعة ربه غفلة، ولا تحل به بعد الموت فزعة، إنه سميع الدعاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، فعال لما يريد.
خطبة المأمون يوم الأضحى قالت بعد التكبير والتحميد: إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظم حرمته، ووفى له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله. وفدى فيه بالذبح العظيم نبيه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومقدم الأيام المعدودات من النفر، يوم حرام، من أيام عظام، في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله فيه إلى مشهده، ونزل القرآن العظيم بتعظيمه، قال الله عز وجل: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظموا شعائر الله، واجعلوها من طيب أموالكم، وبصحة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " ثم التكبير والتحميد. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والوصية بالتقوى. ثم ذكر الموت، ثم قال: وما من بعده إلا الجنة أو النار، عظم قدر الدارين، وارتفع جزاء العملين، وطالت مدة الفريقين. الله؛ فوالله إنه الجد لا اللعب، والحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والصراط والقصاص والثواب والعقاب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة. والشر كله في النار.
خطبة للمأمون في الفطر

(2/12)

قال بعد التكبير والتحميد: ألا وإن يومكم هذا يوم عيد وسنة، وابتهال ورغبة، يوم ختم الله به صيام شهر رمضان، وافتتح به حج بيته الحرام، فجلعه أول أيام شهور الحج، وجعله معقبا لمفروض صيامكم، ومتنقل قيامكم، أحل الله لكم فيه الطعام، وحرم عليكم فيه الصيام، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، واستغفروه لتفريطكم، فإنه يقال: لا كثير مع ندم واستغفار، ولا قليل مع تماد وإصرار. ثم كبر وحمد، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى بالبر والتقوى، ثم قال: اتقوا الله عباد الله، وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، ولم يحضر الشد فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقال بعده عثرة، ولا تحظر قبله توبة، واعلموا أنه لا شيء قبله إلا دونه، ولا شيء، بعده إلا فوقه، ولا يعين على جزعه وعلزه وكربه، وعلى القبر وظلمته، وضيقه ووحشته، وهول مطلعه، ومسألة ملكيه، إلا العمل الصالح الذي أمر الله به؛ فمن زلت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرجعة إلى مالا يجاب إليه؛ وبذل من الفدية مالا يقبل منه. فالله الله عباد الله، كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا الأجل المبسوط لكم، فاحذروا ما حذركم الله، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه، لوضع موازينكم، ونشر صحفكم، الحافظة لأعمالكم. فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به، وما يملى في صحيفته الحافظة لما عليه وله؛ ألا فقد حكى الله لكم ما قال المفرطون عندها، إذ طال إعراضهم عنها، قال جل ذكره: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ضرا ولا يظلم ربك أحدا " قال: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا. وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " ولست أنها كم عن الدنيا بأكثر مما نهتكم به الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها يحذر منها، وينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ذم كتاب الله لها والنهي عنها، فإنه يقول تبارك وتعالى: " فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " وقال: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخز بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " فانتفعوا بمعرفتكم بها. وبإخبار الله عنها. واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها، وجانبوا خذائعها، واثروا طاعة الله فيها، وأدركوا الجنة بما يتركون منها.
خطبة عبد الله بن الزبير
حين قام بفتح افريقية:
قدم عبد الله بن الزبير علي عثمان بن عفان بفتح إفريقية، فأخبره مشافهة

(2/13)

وقص عليه كيف كانت الوقعة. فأعجب عثمان ما سمع منه، فقال له: يا بني، أتقوم بمثل هذا الكلام في الناس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهيب لك مني لهم. فقام عثمان في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء الله. وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيبا، وكان أول من خطب إلى جانب المنبر، فقال: الحمد لله الذي ألف بين قلوبنا، وجعلنا متحابين بعد البغضة، الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله، انتخب محمدا صلى الله عليه وسلم، فاختاره بعلمه، وائتمنه على وحيه، واختار له من الناس أعوانا، قذف في قلويهم تصديقه ومحبته، فآمنوا به وعز روه ووقروه، وجاهدوا في الله حق جهاده، فاستشهد لله منهم من استشهد، على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي، ولا تأخذهم في الله لومة لائم. أيها الناس: رحمكم الله؛ إنا خرجنا للوجه الذي علمتم، فكنا مع وال حافظ، حفظ وصية أمير المؤمنين، كان يسير بنا الابردين، ويخفض بنافي الظهائر، ويتخذ الليل جملا، يعجل الرحلة من المنزل الجدب، ويطيل اللبث في المنزل الخصب، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا، حتى انتهينا إلى إفريقية، فنزلنا منها بحيث يسمعون صهيل الخيل، ورغاء الإبل، وقعقعة السلاح. فأقمنا أياما نجم كراعنا، ونصلح سلاحنا، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه، فأبعدوا منه؛ فسألناهم الجزية عن صغار، أو الصلح، فكانت هذه أبعد، فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم، وتختلف رسلنا إليهم. فلما يئس منهم، قام خطيبا فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر فضل الجهاد، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ثم نهضنا إلى عدونا وقاتلناهم أشد القتال، يومنا ذلك، وصبر فيه الفريقان، فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد لله فيهم رجال من المسلمين؛ فبتنا وباتوا، وللمسلمين دوي بالقرآن كدوي النحل، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا الذي كنا عليه بالأمس، فزحف بعضنا على بعض، فأفرغ الله علينا صبره، وأنزل علينا نصره؛ ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، وفيئا واسعا، بلغ فيه الخمس خسمائة ألف، فصفق عليها مروان بن الحكم، فتركت المسلمين قد قرت أعينهم وأغناهم النفل، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين أبشره وإياكم بما فتح الله من البلاد، وأذل من الشرك. فاحمدوا الله عباد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه، من بأسه الذي لا يرده عن القوم المجرمين، ثم سكت. فنهض إليه أبوه الزبير فقبل بين عينيه وقالت: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، يا بني: ما زالت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمت.
خطبة عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل مصعب

(2/14)

صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم سكت، فجعل لونه يحمر مرة ويصفر مرة، فقال؛ رجل من قريش لرجل إلى جانبه: ما له لا يتكلم، فوالله إنه للبيب الخطباء قال: لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب فيشتد ذلك عليه، وغير ملوم. ثم تكلم، فقال: الحمد لله له الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. أما بعد: فإنه لم يعز الله من كان الباطل معه، وإن كان معه الأنام طرا، ولم يذل من كان الحق معه، وإن كان فردا. ألا وإن خبرا من العراق أتانا فأحزننا وأفرحنا، فأما الذي أحزننا، فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر وكريم العزاء؛ وأما الذي أفرحنا، فإن قتل مصعب، له شهادة، ولنا ذخيرة، أسلمه النعام المصلم؛ الآذان. ألا وإن أهل العراق باعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه، فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه، وكانوا الخيار الصالحين. إنا والله لا يموت حتفا ولكن قعصا بالرماح، وموتا تحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان، ألا إنما الدنيا عارية من المليك الأعلى الذي لا يبيد ذكره، ولا يذل سلطانه، فإن تقبل الدنيا علي، لم آخذها أخذ الأشر البطر؛ وإن تدبر عني، لم أبك عليها بكاء الخرق المهين، ثم نزل.
خطبة زياد البتراء

(2/15)

قال أبو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب بن أبي بكر الهذلي قال: قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان، وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة ظاهر فاش، فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها. وقال غيره بل قال: الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه، اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا، أما بعد: فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والعمى الموفي بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام؛ ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير. كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب بالكريم لأهل طاعته، والعذاب العظيم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي الذي لا يزول؟ أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسسبقوا إليه، من ترككم هذه المواخير المنصوبة، والضعيفة المسلوبة، في النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة، وباعدتم الذين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس كل امرئ يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم، كنوسا في مكانس الريب. حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين يا غير ضعف، وشدة في غير عنف؛ وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح بالسقيم، حتى يلقى الرحل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة الأمير بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه، فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوي الجاهلية، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما غرقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا، فكفوا عني ألسنتكم وأيديكم أكف عنكم يدي ولساني، ولا يظهرن من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين قوم إحن، فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد في إحسانه، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإن فعل ذلك لم أنظره. فاستأنفوا أموركم، واستعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا؟ فلنا عليكم السمع والطاعة فما أحببنا، ولكم علينا العدل فما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا أني مهما أقصر فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن إبانه، ولا مجمرا لكم بعثا. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك أسفكم، ويطول له حزنكم ولا تدركوا له حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم: أسأل الله أن يعين كلأ على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم أمرا فأنفدوه على أذلاله وايم لله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن

(2/16)

يكون من صرعاي، ثم نزل. من صرعاي، ثم نزل.
فقام إليه عبد الله بن الأهتم، فقال: أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال له كذبت، ذاك داود صلى الله عليه وسلم. فقام الأحنف بن قيس، فقال: إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نئنى حتى نبتلي. قال له زياد: صدلت. فقام أبو بلال، وهو يهمس، ويقول: أنبأنا الله تعالى بخلاف ما قلت، قال الله تعالى: " وإبراهيم الذي وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " وأنت تزعم أنك تأخذ الصحيح بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، فسمعها زياد، فقال: إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا.
خطبة لزياد
استوصوا بثلاث منكم خيرا: الشريف والعالم والشيخ، فوالله لا يأتيني شيخ بحدث استخف به إلا أوجعته، ولا يأتيني عالم بجاهل استخف به إلا نكلت به، ولا يأتيني شريف بوضيع استخف به إلاضربته.
خطبة لزياد
خطب زياد على المنبر فقال: أيها الناس، لا يمنعكم سوء ما تعلمون عنا أن تنتفعوا بأحسن ما تستمعون منا، فإن الشاعر يقول:
اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
وخطبة لزياد
العتبي قال: لما شهدت الشهود لزياد، قام في أعقابهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: هذا أمر له أشهد أوله، ولا علم لي بآخره، وقد قاد أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهدت الشهود بما سمعتم. فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ضيعوا. فأما عبيد، فإنما هو والد مبرور، أو كافل مشكور.
خطبة الجامع المحاربي
وكان شيخا صالحا خطيبا لسنا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى مدينة واسط: بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك شكا الحجاج سوء طاعة أهل العراق، ونقم مذهبهم، وتسخط طريقتهم، فقال جامع: أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنؤوك لنسبك، ولا لبلدك، ولا لذات نفسك؛ فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقربهم إليك، والتمسى العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيك، ووعيدك بعد وعدك. قال الحجاج: إني والله ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف. قال له: أيها الأمير، إن السيف إذ لاقى السيف ذهب الخيار. قال الحجاج: الخيار يومئذ لله. قال: أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله. وغضب الحجاج فقال: يا هناه إنك من محارب. فقال جامع:
وللحرب سمينا وكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا
والبيت للخضري قال الحجاج: والله لقد هممت أن أقطع لسانك فأضرب به وجهك. قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. قال: أجل. وشغل الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع، فمر بين صفوف خيل الشام حتى جاوزهم إلى خيل أهل العراق - وكان الحجاج لا يخلطهم - فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق وقيس العراق وتميم العراق وأزد العراق، فلما رأوه اشرأبوا إليه وبلغهم خروجه، فقالوا له: ما عندك؟ دافع الله لنا عن نفسك. فقال: ويحكم! عموه بالخلع كما يعمكم بالعداوة، ودعوا التعادي ما عاداكم، فإذا ظفرتم تراجعتم وتعاديتم. أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي، وأيها القيسي، هو أعدى لك من التغلبي، وليس يظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه. وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، فاستجار بزفر بن الحارث.
خطبة للحجاج بن يوسف
خطب الحجاج فقال: اللهم أرني الغي غيا فأجتنبه، وأرني الهدى هدى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالا بعيدا. والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.
خطبة للحجاج
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:11 pm

قال الهيثم بن عدي: خرج الحجاج بن يوسف يوما من القصر بالكوفة، فسمع تكبيرا في السوق، فراعه ذلك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق، وبني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفقع بالقرقرة، إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله، وإنما يراد به الشيطان، وإنما مثلي ومثلكم ما قال ابن براق الهمداني:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم
أما والله لا تقرع عصا بعصاي إلا جعلتها كأمس الدابر.
خطبة للحجاج بعد دير الجماجم
خطب أهل العراق فقال: يأهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم، الدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاد والشغاف، ثم أفضى إلى المخاخ والصمائخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باض وفرخ، فحشاكم شقاقا ونفاقا، وأشعركم خلافا؛ اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤامرا تستشيرونه. وكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو يردكم إيمان! ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لو إذا وتنهزمون سراعا، ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، ونكوص وليه عنكم؛ إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم السلاح، وقصمتكم الرماح؛ ثم يوم دير الجماجم، وما دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله. يأهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والنزوات بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة. يأهل العراق، هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استفزكم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع، إلا وثقتموه واويتموه وعزرتموه ونصرتموه ورضيتموه؛ يأهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو ذمق ناعق، أو زفر زافر، إلاكنتم أتباعه وأنصاره؟ يأهل العراق، ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم الوقائع؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يأهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الذاب عن فراخه، ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها عن المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذئاب. يأهل الشام، أنتم الجنة والرداء، وأنتم الغدة والحذاء.
خطبة للحجاج
قال مالك بن دينار: غدوت لجمعة فجلست قريبا من المنبر، فصعد الحجاج، ثم قال: امرؤ حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه، امرؤ زور عمله، امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صحيفته، ويراه في ميزانه، امرؤ كان عند همه ذاكرا، وعند هواه زاجرا، امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى حق تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفه. إننا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننتقل من دار إلى دار.
خطبة للحجاج بالبصرة
اتقوا الله ما استطعتم، فهذه لله وفيها مثوبة. ثم قال: واسمعوا واطيعوا، فهذه لعبد الله وخليفة الله وحبيب الله عبد الملك بن مروان. والله لو أمرت الناس ان يأخذوا في باب واحد وأخذوا في باب غيره لكانت دماؤهم لي حلالا من آلفه، ولو قتل ربيعة ومضر لكان لي حلالا. عذيري من هذه الحمراء، يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء ويقول: يكون إلى أن يقع هذا خير. والله لأجعلنهم كأمس الدابر. عذيري من عبد، هذيل، إنه زعم أنه آمن عند الله، يقرأ القرآن كأنه رجز الأعراب والله لو أدركته لقتلته.
خطبة للحجاح بالبصرة

(2/18)

حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله كفانا مئونة الدنيا، وأمرنا بطلب الآخرة، فليت الله كفانا مؤونة الآخرة، وأمرنا بطلب الدنيا. ما لي أرى علماءكم يدهنون، وجهالكم لا يتعلمون، وشراركم لا يتوبون! ما لي أراكم تحرصون على ما كفيتم، تضيعون ما به أمرتم! إن العلم يوشك أن يرفع، ورفعه ذهاب العلماء. ألا وإني أعلم بشراركم من البيطار بالفرس: الذين لا يقرءون القرآن إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا. ألا وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر. ألا وإن الآخرة أجل مستأخر، يحكم فيه ملك قادر. ألا فاعملوا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم ملاقوه، ليجزي الذين أساءووا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كفه بحذافيره في النار، ألا وإن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وأستغفر الله لي ولكم.
خطبة للحجاج
خطب الحجاج أهل العراق فقال: يأهل العراق، إني لم أجد لكم دواء أدوى لدائكم من هذه المغازى والبعوث، لولا طيب ليلة الإياب، وفرحة القفل، فإنها تعقب راحة؛ وإني لا أريد أن أرى الفرح عندكم ولا الراحة بكم. وما أراكم إلا كارهين لمقالتي، وإني والله لرؤيتكم أكره. ولولا ما أريد من تنفيذ طاعة أمير المؤمنين فيكم ما حملت نفسي مقاساتكم، والصبر عليى النظر إليكم، والله أسأل حسن العون عليكم، ثم نزل.
خطبة للحجاج حين أراد الحج
يأهل العراق، إني أردت الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدا، وما كنتم له بأهل، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانصار؛ فإنه أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟ وأنا أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفي، تقولون: لا أحسن الله له الصحابة. وإني أعجل لكم الجواب: فلا أحسن الله عليكم الخلافه، ثم نزل.
خطبة للحجاج
قال: خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها في اثني عشر راكبا على النجائب، حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار، وقد كان بشر بن مروان بعث المهلب إلى الحرورية، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو ملثم بعمامة حمراء، فقال: علي بالناس، فحسبوه وأصحابه خوارج، فهموا به، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام، ثم كشف عن وجهه، ثم قال:
أنا ابن جل أو طلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
صليب العود من سلفي رباح ... كنصل السيف وضحاح الجبين
وماذا يبتغي الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشئون
وإني لا يعود إلي قرني ... غداة العبء إلا في قرين
أما والله إني لا حمل الشر بحمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني؛ أنظر إلى، الدماء بين العمائم واللحى تترقرق:
قد شمرت عن ساقها فشمرى
ثم قال:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولابجزار على ظهر وضم
ثم قال:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... ما علتي وأنا شيخ إد
والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد

(2/19)

إني والله يأهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق، ومساوي الأخلاق، لا يغمز جانبي كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وأجريت إلى الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته بين يديه، ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرها عودا، وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم، ورماكم بي، فإنه قد طالما أوضعتم في الفتن، وسننتم سنن الغي، وايم الله لألحونكم لحو العصا، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. أما والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت. وإياي وهذه الشفعاء والزرافات والجماعات، وقالا وقيلا، وما يقولون، وفيم أنتم وذاك؛ الله لتستقيمن على طريق الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده، من وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله، وهدمت منزله، فشمر الناس بالخروج إلى المهلب. فلما رأي المهلب ذلك قال: لقد ولي العراق خير ذكر
خطبة الحجاج فلما مات عبد الملك
قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى نعى نبيكم صلى الله عليه وسلم إلى نفسه فقال: " إنك ميت وإنهم ميتون " وقال: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم " فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية، ثم وليكم البازل الذكر، الذي جربته الأمور، وأحكمته التجارب، مع الفقه، وقراءة القرآن، والمروءة الظاهرة، واللين لأهل الحق، والوطء لأهل الزيغ، فكان رابعا من الولاء المهذيين الراشدين، فاختار الله له مما عنده، وألحقه بهم، وعهد إلى شهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله وخلافته، فاسمعوا له وأطيعوه أيها الناس. وإياكم والزيغ، فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله. ورأيتم سيرتي فيكم، وعرفت خلافكم، وقبلتكم على معرفتي بكم، ولو علمت أن أحدا أقوى عليكم مني أو أعرف بكم ما وليتكم، فإياي وإياكم، من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه غما، ثم نزل.
خطبة الحجاج لما أصيب بولده محمد
وأخيه محمد:
أيها الناس، محمدان في يوم واحد، أما الله لقد كنت أحب أنهما معي في الدنيا، مع ما أرجو لهما من ثواب الله يا الآخرة، وايم الله، ليوشكن الباقي منا ومنكم أن يفني، والجديد منا ومنكم أن يبلى، والحي منا ومنكم أن يموت، وأن تدال الأرض منا كما أدلنا منها؛ فتأكل من لحومنا، وتشرب من دمائنا، كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من مائها، ثم يكون كما قال الله: " ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون " ثم تمثل بهذين البيتين:
عزائي نبي الله من كل ميت ... وحسبي ثواب الله من كل هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيا ... فإن سرور النفس فيما هنالك
خطب الحجاج في يوم جمعة فأطال الجمعة، فقام إليه رجل فقال: إن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك. فأمر به إلى الحبس. فأتاه آل الرجل وقالوا: إنه مجنون، فقال: إن أقر على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله. فقال الرجل: لا والله، لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني.
خطبة للحجاج
ذكروا أن الحجاج مرض ففرح أهل العراق، وقالوا: مات الحجاج. فلما بلغه، تحامل حتى صعد المنبر فقال: يأهل الشقاق والنفاق، نفخ إبليس في مناخركم فقلتم: مات الحجاج، مات الحجاج. فمه، والله ما أحب ألا أموت، وما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، وما رأيت الله عز وجل كتب الخلود لأحد من خلقه إلا لأهونهم عليه، إبليس. ولقد رأيت العبد الصالح سأل ربه وقال: رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. ففعل، ثم اضمحل كأن لم يكن.
وخطبة للحجاج

(2/20)

خطب فقال في خطبته: سوطى سيفي، ونجاده في عنقي، وقائمه في يدي، وذبابه قلادة لمن اغتر بي. فقال الحسن: بؤسا لهذا، ما أغره بالله! وحلف رجل بالطلاق: إن الحجاج في النار، ثم أتي زوجته، فمنعته نفسها، فأتى ابن شبرمة يستفتيه، فقال: يا بن أخي، امض فكن مع أهلك، فإن الحجاج إن لم يكن من أهل النار، فلا يضرك أن تزني. هذا ما ذكرنا في كتابنا من الخطب للحجاج، وما بقي منها فهي مستقصاة في كتاب اليتيمة الثانية، حيث ذكرت أخبار زياد والحجاج، وإنما مذهبنا في كتابنا هذا أن نأخذ من كل شىء أحسنه، ونحذف الكثير الذي يجتزأ منه بالقليل.
خطبة لطاهر بن الحسين
لما افتتح مدينة السلام صعد المنبر، وأحضر جماعة من بني هاشم والقواد وغيرهم فقال: الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ولا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين. إن ظهور غلبتنا لم يكن عن أيدنا ولا كيدنا، بل اختار الله لخلافته، إذ جعلها عمودا لدينه وقواما لعباده، من يستقل بأعبائها، ويضطلع بحملها.
خطبة لعبد الله بن طاهر
خطب الناس وقد تيسر لقتال الخوارج، فقال: إنكم فئة الله المجاهدون عن حقه، الذابون عن دينه، الذائدون عن محارمه، الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله، والطاعة لولاة أمره، الذيغي جعلهم رعاة الذين، ونظام المسلمين، فاستنجزوا موعود الله ونصره بمجاهدة عدوه وأهل معصيته، الذين أشروا وتمردوا، وشقوا العصا، وفارقوا الجماعة، ومرقوا من الدين، وسعوا في الأرض فسادا، فإنه يقول تبارك وتعالى: " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " عفليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون، وعدتكم التي بها تستظهرون، فإنه الوزر المنيع، الذي دلكم الله عليه، والجنة الحصينة التي أمركم الله بلباسها. غضوا أبصاركم، واخفتوا أصواتكم في مصافكم، وامضوا قدما على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله، والاستعانة به، كما أمركم الله، فإنه يقوك: " إذا لقيتم فئة فاثبتوا وأذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحياطة والنصر.
خطبة لقتيبة بن مسلم
قام بخراسان حين خلع سليمان بن عبد الملك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أتدرون من تبايعون؟ إنما تبايعون يزيد بن مروان - يعني هبنقة القيسي - كأني بكم، وحكم جائر قد أتاكم يحكم في أموالكم ودمائكم وفروجكم وأبشاركم. ثم قال: الأعراب! وما الأعراب! لعن الله الأعراب! جمعتهم كما يجمع فرخ الخربق من منابت الشيح والقيصوم والفلفل، يركبون البقر ويأكلون الهبيد. فحملتهم على الخيل وألبستهم السلاخ، حتى منع الله بهم البلاد، وجبي بهيم الفيء. قالوا: مرنا بأمرك. قال: غروا غيري.
خطبة لقتيبة بن مسلم
يأهل العراق، ألست أعلم الناس بكم. أما هذا الحي من أهل العالية فنعم الصدقة؛ وأما هذا الحي من بكر بن وائل، فعلجة بظراء لا تمنع رجليها؛ وأما هذا الحي من عبد القبس، فما ضرب العير بذنبه؛ وأما هذا الحي من الأزد، فعلوج خلق الله وأنباطه. وايم الله، لو ملكت أمر الناس لنقشت أيديهم؛ وأما هذا الحي من تميم، فإنهم كانوا يسمون الغدر في الجاهلية كيسان.
وقال الشاعر:
إذا كنت من سعد وخالك منهم ... بعيدا فلا يغررك خالك من سعد
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد
وخطبة لقتيبة بن مسلم
يأهل خراسان، قد جربكم الولاة قبلي، أتاكم أمية فكان كاسمه، أمية

(2/21)

الرأي، وأمية الدين، فكتب إلى خليفته: إن خراج خراسان لو كان في مطبخه لم يكفه. ثم أتاكم بعده، أبو سعيد ثلاثا، لا تدرون أفي طاعة الله أنتم أم في معصيته! ثم لم يجب فيئا، ولم يبل عدوا، ثم أتاكم بنوه بعده مثل أطباء الكلبة، منهم ابن دحمة؛ حصان يضرب في عانة؛ لقد كان أبوه يخافه على أمهات أولاده. ثم أصبحتم وقد فتح الله عليكم البلاد، حتى إن الظعينة لتخرج من مرو إلى سمرقند في غير جوار.
قوله: أبو سعيد، يريد المهلب بن أبي صفرة، وقوله: ابن دحمة، يريد يزيد بن المهلب.
خطبة ليزيد بن المهلب
حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس، إني أسمع قول الرعاع: قد جاء العباس، قد جاء مسلمة، قد جاء أهل الشام. وما أهل الشام إلا تسعة أسياف، منها سبعة معي، واثنان علي؛ وما مسلمة إلا جرادة صفراء؛ وأما العباس، فبسطوس بن بسطوس، أتاكم في برابرة، وصقالبة وجرامقة وأقباط وأنباط وأخلاط، أقبل إليكم الفلاحون والأوباش كأشلاء اللحم، والله ما لقوا قط حدا كحدكم، ولا حديدا كحديدكم. أعيروني سواعدكم ساعة من نهار، تصفقون بها خراطيمهم، فإنما هي غدوة أو روحة، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
خطبة لقس بن ساعدة الأيادي
ابن عباس قال: قديم وفد إياد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يعرف قسي بن ساعدة الإيادي؛ قالوا: كلنا يعرفه. قال: فما فعل؟ قالوا: هلك. قال: ما أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام على جمل له أحمر وهو يخطب الناس، ويقول؛ اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، سحائب تمور، ونجوم تغور، لا فلك يدور، ويقسم قسق قسما، إن لله لدينا هو أرضى من دينكم هذا. ثم قال: مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، أيكم يروي من شعره؟ فأنشد بعضهم:
في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
خطبة لعائشة أم المؤمنين
رحمها الله يوم الجمل:
قالت: أيها الناس، صه صه، إن لي عليكم حرمة الأمومة، وحق الموعظة، لا يتهمني إلا من عمى ربه، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، فأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادخرني ربي، وخلصني من كل بضع، وبي ميز مؤمنكم من منافقكم، وبي أرخص الله لكم في صعيد الأبواء، ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما، وأول من سمي صديقا. مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم راضيا عنه، وطوقه أعباء الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين بعده فمسك أبي بطرفيه، ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض نبع الردة، وأطفأ ما حشت يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون العدوة، وتسمعون الصيحة، فرأب الثأي، وأود من الغلظة، وامتاح من الهوة، حتى اجتحى دفين الداء، وحتى أعطن الوارد، وأورد الصادر، وعل الناهل، فقبضه الله إليه واطئا على هامات النفاق، مذكيا نار الحرب على المشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله، فولى أمركم رجلا مرعيا إذ ركن إليه، بعيدا ما بين اللابتين إذا ضل، عركة للأذاة بجنبه، صفوحا عن أذى الجاهلين، يقظان الليل في نصرة الإسلام، فسلك مسلك السابقيه، ففرق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن، وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا، لم ألتمس إثما، ولم أؤرث فتنة أوطئكموها. أقول قولي هذا صدقا وعدلا، وإعذارا وإنذارا، وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
خطبة لعبد الله بن مسعود

(2/22)

أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى أكرم الملل ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. خير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، شر الأمور محدثاتها، وخير الأمور أوساطها. ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى. لنفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها. خير الغنى غنى النفس. خير ما ألقي في القلب اليقين. الخمر جماع الآثام. النساء حبائل الشيطان. الشباب شعبة من الجنون. حب الكفاية مفتاح المعجزة. شر الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا، ولا يذكر الله إلا هجرا سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية. من يتأال على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له. مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفي عنه. الشقي شقى في بطن أمه. السعيد من وعظ بغيره. الأمور بعواقبها. ملاك الأمر خواتمه. أحسن الهدى هدى الأنبياء. أقبح الضلالة الضلالة بعد الهدى. أشرف الموت الشهادة. من يعرف البلاء ويصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.
خطبة لعتبة بن غزوان بعد فتح الأبلة
حمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إن الدنيا قد تولت وقد أذنت أهلها منها بصرم، وإنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها. ألا وإنكم مفارقوها لا محالة، فارقوها بأحسن ما يحضركم. ألا وإن من العجب أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحجر الضخم يرمى به في شفير جهنم فيهوي قي النار سبعين خريفا، ولجهنم سبعة أبواب، بين كل بابين منها مسيرة خمسمائة عام، وليأتين عليها ساعة ولها كظيظ بالزحام. ولقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة، ما لنا طعام إلا ورق البشام، حتى قرحت أشداقنا، فوجدت أنا وسعد بن مالك تمرة فشققتها بيني وبينه نصفين، وما منا أحد اليوم إلا وهو أمير على مصر. انه لم تكن نبوة قط إلا تناسخت، وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وفي أعين الناس صغيرا.
خطبة لعمرو بن سعيد الأشرق
لما عقد معاوية ليزيد البيعة قام الناس يخطبون، فقال لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه، وأجل تأمنونه، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم؛ جذع قارح، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه. فقال له له معاوية: أوسعت أبا أمية، فاجلس.
خطبة لعمرو بن سعيد بالمدينة
قال أبو الفضل، العباس بن الفرج الرياشي: حدثنا ابن عائشة قال: قدم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق المدينة أميرا، فخرج إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد عليه وغمض عينيه، وعليه جبة خز قرمز، ومطرف خز قرمز، وعمامة خز قرمز. فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابا بها. ففتح عينيه فإذا الناس ينظرون إليه، فقال: ما بالكها بأهل المدينة ترفعون إلي أبصاركم، كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم! أغركم أنكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم! أما إنه لو أثبتم بالأولى ما كانت الثانية. أغركم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم ثائرنا منا رفيقا، قد فني غضبه، وبقي حلمه! اغتنموأ أنفسكم فقد والله ملكناكم بالشباب المقتبل، البعيد الأمل، الطويل الأجل، حين فرغ من الصغر، ودخل في الكبر، حليم حديد، لين شديد؛ رقيق كثيف، رفيق عنيف، حين اشتد عطمه، واعتدل جسمه؛ ورمى الدهر ببمره، واستقبله بأشره؛ فهو إن عض نهس، وإن سطا فرس؛ لا يقلقل له الحصى، ولا تقرع له العصا، رلا يمشي السمهى. قال: فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر حتى قصمه الله.
خطبة لعمرو بمكة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:13 pm

العتبي قال؟ استعمل سعيد بن العاص وهو وال على المدينة ابنه عمرو بن سعيد واليا على مكة، فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل، فلما لقيه قال له: يا حار، ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني؟ قال: ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتنى به، والله ما كنيتني ولا أئممت اسمي، وإنما أنهاك عن التكبر على أكفائك، فإن ذلك لا يرفعك عليهم ولا يضعهم لك. قال، والله ما أسأت الموعظة ولا أتهمك على النصيحة، وإن الذي رأيت مني لخلق. فلما دخل مكة قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، معشر أهل مكة، فإنا سكناها حقبة، وخرجنا عنها رغبة، وكذاسك كنا إذا رفعت لنا لهوة بعد لهوة أخذنا أسناها ونزلنا أعلاها؛ ثم شدخ أمر أمرين، فقتلنا وقتلدنا؛ فوالله ما نزعنا ولا نزع عنا، حتى شرب الدم دما، وأكل اللحم لحما، وقرع العظم عظما، فولي رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة الله إياه، واختياره له؟ ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله؛ ثم ولي عمر، ثم أجيلت قداح نزعن من شعب حول نبعة، ففاز بحظها أصلبها وأعتقها، فكنا بعض قداحها، ثم شدخ أمر بين أمرين، فقتلنا وقتلنا، فوالله ما نزعنا ولا نزع عنا حتى شرب الدم دما، وأكل اللحم لحما، وقرع العظم عظما، وعاد الحرام حلالا، وأسكت كل ذي حس عن ضرب مهند، عركا عركا، وعسفا عسفا، ووخزا ونهسا، حتى طابوا عن حقنا نفسا. والله ما أعطوه عن هوادة، ولا رضوا فيه بالقضاء، أصبحوا يقولون: حقنا غلبنا عليه، فجزينا هذا بهذا وهذا في هذا. يأهل مكة، أنفسكم أنفسكم، وسفهاءكم سفهاءكم، فإن معي سوطا نكالا، وسيفا وبالا، وكل مصبوب على أهله، ثم نزل.
خطبة للأحنف بن قيس
قال بعد حمد الله والثناء عليه: يا معشر الأزد وربيعة، أنتم! إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو. والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام، فإن استشرى شنانكم، وأبى، حسد صدوركم، ففي أحلامنا وأموالنا سعة لنا ولكم.
خطبة ليوسف بن عمر
قام خطيبا فقال: اتقوا الله عباد الله، فكم مؤمل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع، عما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه. أصابه حراما، وأورثه عدوا حلالا بم فاحتمل إصره، وباء بوزره، وورد على ربه أسفا لهفا، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
خطبة لشداد بن أوس الطائي
حمد الله وأثنى عليه وقال: ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر.
ألا إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر. ألا إن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا إن الشر كله بحذافيره في النار. فاعملوا ما عملتم وأنتم في يقين من الله، واعلموا أنكم معروضة أعمالكم على الله، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وغفر الله لنا ولكم.
خطبة لخالد بن عبد الله القسري
صعد المنبر يوم جمعة وهو والي مكة فذكر الحجاج فأحمد طاعته وأثنى عليه خيرا. فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجاج وذكر عيوبه وإظهار البراءة منه. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال؟ إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلا، وكان الله قد علم من غشه وخبثه ما خفي على ملائكته فلما أراد الله فضيحته ابتلاه بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه؟ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي عنا، فلما أراد فضيحته أجرى ذلك على يد أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله.

(2/24)

خطبة لمصعب بن الزبير
قدم العراق فصعد المنبر ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم: طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون. إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف، طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين - وأشار بيده نحو الشام ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - وأشار بيده نحو الحجاز - ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون - وأشار بيده نحو العراق.
خطبة للنعمان بن بشير بالكوفة
قال: إني والله ما وجدت مثلي ومثلكم إلا الضبع والثعلب، أتيا الضب في حجره، فقالا: أبا حسل؟ قال؟ أجبتكما؟ قالا: جئناك نختصم؛ قال: في بيته يؤتى الحكم؛ قالت الضبع: فتحت عيني؛ قال: فعل النساء فعلت؛ قالت: فلقطت تمرة؛ قال: حلوا اجتنيت؟ قالت: فاختطفها ثعالة؛ قال: لنفسه بغى الخير؛ قالت: فلطمته لطمة؛ قال: حقا قضيت؛ قالت: فلطمني أخرى، قال: كان حرا فانتصر؛ قالت: فاقض الآن بيننا؛ قالت: حدث امرأة حديثين، فإن أبت فاربع، أي اسكت.
خطبة شبيب بن شيبة
قيل لبعض الخلفاء إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعد له، فإن أمرته أن يصعد المنبر لرجوت أن يفتضح. قال: فأمر رسولا فأخذ بيده إلى المسجد فلم يفارقه حتى صعد المنبر، فحمد لله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم حق الصلاة عليه، ثم قال: ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة: الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر. فأما الأسد الخادر، فأشبه منه صولته ومضاءه؛ وأما البحر الزاخر، فأشبه منه جوده وعطاءه؛ وأما القمر الباهر، فأشبه منه نوره وضياءه؛ وأما الربيع الناضر، فأشبه منه حسنه وبهاءه، ثم نزل عن المنبر، وأنشأ يقول:
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زلقت وما ألقيت كاذبة ... إذا الرجال على أمثاله زلقوا
خطبة لعتبة بن أبي سفيان
بلغه عن أهل مصر شيء فأغضبه، فقام فيهم فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يأهل مصر، إياكم أن تكونوا للسيف حصيدا، فإن الله فيكم ذبيحا بعثمان، أرجو أن يوليني الله نسكه. إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة، فأعطى كل ذي حق حقه، وكان والله أذكركم إذا ذكر بخطة، وأصفحكم بعد المقدرة عن حقه، نعمة من الله فيكم، ومنة منه عليكم. وقد بلغنا عنكم نجم قول أظهره تقدم عفو منا، فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق، بإحياء الفتن، وإماتة السنن، فأطأكم والله وطأة لا رمق معها، حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون، وتستخشنوا ما كنتم تستلينون، وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
خطبة لعتبة بن أبي سفيان
يا حاملي الأم أنوف ركبت بين أعين، إنما قلمت أظفاري عنكم ليلين مسي إياكم، وسألتكم صلاحكم إذ كان فسادك! راجعا عليكم، فأما إذ أبيتم إلا الطعن على الولاة، والتنقص للسلف، فوالله لاقطعن على ظهوركم بطون السياط، فإن حسمت داءكم، وإلا فالسيف من ورائكم. ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم لنا بالمعصية، ولا أؤيسكم من مراجعة الحسنى إن صرتم إلى التي هي أبر وأتقى.
خطبة لعتبة بن أبي سفيان

(2/25)

لما اشتكى شكاته التي مات فيها تحامل إلى المنبر، فقال: يأهل مصر، لا غنى عن الرب، ولا مهرب من ذنب! إنه قد تقدمت مني إليكم عقوبات كنت أرجو يومئذ الأجر فيها، وأنا أخاف اليوم الوزر منها، فليتني لا أكون اخترت دنياي على معادي، فأصلحتكم بفسادي. وأنا أستغفرالله منكم، وأتوب إليه فيكم؛ فقد خفت ما كنت أرجو نفعا عليه، ورجوت ما كنت أخاف اغتيالا به، وقد شقي من هلك بين رحمة الله وعقوبته، والسلام عليكم سلام من لا ترونه عائدا إليكم. قال: فلم يعد.
وخطبة لعتبة
العتبي: قال سعد القصر: احتبست عنا كتب معاوية بن أبي سفيان حتى أرجف أهل مصر بموته، ثم قدم علينا كتابه بسلامته، فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح، وظبات السيوف، حتى صرنا شجى في لهواتكم ما تسيغه حلوقكم، وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم. أفحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا، واسترخت عقد الباطل عنكم حلا، أرجفتم بالخليفة، وأردتم تهوين الخلافة، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث، فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه والعهد القريب منه، واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر ونكلكم إلى الله فيما بطن، واظهروا خيرا وإن أضمرتم شرا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله أتوكل وبه أستعين. ثم نزل.
خطبة لعتبة في الموسم
سعد القصر مولى عتبة بن أبي سفيان قالت: دفع عتبة بن أبي سفيان بالموسم سنة إحدى وأربعين، والناس حديث عهدهم بالفتنة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضاعف الله فيه للمحسنين الأجر، وللمسيئين الوزر، ونحن على طريق ما قصدنا له، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع من دوننا، ورب متمن، حتفه في أمنيته. اقبلونا ما قبلنا العافية فيكم وقبلناها منكم، وإياكم ولو، فإن لو قد أتعبت من قبلكم ولم ترح من بعدكم، فأسأل الله أن يعين كلا على كل.
فناداه أعرابي من ناحية المسجد: أيها الخليفة، قال: لست به ولم تبعد؛ فقال: يا أخاه؛ فقال: سمعت فقل؛ فقال: والله لأن تحسنوا وقد أسأنا خير لكم من أن تسيئوا وقد أحسنا، فإن كان الإحسان لكم فما أحقكم بإستتمامه، وإن كان لنا فما أحقكم بمكافأتنا؛ رجل من بنى عامر بن صعصة يتلقاكم بالعمومة، ويختص إليكم بالخؤولة، وقد كثر عياله، ووطئه زمانه، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر. فقال عتبة: أستغفر الله منكم، وأسأله العون عليكم، ولد أمرت لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك.
وخطبة لعتبة بن أبي سفيان
سعد القصر قال: وجه عتبة بن أبي سفيان ابن أخي أبي الأعور السلمي إلى مصر، فمنعوه الخراج، فقدم عليه عتبة فقام خطيبا فقال: يأهل مصر، قد كنتم تعتذرون لبعض المنع منكم ببعض الجور عليكم، فقد وليكم من يقول ويفعل، ويفعل ويقول، فإن رددتم ردكم بيده، وإن استصعبتم ردكم بسيفه، ثم رجا في الأخر ما أمل في الأول. إن البيعة مشايعة، فلنا عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه، والله ما انطلقت بها ألسنتنا حتى عقدت عليها قلوبنا، ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم ناجزا بناجز، ومن حذر كمن بشر. قال: فنادوه: سمعا وطاعة، فناداهم. عدلا عدلا.
خطبة لعتبة

(2/26)

قدم كتاب معاوية إلى عتبة بمصر: إن قبلك قوما يطعنون على الولاة، ويعيبون السلف. فخطبهم فقال: يأهل مصر، خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا، وأثقله حملها، ولم ينفعه علمها، وايم الله، لا أداويكم بالسيف ما صلحتم على السوط، ولا أبلغ بالسوط ما كفتني الدرة، ولا أبطى عن الأولى ما لم تسرعوا إلى الأخرى، فالزموا ما أمركم الله به تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا، وإياكم وقال ويقول، قبل أن يقال فعل ويفعل، وكونوا خير قوس سهما، فهذا اليوم الذي ليس قبله عقاب، ولا بعده عتاب.
خطب الخوارج
خطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا
صعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة، وهم أحد بني مازن بن عمرو بن تميم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وغمرت بالآمال، وتحلت بالأماني، وأزينت بالغرور، لا تدوم خضرتها، ولا تؤمن فجعتها، غدارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافدة بائدة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله عز وجل: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرأ " مع أن أمرأ لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تطله منها ديمة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء؛ وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى، أمر عليه منها جانب فأوبى، وإن لبس امرؤ من غضارتها ورفاهيتها نعما، أرهقته من نوائبها غما، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن، إلا أصبح منها على قوادم خوف. غرارة عرور ما فيها، فانية فان ما عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه. كم واثق بها قد فجعته، وذي طمائينة إليها قد صرعته، وكم من ذي، اختيال فيها قد خدعته، وكم من، ذي أبهه فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة فيها قد ردته ذليلا، وذي تاج قد كبته لليدين والفم. سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها مر

(2/27)

وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع. حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام. مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وصحيحها وسليمها منكوب، وحائزها وجامعها محروب، مع أن من وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان منكم أطول أعمارا، وأوضح آثارا، وأعد عديدا، وأكثف جنودا، وأعمد عتادا، وأصول عمادا! تعبدوا للدنيا أي تعبد، وأثروها أفي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار! فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، وأغنت عنهم فيما قد أملتهم به بخطب! بل أثقلتهم بالفوادح، وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، وأعانت عليهم ريب المنون، وأرهقتهم بالمصائب. وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأثرها وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر الأمد. هل زؤدتهم إلا الشقاء، وأحفتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا بالظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة! أفهذه تؤثرون، أو على هذه تحرصون، أو إليها تطمئنون! يقوله الله تبارك وتعالى: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " فبئست الدار لمن لم يتهمها، ولم يكن فيها على وجل منها. اعلموا، وأنتم تعلمون، أنكم تاركوها لا بد، فإنما هي كما نعت الله عز وجل: " لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " فاتعظوا فيها بالذين قال الله تعالى فيهم: أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وبالذين قالوا: من أشد مناقوة. واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانا، وانزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا، وجعل لهم من الضريح أكنان، ومن التراب أكفان، ومن الرفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما. إن أخصبوا لم يفرحوا، وإن قحطوا لم يقنطوا، جمع وهم آحاد، جيرة وهم أبعاد، متناءون يزارون ولا يزورون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجي دفعهم، وهم! كمن لم يكن. قال الله تعالى: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالآل غربة، وبالنور ظلمة، فجاءوها حفاة عراة فرادى، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، إلى خلود الأبد. يقول الله تبارك وتعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين. فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه، ثم نزل.
خطبة لأبي حمزة بمكة

(2/28)

خطبهم أبو حمزة الشاري بمكة. فصعد المنبر متوكئا على قوس عربية، فخطب خطبة طويلة، ثم قال: يأهل مكة، تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا! نعم الشباب مكتهلين، عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم. قد نظر الله إليهم في آناء الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكي شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه. قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم. مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم، من كثرة الصيام، وطول القيام، مستقلون لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، مستنجزون لوعد الله. إذا رأوا سهام العدو قد فوقت، ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وبرقت الكتيبة ورعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فمضي الشاب منهم قدما حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه، قد رملت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه بالثرى، وأسرع إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير السماء، فكم من مقلة في منقار طائر، طالما بكى صاحبها من خشية الله؛ وكم من كف بانت عن معصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده؛ وكم من خد عتيق، وجبين رقيق، قد فلق بعمد الحديد. رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها في الجنان. ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن، أو كفرة أهل الكتاب، أو إماما جائرا، أو شادا على عضده.
خطبة لأبي حمزة بالمدينة

(2/29)

قال مالك بن أنس رحمه الله: خطبنا أبو حمزة خطبة شكك فيها المستبصر وردت المرتاب، قال: أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظمت من الباطل، وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله ويعمى العباد في طاعته، فالطاعة لله ولأهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله بها. وإنا والله ما خرجنا أشرا ولا بطرا ولا لهوا ولا لعبا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قد نيل منا؛ ولكن لما رأينا الأرض قد أظلمت، ومعالم الجور قد ظهرت، وكثر الادعاء في الدين، وعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وقتل القائم بالقسط، وعنف القائل بالحق، وسمعنا مناديا ينادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فأجبنا داعي الله، فأقبلنا من قبائل شتى، قليلين مستضعفين في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا، وعلى الدين أعوانا. يأهل المدينة، أولكم خير أول، وأخركم شر آخر، إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم عن كتاب غير ذي عوج، بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، فأصبحتم عن الحق ناكبين، أمواتا غير أحياء وما تشعرون. يأهل المدينة، يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصح أصلكم، وأسقم فرعكم! كان آباؤكم أهل اليقين وأهل المعرفة بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهالة، استعبدتكم الدنيا فأذلتكم، والأماني فأضفتكم، فتح الله لكم باب الدين فأفسدتموه، وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه، سراع إلى الفتنة، بطاء عن السنة، عمي عن البرهان، صم عن العرفان، عبيد الطمع، حلفاء الجزع. نعم ما ورثكم آباؤكم لو حفظتموه، وبئس ما تورثون أبناءكم إن تمسكوا به. نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل. كان عدد آبائكم قليلا طيبا، وعددكم كثير خبيث. اتبعتم الهوى فأرداكم، واللهو فأسهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، وتعبركم فلا تعتبرون. سألناكم عن ولاتكم هؤلاء فقلتم: والله ما فيهم الذي يعدل، أخذوا المال من غير حلقه فوضعوه في غير حقه، وجازوا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله، واستأثروا بفيئنا فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء، وفروج الإماء. وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله؛ فقلتم لا نقوى على ذلك ووددنا أنا أصبنا من يكفينا؛ فقلنا: نحن نكفيكم، ثم الله راع علينا وعليكم، إن ظفرنا لنعطين كل ذي حقه. فجئنا فاتقينا الرماح بصدورنا، والسيوف بوجوهنا، فعرضتم لنا دونهم، فقاتلتمونا، فأبعدكم الله! فوالله لو قلتم لا نعرف الذي تقول ولا نعلمه لكان أعذر، مع أنه لا عذر للجاهل؛ ولكن أبى الله إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم ويأخذكم به في الآخرة. ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: حاكما جاء بغير ما أنزل الله، أو متبعا له، أو راضيا بعمله.
أسقطنا من هذه الخطبة ما كان من طعنه على الخلفاء؛ فإنه طعن فيها على عثمان وعلي بن أبي طالب، رضوان الله عليهما، وعمر بن عبد العزيز. ولم يترك من جميع الخلفاء إلا أبا بكر وعمر، وكفر من بعدهما، فلعنة الله عليه. إلا أنه ذكر من الخلفاء رجلا أصغى إلى الملاهي والمعازف، وأضاع أمر الرعية، فقال: كان فلان بن فلان من عدد الخلفاء عندكم، وهو مضيع للدين والدنيا. اشترى له بردين بألف دينار، اتزز بأحدهما والتحف بالآخر، وأقعد حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره! فقال: يا حبابة غنيني ويا سلامة اسقيني، فإذا امتلأ سكرا أو ازدهى طربا شق ثوبيه وقال: ألا أطير؟ فطير إلى النار وبئس المصير. فهذه صفة خلفاء الله تعالى!

(2/30)

وخطبة لأبي حمزة
أما بعد، فإنك في ناشيء فتنة، وقائم ضلالة، قد طال جثومها، واشتدت عليك همومها، وتلوت مصايد عدو الله منها وما نصب من الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها. يهد عمودها، ولن ينزع أوتادها، إلا الذي بيده ملك الأشياء، وهو الرحمن الرحيم. ألا وإن لله بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها، ولم يشايعوا أهلها على شبهها، مصابيح النور في أفواههم تزهو، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق، ركبوا منهج السبيل، وقاموا على العلم الأعظم. هم خصما الشيطان الرجيم، بهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد. طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم، وأسأل الله أن يجعلنا منهم.
من أرتج عليه في خطبته
أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أرتج عليه، فقال: أيها الناس، إن أول كل مركب صعب، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد عسر يسرا إن شاء الله. ولما قدم يزيد بن أبي سفيان الشام واليا عليها لأبي بكر، خطب الناس فأرتج عليه، فعاد إلى حمد لله، ثم أرتج عليه، فعاد إلى الحمد، ثم ارتج عليه، فقال: يأهل الشام، عسى الله أن يجعل بعد عسر يسرا، وبعد عي بيانا، وأنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل، ثم نزل. فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه. صعد ثابت قطنة منبر سجستان، فقال: الحمد لله، ثم أرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإن لا أكن فيهم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس.
وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولي فحصر، فقال: أيها الناس، إني كنت أعددت مقالا أقوم به فيكم فحجبت عنه، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، كما قال في كتابه، وأنتم إلى إمام عدل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وإني أمركم بما أمر الله به ورسوله، أنهاكم عما نهاكم الله ورسوله، وأستغفر الله لي ولكم. وصعد خالد بن عبد الله القسري المنبر: فأرتج عليه، فمكث مليا لا يتكلم، ثم تهيأ له الكلام، فتكلم فقال: أما بعد، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا، ويعزب أحيانا، فيسيح عند مجيئه سيبه، ويعز عند عزوبه طلبه، ولربما كوبر فأبي، وعولج فنأى، فالتأني لمجيئه خير من التعاطي لأبيه، وتركه عند تنكره أفضل من طلبه عند تعذره، وقد يرتج على البليغ لسانه، ويختلج من الجريء جنانه، وسأعود فأقول إن شاء الله.
صعد أبو العنبس منبرا من منابرا الطائف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فارتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: لا؛ قال: فما ينفعكم ما أريد أن أقول لكم، ثم نزل. فلما كان في الجمعة الثانية صعد المنبر وقال: أما بعد، فأرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: نعم؛ قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم، ثم نزل. فلما كانت الجمعة الثالثة قال: أما بعد، فأرتج عليه، قال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: بعضنا يدري وبعضنا لا يدري؛ قال: فليخبر الذي يدري منكم الذي لا يدري، ثم نزل. وأتى رجل من بني هاشم اليمامة، فلما صعد المنبر أرتج عليه، فقال: حيا الله هذه الوجوه وجعلني فداها، قد أمرت طائفي بالليل أن لا يرى أحدا إلا أتاني به، وإن كنت أنا هو، ثم نزل.
وكان خالد بن عبد الله إذا تكلم يظن الناس أنه يصنع الكلام لعذوبة لفظه وبلاغة منطقه، فبينا هو يخطب يوما إذ وقعت جرادة على ثوبه، فقال: سبحان من الجراد من خلقه، أدمج قوائمها وطرفها وجناحيها، وسلطها على من هو أعظم منها. خطب عبد الله بن عامر بالبصرة في يوم أضحى، فأرتج عليه، فمكث ساعة ثم قال: والله لا أجمع عليكم عيا ولؤما، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي. قيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك المشيب يا أمير المؤمنين. فقال: كيف لا يعجل وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين.
خطب النكاح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:14 pm

خطب عثمان بن عنبسة بني أبي سفيان إلى عتبة بن أبي سفيان ابنته. فأقعده على فخذه، وكان حدثا، فقال: أقرب قريب خطب أحب حبيب، لا أستطيع له ردا، ولا أجد من إسعافه بدا، قد زوجتكها وأنت أعز علي منها، وهي ألصق بقلبي منك، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تهنها فيصغر عندي قدرك، وقد قربتك مع قربك، فلا تبعد قلبي من قلبك.
خطبة نكاح
العتبي قال: زوج شبيب بن شيبة ابنه بنت سوار القاضي، فقلنا: اليوم يعب عبابه. فلما اجتمعوا، تكلم فقال: الحمد لله، وصلى الله على رسول الله. أما بعد، فإن المعرفة منا ومنكم وبنا وبكم تمنعنا من الإكثار، وإن فلانا ذكر فلانة.
وخطبة نكاح
العتبي قال: كان الحسن البصري يقول في خطبة النكاح بعد الحمد لله والثناء عليه: أما بعد، فإن الله جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة، والأنساب المتفرقة، وجعل ذلك في سنة من دينه، ومنهاج من أمره. وقد خطب إليكم فلان، وعليه من الله نعمة، وهو يبذل من الصداق كذا، فاستخيروا الله وردوا خيرا يرحمكم الله.
خطبة نكاح
العتبي قال: حضرت ابن الفقير خطب على نفسه امرأة من باهلة فقال:
وما حسن أن يمدح المرء نفسه ... ولكن أخلاقا تذم وتمدح
وإن فلانة ذكرت لي.
وخطبة نكاح
العتبي قال: يستحب للخاطب إطالة الكلام، وللمخطوب إليه تقصيره. فخطب محمد بن الوليد إلى عمر بن العزيز أخته، فتكلم محمد بكلام طويل. فأجابه عمر: الحمد لله ذي الكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء. أما بعد، فإن الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة فيك أجابتك منا، وقد أحسن بك ظنا من أودعك كريمته، واختارك ولم يختر عليك، وقد زوجتكها على كتاب الله، إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان.
خطبة نكاح
خطب بلال إلى قوم من خثعم لنفسه ولأخيه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أنا بلال وهذا أخي: كنا ضالين فهدانا الله، عبدين فأعتقنا الله، فقيرين فأغنانا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فالمستعان الله. وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز: قد زوجك أمير المؤمنين ابنته فاطمة. قال: جزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فقد أجزلت العطية، وكفيت المسألة.
نكاح العبد
الأصمعي قال: زوج خالد بن صفوان عبده من أمته، فقال له العبد: لو دعوت الناس وخطبت! قال: ادعهم أنت. فدعاهم العبد، فلما اجتمعوا تكلم خالد بن صفوان، فقال: إن الله أعظم وأجل من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين، وأنا أشهدكم أني زوجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية.
خطب الأعراب
الأصمعي قال: خطب أعرابي فقال: أما بعد، فإن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، واخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها حييتم، ولغيرها خلقتم؛ اليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل. إن الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدم؟ فقدموا بعضا، يكون لكم قرضا، ولا تتركوا كلا فيكون عليكم كلا. أقول قولي هذا والمحمود الله، والمصلى عليه محمد، والمدعو له الخليفة، ثم إمامكم جعفر، قوموا إلى صلاتكم.
خطبة لأعرابي
الحمد لله الحميد المستحمد، وصلى الله علي النبي محمد، أما بعد، فإن التعمق في ارتجال الخطب لممكن، والكلام لا ينثني حتى ينثنى عنه، والله تبارك وتعالى لا يدرك واصف كنه صفته، ولا يبلغ خطيب منتهى مدحته، له الحمد كما مدح نفسه، فانهضوا إلى صلاتكم، ثم نزل فصلى.
خطبة أعرابي لقومه
الحمد لله، وصلى الله علي النبي المصطفى وعلى جميع الأنبياء. ما أقبح بمثلي أن ينهى عن أمر ويرتكبه، ويأمر بشيء ويجتنبه، وقد قال الأول:
ودع ما لمت صاحبه عليه ... فذم أن يلومك من تلوم
ألهمنا الله وإياكم تقواه، والعمل برضاه.

(2/32)

وفي الأم زيادة من غير أصلها، فأوردتها كهيئتها، وهي خطبة لعلي كرم الله وجهه أوردت في هذه المجنبة تلو خطبة المأمون يوم عيد الفطر: جاء رجل إلى علي كرم الله وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا ربنا لنزداد له محبة، وبه معرفة. فغضب علي كرم الله وجهه، ثم نادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه حتى غص المسجد بأهله، ثم صعد المنبر وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: الحمد لله الذي لا يعزه المنع، ولا يكديه الإعطاء، بل كل معط ينقص سواه، هو المنان بفرائد النعم، وعوائد المزيد، وبجوده ضمنت عيالة الخلق، ونهج سبيل الطلب للراغبين إليه. وليس بما يسأل أجود منه بما لا يسأل، وما اختلف عليه دهر فتختلف فيه حال، ولو وهب ما انشقت عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار، من فلذ اللجين، وسبائك العقيان، وشذر الدر، وحصيد المرجان، لبعض عباده، ما أثر ذلك في ملكه ولا في جوده، ولا أنفد ذلك سعة ما عنده. فعنده من الأفضال ما لا ينفده مطلب وسؤال، ولا يخطر لكم على بال؛ لأنه الجواد الذي لا تنقصه المواهب، ولا يبرمه إلحاح الملحين بالحوائج، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فما ظنكم بمن هو هكذا ولا هكذا غيره؟ سبحانه وبحمده! أيها السائل، اعقل ما سألتني عنه، ولا تسأل أحدا بعدي، فإني أكفيك مؤونة الطلب، وشدة التعمق في المذهب. وكيف يوصف الذي سألتني عنه، وهو الذي عجزت عنه الملائكة، على قربهم من كرسي كرامته، وطول ولهم إليه، وتعظيمهم جلال عزته، وقربهم من غيب ملكوته، أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم، وهم من ملكوت العرش بحيث هم، ومن معرفته على ما فطرهم عليه، فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. فمدح الله اعترافهم بالعجز عما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا. فاقتصر على هذا، ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك، فتكون من الهالكين. واعلم أن الله الذي لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال، ولم يتغير في ذاته بمرور الأحوال، ولم يختلف عليه تعاقب الأيام والليالي، هو الذي خلق الخلق على غير مثال أمتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله؛ بلى أرانا من ملكوت قدرته، وعجائب ربوبيته، مما نطقت به آثار حكمته، واضطرار الحاجة من الخلق إلى أن يفهمهم مبلغ قوته، ما دلنا بقيام الحجة له بذلك علينا على معرفته. ولم تحط به الصفات بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال، إذ هو الله الذي لسر كمثله شيء، عن صفة المخلوقين متعاليا، انحسرت العيون عن أن تناله، فيكون بالعيان موصوفا، وبالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا. وفات لعلوه عن الأشياء مواقع وهم المتوهمين، وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها، وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأنداد منزها. وكيف يكون من لا يقدر قدره مقدرا في روايات الأوهام، وقد ضلت في إدراك كيفيته حواس الأنام؛ لأنه أجل من أن تحده ألباب البشر بنظير. فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين، وسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين. ألا وإن لله ملائكة صلى الله عليه وسلم لو أن ملكا هبط منهم إلى الأرض لما وسعته، لعظم خلقه وكزة أجنحته؛ ومن ملائكته من سد الآفاق بجناح من أجنحته دون سائر بدنه؟ ومن ملائكته من السموات إلى حجزته وسائر بدنه في جرم الهواء الأسفل، والأرضون إلى ركبته؛ ومن ملائكته من لو اجتمعت الإنس والجن على أن يصفوه ما وصفوه، لبعد ما بين مفاصله، ولحسن تركيب صورته؛ وكيف يوصف من سبعمائة عام مقدار ما بين منكبيه إلى شحمة أذنيه؛ ومن ملائكته من لو ألقيت السفن لا دموع عينيه لجرت دهر الداهرين. فأين أين بأحدكم! وأين أين أن، يدرك ما لا يدرك!
كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول

(2/33)

والصدور وأخبار الكتبة
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الخطب وفضائلها، وذكر طوالها وقصارها، ومقامات أهلها؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في التوقيعات والفصول والصدور وأدوات الكتابة وأخبار الكتاب وفضل الإيجاز؛ إذ كان أشرف الكلام كله حسنا، وأرفعه قدرا، وأعظمه من القلوب موقعا، وأقله على اللسان عملا، ما دل بعضه على كله، وكفى قليله عن كثيرة، شهد ظاهره على باطنه، وذلك أن تقل حروفه، وتكثر معانيه. ومنه قولهم: رب إشارة أبلغ من لفظ. ليس أن الإشارة تبين ما لا يبينه الكلام، وتبلغ ما يقصر عنه اللسان، ولكنها إذا قامت مقام اللفظ، وسدت مسد الكلام، كانت أبلغ، لقلة مؤونتها وخفة محملها. قال أبرويز لكاتبه: اجمع الكثير مما تريد من المعنى، في القليل مما تقول.
يحضه على الإيجاز وينهاه عن الإكثار في كتبه. ألا تراهم كيف طعنوا على الإسهاب والإكثار حتى كان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من الإسهاب! قيل له: وما الإسهاب؟ قال: المسهب الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقر، ويشول به شولان الروق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم أبغضكم إلي الثرثارون المشتدقون. يريد أهل الأكثار والتقعير في الكلام.
ولم أجد أحدا من الألف يذم الإيجاز ويقدح فيه ويعيبه ويطعن عليه. وتحب العرب التخفيف والحذف، ولهربها مات التثقيل والتطويل كان قصر الممدود أحب إليها من مد المقصور، وتسكين المتحرك أخف عليها من تحريك الساكن، لأن الحركة عمل والسكون راحة. وفي كلام العرب الاختصار والإطناب، والاختصار عندهم أحمد في الجملة، وإن كان للإطناب موضع لا يصلح إلا له. وقد تومىء إلى الشيء فتستغني عن التفسير بالإيماءة، كما قالوا: لمحة دالة.
كتب عمرو بن مسعدة إلى ضمرة الحروري كتابا، فنظر فيه جعفر بن يحيى فوقع في ظهره: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز مقصرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيا. وبعث إلى مروان بن محمد قائد من قواده بغلام أسود، فأمر عبد الحميد الكاتب أن يكتب إليه يلحاه ويعنفه، فكتب وأكثر، فاستثقل ذلك مروان، وأخذ الكتاب فوقع في أسفله: أما إنك لو علمت عددا أقل من واحد ولونا شرا من أسود لبعثت به. وتكلم ربيعة الرأي فأكثر وأعجبه إكثاره، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه، فقال له: ما تعدون البلاغة عندكم يا أعرابي؟ قال له: حذف الكلام، وإيجاز الصواب. قال: فما تعدون العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم. فكأنما ألقمه حجرا.
أول من وضع الكتابة
أول من وضع الخط العربي والسرياني وسائر الكتب آدم صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلثمائة سنة، كتبه في الطين ثم طبخه، فلما انقضى ما كان أصاب الأرض من الغرق وجد كل قوم كتابهم، فكتبوا به. فكان إسماعيل عليه الصلاة والسلام وجد كتاب العرب.
وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إدريس أول من خط بالقلم بعد آدم صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس أن أول من وضع الكتابة العربية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وكان، أول من نطق بها، فوضعت على لفظه ومنطقه. وعن عمر بن شبة بأسانيده: أن أول من وضع الخط العربي: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، هم قوم من الجبلة الآخرة، وكانوا نزولا عند عدنان بن أدد، وهم من طسم وجديس. وحكي أنهم وضعوا الكتب على أسمائهم، فلما وجدوا حروفا في الألفاظ ليست في أسمائهم ألحقوها بها وسموها الروادف، وهي: الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين، على حسب ما يلحق في حروف الجمل. وعنه أن أول من وضع الخط

(2/34)

نفيس ونصر وتيما، بنو إسماعيل بن إبراهيم، ووضعوه متصل الحروف بعضها ببعض، حتى فرقه نبت وهميسع وقيذر. وحكوا أيضا أن ثلاثة نفر من طيىء اجتمعوا ببقعة، وهم: مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة، فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه قوم من الأنبار. وجاء الإسلام وليس أحد يكتب بالعربية غير سبعة عشر إنسانا، وهم؛ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، وعثمان، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبان بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد أخوه، وأبو حذيفة بن عتبة، ويزيد بن أبي سفيان، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، والعلاء بن الحضرمي، وأبو سلمة ابن عبد الأسد، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب، ومعاوية ولده، وجهيم بن الصلت بن مخرمة.
استفتاح الكتب
إبراهيم بن محمد الشيباني قال: لم تزل الكتب تستفتح باسمك اللهم حتى أنزلت سورة هود وفيها: بسم الله مجراها ومرساها، فكتب: بسم الله؛ ثم نزلت سورة بني إسرائيل: قل أدعوا الله أو أدعوا الرحمن فكتب، بسم الله الرحمن، ثم نزلت سورة النمل: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " فاستفتح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت سنة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب إلى أصحابه وأمراء جنوده: من محمد رسول الله إلى فلان. وكذلك كانوا يكتبون إليه، يبدءون بأنفسهم، فممن كتب إليه وبدأ بنفسه: أبو بكر والعلاء بن الحضرمي وغيرهما، وكذلك كتب الصحابة والتابعين، ثم لم تزل حتى ولي الوليد بن عبد الملك، فعظم الكتاب وأمر أن لا يكاتبه الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضا، فجرت به سنة الوليد إلى يومنا هذا، إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل، فإنهما عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع الأمر إلى رأي الوليد، والقوم عليه إلى اليوم.
ختم الكتاب وعنوانه
وأما ختم الكتاب وعنوانه: فإن الكتب لم تزل مشهورة، غير معنونة ولا مختومة، حتى كتبت صحيفة المتلمس، فلما قرأها ختمت الكتب، وعنونت. وكان يؤتى بالكتاب فيقال: من عني به، فسمى عنوانا.
وقال حسان بن ثابت في قتل عثمان:
صحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
وقال آخر:
وحاجة دون أخرى قد سمحت بها ... جعلتها للذي أحببت عنوانا
وقال أهل التفسير في قول الله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم أي مختوم، إذ كانت كرامة الكتاب ختمه.
تأريخ الكتاب
لا بد من تأريخ الكتاب، لأنه لا يدل على تحقيق الأخبار وقرب عهد الكتاب وبعده إلا بالتأريخ. فإذا أردت أن تؤرخ كتابك فانظر إلى ما مضى من الشهر وما بقي منه، فإن كان ما بقي أكثر من نصف الشهر، كتبت: لكذا وكذا ليلة مضت من شهر كذا؛ وإن كان الباقي أقل من النصف، جعلت مكان: مضت، بقيت. وقد قال بعض الكتاب: لا تكتب إذا أرخت إلا بما مضى من الشهر، لأنه معروف، وما بقي منه مجهول؛ لأنك لا تدري أيتم الشهر أم لا.
ولا تجعل سحاءة كتابك غليظة، إلا في كتب العهود والسجلات التي يحتاج إلى بقاء خواتيمها وطوابعها؛ فإن عبد الله بن طاهر كتب إليه بعض عماله على العراق كتابا، وجعل سحائته غليظة، فأمر بأشخاص الكاتب إليه، فلما ورد عليه، قال عبد الله بن طاهر: إن كانت معك فأس فاقطع ختم كتابك ثم ارجع إلى عملك، وإن عدت إلى مثلها عدنا إلى إشخاصك لقطعها. ولا تعظم الطينة جدا، وطن كتبك بعد كتبك عناوينها، فإن ذلك من أدب الكاتب، فإن طينت قبل العنوان فأدب منتحل.
تفسير الأمي
فأما الأمي فمجازه على ثلاثة وجوه: قولهم أمي، منسوب إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2/35)

ويقال: رجل أمي، إذا كان من أم القرى. قال الله تعالى: " لتنذر أم القرى ومن حولها " وأما قوله تعالى: النبي الأمي فإنما أراد به الذي لا يقرأ ولا يكتب. والأمية في النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، لأنها أدل على صدق ما جاء به أنه من عند الله لا من عنده، وكيف يكون من عنده وهو لا يكتب ولا يقرأ ولا يقول الشعر ولا ينشده. قال المأمون لأبي العلاء المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك. فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن، فربما سبقني لساني بالشيء منه؛ وأما الأمية وكسر الشعر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا، وكان لا ينشد الشعر. فقال المأمون: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعا، وهو الجهل؛ أما علمت يا جاهل أن ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة!
شرف الكتاب وفضلهم
فمن فضلهم قول الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: " علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم " وقوله تعالى: " كراما كاتبين " . وقوله: " بأيدي سفرة. كرام برزة " وللكتاب أحكام بينة، كأحكام القضاة، يعرفون بها، وينسبون إليها، ويتقلدون التدبير وسيارة الملك بها، دون غيرهم، وبهم يقام أود الدين، وأمور العالمين.
فمن أهل هذه الصناعة: علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وكان مع شرفه ونبله وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكتب الوحي، ثم أفضت إليه الخلافة بعد الكتابة؛ وعثمان بن عفان، كانا يكتبان الوحي، فإن غابا، كتب ابن بن كعب وزيد بن ثابت، فإن لم يشهد واحد منهما، كتب غيرهما. وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان يكتبان بين يديه في حوائجه، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان ما بين الناس وكانا ينوبان عن خالد ومعاوية إذا لم يحضرا، وكان عبد الله بن الأرقم ابن عبد يغوث والعلاء بن عقبة يكتبان وبين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء، وكان ربما كتب عبد الله بن الأرقم إلى الملوك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص ثمار الحجاز، وكان زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي، وقيل: إنه تعلم بالفارسية من رسول كسرى، وبالرومية من حاجب النبي صلى الله عليه وسلم، وبالحبشية من خادم النبي صلى الله عليه وسلم، وبالقبطية من خادمه عليه الصلاة والسلام. وروي عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقام لحاجة، فقال لي: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي وأقضى للحاجة. وكان معيقيب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي صلى الله عليه وسلم. وكان حنظلة بن الربيع بن المرقع بن صيفي، ابن أخي أكثم بن صيفي الأسيدي، خليفة كل كاتب من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا غاب عن عمله، فغلب عليه اسم الكاتب، وكان يضع عنده خاتمه، وقال له: الزمني وأذكر في بكل شيء أنا فيه، وكان لا يأتي على مالك ولا طعام ثلاثة أيام إلا أذكره، فلا يبيت صلى الله عليه وسلم وعنده منه شيء. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بامرأة مقتولة يوم فتح مكة، فقال لحنظلة: الحق خالدا وقل له: لا تقتلن ذرية ولا عسيفا. ومات حنظلة بمدينة الرها، فقالت فيه امرأته، وحكي أنه من قول الجن، وهذا محال:
يا عجب الدهر لمحزونة ... تبكي على ذي شيبة شاحب
إن تسألني اليوم ما شفني ... أخبرك قيلا ليس بالكاذب
أن سواد الرأس أودى به ... وجدي على حنظلة الكاتب

(2/36)

ولما وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعدا إلى العراق وكتب إليه أن يسبع القبائل أسباعا، ويجعل على كل سبع رجلا، ففعل سعد ذلك، وجعل السبع الثالث تميما وأسدا وغطفان وهوازن، وأميرهم حنظلة بن الربيع الكاتب؛ وكان أحد من سير إلى يزدجرد يدعوه إلى الإسلام. وكان الحصين بن نمير، من بني عبد مناة، شهد بيعة الرضوان، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب صلح الحديبية، فأبى ذلك سهيل بن عمرو، وقال: لا يكتب إلا رجل منا، فكتب علي بن أبي طالب. وروي عنه عليه السلام أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين صالح قريشا، كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب له، ثم ارتد ولحق بالمشركين، وقال: إن محمدا يكتب بما شئت. فسمع ذلك رجل من الأنصار، فحلف بالله إن أمكنه الله منه ليضربنه ضربا بالسيف، فلما كان يوم فتح مكة، جاء به عثمان، وكان بينهما رضاع، فقال: يا رسول الله، هذا عبد الله قد أقبل تائبا، فأعرض عنه، والأنصاري مطيف به ومعه سيفه، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعه يده وبايعه، وقال للأنصاري: لقد تلومتك أن توفي بنذرك. فقال: هلا أومضت إلي. فقال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لي أن أومض.
أيام أبي بكر
رضي الله عنه
كان يكتب لأبي بكر عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت. وروي أن عبد الله ابن الأرقم كتب له، وأن، حنظلة بن الربيع كتب له أيضا. ولما تقلد الخلافة دعا زيد بن ثابت، وقال له: أنت شاب عاقل لا نتهمك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت تكتب الوحي، فتتبع القرآن فأجمعه، وفيه يقول حسان بن ثابت:
فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت
أيام عمر بن الخطاب
رضي الله عنه
كتب لعمر بن الخطاب زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله ابن خلف الخزاعي، أبو طلحة الطلحات، على ديوان البصرة. وكتب له على ديوان الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك، فلم يزل عليه إلى أن ولي عبيد الله بن زياد فعزله وولي مكانه حبيب بن سعد القيسي.
أيام عثمان بن عفان
رضي الله عنه كان يكتب لعثمان مروان بن الحكم. وكان عبد الملك بن مروان يكتب له على ديوان المدينة، وأبو جبيرة على ديوان الكوفة، وعبد الله بن الأرقم عل بيت المال، وأبو غطفان بن عوف بن سعد بن دينار، من بني دهمان، من قيس عيلان، يكتب له أيضا، وكان يكتب له أهيب، مولاه، وحمران، مولاه.
أيام علي بن أبي طالب
كرم الله وجهه كان يكتب له سعيد بن نمران الهمداني، ثم ولي قضاء الكوفة لابن الزبير، وكان عبد الله بن جعفر يكتب له. وروي أن عبد الله بن حسن كتب له، وكان عبد الله بن أبي رافع يكتب له، وسماك بن حرب.
أيام بني أمية
وكان يكتب لمعاوية. بن أبي سفيان. سعيد بن أنس الغساني. وكاتب يزيد بن معاوية سرجون بن منصور وكاتب مروان بن الحكم حميد بن عبد الرحمن بن عوف. وكاتب عبد الملك بن مروان سالم مولاه، ثم كتب له عبد الحميد بن يحيى، وهو عبد الحميد الأكبر. وكاتب الوليد بن عبد الملك جناح مولاه. وكاتب سليمان بن عبد الملك عبد الحميد الأصغر. وكاتب عمر بن عبد العزيز الليث بن أبي رقية، مولى أم الحكم، وكتب له رجاء بن حيوة وخص به، وإسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير، وسليمان بن سعد الخشني على ديوان الخراج، وكان عمر يكتب كثيرا بيده. وكاتب يزيد ابن عبد الملك عبد الحميد أيضا، ثم لم يزل كاتبا لبني أمية إلى أيام مروان بن محمد وانقضاء دولة بني أمية. وكان عبد الحميد أول من فتق أكمام البلاغة، وسهل طرقها، وفك رقاب الشعر.
أيام الدولة العباسية

(2/37)

فكان كاتب أبي العباس وأبي جعفر أبا أيوب المورياني الأهوازي. وكاتب موسى الهادي بن محمد المهدي إبراهيم بن ذكوان الحراني. وكاتب هارون الرشيد بن محمد المهدي يحيى بن خالد البرمكي، ثم الفصل بن الربيع، ثم إبراهيم بن صبيح. وكاتب محمد بن زبيدة الأمين الفضل بن الربيع، وكاتب عبد الله المأمون بن هارون الرشيد الفضل بن سهل، ثم الحسن بن سهل، ثم عمرو بن مسعدة، ثم أحمد بن يوسف. وكاتب أبي إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وهو المعروف بابن ماردة، الفضل بن مروان، ومحمد بن عبد الملك الزيات. وكاتب الواثق هارون بن محمد المعتصم محمد بن عبد الملك الزيات أيضا. وكاتب المتوكل جعفر بن محمد المعتصم إبراهيم بن العباس بن صول، مولى لبني العباس. وكاتب المنتصر محمد، ويكنى أبا جعفر، بن المتوكل، أحمد بن الخصيب، ثم كتب للمستعين أحمد بن محمد المعتصم، فظهر من عجزه وعيه ما أسخطه عليه، ثم جعل وزارته إلى أوتامش، وقام بخدمته شجاع بن القاسم كاتبه، ثم سخط عليهما فقتلهما، واستوزر أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، ثم صرفه وقلد وزارته محمد بن الفضل الجرجاني. ثم كانت الفتنة بين المستعين والمعتز، فقلد المعتز وزارته جعفر بن محمود الجرجاني، فلما استقام الأمر رد وزارته إلى أحمد ابن إسرائيل. وكاتب المهتدي محمد بن الواثق جعفر بن محمود الجرجاني، ثم استوزر بعده أبا أيوب سليمان بن وهب. واستوزر المعتمد أحمد بن المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فلما توفي استوزر بعده الحسن بن مخلد، وكان سبب موته أنه صدمه غلام له في الميدان يقال له رشيق، فحمل إلى منزله فمات بعد ثلاث ساعات. وتقفد الوزارة للمعتضد أحمد بن طلحة، وللموفق بن جعفر المتوكل عبيد الله بن سليمان بن وهب، وتقلد الوزارة للمكتفي بالله أبي محمد علي بن المعتضد بالله علي بن محمد بن الفرات، ثم محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ثم علي بن عيسى، ثم حامد بن العباس، ثم محمد بن علي بن مقلة، الذي يوصف خطه بالجودة، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم عبيد الله بن محمد الكلوذاني. ثم الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ولقب بعميد الدولة، وكان يكتب على كتبه: من عميد الدولة أبي علي بن ولي الدولة، وذكر لقبه على الدنانير والدراهم، ثم الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات. وتقلد الوزارة للقاهر بالله أبي منصور محمد بن المعتضد محمد بن علي بن مقلة، ثم محمد بن القاسم بن عبيد الله، ثم القاسم بن عبيد الله الحصيني. وتقلد الوزارة للراضي بالله أبي العباس محمد بن جعفر المقتدر محمد بن علي بن مقلة، ثم عبد الرحمن بن عيسى، أخو الوزير علي بن عيسى، ثم محمد بن القاسم الكرخي، ثم الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، ثم محمد بن يحيى بن شيرزاد. وتقلد الوزارة للمتقي بالله إبراهيم بن جعفر ابن المقتدر كاتبه أحمد بن محمد بن الأفطس. ثم أبو إسحاق القراريطي، ثم علي بن محمد بن مقلة. وتقلد الوزارة للمستكفي بالله أي القاسم عبد الله بن علي المكتفي بالله الحسين بن محمد بن أبي سليمان، ثم محمد بن علي السامري، المكنى أبا الفرج. ثم ولي المطيع بالله الفضل بن المقتدر، فوزر له الحسن بن هارون.
أسماء من كتب لغير الخليفة

(2/38)

كان المغيرة بن شعبة كاتبا لأبي موسى الأشعري. وكان سعيد بن جبير كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان قاضيا بعد ذلك. وكان الحسن بن أبي الحسن البصري، مع نبله وفقهه وورعه وزهده كاتبا للربيع بن زياد الحارثي بخراسان، ثم ولي قضاء البصرة لعمر بن عبد العزيز، فقيل له: من وليت القضاء بالبصرة؟ فقال: وليت سيد التابعين الحسن بن أبي الحسن البصري. وكان محمد بن سيرين، مع علمه وورعه كاتبا لأنس بن مالك بفارس. وكان زياد ابن أبيه، مع رأيه، ودهائه، وما كان من معاوية في ادعائه، يكتب للمغيرة ابن شعبة، ثم لعبد الله بن عامر بن كريز، ثم لعبد الله بن عباس، ثم لأبي مولى الأشعري. فوجهه أبو موسى من البصر ة لعمر بن الخطاب ليرفع إليه حسابه، فأمر له عمر بألف درهم، لما رأى منه من الذكاء، وقال: له لا ترجع لأبي موسى؟ فقال: يا أمير المؤمنين. أعن خيانة صرفتني أم عن تقصير؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل فضل عقلك على الرعية، ثم ولي بعد الكتابة العراق. وكان عامر الشعبي مع فقهه وعلمه ونبله كاتبا لعبد الله بن مطيع، ثم لعبد الله بن يزيد، عامل عبد الله بن الزبير على الكوفة؛ ثم ولي قضاء الكوفة بعد الكتابة. وكان قبيصة بن ذؤيب كاتبا لعبد الملك على ديوان الخاتم. وكان عبد الرحمن كاتب نافع بن الحارث، وهو عامل أبي بكر وعمر على مكة. وكان عبد الله بن خلف الخزاعي، أبو طلحة الطلحات، كاتبا على ديوان البصرة لعمر وعثمان، ثم قتل يوم الجمل مع عائشة، رضي الله عنها. وكان خارجة بن زيد بن ثابت على ديوان المدينة، ثم طلب الخلافة فقتل دونها. وكان يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى كاتبا على ديوان المدينة زمن يزيد بن معاوية، وكان بعده حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
أشراف الكتاب
كتاب النبي
صلى الله عليه وسلم
كتب له عشرة كتاب: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وخالد بن سعيد بن العاصي، وأبان بن سعيد بن العاصي، وأبو سعيد بن العاصي، وعمرو بن العاصي، وشرحبيل بن حسنة، وزيد بن ثابت، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، فلم يزل يكتب له حتى مات عليه الصلاة والسلام.
وكان عثمان بن عفان كاتبا لأبي بكر، ثم صار خليفة. وكان مروان بن الحكم كاتبا لعثمان بن عفان ثم صار خليفة. وكان عمرو بن سعيد بن العاصي كاتبا على ديوان المدينة، ثم طلب الخلافة فقتل دونها وكان المغيرة بن شعبة كاتبا لأبي موسى الأشعري. وكان الحسن بن أبي الحسن البصري كاتبا للربيع ابن زياد الحارثي بخراسان. وكان سعيد بن جبير كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود؛ وكان فاضلا. وكان زياد كاتبا للمغيرة بن شعبة، ثم أبي موسى الأشعري، ثم لعبد الله بن عامر بن كريز، ثم لعبد الله بن عباس. وكان عامر الشعبي كاتبا لعبد الله بن مطيع، وهو والي الكوفة لعبد الله بن الزبير. وكان محمد بن سيرين كاتبا لأنس بن مالك بفارس. وكان قبيصة بن ذؤيب كاتبا لعبد الملك، على ديوان الخاتم. وكان عبد الرحمن بن أبزى كاتب نافع بن الحارث الخزاعي، وهو عامل أبي بكر وعمر على مكة. وكان عبيد الله بن أوس الغساني، سيد أهل الشام، كاتب معاوية. وكان سعيد ابن نمران الهمداني، سيد همدان، كاتب علي بن أبي طالب، ثم ولي بعد ذلك قضاء الكوفة لابن الزبير. وكان عبد الله بن خلف الخزاعي، أبو طلحة الطلحات، كاتبا على ديوان البصرة لعمر وعثمان، وقتل يوم الجمل مع عائشة. وكان خارجة بن زيد بن ثابت على ديوان المدينة من قبل عبد الملك. وكان يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى على ديوان المدينة زمان يزيد بن معاوية. وكان بعده حميد، ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.
من نبل بالكتابة وكان قبل خاملا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:16 pm

سرجون بن منصور الرومي، كاتب لمعاوية ويزيد ابنه ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، إلى أن أمره عبد الملك بأمر فتوانى فيه، ورأى منه عبد الملك، بعض التفريط، فقال لسليمان بن سعد كاتبه على الرسائل: إن سرجون يدل علينا بصناعته، وأظن أنه رأى ضرورتنا إليه في حسابه، فما عندك فيه حيلة؟ فقال: بلى، لو شئت لحولت الحساب من الرومية إلى العربية. قال: أفعل. قال: أنظرني أعان ذلك. قال: لك نظرة ما شئت. فحول! الديوان، فولاه عبد الملك جميع ذلك. وحسان النبطي كاتب الحجاج، وسالم مولى هشام بن عبد الملك، وعبد الحميد الأكبر، وعبد الصمد، وجبلة بن عبد الرحمن، وقحذم، جد الوليد بن هشام القحذمي، وهو الذي قلب الدواوين من الفارسية إلى العربية. ومنهم: الفراء، كاتب خالد بن عبد الله القسري. ومنهم: الربيع، والفضل بن الربيع، ويعقوب بن داود، ويحيى بن خالد وجعفر بن يحيى، وأبو محمد، عبد الله بن المقفع، والفضل ابن سهل، والحسن بن سهل، وجعفر بن محمد بن، الأشعث، وأحمد بن يوسف، وأبو عبد السلام الجند يسابوري، وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الزيات، والحسن بن وهب، وإبراهيم بن العباس الصولي، ونجاح بن سلمة، وأحمد بن محمد بن، المدبر. فهؤلاء نبلوا بالكتابة واستحقوا اسمها.
من أدخل نفسه في الكتابة ولم يستحقها
صالح بن شيرزاد، وجعفر بن سابور، كاتب الأفشين، والفضل بن مروان، وداود بن الجراح، وأبو صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وأحمد ابن الخصيب. فهؤلاء لطخوا أنفسهم بالكتابة وما دانوها.
وقال بعض الشعراء في صالح بن شيرزاد:
حمار في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك في المداد
ومنهم: أبو أيوب، ابن أخت أبي الزير، وهو القائل يرثي أم سليمان بن وهب الكاتب:
لأم سليمان علينا مصيبة ... مغلغلة مثل الحسام البواتر
وكنت سراج البيت يا أم سالم ... فأضحى سراج البيت وسط المقابر
فقال سليمان بن وهب: ما نزل بأحد من خلق الله ما نزل به، ماتت أمي فرثيت بمثل هذا الشعر، ونقل اسمي من سليمان إلى سالم.
صفة الكتاب
قال إبراهيم بن محمد الشيباني: من صفة الكاتب اعتدال القامة، وصغر الهامة، وخفة اللهازم، وكثافة اللحية، وصدق الحس، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل، وحسن الإشارة، وملاحة الزي، حتى قال بعض المهالبة لولده: تزيوا بزي الكتاب، فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة. وقال إبراهيم بن محمد الكاتب: من كمال آل الكتابة أن يكون الكتاب: نقي الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهب، صادق الحس، حسن البيان، رقيق حواشي اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسالك، مستقر التركيب؛ ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية، عظيم الهامة؛ فإنهم زعموا أن هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة. وأنشد سعيد بن حميد في إبراهيم بن العباس:
رأيت لهازم الكتاب خفت ... ولهزمتاك شأنهما الفدامة
وكتاب الملوك لهم بيان ... كمثل الدر قد رصفوا نظام،
وأنت إذا نطقت كأن عيرا ... يلوك بما يفوه به لجامه
وقال آخر:
عليك بكاتب لبق رشيق ... زكي في شمائله حراره
تناجيه بطرفك من بعيد ... فيفهم رجع لحظك بالإشارة
ونظر أحمد بن الخصيب إلى رجل من الكتاب: فدم المنظر، مضطرر الخلق، طويل العثنون، فقال: لأن يكون هذا فنطاس مركب أشبه من أن يكون كاتبا.
فإذا اجتمعت للكاتب هذه الخلال، وانتظمت فيه هذه الخصال، فهو الكاف البليغ، والأديب النحرير، وإن قصرت به آلة من هذه الآلات، وقعدت به أداة كل هذه الأدوات، فهو منقوص الجمال منكسف الحس، مبخوس النصيب.

(2/40)

ما ينبغي للكاتب أن يأخذ به نفسه
قال إبراهيم الشيباني: أول ذلك حسن الخط الذي هو لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقل، ووحي الفكرة، وسلاح المعرفة، وأنس الإخوان عند الفرقة ومحادثتهم على بعد المسافة، ومستودع السر، وديوان الأمور. ولست أجد لحسن الحظ حدا أقف عليه أكثر من قول علي بن ربن، النصراني الكاتب، فإني سألته واستوصفته الخط، فقال: أعلمك الخط في كلمة واحدة، فقلت له: تفضل بذلك فقال: لا تكتب حرفا حتى تستفرغ مجهودك في كتابة الحرف، وتجعل في نفسك إنك تكتب غيره حتى تعجز عنه، ثم تنتقل، إلى ما بعده. وإياك والنقط والشكل في كتابك إلا أن تمر بالحرف المعضل الذي تعلم أن المكتوب إليه يعجز عن استخراجه فإني سمعت سعيد بن حميد بن عبد الحميد، الكاتب يقول: لأن يشكل الحرف عن القارىء أحب إلي من أن يعاب الكتاب بالشكل. وكان المأمون يقول: إياكم والشونيز في كتبكم - يعني النقط والإعجام. ومن ذلك أن يصلح الكاتب آلته التي لا بد منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلا بها، مثل دواته، فلينعم ربها وإصلاحها، وليتخير من أنابيب القصب أقله عقدا، وأكثره لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواء، ويجعل لقرطاسه سكينا حادا لتكون عونا له على بري أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصبة. وأعلم أن محل القلم من الكاتب كمحل الرمح من الفارس.
قال العتابي: سألني الأصمعي يوما في دار الرشيد: أي الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر؛ فقلت له: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره عن تلويحه غشاؤه، من التبرية القشور، الدرية الظهور، الفضية الكسور. قال: فأي نوع من البري أصوب وأكتب؟ فقلت: البرية المستوية القطة، التي عن يمين سنها قرنة تأمن معها المجة عند المدة والمطة، للهواء في شقها فتيق، والريح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال العتابي: فبقي الأصمعي شاخصا إلي ضاحكا لا يحير مسألة ولا جوابا.
ولا يكون الكاتب كاتبا حتى لا يستطيع أحد تأخير أول كتابه وتقديم آخره. وأفضل الكتاب ما كان في أول كتابته دليل على حاجته، كما أن أفضل الأبيات ما دل أول البيت على قافيته. فلا تطيلن صدر كتابك إطالة تخرجه عن حده، ولا تقصر به دون حده، فإنهم قد كرهوا في الجملة أن تزيد صدور كتب الملوك على سطرين أو ثلاثة أو ما قارب ذلك.
وقيل للشعبي: أي شيء تعرف به عقل الرجل؟ قال: إذا كتب فأجاد. وقال الحسن بن وهب: الكاتب نفس واحدة تجزأت في أبدان متفرقة.
فأما الكاتب المستحق اسم الكتابة، والبليغ المحكوم له بالبلاغة، من إذا حاول صيغة كتاب سالت عن قلمه عيون الكلام من ينابيعها، وظهرت من معادنها، وبدرت من مواطنها، من غير استكراه ولا اغتصاب.
بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة، فاستعد مدة ثم علق القلم، فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت علي المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها. قال أحمد بن محمد: كنت عند يزيد بن عبد الله أخي ذبيان، وهو يملي على كاتب له، فأعجل الكاتب ودارك في الإملاء عليه، فتلجلج لسان قلم الكاتب عن تقييد إملائه، فقال له: اكتب يا حمار. فقال له الكاتب: أصلح الله الأمير، إنه لما هطلت شآبيب الكلام وتدافعت سيوله على حرف القلم، كل القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده. فكان حضور جواب الكاتب أبلغ من بلاغة يزيد. وقال له يوما وقد مط حرفا في غير موضعه: ما هذا؟ قال: طغيان في القلم.
فإن كان لا بد لك من طلب أدوات الكتابة فتصفح من رسائل المتقدمين ما

(2/41)

يعتمد عليه، ومن رسائل المتأخرين ما يرجع إليه، ومن نوادر الكلام ما تستعين به، ومن الأشعار والأخبار والسير والأسمار ما يتسع به منطقك، ويطول به قلمك، وانظر في كتب المقامات والخطب، ومجاوبة العرب، ومعاني العجم، وحدود المنطق، وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم وسيرهم ووقائعهم ومكايدهم في حروبهم، والوثائق والصور وكتب السجلات والأمانات، وقرض الشعر الجيد، وعلم العروض، بعد أن تكون متوسطا في، علم النحو والغريب، لتكون ماهرا تنتزع آي القرآن في مواضعها، والأمثال في أماكنها، فإن تضمين المثل السائر، والبيت الغابر البارع، مما يزين كتابك، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر، فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء عيب، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له، فإن ذلك يزيد في أبهته.
خبر حائك الكلام
أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: لما رجع المعتصم من الثغر وصار بناحية الرقة، قال لعمرو بن مسعدة: ما زلت تسألني في الرخجي حتى وليته الأهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما وقضما؛ ولم يوجه إلينا بدرهم واحد. اخرج إليه من ساعتك. فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير محستحثا على عامل خراج! ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين، فقلت: أخرج إليه يا أمير المؤمنين. فقال: حلف لي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوما واحدا. فحلفت له، ثم انحدرت إلى بغداد، فأمرت ففرش لي زورق بالطبري وغشي بالسلخ، وطرح عليه الكر. ثم خرجت، فلما صرت بين دير هزقل ودير العاقول إذا رجل يصيح: يا ملاح، رجل منقطع. فقلت للملاح: قرب إلى الشط. فقال: يا سيدي، هذا شحاذ، فإن قعد معك آذاك. فلم ألتفت إلى قوله، وأمرت الغلمان فأدخلوه، فقعد في كوثل الزورق. فلما حضر وقت الغداء عزمت أن أدعوه إلى طعامي، فدعوته، فجعل يأكل أكل جائع بنهامة إلا أنه نظيف الأكل. فلما رفع الطعام أردت أن يستعمل معي ما يتسعمل العوام مع الخواص: أن يقوم فيغسل يده في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان فلم يقم، فتشاغلت عنه ثم قلت؟ يا هذا، ما صناعتك قال: حائك: فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى. فقال لي: جعلت فداك، قد سألتني عن صناعتي فأخبرتك، فما صناعتك أنت؟ قال: فقلت في نفسي: هذه أعظم من الأولى، وكرهت أن أذكر له الوزارة، فقلت: اقتصر له على الكتابة، فقلت: كاتب. قال: جعلت فداك، الكتاب على خمسة أصناف: فكاتب رسائل يحتاج إلى أن يعرف الفصل من الوصل، والصدور، والتهاني، و التعازي، والترغيب والترهيب، والمقصور والممدود، وجملا من العربية؛ وكاتب خراج يحتاج إلى أن يعرف الزرع والمساحة

(2/42)

والأشوال والطسوق، والتقسيط، والحساب؟ وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف مع الحساب الأطماع، وشيات الدواب، وحلى الناس؛ وكاتب قاض يحتاج إلى أن يكون عالما بالشروط والأحكام والفروع والناسخ والمنسوخ والحلال والحرام والمواريث؛ وكاتب شرطة يحتاج إلى أن يكون عالما بالجروح والقصاص والعقول والديات. فأيهم أنت أعزك الله؟ قال: قلت: كاتب رسائل. قال: فأخبرني إذا كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه وجميع الأسباب، فتزوجت أمه، فكيف تكتب له، أتهنيه أم تعزيه؟ قلت: والله ما أقف على ما تقول. قال: فلست بكاتب رسائل، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب خراج. قال: فما تقول أصلحك الله وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه، فجاءك قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن تنظر في أمورهم، وتنصفهم إذا كنت تحب العدل والبر، وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر، وكان لأحدهم قراح، كيف كنت تمسحه؟ قال: كنت أضرب العطوف في العمود، وأنظر كم مقدار ذلك. قال: إذن تظلم الرجل. قلت: فامسح العمود على حدة. قال: إذا تظلم السلطان. قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة العليا والآخر مقطوع الشفة السفلى، كيف كنت تكتب حليتهما؟ قال: كنت أكتب، أحمد الأعلم وأحمد الأعلم. قال: كيف يكون هذا ورزق هذا مائتا درهم ورزق هذا ألف درهم، فيقبض هذا على دعوة هذا، فتظلم صاحب الألف! قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب جند، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب قاض. فمال: فما تقول أصلحك الله في رجل توفي وخلف زوجة وسرية، وكان للزوجة بنت وللسرية ابن، فلما كان في تلك الليلة أخذت الحرة ابن السرية فادعته، وجعلت ابنتها مكانه، فتنازعا فيه، فقالت هذه: هذا ابني، وقالت هذه: هذا ابني، كيف تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي؟ قلت: والله لمست أدري. قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب شرطة. قال: فما تقول: أصلحك الله في رجل وثب على رجل فشجه شجة موضحة، فوثب عليه المشجوج فشجه شجة مأمومة؛ قلت: ما أعلم. ثم قلت: أصلحك الله، قد سألت ففسر لي ما ذكرت. قال: أما الذي تزوجت أمه فتكتب إليه: أما بعد، فإن أحكام الله تجري بغير محاب المخلوقين والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، والسلام؛ وأما القراح، فتضرب واحدا في مساحة العطوف، فمن ثم بابه، وأما أحمد وأحمد، فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الأعلم، والمقطوع الشفة السفلى، أحمد الأشرم، وأما المرأتان، فيوزن لبن هذه ولبن هذه، فأيهما كان أخف فهي صاحبة البنت؛ وأما الشجة، فإن في الموضحة خمسا مني الإبل، وفي المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا، فيرد صاحب المأمومة ثمانية وعشرين وثلثا. قلت: أصلحك الله، فلا نزع بك إلى هنا؟ قال؛ ابن عم لي كان عاملا على ناحية، فخرجت إليه فألفيته معزولا، فقطع بي، فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت: ألست ذكرت أنك حائك؟ قال: أنا أحوك الكلام ولست بحائك الثياب. قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره، وأدخل الحمام فطرحت عليه شيئا من ثيابي. فلما صرت إلى الأهواز كلمت الرخجي فأعطاه خمسة آلاف درهم ورجع معي، فلما صرت إلى أمير المؤمنين، قال: ما كان من خبرك في طريقك؟ فأخبرته خبري حتى حدثته حديث الرجل. فقال لي: هذا لا يستغنى عنه، فلأي شيء يصلح؛ قلت: هذا أعلم الناس بالمساحة والهندسة. قال: فولاه أمير المؤمنين البناء والمرمة. فكنت والله ألقاه في الموكب النبيل فينحط عن دابته، فأحلف عليه، فيقول: سبحان الله! إنما هذه نعمتك، وبك أفدتها.
فضائل الكتابة
قالت أبو عثمان الجاحظ: ما رأيت قوما أنفذ طريقة في الأدب من هؤلاء الكتاب، فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا. وقال بعض المهالبة لبنيه: تزيوا بزي الكتاب فإنهم جمعوا أدب الملوك وتواضع السوقة. وعتب أبو جعفر المنصور على قوم من الكتاب فأمر بحبسهم، فرفعوا إليه رقعة ليس فيها إلا هذا البيت:

(2/43)

ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
فعفا عنهم وأمر بتخلية سبيلهم.
وقال المؤيد: كتاب الملوك عيونهم الناظرة، وآذانهم الواعية، وألسنتهم الناطقة. والكتابة أشرف مراتب الدنيا بعد المحلافة، وهي صناعة جليلة تحتاج إلى آلات كثيرة. وقال سهل بن هارون: الكتابة، أول زينة الدنيا التي إليها يتناهى الفضل، وعندها تقف الرغبة.
ما يجوز في الكتابة وما لا يجوز فيها
قال إبراهيم بن محمد الشيباني: إذا احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتاب والخطباء والأدباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلا على قدر أبهته وجلالته، وعلوه وارتفاعه، وفطنته وانتباهه. واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام؛ منها: الطبقات العلية أربع، والطبقات الآخر، وهي دونها، أربع؛ لكل طبقة منها درجة، ولكل قسمها، لا ينبغي للكاتب البليغ أن يقصر بأهلها عنها ويقلب معناها إلى غيرها. فالحد الأول: الطبقات العليا، وغايتها القصوى الخلافة، التي أجل الله قدرها وأعلى شأنها عن مساواتها بأحد من أبناء الدنيا في التعظيم والتوقير؛ والطبقة الثانية لوزرائها وكتابها الذين يخاطبون الخلفاء بعقولهم وألسنتهم، ويرتقون الفتوق بآرائهم؛ والطبقة الثالثة أمراء ثغورهم وقواد جنودهم، فإنه تجب مخاطبة كل أحد منهم على قدره وموضعه، وحظه وغنائه وإجزائه، واضطلاعه بما حمل من أعباء أمورهم وجلائل أعمالهم؛ والرابعة القضاة، فإنهم وإن كان لهم تواضع العلماء، وحلية الفضلاء، فمعهم أبهة السلطنة وهيبة الأمراء. وأما الطبقات الأربع الآخر فهم: الملوك الذين أوجبت نعمهم تعظيمهم في الكتب إليهم، وأفضالهم تفضيلهم فيها؛ والثانية وزراؤهم وكتابهم وأتباعهم الذين بهم، تقرع أبوابهم، وبعناياتهم تستماح أموالهم؛ والثالثة هم العلماء الذين، يجب توقيرهم في الكتب بشرف العلم وعلو درجة أهله؛ والطبقة الرابعة لأهل القدر والجلالة، والحلاوة والطلاوة، والظرف والأدب، فإنهم يضطرونك بحدة أذهانهم، وشدة تمييزهم وانتقادهم، وأدبهم وتصفحهم، إلى الاستقصاء على نفسك في مكاتبتهم. واستغنينا عن الترتيب للسوقة والعوام والتجار باستغنائهم بمهناتهم عن هذه الآلات، واشتغالهم بمهماتهم عن هذه الأدوات. ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إياهم في كتبك، فتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمه، وتوفيه نصيبه؛ فإنك متى أهملت ذلك وأضعته لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، ويجرى شعاع بلاغتك في غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه. فلا تعتد بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا لاثقا لمن كاتبته، وملتئما بمن راسلته، فإن إلباسك المعنى، وإن صح وشرف، لفظا متخلفا عن قدر المكتوب إليه لم تجر به عاداتهم، تهجين للمعنى، وإحلال بقدره، وظلم بحق المكتوب إليه، ونقص مما يجب له؛ كما أن في إتباع تعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجرت به سنتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا من حقوقهم، وبلوغا إلى غاية مرادهم، وإسقاطا لحجة أدبهم. فمن الألفاظ المرغوب عنها، والصدور المستوحش منها في كتب السادات والملوك والأمراء، على اتفاق المعاني، مثل: أبقاك الله طويلا، وعمرك مليا. وإن كنا نعلم أنه لا فرق بين قولهم: أطال الله بقاك، وبين قولهم: أبقاك الله طويلا. ولكنهم جعلوا هذا أرجح وزنا، وأنبه قدرا في المخاطبة. كما أنهم جعلوا: أكرمك الله، وأبقاك، أحسن منزلا في كتب الفضلاء والأدباء، من: جعلت فداك، على اشتراك معناه، واحتمال أن يكون فداءه من الخير، كما يحتمل أن يكون فداءه من الشر؛ ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص: ارم فداك أبي وأمي، لكرهنا أن يكتب بها أحد. على أن كتاب العسكر وعوامهم قد ولعوا بهذه اللفظة حتى استعملوها في جميع محاوراتهم، وعلوها هجيراهم في مخاطبة الشريف والوضيع، والكبير والصغير. وذلك قال محمود الوراق:

(2/44)

كل من حل سر من نرى من الناس ... ومن قد يداخل الأملاكا
لو رأى الكلب ماثلا بطريق ... قال للكلب يا جعلت فداكا
وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل، أبقاك الله، وأمتع بك، إلا في الابن والخادم المنقطع إليك؛ وأما في كتب الإخوان، فغير جائز بل مذموم مرغوب عنه. ولذلك كتب عبد الله بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك
أم قد ترى أن في ملاطفة ال ... إخوان نقصا عليك في أدبك
أكان حقا كتاب ذي مقة ... يكون في صدره: وأمتع بك
أتعبت كفيك في مكاتبتي ... حسبك ما قد لقيت في تعبك
فكتب إليه محمد بن عبد الملك الزيات:
كيف أخون الإخاء يا أملي ... وكل شيء أنال من سببك
أنكرت شيئا فلست فاعله ... ولن تراه يخط في كتبك
إن يك جهل أتاك من قبلي ... فعد بفضل علي من حسبك
فاعف فدتك النفوس عن رجل ... يعيش حتى الممات في أدبك
ولكل مكتوب إليه قدر ووزن، ينبغي للكاتب ألا يتجاوز به عنه، ولا يقصر به دونه. وقد رأيتهم عابوا الأحوص حين خاطب الملوك خطاب العوام في قوله:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
وهذا معنى صحيح في المدح، ولكنهم أجلوا قدر الملوك أن يمدحوا بما تمدح به العوام؛ لأن صدق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان من المدح فهو واجب على العامة، والملوك لا يمدحون بالفرائض الواجبة، إنما يحسن مدحهم بالنوافل، لأن المادح لو قال لبعض الملوك: إنك لا تزني بحليلة جارك، وإنك لا تخون ما استودعت، وإنك لتصدق في وعدك وتفي بعهدك، فكأنه قد أثنى بما يجب، ولو قصد بثنائه إلى مقصده كان أشبه في الملوك.
ونحن نعلم أن كل أمير يتولى من أمر المؤمنين شيئا فهو أمير المؤمنين، غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا على الخلفاء خاصة. ونحن نعلم أن الكيس هو العاقل، لكن لو وصفت رجلا فقلت: إنه لعاقل، كنت مدحته عند الناس، وإن قلت: إنه لكيس، كنت قد قصرت به عن وصفه وصغرت من قدره، إلا عند أهل العلم باللغة؛ لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة، ولكن إلى ما جرت به العادة من استعمالها في الظاهر، إذ كان استعمال العامة لهذه الكلمة مع الحداثة والغرة وخساسة القدر وصغر السن. وقد روينا عن علي كرم الله وجهه أنه تسمى بالكيس حين بنى سجن الكوفة، فقال في ذلك:
أما تراني كيسا مكيسا ... بنيت بعد نافع مخيسا
حصنا حصينا ... وأمينا كيسا
وقال الشاعر:
ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس
وكذلك نعلم أن الصلاة رحمة، غير أنهم كرهوا الصلاة إلا على الأنبياء، كذلك روينا عن ابن عباس. وسمع سعد بن أبي وقاص ابن أخ له يلبي ويقول في تلبيته: لبيك يا ذا المعارج، فقال: نحن نعلم أنه ذو المعارج، ولكن ليس كذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كنا نقول: لبيك اللهم لبيك. وكان أبو إبراهيم المزني يقول في بعض ما خاطب به داود ابن خلف الأصبهاني: فإن قال كذا فقد خرج عن الملة، والحمد لله. فنقض ذلك عليه داود، وقال فيما رد عليه: تحمد الله على أن تخرج امرأ مسلما من الإسلام، وهذا موضع استرجاع، وللحمد مكان يليق به! وإنما يقال في المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون.

(2/45)

فامتثل هذه المذاهب، واجر على هذه القواعد، وتحفظ في صدور كتبك وفصولها وخواتمها، وضع كل معنى في موضع يليق به، وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل: نسأل الله دفع المحذور، وصرف المكروه، وأشباه هذا؟ وفي موضع ذكر المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون؟ وفي موضع ذكر النعمة: الحمد لله خالصا والشكر لله واجبا. فإن هذه المواضع يجب على الكاتب أن يتفقدها ويتحفظ فيها؛ فإن الكاتب إنما يصير كاتبا بأن يضع كل معنى في موضعه، ويعلق كل لفظة على طبقتها من المعنى. واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتت به أي القرآن من الاقتصار والحذف، ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص، لأن الله جل ثناؤه خاطب بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه جل ثناؤه أمره ونهيه ومراده، والرسائل إنما يخاطب بها أقوام دخلاء على اللغة، لا علم لهم بلسان العرب. وكذلك ينبغي للكاتب أن يجتنب اللفظ المشترك والمعنى الملتبس، فإنه إذن ذهب يكاتب على مثل معنى قول الله تعالى: " واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " وكقوله تعالى: " بل مكر الليل والنهار " ، أحتاج الكاتب أن يبين معناه: بل مكرهم بالليل والنهار، ومثل هذا كثير لا يتسع الكتاب لذكره. وكذلك لا يجوز أيضا في الرسائل والبلاغات المشهورة ما يجوز في الأشعار الموزونة، لأن الشاعر مضطر، والشعر مقصور مقيد بالوزن والقوافي، فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف منها، واغتفروا فيه سوء النظم، وأجازوا فيه التقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، وذلك كله غير مستساغ في الرسائل ولا جائز في البلاغات. فمما أجيز في الشعر من الحذف مثل، قول الشاعر:
قواطنا مكة من ورق الحمى يعني الحمام
وقول الآخر:
صفر الوشاحين صموت الخلخل يريد: الخلخال
وكقول الآخر:
دار لسلمى إذ من هواكا يريد: إذ هي
وكقول الحطيئة:
فيها الرماح وفيها كل سابغة ... جدلاء مسرودة من صنع سلام
يريد: سليمان. وكقول الآخر:
من نسج داود أبي سلام ... والشيخ عثمان أبي عفان
أراد: عثمان بن عفان. وكما قال الآخر:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق
وأراد: ثعلبة بن سيار. وكما، قال الآخر:
ولست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
أراد: ولكن.
وكذلك لا ينبغي في الرسائل أن يصغر الاسم في موضع التعظيم، وإن كان ذلك جائزا، مثل قولهم: دويهية، تصغير داهية. وجذلل، تصغير جذل. وعذيق، تصغير عذق. وقال الشاعر، هو لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقال الحباب بن المنذر، يوم سقيفة بني ساعدة: أنا عذيقها المرجب، وجذيلها المحكك. وقد شرحه أبو عبيد.
ومما لا يجوز في الرسائل وكرهوه في الكلام أيضا مثل قولهم: كلمت إياك، وأعني إياك، وهو جائز في الشعر. وقال الشاعر:
وأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر
وقال الراجز:
إياك حتى بلغت إياك
فتخير من الألفاظ أرجحها لفظا، وأجزلها معنى، وأشرفها جوهرا، وأكرمها حسبا، وأليقها في مكانها، وأشكلها في موضعها؛ فإن حاولت صنعة رسالة فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان التصريف إذا عرضت، وعاير الكلمة بمعيارها إذا سنحت، فإنه ربما مر بك موضع يكون مخرج الكلام إذا كتبت: أنا فاعل، أحسن من أن تكتب: أنا أفعل، وموضع آخر يكون فيه: استفعلت، أحلى من: فعلت. فأدر الكلام على أماكنه، وقلبه على جميع وجوهه، فأي لفظة رأيتها أخف في المكان

(2/46)

الذي ندبتها إليه، وأنزع إلى الموضع الذي راودتها عليه، فأوقعها فيه، ولا تجعل اللفظة قلقة في موضعها، نافرة عن مكانها، فإنك متى فعلت هجنت الموضع الذي حاولت تحسينه، وأفسدت المكان الذي أردت إصلاحه؛ فإن وضع الألفاظ في غير أماكنها، وقصدك بها إلى غير مصابها، وإنما هو كترقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، فخرج من حد الجدة، وتغير حسنه، كما قال الشاعر:
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبن الناس أن الثوب مرقوع
وكذلك كلما احلولى الكلام وعذب وراق وسهلت مخارجه كان أسهل ولوجا في الأسماع، وأشد اتصالا بالقلوب، وأخف على الأفواه؛ لا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف، ومعايرا بكلام عذب لم يسمه التكليف بميسمه، ولم يفسده التعقيد باستغلاقه.
وكتب عيسى بن لهيعة إلى أخيه أبي الحسن وزور كلامه وجاوز المقدار في التنطع، فوقع في أسفل كتابه:
أني يكون بليغا ... من اسمه كان عيا
وثالث الحرف منه ... أذى كفيت ميسا
قال: وبلغني أن بعض الكتاب عاد بعض الملوك فوجده يئن من علة، فخرج عنه ومر بباب الطاق، فإذا بطير يدعى الشفانين، فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابا وتنطع في بلاغته: وتذكر أنه يقال له شفانين، أرجو أن يكون شفاء من أنين. فرفع في أسفل الكتاب: والله لو عطست ضبا ما كنت عندنا إلا نبطيا، فاقصر عن تنطعك، وسهل كلامك.
قوله: لو عطست ضبا، يريد أن الضباب من طعام الأعراب وفي بلدهم؛ فقال: لو عطست فنثرت ضبا من عطاسك لم تلحق بالأعراب ولم تكن إلا نبطيا. وقد جاء في بعض الحديث: إن القط من نثرة عطسة الأسد، وإن الفأر من نثرة عطسة الخنزير. فقال هذا: لو أن الضب من نثرتك لم تكن إلا نبطيا. وفي هذا المعنى قال مخلد الموصلي يهجو حبيبا:
أنت عندي عربي ... ليس في ذاك كلام
شعر ساقيك وفخذي ... ك خزامى وثمام
وقذى عينك صبغ ... ونواصيك ثغام
وضلوع الصدر من شل ... وك نبع وبشام
لو تحركت كذا ان ... جفلت منك نعام
وظباء راتعا ... ت ويرابيع عظام
وحمام يتغنى ... حبذا ذاك الحمام
أنا ما ذنبي لأن ... كذبني فيك الأنام
وفتى يحلف ما إن ... عرقت فيه الكرام
ثم قالوا جاسمي ... من بني الأنباط حام
كذبوا ما أنت ... إلا عربي والسلام
وقد رأيتهم شبهوا المعنى الخفي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر، وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف الجزل لفظ شريف جزل لم تكن العبارة واضحة، ولا النظام متسقا، وتضاؤل المعنى الحسن تحت اللفظ القبيح كتضاؤل الحسناء في الأطمار الرثة.
وإنما يدل على المعنى أربعة أصناف: لفظ وإشارة وعقد وخط. وقد ذكر له أرسطا طاليس صنفا خامسا في كتاب المنطق، وهو الذي يسمى النصيبة. والنصيبة: الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة، وهي الناطقة بغير لفظ، ومشير إليك بغير يد. وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض وكل صامت وناطق. وجميع هذه الأصناف الخمسة كاشفة عن أعيان المعاني، وسافرة عن وجوهها. وأوضح هذه الدلائل وأفصح هذه الأصناف، صنفان، هما: القلم واللسان، وكلاهما للقلب ترجمان. فأما اللسان فهو الآلة التي يخرج الإنسان بها عن حد الاستبهام إلى حد الإنسانية بالكلام، ولذلك قال صاحب المنطق: حد الإنسان الحي الناطق. وقالت هشام بن عبد الملك: إن الله رفع درجة اللسان فانطقه بين الجوارح. وقال علي بن عبيده: إنما يبين عن الإنسان اللسان، وعن المودة العينان. وقال آخر: الرجل مخبوء تحت لسانه. وقالوا: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. وقال الشاعر:
وما المرء إلا الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 10:17 pm

فإن طرة راقتك يوما فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
وللخط صورة معروفة، وحلية موصوفة، وفضيلة بارعة، ليست لهذه الأصناف؟ لأنه يقوم مقامها الإيضاح عند المشهد، ويفضلها في المغيب، لأن الكتب تقرأ في الأماكن المتباينة، والبلدان المتفرقة، وتدرس في كل عصر وزمان، وبكل لسان، واللسان وإن كان ذلقا فصيحا لا يعدو سامعه، ولا يجاوزه إلى غيره.
البلاغة
قال سهل بن هارون: سياسة البلاغة أشد من البلاغة. وقيل لجعفر بن يحيى بن، خالد: ما البلاغة؟ قال: التقرب من المعنى البعيد، والدلالة بالقليل على الكثير. وقيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: قلة الحصر، والجرأة على البشر؛ قيل له: فما العي؟ قال: الإطراق من غير فكرة، والتنحنح من غير غلة. وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: تطويل القصير، وتقصير الطويل. وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ فقال: حذف الفضول، وتقريب البعيد. وقيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ فقال: حسن الاستعارة. قيل لجالينوس: ما البلاغة؟ فقال: إيضاح المعضل، وفك المشكل. وقيل للخليل بن أحمد: ما البلاغة؟ فقال: ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه. وقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى، والقصد للحجة. وقيل لآخر: ما البلاعة؟ قال: تصوير الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق. وقيل لإبراهيم الإمام: ما البلاغة؟ فقال: الجزالة والإصابة.
تضمين الأسرار في الكتب
وأما تضمين الأسرار في الكتب حتى، لا يقرؤها غير المكتوب إليه ففيه أدب تجب معرفته. وقد تعلقت العامة بكتاب القمي والأصبهاني. وكان أبو حاتم سهل بن محمد قد وصف لي منهما أشياء جليلة من تبديل الحروف، وذلك ممكن لكل إنسان. غير أن اللطيف من ذلك: أن تأخذ لبنا حليبا فتكتب به في القرطاس، فيذر المكتوب له عليه رمادا سخنا من رماد القراطيس، فيظهر ما كتبت به إن شاء الله. وإن شئت كتبت بماء الزاج الأبيض، فإذا وصل إلى المكتوب إليه أمر عليه شيئا من غبار الزاج، وإن أحببت أن لا يقرأ الكتاب بالنهار ويقرأ بالليل فاكتبه بمرارة السلحفاة،
قولهم في الأقلام
قالوا: القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسرائر القلوب، على لغات مختلفة، من معان معقودة بحروف معلومة مؤلفة؛ متباينات الصور، مختلفات الجهات؛ لقاحها التفكير، ونتاجها التدبير؛ تخرس منفردات، وتنطق مزدوجات؛ بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة؛ خلا قلم حرف باريه قطته ليتعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليرد ما انتشر عنه إليه، وشق رأسه ليحتبس المداد عليه، فهنالك استمد القلم بشقه، ونثر في القرطاس بخطه، حروفا أحكمها التفكر، وجرى على أسلته الكلام، الذي سداه العقل، وألحمه اللسان، ونهسته اللهوات، وقطعته الأسنان، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، عن أنحاء شتى من صفات وأسماء. وقالت الشاعر، وهو أبو الحسن محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي:
وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق ... له ذملان في بطون المهارق
إذا استعجلته الكف أمطر وبله ... بلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق
إذا ما حدا غر القوافي رأيتها ... مجلية تمضي أمام السوابق
كأن عليه من دجى الليل حلة ... إذا ما استهلت مزنه بالصواعق
كأن اللآلي والزبرجد نطقه ... ونور الخزامى في عيون الحدائق
وقال العلوي في صفة القلم:
وعريان من خلعة مكتس ... يميس من الوشي في يلمق
تحدر من رأسه ريقة ... تسيل على ذروة المفرق
فكم من أسير له مطلق ... وكم من طليق له موثق
يقيم ويوطن غرب البلاد ... وينهي ويأمر بالمشرق
قليل كثير ضروب الخطوط ... وأخرس مستمع المنطق
يسير بركب ثلاث عجال ... إذا ما حدا الفكر في مهرق
وقالت آخر في القلم:

(2/48)

لك القلم المطيعك غير أنا ... وجدنا رسمه خير المطاع
له ذوقان من أري هني ... ومن شري وبي ذي امتناع
أحذ اللفظ ينطق عن سواه ... فيسمع وهو ليس بذي استماع
إذا استسقى بلاغتك استهلت ... عليه سماء فكرك باندفاع
وبيت بعلياء العلاة بنيته ... بأسمر مشقوق الخياشيم يرعف
كأن عليه ملبسا جلد حية ... مقيم فما يمضي وما يتخلف
جليل شؤون الخطب ما كان راكبا ... يسير وإن أرجلته فمضعف
وقال حبيب بن أوس، وهو من أحسن ما قيل فيه:
لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الجلي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل
ولما قال حبيب هذا الشعر حسده الخثعمي، فقال لابن الزيات:
ما خطبة القلم التي أنبيتها ... وردت عليك لشاعر مجدود
وأنشد البحتري لنفسه يصف قلم الحسن بن وهب:
وإذا تألق في الندي كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه
باللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربه
حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليبها في قلبه
وكأنها والسمع معقود بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه
وأنشد أحمد بن أبي طاهر في بعض الكتاب ويصف القلم:
قلم الكتابة في يمينك آمن ... مما يعود عليه فيما يكتب
قلم به ظفر العدو مقلم ... وهو الأمان لما يخاف ويرهب
يبدي السرائر وهو عنها محجب ... ولسان حجته بصمت يعرب
ومن قولنا في القلم:
بكفه ساحر البيان إذا ... أداره في صحيفة سحرا
ينطق في عجمة بلفظته ... نصم عنها وتسمع البصرا
نوادر يقرع القلوب بها ... إن تستبنها وجدتها صورا
نظام در الكلام ضمنه ... سلكا لخط الكتاب مستطرا
إذا امتطى الخنصرين أذكر من ... سحبان فيما أطال واختصرا
يخاطب الغائب البعيد بما ... يخاطب الشاهد الذي حضرا
ترى المقادير تستدف له ... وتنفذ الحادثات ما أمرا
شخت ضئيل لفعله خطر ... أعظم به في ملمة خطرا
تمج فكاه ريقة صغرت ... وخطبها في القلوب قد كبرا
تواقع النفس منه ما حذرت ... وربما جنبت به الحذرا
مهفهف تزدهي به صحف ... كأنما حليت به دررا
كأنما ترتع العيون بها ... خلال روض مكلل زهرا
إن قربت مرطت طوابعها ... ما فض طين لها ولا كسرا

(2/49)

يكاد عنوانها لروعته ... ينبيك عن سرها الذي استترا
ومن أحسن ما شبهت به الأقلام وشبه بها قول ذي الرمة:
كأن أنوف الطير في عرصاتها ... خراطيم أقلام تخط وتعجم
ومثله قول عدي بن الرقاع في ولد البقرة:
تزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
ومن قولنا:
يخرجن من فرجات النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام
ومنه قول المأمون:
كأنما قابل القرطاس إذ مشقت ... منها ثلاثة أقلام على قلم
ومثله قولنا
إذا أدارت بنانه قلما ... لم تدر للشبه أيها القلم
ومن قولنا في الأقلام:
ومعشر تنطق أقلامهم ... بحكمة تلقنها الأعين
تلفظها في الصك أفلامهم ... كأنما أقلامهم ألسن
ومن قولنا في الأقلام:
يا كاتبا نقشت أنامل كفه ... سحر البيان بلا لسان ينطق
إلا صقيل المتن ملموم القوى ... حدت لها زمه وشق المفرق
فإذا تكلم رغبة أو رهبة ... في مغرب أصغى إليه المشرق
يجرى بريقة أريه أو شريه ... يبكي ويضحك من سراه المهرق
ولعبد الله بن المعتز كلام يصف فيه القلم: القلم يخدم الإرادة، ولا يمل الأستزادة؛ يسكت واقفا، وينطق ساكتا؛ على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء. وقال سليمان بن وهب، وزير المهدي: كل قلم تطيل جلفته فإن الخط يخرج به أوقص.
وكتب جعفر بن يحيى إلى محمد بن الليث يستوصفه الخط، فكتب إليه: أما بعد، فليكن قلمك بحريا، لا سمينا ولا رقيقا، ما بين الرقة والغلظ، ضيق النقب. فابره بريا مستويا كمنقار الحمامة، اعطف قطته، ورقق شفرته. وليكن مدادك صافيا، خفيفا إذا استمددت منه، فانقعه ليلة ثم صفه في الدواة. وليكن قرطاسك رقيقا مستوي النسج، تخرج السحاة مستوية من أحد الطرفين إلى الآخر، فليست تستقيم السطور إلا فمما كان كذلك. وليكن أكثر تمطيطك في طرف القرطاس الذي في يسارك وأقله في الوسط، ولا تمط في الطرف الآخر، ولا تمط كلمة ثلاثة أحرف ولا أربعة، ولا تترك الأخرى بغير مط؛ فإنك إذا فرقت القليل كان قبيحا، وإذا جمعت الكثير كان سمجا. ثم ابتدىء الألف برأس القلم كله وإخططه بعوضه واختمه بأسفله. وأكتب الباء والتاء والسين والشين؛ والمطة العليا من الصاد والضاد والطاء والظاء والكاف والعين والغين، ورأس كل مرسل، برأس القلم. واكتب الجيم والحاء والخاء والدال والذال والراء، والمطة السفلى من الصاد والضاد والطاء والظاء والكاف والعين والغين بالسن السفلى من القلم، وامطط بعرض القلم. والمط نصف الخط، ولا يقوى عليه إلا العاقل، ولا أحسب العاقل يقوى عليه أيضا إلا بالنظر إلى اليد في استعمالها الحركة، والسلام.
وقال ابن طاهر لكاتبه: ألق دواتك، وأطل سن قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف. وقال إبراهيم بن جبلة: مر بي عبد الحميد، وأنا أخط خطا رديئا، فقال لي: أتحب أن يجود خطك؟ قلت: بلى. قالت: أطل جلفة القلم وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. ففعلت فجاد خطي: وقال العتابي: ببكاء القلم تبتسم الكتب. وقال بعض الحكماء: أمر الدين والدنيا تحت شباة السيف والقلم. وقال حبيب الطائي:
لولا مناشدة القربى لغادركم ... حصائد المرهفين: السيف والقلم
وقال أرسطاطاليس: عقول الرجال تحت سن أقلامهم وقال أبو حكيمة: كنت أكتب المصاحف، فمر بي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال: أجلل قلمك. فقصمت من قلمي قصمة. فقال: هكذا، نوره كما نوره الله. وكان ابن سيرين يكره أن يكتب القرآن مشقا، وقال: أجود الخط أبينه.

(2/50)

وقال سليمان بن وهب: زينوا خطوطكم بإسبال ذوائبها. وقال عمرو بن مسعدة: الخط صورة ضئيلة، لها معان جليلة، وربما ضاق على العيون، وقد ملأ أقطار الظنون. وذكر على بن عبيدة القلم فقال: أصم يسمع النجوى، أعيا من باقل، وأبلغ من سحبان وائل، يجهل الشاهد، ويخبر الغائب، ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة، وأعينا لاحظة، وربما ضمنها من ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة. وقال أحمد بن يوسف الكاتب: ما عبرات الغواني في خدودهن بأحسن من عبرات الأقلام في خدود الكتب. وقال العتابي: الأقلام مطايا الفطن. وتخاير غلامان في بعض الدواوين فقاما إلى أستاذهما يعرضان عليه خطوطهما، فكره أن يفضل أحدهما على الآخر، فقال لأحدهما: أما خطك أنت فوشي محوك. وقال للآخر: وأما خطك أنت فذهب مسبوك، تكافيتما في غاية، وتوافيتما في نهاية. وقال آخر: دخلت الديوان فنظرت إلى غلام بيده قلم كأنه قضيب عقيان وعليه مكتوب:
وا بأبي، وا بأبي ... من كف من يكتب بي
وقال أبو هفان يصف القلم:
وإذا أمر على المهارق كفه ... بأنامل يحملن شختا مرهفا
ومقصرا ومطولا ومقطعا ... وموصلا ومشتتا ومؤلفا
كالحية الرقشاء إلا أنه ... يستنزل الأروى إليه تلطفا
يهفو بها قلم يمج لعابه ... فيعود سيفا صارما ومثففا
وقال آخر في وصف الدواة:
ومسودة الأرجاء قد خضت حالها ... ورويت من قعر لها غير منبط
خميص الحشي يروى على كل شرب ... أمينا على سر الأمين المسلط
وقال بعض الكتاب:
وما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأسحار يأرج بالغداة
بأضوع أو بأسطع من نسيم ... تؤديه الأفاوه من دواة
وقال آخر في وصف محبرة:
ولجة بحر أجم العبا ... ب باد وأمواجه تزخر
إذا غاص فيه أخو غوصة ... سريع السباحة ما يفتر
فأنفس بذلك من غائص ... بديع الكلام له جوهر
وأكرم ببحر له لجة ... جواهرها حكم تنثر
وقال ثمامة بن أشرس: ما أثرته الأقلام لم تطمع في درسه الأيام. ونظر المأمون إلى جارية من جواريه تخط خطا حسنا، فقال فيها:
وزادت لدينا حظوة حين أطرقت ... وفي إصبعيها أسمر اللون أهيف
أصم سميع ساكن متحرك ... ينال جسيمات المنى وهو أعجف
وقال بعض الكتاب:
إذا ما التقينا وانتضينا صوارما ... يكاد يصم السامعين صريرها
تساقط في القرطاس منها بدائع ... كمثل اللآلى نظمها ونثيرها
قال بشر بن المعتمر: القلب معدن، والحلم جوهر، واللسان مستنبط، والقلم صائغ، والخط صيغة. وقال سهل بن هارون: القلم لسان الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره. وقالوا: حسن الخط يناضل عن صاحبه، ويوضح الحجة، ويمكن له درك البغية. وقال آخر: الخط الردىء زمانة الأديب. وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال، منها: جودة بري القلم، وإطالة جلفته، وتحريف قطته، وحسن التأتي لإمطاء الأنامل، وإرسال المدة بقدر اتساع الحروف، والتحرز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطأ، والإعجام على التصحيف، واستواء الرسوم، وحلاوة المقاطع.
وقال سعيد بن حميد: من أدب الكاتب أن يأخذ قلمه في أحسن أجزائه وأبعد ما يتمكن المداد فيه، ويعطيه من القرطاس حقه. وقال عبد الله بن عباس: كل كتاب غير مختوم فهو غفل. وفي تفسير قول الله تعالى: " إني ألقي إلي كتاب كريم " قال: مختوم. ورفع إلى عبد الله بن طاهر قصة قد أكثر صاحبها إعجامها، فقال: ما أحسن ما كتبت، إلا أنك أكثرت شونيزها.

(2/51)

وقال أبو عبيدة: لا يقال: كأس، إلا إذا كان فيها شراب، وإلا فهي زجاجة؛ ولا مائدة، إلا إذا كان عليها طعام، وإلا فهي خوان؛ ولا قلم، إلا إذا بري، وإلا فهو قصبة. وقاك آخر: جلوس الأدباء عند الوراقين، وجلوس المخمنين عند النخاسين، وجلوس الطفيليين عند الطباخين.
وكتب على بن الأزهر إلى صديق له يسأله أقلاما يبعث بها إليه: أما بعد، فإنا على طول الممارسة لهذه الكتابة التي غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم، فحلت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب، وجدنا الأقلام الصحرية أسرع في الكواغد، وأمر في الجلود، كما أن البحرية منها أسلس في القراطيس، وألين في المعاطف، وأشد لتصريف الخط فيها. ونحن في بلد قليل القصب رديئه، وقد أحببت أن تتقدم في اختيار أقلام بحرية، وتتأنق في انتقائها قبلك، وتطلبها في مظانها ومنابتها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمم باختيارك منها الشديدة المحص، الصلبة المعض، النقية الخدود، القليلة الشحوم، المكتنزة اللحوم، الضيقة الأجواف، الرزينة المحمل؛ فإنها أبقى على الكتابة، وأبعد من الحفاء، وأن تقصد بانتقائك الرقاق القضبان، المقومات المعون، الملس المعاقد، الصافية القشور، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، المستحكمة يبسا، وهي قائمة على أصولها، لم تعجل عن إبان ينعها، ولم تؤخر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر الشتاء، وعفن الأنداء، فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعا ذراعا، قطعا رقيقا، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، ووجهتها مع من يؤدي الأمانة في حراستها وحفظها وإيصالها، وكتبت معه رقعة بعدتها وأصنافها، بغير تأخير ولا توان، إن شاء الله تعالى.
قولهم في الحبر
قال بعض الكتاب: عطروا دفاتر آدابكم بجيد الحبر، فإن الأدب غواني، والحبر غوالي. ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر المداد وهو يستره، فقال له:
لا تجزعن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب
وأتى وكيع بن الجراح رجل يمت إليه بحرمة، فقال له: وما حرمتك؟ وقال له: كنت تكتب من محبرتي عند الأعمش، فوثب وكيع ودخل منزله، تم أخرج له بضعة دنانير، وقال له: أعذر فما أملك غيرها.
الأقلام
أهدى ابن الحرون إلى رجل من إخوانه من الكتاب أقلاما وكتب إليه: إنه لما كانت الكتابة، أبقاك الله، أعظم الأمور، وقوام الخلافة، وعمود المملكة، خصصتك من آلتها بما يخف محمله، وتثقل قيمته، ويعظم نفعه، ويجل خطره، وهي أقلام من القصب النابت في الصحر، الذي نشف في حر الهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه، فهي كاللالىء المكنونة في الصدف، والأنوار المحجوب في السدف، تبرية القشور، درية الظهور، فضية الكسور، قد كستها الطبيعة جواهر كالوشي المحبر، وفرند الديباج المنير.
قولهم في الصحف
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب ... تلهو به إن ملك الأحباب!
لا مفشيا سرا إذا استودعته ... وتفاد منه حكمة وصواب
وقال آخر:
ولكل صاحب لذة متنزه ... أبدا ونزهة عالم في كتبه
وقال حبيب
مداد مثل خافية الغراب ... وقرطاس كرقراق السراب
وألفاط كألفاظ المثاني ... وخط مثل وشم يد الكعاب
كتبت ولو قدرت هوى وشوقا ... إليك لكنت سطرا في الكتاب
وقال في صحيفة جاءته من عند الحسن بن وهب:
لقد جلى كتابك كل بث ... جو وأصاب شاكلة الرمي
فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي
وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني
وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي
وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي
فكائن فيه من معنى خطير ... وكائن فيه من لفظ بهي

(2/52)

فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا ... ويا شبعي برونقه وريي
فكم أفصحت عن بر جليل ... به ووأيت من وأي سني
كتبت به بلا لفظ كريه ... على أذن ولا خط قمي
رسالة من تمتع منذ حين ... ومتعنا من الأدب الرضي
لئن غربتها في الأرض بكرا ... لقد زفت إلى قلب وفي
وإن يك من هداياك الصفايا ... فرب هدية لك كالهدي
وقال ابن أبي طاهر في ابن ثوابة:
في كل يوم صدور الكتب صادرة ... من رأيه وندى كفيه عن مثل
عن خط أقلامه خط القضاء على ال ... أعداء بالموت بين البيض والأسل
لعابها علل في الصدر تنفثه ... وربما كان فيه النفع للعلل
كأن أسطارها في بطن مهرقها ... نور يضاحك دمع الواكف الخضل
وقال البحتري في محمد بن عبد الملك الزيات:
قد تصرفت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ما شك ... امرؤ أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد
ما أعيرت منه بطون القراطي ... س وما حملت ظهور البريد
حجج تخرس الألد بألفا ... ظ فرادى كالجوهر المعدود
حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
كالعذارى غدون في الحلل البي ... ض إذا رحن في الخطوط السود
وقال علي بن الجهم في رقعة جاءته بخط جيد:
ما رقعة جاءتك مثنية ... كأنها خد على خد
نثر سواد في بياض كما ... ذر فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفة ... عن جهة الهزل إلى الجد
يا كاتبا أسلمني عتبه ... إليك حسبي منك ما عندي
وقال محمد بن إبراهيم بن محمد الشيباني: رفع أبان بن عبد الحميد اللاحقي إلى الفضل بن يحيى بن خالد رقعة بأبيات له يصف فيها قامته، وكثافة لحيته، وحلاوة شمائله، وبراعة أدبه، وبلاغة قلمه، فقال:
أنا من بغية الأمير وكنز ... من كنوز الأمير ذو أرباح
كاتب حاسب أديب لبيب ... ناصح زائد على النصاح
شاعر مفلق أخف من الري ... شة مما تكون تحت الجناح
لي في النحو فطنة ونفاذ ... أنا فيه قلادة بوشاح
لو رمى بي الأمير أصلحه الله ... رماحا صدمت حد الرماح
ثم أروى من ابن سيرين في الفق ... ه بقول منور الإفصاح
لست بالضخم في روائي ولا الفد ... م ولا بالمجعد الدحداح
لحية كثة وأنص طويل ... واتقاد كشعلة المصباح
وكثير الحديث من ملح النا ... س بصير بخافيات ملاح
كم وكم قد خبأت عندي حديثا ... هو عند الأمير كالتفاح
أيمن الناس طائرا يوم صيد ... في غدو أو بكرة أو رواح
أعلم الناس بالجوارح والصي ... د وبالخرد الحسان الملاح
كل هذا جمعت والحمد لل ... ه على أنني ظريف المزاح
لست بالناسك المشمر ثوبي ... ه ولا الفاتك الخليع الوقاح
لو دعاني الأمير عاين مني ... شمريا كالبلبل الصداح
قال: فدعاه. فلما دخل عليه أتاه كتاب من إرمينية فرمى به إليه وقال له: أجب. فأجاب بما في غرضه وأحسن. فأمر له بألف ألف درهم، وكنا نراه أول داخل وآخر خارج، وكان إذا ركب فركابه مع ركابه. قال محمد بن يزيد: فبلغ هذا الشعر أبا نواس فقال:
أنت أولى بقلة الحظ مني ... يا مسمى بالبلبل الصداح

(2/53)

قبلوا منه حين عز لديهم ... أخرس القول غير ذي إفصاح
ثم بالريش شبه النفس في الخف ... ه مما يكون تحت الجناح
إذا الشم من شماريخ رضوى ... خفة عنده نوى المسباح
لم يكن فيك غير شيئين مما ... قلت في نعت خلقك الدحداح
لحية جعدة وأنف طويل ... وسوى ذاك ذاهب في الرياح
فيك ما يحمل الملوك على السخ ... ف ويزري بالماجد الجحجاح
بارد الطرف مظلم اللب تيا ... ه معيد الحديث سمج المزاح
قال: فبعث إليه أبان بأن لا تذيعها وخذ الألف ألف درهم. فبعث إليه أبو نواس: لو أعطيتني مائة ألف ألف درهم لم أجد بدا من إذاعتها. فيقال: إن الفضل بن يحيى لما سمع شعر أبي نواس قال: لا حاجة لي في أبان، لقد رمي بخمس في بيت لا يقبل على واحدة منهن إلا جاهل، فقيل له: كذب عليه. فقال: قد قبل ذلك، فأقصاه. وإنما أغرى أبا نواس بهذا الكاتب أبان بن عبد الحميد اللاحقي أن الفضل بن يحيى أعطاه مالا يفرقه في الشعراء ويعطى كل واحد على قدره، فبعث إلى أبي نواس بدرهم زائف ناقص، وقال: إني أعطيت كل شاعر على مقدار شعره، وكان هذا أوفر نصيبك عندي. فهجاه لذلك.
توقيعات الخلفاء
عمر بن الخطاب
رضي الله عنه
كتب إليه سعد بن أبي وقاص في بنيان يبنيه، فوقع في أسفل كتابه: ابن ما يكنك من الهواجر وأذى المطر. ووقع إلى عمرو بن العاص: كن لرعيتك كما تحب أن يكون لك أميرك.
عثمان بن عفان
رضي الله عنه
وقع في قصة قوم تظلموا من مروان بن الحكم وذكروا أنه أمر بوجء أعناقهم: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون. ووقع في قصة رجل شكا عيلة: قد أمرنا لك بما يقيمك، وليس من مال الله فضل للمسرف.
علي بن أبي طالب
كرم الله وجهه
وقع إلى طلحة بن عبيد الله: في بيته يؤتى الحكم. ووقع في كتاب جاءه من الحسن بن علي رضي الله عنهما: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. ووقع في كتاب لسلمان الفارسي، وكان سأله كيف يحاسب الناس يوم القيامة: يحاسبون كما يرزقون. ووقع في كتاب الحصين بن المنذر إله يذكر أن السيف قد أكثر في ربيعة: بقية السيف أنمى عددا. وفي كتاب جاءه من الأشتر النخعي فيه بعض ما يكره: من لك بأخيك كله؟ وفي كتاب صعصعة ابن صوحان يسأله في شيء: قيمة كل امرىء ما يحسن.
معاوية بن أبي سفيان
كتب إليه عبد الله بن عامر في أمر عاتبه فيه، فوقع في أسفل كتابه: بيت أمية في الجاهلية أشرف من بيت حبيب. فأما في الإسلام، فأنت تراه. وفي كتاب عبد الله بن عامر يسأله أن يقطعه مالا بالطائف: عش رجبا ترى عجبا: وفي كتاب زياد يخبره بطعن عبد الله بن عباس في خلافته: إن أبا سفيان وأبا الفضل كانا في الجاهلية في مسلاخ واحد، وذلك حلف لا يحله سوء أدبك. وكتب إليه ربيعة بن عسل اليربوعي يسأله أن يعينه في بناء داره بالبصرة باثنى عشر ألف جذع: أدارك في البصرة أم البصرة في دارك؟
يزيد بن معاوية
وقع في كتاب عبد الله بن جعفر إليه يستميحه لرجال من خاصته: احكم لهم بآمالهم إلى منتهى آجالهم. فحكم بتسعمائة ألف، فأجازها. وكتب إليه مسلم ابن عقبة المري بالذي صنع أهل الحرة، فوقع في أسفل كتابه: فلا تأس على القوم الفاسقين. وفي كتاب مسلم بن زياد عامله على خراسان وقد استبطأه في الخراج: قليل العتاب يحكم مرائر الأسباب، وكثيره يقطع أواخي الإنتساب. ووقع إلى عبد الرحمن بن زياد، وهو عامله على خراسان: القرابة واشجة، والأفعال متباينة، فخذ لرحمك من فعلك. وإلى عبيد الله بن زياد: أنت أحد أعضاء ابن عمك فأحرص أن تكون كلها.
عبد الملك بن مروان
وقع في كتاب أتاه من الحجاج: جنبني دماء بني عبد المطلب، فليس فيها شفاء

(2/54)

من الطلب. وكتب إليه الحجاج يخبره بسوء طاعة أهل العراق وما يقاسي منهم، ويستأذنه في قتل أشرافهم، فوقع له: إن من يمن السائس أن يتألف به المختلفون، ومن شؤمه أن يختلف به المؤتلفون. وفي كتاب الحجاج يخبره بقوة ابن الأشعث: بضعفك قوي، وبخرقك طلع. ووقع في كتاب ابن الأشعث:
فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري؟
ووقع أيضا في كتاب:
كيف يرجون سقاطي بعدما ... شمل الرأس مشيب وصلع؟
الوليد بن عبد الملك
كتب إليه الحجاج لا بلغه أنه خرق فيما خلف له عبد الملك، ينكر ذلك عليه ويعرفه أنه على، غير صواب، فوقع في كتابه: لأجمعن المال جمع من يعيش أبدا، ولا فرقنه تفريق من يموت غدا. ووقع إلى عمر بن عبد العزيز: قد رأب الله بك الداء، وأوذم بك السقاء.
سليمان بن عبد الملك
كتب قتيبة بن مسلم إلى سليمان يتهدده بالخلع، فوقع في كتابه:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ووقع في كتابه أيضا: العاقبة للمتقين. وإلى قتيبة أيضا جواب وعيده: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا.
عمر بن عبد العزيز
كتب بعض العمال إليه يستأذنه في مرمة مدينته، فوقع أسفل كتابه: ابنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم. وإلى بعض عماله في مثل ذلك: حصنها ونفسك بتقوى الله. وإلى رجل ولاه الصدقات، وكان دميما، فعدل وأحسن: ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا. وكتب إليه صاحب العراق يخبره عن سوء طاعة أهلها، فوقع له: ارض لهم ما ترضى لنفسك، وخذهم بجرائمهم بعد ذلك. وإلى عدي بن أرطاة في أمر عاتبه عليه: إن آخر آية أنزلت: " وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " . وإلى عامله على الكوفة، وكتب إليه أنه فعل في أمر كما فعل عمر بن الخطاب: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتد. وإلى الوليد بن عبد الملك، وعمر عامله على المدينة، فوقع في كتابه: الله أعلم أنك لست، أول خليفة تموت. وأتاه كتاب عدي يخبره بسوء طاعة أهل الكوفة، فوقع في كتابه: لا تطلب طاعة من خذل عليا، وكان إماما مرضيا. وإلى عامله بالمدينة، وسأله أن يعطيه موضعا يبنيه، فوقع: كن من الموت على حذر وفي قصه متظلم: العدل إمامك:وفي رقعه محبوس: تب تطلق، وفي رقعت رجل قتل: كتاب الله بيني وبينك،وفي رقعه متنصح: لو ذكرت الموت شغلك عن نصيحتك وفي رقعته رجل شكا أهل بيته: أنتما في الحق سيان. وفي رقعه امرأة حبس زوجها: الحق حبسه. وفي رقعة رجل تظلم من ابنه: إن لم أنصفك منه فأنا ظلمتك
يزيد بن عبد الملك
وقع إلى صاحب خراسان: لا يغرنك حسن رأي فإنما تفسده عثرة وإلى صاحب المدينة عثر فاستقل وفي قصة متظلم شكا بعض أهل بيته: ما كان عليك لو صفحت عنه واستوصلتني
هشام بن عبد الملك
في قصه متظلم: أتاك الغوث إن كنت صادقا وحل بك النكال إن كنت كاذبا فتقدم أو تأخر. في قصه قوم متظلم شكوا أميرهم: إن صح ما أدعيتم عليه عزلناه وعاقبناه. وإلى صاحب خراسان حين أمره بمحاربة الترك: أحذر ليالي البيات. وإلى صاحب المدينة وكتب يخبره بوثوب أبناء الأنصار: احفظ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبهم له ووقع في رقعة محبوس لزمه الحد: نزل بحدك الكتاب. ووقع في قصة رجل شكا إليه الحاجة وكثرة العيال وذكر أن له حرمة: لعيالك في بيت مال المسلمين سهم، ولك بحرمتك منا مثلاه، وإلى عامله على العراق في أمر الخوارج: ضع سيفك في كلاب النار، وتقرب إلى الله بقتل الكفار. وإلى جماعة يشكون تعدي عاملهم عليهم لنفوضكم دونكم. وفي كتاب عامله يخوه قيه بقلة الأمطار في بلده: مرهم بالاستغفار وإلى لسهل ابن سيار: خف الله وإمامك فإنه يأخذه عند أول زله
يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان
وقع إلى مروان: أراك تقدم وجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت. وإلى صاحب خراسان في المسودة: نجم أمر أنت عنه نائم، وما أراك منه أو مني سالم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أم ضياء
مديرة عامه
مديرة عامه
avatar

الجنــــــــس : انثى
عدد المساهمات : 1529
تاريخ التسجيل : 14/01/2011
العمـــر : 39
الموقــــع : الأردن
العمل\ الترفيه : ربة بيت
المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الأحد ديسمبر 16, 2012 8:22 am

موضوع في غاية الروعه
اشكرك على المجهود الذي تبذلينه معنا اخت سرى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:20 pm

يتبع

مروان بن محمد
كتب إلى نصر بن سيار في أمر أبي مسلم: تحول الظاهر يدل على ضعف الباطن، والله المستعان. ووقع إلى ابن هبيرة أمير خراسان: الأمر مضطرب، وأنت نائم وأنا ساهر. وإلى حوثرة بن سهيل حين وجهه إلى قحطبة: كن من بيات المارقة على حذر. ووقع حين أتاه غرق قحطبة وانهزام ابن هبيرة: هذا والله الإدبار، وإلا فمن رأى ميتا هزم حيا. وفي جواب أبيات نصر بن سيار إذ كتب إليه:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول. فكتب نصر: الثؤلول قد امتدت أغصانه، وعظمت نكايته. فوقع إليه: يداك أوكتا وفوك نفخ.
توقيعات بني العباس
السفاح كتب إليه جماعه من أهل الأنبار يذكرون أن منازلهم أخذت منهم وأدخلت في البناء الذي أمر به ولم يعطوا أثمانها، فوقع: هذا بناء أسس على غير تقوى، ثم أمر بدفع قيم منازلهم إليهم. ووقع في كتاب أبي جعفر وهو يحارب ابن هبيرة بعد أن أرجعه فيه غير مرة: لست منك ولست مني إن لم تقتله. وجاءه كتاب من أبي مسلم يستأذنه في الحج وفي زيارته، فوقع إليه: لا أحول بينك وبين زيارة بيت الله الحرام أو خليفته، وإذنك لك. ووقع في كتاب جماعة من بطانته يشكون احتباس أرزاقهم: من صبر في الشدة شارك في النعمة؛ ثم أمر بأرزاقهم. وإلى عامل تظلم منه: وما كنت متخذ المضلين عضدا. وفي قوم شكوا غرق ضياعهم في ناحية الكوفة: وقيل بعدا للقوم الظالمين.
أبو جعفر وقع في كتابه إلى عبد الله بن علي عمه: لا تجعل للأيام وفي وفيك نصيبا من حوادثها. ووقع إليه أيضا: ادفع بالتي هي أحسن إلى قوله: وما يلقاه إلا ذو حظ عظيم. فاجعل الحظ لي دونك يكن لك كله. ووقع إلى عبد الحميد صاحب خراسان: شكوت فأشكيناك، وعتبت فأعتبناك؛ ثم خرجت عن العامة، فتأهب لفراق السلامة. وإلى أهل الكوفة، وشكوا عاملهم: كما تكونون يؤمر عليكم. وإلى قوم تظلموا من عاملهم: لا ينال عهدي الظالمين. وفي قصة رجل شكا عيلة: سل الله من رزقه. وفي قصة رجل سأله أن يبني بقربه مسجدا فإن مصلاه على بعد: ذلك أعظم لثوابك. وفي قصة رجل قطعت عنه أرزاقه: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " الآية. وفي قصة رجل شكا الدين: إن كان دينك في مرضاة الله قضاه. وإلى صارورة سأله أن يحج: " لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " . وإلى صاحب مصر حين كتب يذكر نقصان النيل: طهر عسكرك من الفساد يعطك النيل القياد. وإلى عامله على حمص، وجاءه منه كتاب فيه خطأ: استبدل بكاتبك وإلا استبدل بك. وإلى صاحب أرمينية: إن لي في قفاك عينا، وبين عينيك عينا، ولهما أربع آذان. وإلى رجل استوصله: لا مانع لما أعطاه الله. وفي كتاب أتاه من صاحب الهند يخبره أن جندا شغبوا عليه وكسروا أقفال بيت المال فأخذوا أرزاقهم منه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو وفيت لم ينهبوا.
المهدي وقع في قصة متظلمين شكوا بعض عماله: لو كان عيسى عاملكم قدناه إلى الحق كما يقاد الجمل المخشوش - يريد عيسى ولده. ووقع إلى صاحب إرمينية، وكتب إليه يشكو سوء طاعة رعاياه: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. وإلى صاحب خراسان في أمر جاءه: أنا ساهر وأنت نائم. وفي قصة قوم أصابهم قحط: يقدر لهم قوت سنة القحط والسنة التي تليها. وإلى شاعر، أظنه مروان بن أبي حفصة: أسرفت في مديحك فقصرنا في حبائك. وفي قصة رجل من الغارمين: خذ من بيت مال المسلمين ما تقضي به دينك، وتقر به عينك. وفي قصة رجل شكا الحاجة: أتاك الغوث. وإلى رجل من بطانته استوصله: ليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك. وفي قصة قوم تظلموا من عاملهم وسألوه إشخاصه إلى بابه: قد أنصف القارة من راماها. وفي قصة رجل حبس في دم: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب. وإلى صاحب خراسان، وكتب إليه يخبره بغلاء الأسعار: خذهم بالعدل في المكيال والميزان. وإلى يوسف البرم حين خرج بخراسان: لك أماني ومؤكد أيماني.

(2/56)

موسى الهادي كتب إلى الحسن بن قحطبة في أمر راجعه فيه: قد أنكرناك منذ لزمت أبا حنيفة، كفاناه الله. وإلى صاحب إفريقية في أمر فرط منه: يا بن اللخناء، أني تتمرس.
هارون الرشيد وقع إلى صاحب خراسان: داو جرحك لا يتسع. وإلى عامله على مصر: احذر أن تخرب خزانتي وخزانة أخي يوسف، فيأتيك مني ما لا قبل لك به، ومن الله أكثر منه. وقيع في قصة رجل من، البرامكة: أنبتته الطاعة وحصدته المعصية وإلى عامله على فارس: كن مني على مثل ليلة البيات. والى عامل خراسان: إن الملوك يؤثر عنهم الحزم. وإلى خزيمة بن خازم، إذ كتب إليه أنه وضع فيهم، السيف حين دخل أرض أرمينية: لا أم لك! تقتل بالذنب من لا ذنب له. وفي قصة محبوس: من لجأ إلى الله نجا. وفي قصة متظلم: لا يجاوز بك العدل، لا يقصر بك دون الإنصاف. وإلى صاحب السند، إذ ظهرت العصبية؛ كل من دعا إلى الجاهلية، تعجلي إلى المنية. وإلى عامله على خراسان: كل من رفع رأسه فأنزله عن بدنه وفي رقعة متظلم من عامله على الأهواز، وكان بالمتظلم عارفا؛ قد وليناك موضعه فتنكب سيرته. وفي كتاب بكار الزبيري وفي كتاب بكر الزبيري إليه يخبره بسر من أسرار الطالبين: جزى الله الفضل خير الجزاء فاختياره إياك، وقد أثابك أمير المؤمنين مائة ألف بحسن نيتك. وإلى محفوظ صاحب خراج مصر: يا محفوظ، اجعل خرج مصر خرجا وأحدا وأنت أنت. وإلى صاحب المدينة. ضع رجليك على رقاب أهل هذا البطن، فإنهم قد أطالوا ليلي بالسهاد، ونفوا عن عيني لذيذ الرقاد. ووقع إلى السندي بن شاهك: خف الله وإمامك فهما نجاتك. وإلى سليمان بن أبي جعفر في كتاب ورد عليه منه يذكر فيه وثوب أهل دمشق. استحييت لشيخ ولده المنصور أن يهرب عمن ولدته كندة وطيء، فهلا قابلتهم بوجهك، وأبديت لهم صفحتك، وكنت كمروان ابن عمك إذ خرج مصلتا سيفه متمثلا ببيت الجحاف بن حكيم:
متقلدين صفائحا هندية ... يتركن من ضربوا كمن لم يولد
فجلد به حتى قتل، لله أم ولدته، وأب انهضه! وكتب متملك الروم إلى هارون الرشيد: إني متوجه نحوك بكل صليب في مملكتي، وكل بطل في جندي فوقع في كتابه: سيعلم الكافر لمن عقبى الدار. وكتب إليه يحيى بن خالد من الحبس حين أحس بالموت: قد تقدم الخصم! إلى موقف الفصل، وأنت بالأثر؛ والله الحكم العادل، وستقدم فتعلم، فوقع فيه الرشيد: الحكم الذي رضيته في الآخرة لك هو الذي أعدى الخصم في الدنيا عليك، وهو من لا يرد حكمه، ولا يصرف قضاؤه.
المأمون وقع إلى علي بن هشام في أمر تظلم فيه منه: من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من دونه، فأي الرجلين أنت؟ وإلى هشام: لا أدنيك ولك ببابي خصم. وإلى الرستمي في قصة من تظلم منه: ليس من المروءة أن تكون آنيتك من ذهب وفضة، وغريمك خاو، وجارك طاو. وفي قصة متظلم من عمرو بن مسعدة: يا عمرو، اعمر نعمتك بالعدل، فإن الجور يهدمها. وفي قصة متظلم من أبي عياد: يا ثابت، ليس بين الحق والباطل قرابة. وفي قصة متظلم من أبي عيسى أخيه: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. وفي قصة متظلم من حميد الطوسي: يا أبا غانم، لا تغتر بموضعك من إمامك، فإنك وأخس عبيده في الحق سيان. وإلى طاهر صاحب خراسان: أحمد الله أبا الطيب إذا أحلك من خليفته محل نفسه، فما لك موضع تسمو إليه نفسك إلا وأنت فوقه عنده. وفي كتاب بشر بن داود: هذا أمان عاقدت الله عليه، في مناجاتي إياه. وفي كتاب إبراهيم بن جعفر في فدك حين أمره بردها: قد أرضيت خليفة الله في فدك كما أرضى الله رسوله فيها. وفي قصة متظلم من محمد بن الفضل الطوسي: قد احتملنا بذاءك وشكاسة خلقك، فأما ظلمك للرعية فإنا لا نحتمله. ووقع إلى بعض عماله: طالع كل ناحية من نواحيك، وقاصية من أقاصيك، بما فيه استصلاحها. وكتب إليه إبراهيم بن المهدي في كلام له: إن غفرت فبفضلك، وإن أخذت فبحقك. فوقع

(2/57)

في كتابه: القدرة تذهب الحفيظة، والندم جزء من التوبة، وبينهما عفو الله. ووقع في رقعة مولى طلب كسوة: لو أردت الكسوة للزمت الخدمة، ولكنك آثرت الرقاد فحظك الرؤيا. ووقع في يوم عاشوراء لبعض أصحابه، وقد وافته الأموال: يؤمر له بخمسمائة ألف لطول همته. ولثمامة بن أشرس بثلثمائة ألف لتركة ما لا يعنيه. ولأبي محمد اليزيدي: يؤمر له بخمسمائة ألف لكبره. وللمعلى بخمسمائة ألف لصحيح نيته. ولإسحاق بن إبراهيم بخمسمائة ألف لصدق لهجته. وللعباس بخمسمائة ألف لفصاحة منطقه. ولأحمد بن أبي خالد بألف ألف لمخالفة شهوته. ولإبراهيم بن بويه كذلك لسرعة دمعته. وللمريسي بثلثمائة ألف لإسباغ وضوئه. ولعبد الله بن بشر بمثلها لحسن وجهه.
توقيعات الأمراء والكبراء
زياد وقع إلى بعض عماله
قد كنت على الدعار، وأخالك داعرا. وكتبت إليه عائشة في وصاة برجل، فوقع في كتابها: هو بين أبويه. وإلى صاحب خراسان في أمر خالفه فيه: اشتر بعض دينك ببعض وإلا ذهب كله. وإلى عامله بالكوفة: أمط الحدود عن ذوي المروآت. وفي قصة متظلم: أنا معك. وفي قصة قوم رفعوا على عامل رفيعة، من أماله الباطل قومه الحق. وفي قصة مستمنح: لك المواساة. وإلى عامله في خوارج خرجوا بالبصرة: النساء تحاربهم دونك. وفي قصة سارق: القطع جزاؤك. وفي قصة امرأة حبس زوجها: حكمه إلى الله. وفي قصة قوم نقبوا: تنقب ظهورهم. وفي قصة نباش: يدفن حيا في قبره. وفي قصة متظلم. الحق يسعك. وفي قصة متنصح: مهلا فقد أبلغت إسماعي وفي قصة متظلم: كفيت. وفي قصة رجل شكا إليه عقوق ابنه: ربما كان عقوق الولد من سوء تأديب الوالد. وقي قصة رجل شكا الحاجة: لك في مال الله نصيب أنت آخذه. وفي قصة رجل جارح: الجروح قصاص. وفي قصة محبوس: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وفي قصة قوم شكوا غرق ضياعهم: لا نعوض فيما تفرد الله به. وفي قصة قوم اشتكوا اجتياح الجراد لزروعهم: لا حكم فيما استأثر الله به.
الحجاج بن يوسف
وقع في كتاب أتاه من قتيبة بن مسلم يشكو كثرة الجراد وذهاب الغلات وما حل بالناس من القحط: إذا أزف خراجك فانظر لرعيتك في مصالحها، فبيت المال أشد اضطلاعا بذلك من الأرملة واليتيم وذي العيلة. وفي كتاب قتيبة إليه أنه على عبور النهر ومحاربة الترك: لا تخاطر بالمسلمين حتى تعرف موضع قدمك، ومرمى سهامك. وفي كتاب صاحب الكوفة يخبره بسوء طاعتهم وما يقاسي من مداراتهم: ما ظنك بقوم قتلوا من كانوا يعبدونه. وفي قصة محبوس ذكروا أنه تاب: ما على المحسنين من سبيل. وإلى قتيبة: خذ عسكرك بتلاوة القرآن، فإنه أمنع من حصونك. وفي كتابه إلى بعض عماله: إياك والملاهي حتى تستنظف خراجك. وفي كتابه إلى ابن أخيه: ما ركب يهودي قبلك منبرا. وفي كتابه إلى يزيد بن أبي مسلم: أنت أبو عبيدة هذا القرن.
أبو مسلم
وقع يا كتاب سليمان بن كثير الخزاعي: لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. وإلى أبي العباس في يزيد بن عمر بن هبيرة: قل طريق سهل تلقى فيه الحجارة إلا عاد وعرا، والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة أبدا. وإلى ابن قحطبة: لا تنس نصيبك من الدنيا. وإليه: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. وإليه: لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. وإلى محمد بن صول، وكتب إليه بسلامة أطرافه: وأما بنعمة ربك فحدث. وكتب إليه قحطبة: إن بعض قواده خرج إلى عسكر ابن ضبارة راغبا، فوقع في كتابه: " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا " الآية. وإلى عامله ببلخ: لا تؤخر عمل اليوم لغد. وإلى أبي سلمة الخلال حين أنكر نيته: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم.
جعفر بن يحيى

(2/58)

وقع في قصة محبوس: لكل أجل كتاب. وفي مثله: العدل يوبقه، والتوبة تطلقه. وفي قصه متنصح: بعض الصدق قبيح. وإلى بعض عماله: قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما عدلت وإما اعتزلت. وفي قصة رجل شكا بعض خدمه: خذ بأذنه ورأسه فهو مالك وإلى عامل فارس في رجل كتب إليه بالوصاة: كن له كأبيه لو كان مكانك وإلى عامل مصر رجل من بطانته يوصيه. إنه رغب إلى شعبك. فارغب في اصطناعه. وفي قصه متظلم من بعض عماله: أني ظلمتك دونه وفي قصة عبوس: الجناية حسبه، والتوبة تطلقه، وإلى قوم، عين الخليفة تكلؤكم وفي رقعه صارورة استأذنه في الحج: من سافر إلى الله أنجح وفي قصه رجل شكا عزوبه: الصوم لك وجاء وفي رقعه رجل سأل ولاية: لا أولى بعض الظالمين بعضا وفي قصه رجل سأله أن يقفل ابنه فقد طالت غيبته عنه: غيبة يوسف صلى الله عليه وسلم كانت أطول رجل تظلم من بعض عماله: أنا لمثله حتى بنصفك، وفي قصة قوم شكوا سوء جوار بعض قرابته: يرحل عنكم وفي قصه مستمنح قد كان وصله مرارا: دع الضرع يدر لغيرك كما در لك. وإلى الفضل بن الربيع، وجاءه منه كتاب غمه وأكربه: كثرة ملاحاة الرجال ربما أراقت الدماء. وإلى منصور بن زياد في أمر عاتبه فيه: لم نزرعك لنحصدك. وإلى بعض عماله اجعل وسيلتك إلينا ما يزيدك عندنا وإلى بعض ندمائه: لا تبعد عمن ضمك ووقع إلى منتصل من ذنب: حكم الفلتات خلاف حكم الإصرار.
الفضل بن سهيل
كتب إلى أخيه الحسن: أحمد الله يا أخي، فما يبيت خليفة الله إلا على ذكرك. وإلى طاهر: لخير ما اتضعت. وإليه: لشر ما سموت. وإلى هرثمة وأشار عليه برأي: لا يحل ما عقدت. وفي قصة متظالم: كفى بالله للمظلوم ناصرا. ويا قصة رجل نقب بيت المال: يدرأ عنه الحد إن كان له فيه سهم. ووقع إلى حاجبه: تمهل وتسهل. وإلى صاحب الشرطة: ترفق توفق. وإلى رجل شكا غلبة الدين. قد أمرنا لك بثلاثين ألفا وسنشفعهما بمثلها ليرغب المستمنحون وفي قصه متظلم: طب نفسا فإن الله مع المظلوم وإلى رجل شكا إليه الدين: الدين سوء يهيض الأعناق، وقد أمرنا بقضائه. وفي قصة قوم قطعوا الطريق إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية. وفي امرىء قاتل شهد عليه العدول فشفع فيه: كتاب الله أحق أن يتبع. وفي قصه رجل شهد عليه أنه شتم أبا بكر وعمر: يضرب دون الحد ويشهر ضربه.
الحسن بن سهل ذو الرياستين
وقع في قصة متظلم: ينظر فيما رفع: فإن الحق منيع، وإلا فشفاء السقيم دواء السقيم. وفي قصة قوم تظلموا من واليهم: الحق أولى بنا، والعدل بغيتنا، وإن صح ما أدعيتم عليه صرفناه وعاقبناه. وفي قصة امرأة حبس زوجها: الحق يحبسه والإنصاف يطلقه. وفي رقعة رائد قد أمرنا لك بشيء وهو دون قدرك في الأستحقاق، وفوق الكفاية مع الاقتصاد. وكتب إليه رجل من الشعراء يقول له:
رأيت في النوم إني راكب فرسا ... ولي وصيف وفي كفي دنانير
فقال قوم لهم فهم ومعرفة ... رأيت خيرا وللأحلام تعبير
رؤياك فسر غدا عند الأمير تجد ... في الحلم خيرا وفي النوم التباشير
فوقع في أسفل كتابه: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وأطلق له ما التمسه. ودخل بعض الشعراء على عبد الملك بن بشر بن مروان فأنشده:
أغفيت عند الصبح نوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت إنك رعتني بوليدة ... رعبوبة حسن علي قيامها
وببدرة حملت إلي وبغلة ... دهماء مشرفة يصل لجامها
فدعوت ربي أن يثيبك جنة ... عوضا يصيبك بردها وسلامها
ليت المنابر يا بن مروان الندى ... أضحت وأنت خطيبها وإمامها
فقال له عبد الملك بن بشر: في كل شيء أصبت إلا البغلة، فإني لا أملك إلا شهباء. فقال له: امرأتي طالق أن كنت رأيتها إلا شهباء، إلا أني غلطت.
طاهر بن الحسين

(2/59)

وقع في كتاب رجل تظلم من أصحاب نصر بن شبيب: طلبت الحق في دار الباطل. وفي قصة رجل طلب قبالة بعض أعماله: القبالة مفتاح الفساد، ولو كانت صلاحا ما كنت لها موضعا. وإلى السندي بن شاهك، وجاءه منه كتاب يستعطفه وفيه: عش ما لم أرك. وإلى خزيمة بن خازم: الأعمال بخواتيمها، والصنيعة باستدامتها، وإلى الغاية ما جرى الجواد، فحمد السابق، وذم الساقط. وإلى العباس بن موسى الهادي واستبطأه قي خراج ناحيته:
وليس أخو الحاجات من بات نائما ... ولكن أخوها من يبيت على رحل
وفي رقعة متنصح: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. وفي قصة محبوس: يطلق ويعتق. وفي رقعة مستوصل: يقام أوده. وكتب أبو جعفر إلى عمرو بن عبيد: أبا عثمان، أعني بأصحابك، فإنهم أهل العدل، وأصحاب الصادق، والمؤثرون له فوقع في كتابه: ارفع علم الحق يتبعك أهله.
توقيعات العجم
وقع أردشير في أزمة عمت المملكة: من العدل أن لا يفرح الملك ورعيته محزونون. ثم أمر ففرق في الكور جميع ما في بيوت الأموال. ورفع رجل إلى كسرى بن قباذ رقعة يخبره فيها أن جماعة من بطانته قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم، منهم فلان وفلان. فوقع في أسفل كتابه: إنما أملك ظاهر الأجسام لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالهوى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. ووقع كسرى في رقعة مدح: طوبى للممدوح إذا كان للمور مستحقا، وللداعي إذا كان للإجابة أهلا. وكتب إليه متنصح: إن قوما من بطانته اجتمعوا للمنادمة، فعابوه وثلموه. فوقع: لئن كانوا نطقوا بألسنة شتى لقد اجتمعت مساويهم على لسانك، فجرحك أرغب، ولسانك أكذب. ورفع إليه جماعة من بطانته رقعة يشكون فيها، سوء حالهم. فوقع: ما أنصفكم من إلى الشكية أحوجكم؛ ثم فرق بينهم ما وسعهم وأغناهم. ووقع أنوشروان إلى صاحب خراجه: ما استغزر الخراج بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور. ووقع في قصة رجل تظلم منه: لا ينبغي للملك الظلم، ومن عنده يلتمس العدل، ولا البخل، ومن عنده يتوقع الجود؛ ثم أمر بإحضار الرجل وقعد منه بين يدي الموبذ. ووقع في قصة محبوس: من ركب ما نهي عنه حيل بينه وبين ما يشتهي. ورفع إليه بعض خدمه رقعة يخبره فيها بكثرة عياله، وسوء حاله، فعرف كذبه، فوقع: إن الله خفف ظهرك فثقلته، وأحسن إليك فكفرته، فتب إلى الله يتب عليك. ووقع في قصة رجل سعى إليه بباطل: باللسان احفظ رأسك. ووقع في قصة رجل ذكر أن بعض قرابة الملك ظلمه وأخذ ماله: لا تصلح العامة إلا ببعض الحيف على الخاصة، فإن كنت صادقا أبحتك جميع ما يملكه. فلم يتظلم بعدها أحد من قرابته.
فصول في المودة
كتب عبد الرحمن بن أحمد الحراني إلى محمد بن سهل: أعزك الله، إن كل مجازاة قاصرة عن حق السابق إلى افتتاح الود، وقد علمت أني استقبلتك من الإقبال عليك بما لم تستدعه، واعتمدتك من الرغبة فيك بما لم توله.
وفصل لأبي علي البصير: قد أكد الله بيننا من الود، ما نأمن الدهر على حل عقده، ونقض مرائره، وما يستوي فيه ثقتنا بأنفسنا لك، وثقتنا بما عندك. وفصل له: الحال فيما بيننا تحتمل الدالة، وتوجب الأنس والثقة، وبسط اللسان بالاستزادة، وأنا أمت إليك بالحرمة المتقدمة، والأسباب المؤكدة، التي تحل صاحبها محل خاصة الأهل والقرابة.
وفصل. لإبراهيم بن العباس: المودة يجمعنا حبلها، والصناعة تؤلفنا أسبابها، وما بين ذلك من تراخ في لقاء، أو تخلف قي مكاتبة، موضوع بيننا يجب العذر فيه. وفصل لسعيد بن عبد الملك: أنا صب إليك، سامي الطرف نحوك، وذكرك ملصق بلساني، واسمك حلو على لهواتي، وشخصك ماثل بين عيني، وأنت أقرب الناس من قلبي، أخذهم بمجامع هواي.
وفصل له: لنحن أحق بابتدائك بما ابتدأتنا به من الصلة، إلا أنك أحق بالفضل الذي سبقت إليه.
وفصل لسعيد بن حميد: إني أهديت مودتي إليك رغبة، ورضيت بالقبول منك مثوبة، فصرت بقبولها قاضيا لحق، ومالكا لرق، وصرت بالتسرع إلى الهدية، والتنظر للمثوبة، مرتهن اللسان بالجزاء، واليدين بالوفاء.

(2/60)

وفصل له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام، لأن النفس يقود بعضها بعضا. ولمحال أبو العتاهية:
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وللناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفصل ل: لساني رطب بذكرك، وقلبي معمور بمحبتك، حضرت أو غبت، سرت أو قمت، كقول معقل أخي أبي دلف:
لعمري لئن قرت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبين منك عيون
فسر أو أقم وقف عليك مودتي ... مكانك من قلبي عليك مصون
وفصل لإبراهيم بن المهدي: كتابي إليك كتاب مخبر وسائل؛ فأما الإخبار، فعن تصرف الخطوب بما يوجب العذر عنه صديقي العزي علي في إبطائي بالتعهد له، وأما السؤال، فعن إمساك هذا الأخ الودود المودود عن مثل ذلك؛ وإن العذر كاشف ما سلف، مصلح لما استؤنف.
فصول في الزيارة
كتب الحسين بن الحسن بن سهل إلى صديق له: نحن في مأدبة لنا تشرف على روضة تضاحك الشمس حسنا، قد باتت السماء تطلها، فهي شرقة بمائها، حالية بنوارها، فبادر إلينا لنكون على سواء من، استمتاع بعضنا ببعض. فكتب إليه: هذه صفة لو كانت في أقاصي الأطراف لوجب انتجاعها، وحث المطي في ابتغائها، فكيف في موضع أنت تسكنه، وتجمع إلى أنيق منظره، حسن وجهك، وطيب شمائلك، وأنا الجواب.
وفصل: كتب حكيم إلى حكيم: يا أخي، إن أيام العمر أقل من أن تحتمل الهجر، والسلام وفصل: كتب إسحاق بين إبراهيم الموصلي إلى أحمد بن يوسف في المصير إليه، وعند أحمد بن يوسف إبراهيم بن المهدي فكتب إليه: عندي من أنا عنده، وحجتنا عليك إعلامنا إياك.
وفصل: إنه من ظمىء شوقه من رؤيتك، استوجب الري من زيارتك. ثم كتب تحت هذا:
سر إلينا تفديك تفسي من السو ... ء فقد طال عهدنا بالتلاقي
واجعلن ذاك إن رأيت جوابي ... فلقد خفت سطوة الإشتياق
وفصل: إلى الله أشكو شدة الوحشة لغيبتك، وفرط الحزن من فراقك، وظلم الأيام بعدك، وأقول كما قال بعض المحدثين.
غضارة دنيا أظلم العيش بعدها ... وعند غروب الشمس يعرف فقدها
وفصل: الشوق إليك وإلى عهد أيامنا التي حسنت بك، حتى كأنها أعياد، وقصرت بك حتى كأنها ساعات، يفوت الصفات؛ ومما يجدده ويكثر دواعيه تصاقب الديار، وقرب الجوار، تمم الله لنا النعمة المجددة فيك بالنظر إلى الغرة المباركة، التي لا وحشة معها ولا أنس بعدها.
وفصل: مثلنا - أعزك الله - في قرب تجاورنا، وبعد تزاورنا، ما قيل في أهل القبور:
هم جيرة الأحياء أما مزارهم ... فدان، وأما الملتقى فبعيد
وكل علة معك محتملة، وكل جفوة مغفورة؛ للشغف بك، والثقة بحسن نيتك، وسنأخذ بقول أبي قيس بن الأسلت:
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتغفل عن إتيانهن فتعذر
وفصل: كتب حكيم إلى حكيم: يا أخي، إن أيام القمر أقل من أن تحتمل الهجر، والسلام وفصل: كتب أحمد بن يوسف: لا تجوز قطيعة الصديق، لأنها لا تخلو من أحد وجهن: إما ضعف في نفس الاختيار، وإما ملل. وكلاهما لا حجة فيه.
وفصل: طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند الالتقاء، وقد جعلك الله للسرور نظاما، ولأنس تماما، وجعل المشاهد موحشة إذا خلت منك. وكتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أوجب العذر في تراخي اللقاء ... ما توالى من هذه الأنواء
فسلام الإله أهديه مني ... كل يوم لسيد الوزراء
لست أدري ماذا أقول وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو على تلك بالثك ... ل وأدعو لهذه بالبقاء
وقال آخر:
أزور محمدا فإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور
فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد رضي الضمير عن الضمير
فصول في وصاة

(2/61)

كتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق في ابن، أبي الشيص: كتابي إليك خططته بيميني، وفرغت له ذهني، فما ظنك بحاجة هذا موقعها مني؟ أتراني أقبل العذر فيها، أو أقصر في الشكر عليها؟ وابن أبي الشيص قد عرفته وعرفت، نسبه وصفاته، ولو كانت أيدينا تنبسط ببره ما عدانا إلى غيرنا، فاكتف بهذا منا.
وفصل: كتابي إليك كتاب معني بمن كتب له، واثق بمن كتب إليه، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله.
وفصل: كتب العتابي فكاد أن يخل بالمعنى من شدة الاختصار، فكتب: حامل كتاب إليك أنا، فكن له أنا، والسلام.
وفصل للحسن بن سهل: فلان قد استغنى باصطناعك إياه عن تحريكي إياك في أمره، فإن الصنيعة حرمة للمصنوع إليه، ووسيلة إلى مصطنعه، فبسط الله يدك بالخيرات، وجعلك من أهلها، ووصل بك أسبابها.
وفصل له: موصك كتابي إليك أنا، فكن له أنا، وتأمله بعين مشاهدتي وخلتي، فلسانه أشكر ما آتيت إليه، وأذم ما قصرت فيه.
فصول في عتاب
كتب أحمد بن يوسف: لولا حسن الظن بك - أعزك الله - لكان في إغضائك عني ما يقبضني عن الطلبة إليك، ولكن أمسك برمق من الرجاء علمي برأيك في رعاية الحق، وبسط يدك إلى الذي لو قبضتها عنه لم يكن له إلا كرمك مذكرا، وسؤددك شافعا.
فصل: ما أبعد البرء من مريض داؤه في دوائه، وعلته في حميته، وأنا منك كالغاص بالماء لا مساغ له. وكما قال الشاعر:
كنت من كربتي أفر إليهم ... وهم كربتي، فأين الفرار؟
فصل: أنا منتظر واحدة من اثنتين: عتبى تكون منك، أو عتبى تغني عنك.
فصل: أما بعد فقد كنت لنا كلك، فاجعل لنا بعضك، ولا نرضى إلا بالكل لك منا فصل: أنا ابقي على ودك من عارض يغيره، أو عتاب يقدح فيه، وآمل عائدا من حسن رأيك يغني عن اقتضائك.
فصل: ألهمك الله من الرشد بحسب ما منحك من الفضل. ولو أن كل من نزع إلى الصرم قلدناه عنان الهجر لكنا أولى بالذنب منه، ولكنا نرد عليك من نفسك، ونأخذ لها منك.
فصل: لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين: أما بعد، فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، ابتدأني بلطف عن غير خبرة، وأعقبته جفاء من غير ذنب، فاطمعني أولك في إخائك، وآيسني أخرك من وفائك، فسبحان من لو شاء لكشف من أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
وفصل: إذا جعلت الظن شاهدا تعدل شهادته، بعد أن جعلته حكما يحيف في حكومته، فأين الموئل من جورك، ولست أسلك طريقا من العتب عليك، إلا سده ما أنطوى عليه من مودتك. ولا سبيل إلى شكايتك إلا إليك، ولا استعانة إلا بك، وما أحق من جعلك على أمره عونا أن تكون له إلى النجاح سببا. وقال الشاعر:
عجبت لقلبك كيف انقلب ... ومن طول ودك، أنى ذهب؟
وأعجب من ذا وذا أنني ... أراك بعين الرضا من الغضب
وفصل: إن مسألتي إليك حوائجي مع عتبك علي لمن اللؤم، خالط إمساكي عنها في حالة ضرورة إليها مع علمي بكرامك في السخط والرضا لعجز؛ غير أني أعلم أقرب الوسائل في طلب رضاك مساءلتك ما سنح من الحاجة، إذ كنت لا تجعل عتبك سببا لمنع معروفك.
وفصل: لو كانت الشكوك تحتلجني في صحة مودتك، وكريم إخائك، ودوام عهدك، لطال عتبي عليك في تواتر كتبي واحتباس جواباتها عني؛ ولكن الثقة بما تقدم عندي تعذرك، وتحسن ما يقبحه جفاؤك، والله يديم نعمته لك ولنا بك.
وفصل لابن المدبر: وصل كتابك المفتتح بالعتاب الجميل، والتقريع اللطيف: فلولا ما غلب علي من السرور بسلامتك، لتقطعت غما بعتابك الذي لطف حتى كاد يخفى عن أهل الرقة والفطنة، وغلظ حتى كاد يفهمه أهل الجهل والبله. فلا أعدمني الله رضاك مجازيا على ما استحقه عتبك، وأت ظالم فيه، فهو ولي المخرج منه. وقالت أبو الدرداء: عتاب الأخ خير من فقده وقال الشاعر:
إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب
وقال آخر في هذا المعنى:
إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب في كل يوم عليا

(2/62)

طلبت رضاك فإن عزني ... عددتك ميتا وإن كنت حيا
فلا تعجبن بما في يديك ... فأكثر منه الذي في يديا
وفصل في عتاب: العتاب قبل العقاب، فليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك.
وفصل: قد حميت جانب الأمل فيك، وقطعت أسباب الرجاء منك، وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك، فإن ترغب من الآن فصفح لا تثريب معه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.
فصول في التنصل
كتب ابن مكرم: لا وعظيم أملى فيك، ما أتيت فيما بيني وبينك ذنبا مخطئا ولا متعمدا، ولعل فلتة لم ألق لها بالا فأوطىء لها اعتذارا، وإن تكن فنفثة حاسد زخرفها على لسان واش نبذها إليك في بعض غراتك أصابت مني مقتلا، وشفت منه غليلا.
وفصل: ليس يزيلني عن حسن الظن بك فعل حملك الأعداء عليه، ولا يقطعني عن رجائك عتب حدث منك علي، بل أرجو أن يتقاضى كرمك إنجاز وعدك؛ إذ كان أبلغ الشفعاء إليك، وأوجب الوسائل لديك.
وفصل: أنت - أعزك الله - أعلم بالعفو والعقوبة من أن تجازيني بالسوء على ذنب لم أجنه بيد ولا لسان، بك جناه علي لسان واش. فأما قولك إنك لا تسفك سبيل العذر، فأنت أعلم بالكرم، وأرعى لحقوقه، وأعرف بالشرف، وأحفظ لذماماته من أن ترد يد مؤملك صفرا من عفوك إذا التمسه، ومن عذرك إذا جعل فضلك شافعا فيه، وذريعة له.
وفصل لإبراهيم بن العباس: الكريم أوسع ما تكون مغفرته، إذا ضاقت بالمذنب معذرته.
وفصل: يا أخي،، أشكو إلى الله وإليك تحامل الأيام علي، وسوء أثر الدهر عندي، وأني معلق في حبائل من لا يعرف موضعي، ولا يحلو عنده موقعي، أطلب منه الخلاص فيزيدني كلفا، وأرتجي منه الحق فيزداد به ضنا، فالثواء ثواء مقيم، والنية نية ظاعن، والزماع زماع مرتحل. ما أذهب إلى ناحية من الحيلة إلا وجدت من دونها مانعا من العوائق، فأحمل الذنب على الدهر، وارجع إلى الله بالشكوى وأسأله جميل العقبى، وحسن الصبر.
فصول في حسن التواصل
للمفضل أن يخص بفضله من شاء، وله الحمد فيما أعطى. ولا حجة عليه فيما منع و، كن كيف شئت، فإني قد أوليتك خالصة سريرتي، أرى ببقائك بقاء سروري، وبدوام النعمة عندك، دوامها عندي.
وفصل: قد أغنى الله بكرمك عن الذريعة إليك، والاستعانة عليك، لأن حسن الظن فيك، وتأميل نجح الرغبة إليك، فوق الشفعاء عندك.
وفصل: قد أفردتك برجائي بعد الله، وتعجلت راحة اليأس ممن يجود بالوعد، ويضن بالإنجاز، ويحسن الفضل ويزهد في أن يتفضل، ويعيب الكذب ولا يصدق. وفصل: ضعني - أكرمك الله - من نفسك حيث وضعت نفسي من رجائك، أصاب الله بمعروفك مواضعه، وبسط بكل خير يدك.
وفصل: لا أزال - أبقاك الله - أسأل الكتاب إليك. فمرة أتوقف توقف المخفف عنك من المؤونة، ومرة أكتب كتاب الراجع منك إلى الثقة، والمعتمد منك على المقة. لا أعدمنا الله دوام عزك، ولا سلب الدنيا بهجتها بك، ولا أخلانا من الصنع لك، فإنا لا نعرف إلا نعمتك، ولا نجد للحياة طعما إلا في ظلك، ولئن كانت الرغبة إلى نفر من الناس خساسة وذلا، لقد جعل الله الرغبة إليك كرامة وعزا، لأنك لا تعرف حرا قعد به دهره إلا سبقت مسألته بالعطية، وصنت وجهه عن الطلب والذلة.
وفصل: لي عليك حق التأميل في الزيادة بما ابتدأت من المعروف، ولك علي حق الاصطناع والفضل، والتنويه بالاسم والشكر، وليس يمنعني علمي بزيادة حقك على ما أبلغه من شكرك من مساءلتك المزيد، إذ كنت قد انتهيت إلى ما بلغه المجهود، وخرجت من منزله الإضاعة والتقصير؛ وإذ كنت تسمح بالحق عليك، وتطيب نفسا عن حقك، وتنكر اليسير، ولا تكفف أحدا شكرك على الكثير.
وفصل: لك - أصلحك الله - عندي أياد تشفع لي إلى محبتك، ومعروف يوجب عليك الرب والإتمام.
وفصل: أنا أسأل الله أن ينجز لي ما لم تزل الفراسة تعدنيه فيك.
وفصل: قد أجل الله قدرك عن الاعتذار، وأغناك في القول عن الاعتلال، وأوجب علينا أن نقنع بما فعلت، ونرضى بما أتيت، وصلت أو قطعت.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:23 pm

فصول في الشكر
كتب محمد بن عبد الملك الزيات كتابا عن المعتصم إلى عبد الله بن طاهر الخراساني، فكان في فصل منه: لو لم يكن من فضل الشكر إلا أنك لا تراه إلا بين نعمة مقصورة عليك، أو زيادة منتظرة لها الكفى. ثم قال لمحمد بن إبراهم بن زياد: كيف ترى؟ قال: كأنهما قرطان بينهما وجه حسن.
وفصل للحسن بن وهب: في شكرك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أفدته إياها، فإن شكري لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكت به، وقمت بين التلف وبينه. فلكل نعمة من نعم الدنيا حد تنتهي إليه، ومدى يوقف عنده، وغاية من الشكر يسمو إليها الطرف، خلا هذه النعمة التي قد فاقت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت كل قدر، وأتت من وراء كل غاية؛ ردت عنا كيد العدو، وأرغمت أنف الحسود، فنحن نلجأ منها إلى ظل ظليل، وكنف كريم. فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجتهد؟ وقال إبراهيم بن المهدي يشكر المأمون:
رددت مالي ولم تمنن علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي
فأبت منك وقد جعلتني نعما ... هي الحياتان من موت ومن عدم
فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي
ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم
البر بي منك وطي العذر عندك لي ... فيما أتيت فلم تعتب ولم تلم
وقام علمك بي يحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم
فصول في البلاغة
كتب الحسن بن وهب إلى إبراهيم بن العباس: وصل كتابك فما رأيت كتابا أسهل فنونا، ولا أملس متونا، ولا أكثر عيونا، ولا أحسن مقاطع ومطالع، منه؛ أنجزت فيه عدة الرأي، وبشرى الفراسة، وعاد الظن يقينا، والأمل مبلوغا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
فصل: الكلام كثيرة فنونه، قليلة عيونه؛ فمنه ما يفكه الأسماع، ويؤنس القلوب، ومنه ما يحمل الآذان ثقلا، ويملأ الأذهان وحشة.
فصول في المدح
وكتب ابن مكرم إلى أحمد بن المدبر: إن جميع أكفائك ونظرائك يتنازعون الفضل، فإذا انتهوا إليك أقروا لك، ويتنافسون في، المنازل، فإذا بلغوك وقفوا دونك فزادك الله وزادنا بك وفيك، وجعلنا ممن يقبله رأيك، ويقدمه اختيارك، ويقع من الأمور بموقع موافقتك، ويجري فيها على سبيل طاعتك.
وفصل له: إن من النعمة على المثنى عليك أنه لا يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير، ويأمن أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهي به المدح إلى غاية إلا وجد فضلك تجاوزها. ومن سعادة جدك أن الداعي لا يعدم كثرة المشايعين له، والمؤمنين منه وفصل: أن مما يطمعني في بقاء النعمة عندك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك، أنك أخذتها بحقها، واستوجبتها بما فيك من أسبابها؛ ومن شأن الأجناس أن تتألف، وشأن الأشكال أن تتقارب، وكل شيء يتقلقل إلى معدنه، ويحن إلى عنصره، فإذا صادف منيته، ونزل في مغرسه، ضرب بعرقه، وسفق بفرعه، وتمكن تمكن الإقامة، وتبنك تبنك الطبيعة.
وفصل: إني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الزاهر، والقمر الباهر، الذي لا يخفى على كل ناظر. وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت من الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
وفصل: لمحمد بن الجهم: إنك لزمت من الوفاء طريقة محمودة، وعرفت مناقبها، وشهرت بمحاسنها، فتنافس الإخوان فيك يبتدرون ودك، ويتمسكون بحبلك، فمن أثبت الله له عندك ودا فقد وضعت خلته موضع حرزها.
وفصل لابن مكرم: السيف العتيق إذا أصابه الصدا استغنى بالقليل من الجلاء حتى تعود جدته ويظهر فرنده، للين طبيعته، وكرم جوهره، ولم أصف نفسي لك عجبا بل شكرا.
وفصل له: زاد معروفك عندي عظما، أنه عندك مستور حقير، وعند الناس مشهور كبير. أخذه الشاعر فقال:

(2/64)

زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
وفصل العتابي: أنت أيها الأمير وارث سلفك، وبقية أعلام أهل بيتك، المسدود به ثلمهم، المجدد به قديم شرفهم، والمحيا به أيام سعيهم. وإنه لم يخمل من كنت وارثه، ولا درست آثار من كنت سالك سبيله، ولا انمحت أعلام من خلفته في رتبته.
فصول في الذم
كتب أحمد بن يوسف: أما بعد، فإني لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك، فالمعروف لديك ضائع، والشكر عندك مهجور؛ وإنما غايتك في المعروف أن تحقره، وفي وليه أن تكفره.
وكتب أبو العتاهية إلى الفضل بن معن بن زائدة: أما بعد، فإني توسلت في طلب نائلك بأسباب الأمل، وذرائع الحمد فرارا من الفقر، ورجاء للغنى، فازددت بهما بعدا مما فيه تقربت، وقربا مما فيه تبعدت. وقد قسمت اللائمة بيني وبينك؛ لأني أخطأت في سؤالك وأخطأت في منعي، أمرت باليأس من أهل البخل فسألتهم، ونهيت عن منع أهل الرغبة فمنعتهم. وفي ذلك أقول:
فررت من الفقر الذي هو مدركي ... إلى بخل محظور النوال منوع
فأعقبني الحرمان غب مطامعي ... كذلك من تلقاه غير قنوع
وغير بديع منع ذي البخل ماله ... كما بذل أهل الفضل غير بديع
إذا أنت كشفت الرجال وجدتهم ... لأعراضهم من حافظ ومضيع
وفصل لإبراهيم بن المهدي: أما بعد، فإنك لو عرفت فضل الحسن لتجنبت شين القبيح، ورأيتك آثر القول عندك ما يضرك، فكنت فيما كان منك ومنا، كما قال زهير بن أبي سلمى:
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
فصل: إن مودة الأشرار متصلة بالذلة والصغار، تميل معهما، وتتصرف في آثارهما. وقد كنت أحل مودتك بالمحل النفيس، وأنزلها بالمنزل الرفيع، حتى رأيت ذلتك عند الضعة، وضرعك عند الحاجة، وتغيرك عند الاستغناء، واطراحك لإخوان الصفاء، فكان ذلك أقوى أسباب عذري في قطيعتك عند من يتصفح أمري وأمرك بعين عدل، لا يميل إلى هوى ولا يرى القبيح حسنا.
فصل للعتابي: تأتينا إفاقتك من سكرتك، وترقبنا انتباهك من وقدتك، وصبرنا على تجرع الغيظ فيك. فها أنا قد عرفتك حق معرفتك في تعديك لطورك، وأطراحك حق من غلط في اختيارك.
فصول في الأدب
كتب سعيد بن حميد: إن من أمارات الحزم وصحة الرأي في الرجل تركه التماس ما لا سبيل إليه؛ إذ كان ذلك داعية لعناء لا ثمرة له، وشقاء لا درك فيه، وقد سمحت في أمر تخبرك أوائله عن أواخره، وينبيك بدؤه عن عواقبه، لو كان لهذا الخبر الصادق مستمع حازم. ورأيت رائد الهوى مال بك إلى هذا الأمر ميلا أيأس من رغب فيك، ودل عدوك على معايبك، وكشف له عن مقاتلك. ولولا علمي بأن غلظة الناصح تؤدي إلى نفع في اعتقاد صواب الرأي، لكان غير هذا القول أولى بك. والله يوفقك لما يحب، ويوفق لك ما تحب وفصل: أنت رجل لسانك فوق عقلك، وذكاؤك فوق عزمك، فقدم على نفسك من قدمك على نفسه.
وفصل: من أخطأ في ظاهر دنياه وفيما يؤخذ بالعين كان أحرى أن يخطىء في أمر دينه وفيما يؤخذ بالعقل.
وفصل: قد حسدك من لا ينام دون الشفاء، وطلبك من لا ينام دون الظفر، فاشدد حيازيمك وكن على حذر.
وفصل: قد آن أن تدع ما تسمع بما تعلم، ولا يكن غيرك فيما يبلغه أوثق من نفسك فيما تعرفه.
وفصل: لست بحال يرضى بها حر، ولا يقيم عليها كريم، وليس يرضى لك بهذا إلا من يبتغي لك أن ترضى به.
وفصل: أنت طالب مقيم، وأنا دافع مغرم، فإن كنت شاكرا فيما مضى، فاعذر فيما بقى.
وفصل: للعتابي، أما بعد، فإن قريبك من قرب منك خيره، وابن عمك من عمك نفعه، وعشيرك من أحسن عشرتك، وأهدى الناس إلى مودتك من أهدى بره إليك.

(2/65)

فصول إلى عليل
ليست حالي - أكرمك الله - في الاغتمام بعلتك حال المشارك فيها بأن ينالني نصيب منها وأسلم من أكثرها، بل اجتمع علي منها أني مخصوص بها دونك، مؤلم منها بما يؤلمك، فأنا عليل مصروف العناية إلى عليل، كأني سليم يسهر على سليم؛ فأنا أسأل الله الذي جعل عافيتي في عافيتك أن يخصني بها فيك، فإنها شاملة لي ولك. وفصل: إن الذي يعلم حاجتي إلى بقائك، قادر على المدافعة عن حوبائك. فلو قلت إن الحق قد سقط عني في عيادتك لأني عليل بعلتك، لقام لي بذلك شاهد عدل في ضميرك، وأثر باد في حالي لعينك. وأصدق الخبر ما حققه الأثر، وأفضل القول ما كان عليه دليل من العقل.
وفصل: لئن تخلفت عن عيادتك بالعذر الواضح من العفة لما أغفل قلبي ذكرك، ولا لساني فحصا عن خبرك، فحص من تقسم جوارحه وصبك، وزاد في ألمها ألمك، ومن تتصل به أحوالك في السراء والضراء. ولما بلغتني إفاقتك كتبت مهنئا بالعافية، معفيا من الجواب، إلا بخبر السلامة إن شاء الله.
ولأحمد بن يوسف: قد أذهب الله وصب العلة ونصبها، ووفر أجرها وثوابها، وجعل فيها من إرغام العدو بعقباها، أضعاف ما كان عنده من السرور بقبح أولاها.
فصول إلى خليفة وأمير
منها: كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، إن كل من عنيت به فكرتك فما هو إلا سعيد يوثر، أو شقي يوتر.
كتب الحسن بن لسهل يصف عقل المأمون: وقد أصبح أمير المؤمنين عمود السيرة، عفيف الطعمة، كريم الشيمة، مبارك الضريبة، محمود النقيبة، موفيا بما أخذ الله عليه، مضطلعا بما حمله منه، مؤديا إلى الله حقه، مقرا له بنعمته، شاكرا لآلائه، لا يأمر إلا عدلا، ولا ينطق إلا فصلا، راعيا لدينه وأمانته، كافا ليده ولسانه. وكتب محمد بن عبد الملك الزيات: إن حق الأولياء على السلطان تنفيذ أمورهم، وتقويم أودهم، ورياضة أخلاقهم، وأن يميز بينهم، فيقدم محسنهم، ويؤخر مسيئهم، ليزداد هؤلاء في إحسانهم، ويزدجر هؤلاء عن إساءتهم.
وفصل له: إن أعظم الحق حق الدين، وأوجب الحرمة حرمة المسلمين. فحقيق لمن راعى ذلك الحق وحفظ تلك الحرمة أن يراعى له حسب ما رعاه الله به، ويحفظ له حسب ما حفظ الله على يديه.
وفصل له: إن الله أوجب لخلفائه على عباده حق الطاعة والنصيحة، ولعبيده على خلفائه بسط العدل والرأفة، وإحياء السنن الصالحة. فإذا أدى كل إلى كل حقه. كان سببا لتمام المعونة، واتصال الزيادة، واتساق الكلمة، ودوام الألفة.
وفصل: ليس من نعمة يجددها الله لأمير المؤمنين في نفسه خاصة إلا اتصلت برعيته عامة، وشملت المسلمين كافة، وعظم بلاء الله عندهم فيها، ووجب عليهم شكره عليها؛ لأن الله جعل بنعمته تمام نعمتهم، وبتدبيره وذبه عن دينه حفظ حريمهم، وبحياطته حقن دمائهم وأمن سبيلهم. فأطال الله بقاء أمير المؤمنين، مؤيدا بالنصر، معززا بالتمكين، موصول البقاء بالنعيم المقيم.
فصل: الحمد لله الذي جعل أمير المؤمنين معقود النية بطاعته، منطوي القلب على مناصحته، مشحوذ السيف على عدوه؛ ثم وهب له الظفر، ودوخ له البلاد، وشرد به العدو، وخصه بشرف الفتوح شرقا وغربا، وبرا وبحرا.
وفصل: أفعال الأمير عندنا معسولة كالأماني، متصلة كالأيام، ونحن نواتر الشكر لكريم فعله، ونواصل الدعاء له مواصلة بره؛ إنه الناهض بكلنا، والحامل لأعبائنا، والقائم بما ناب من حقوقنا.

(2/66)

وفصل: أما بعد، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين كذا فأنكره، ولا يخلو من إحدى منزلتين ليس في واحدة منهما عذر يوجب حجة، ويزيل لائمة: إما تقصير في عمل دعاك للإخلال بالحزم والتفريط في الواجب، وإما مظاهرة لأهل الفساد ومداهنة لأهل الريب. وأية هاتين كانت منك لمحلة النكر بك، وموجبة العقوبة عليك، لولا ما يلقاك به أمير المؤمنين من الأناة والنظرة، والأخذ بالحجة، والتقدم في الإعذار والإنذار. وعلى حسب ما أقلت من عظيم العثرة يجب اجتهادك في تلافي التقصير والإضاعة، والسلام.
وكتب طاهر بن الحسين، حين أخذ بغداد، إلى إبراهيم بن المهدي: أما بعد، فإنه عزيز علي أن أكتب إلى أحد من بيت الخلافة بغير كلام الإمرة وسلامها، غير أنه بلغني عنك أنك مائل الهوى والرأي للناكث المخلوع، فإن كان كما بلغني فكثير ما كتبت به قليل لك، وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. وقد كتبت في أسفل كتابي أبياتا فتدبرها:
ركوبك الهول ما لم تلف فرصته ... جهل رمى بك بالإقحام تغرير
أهون بدنيا يصيب المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور
فازرع صوابا وخذ بالحزم حيطته ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير
فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور
وإن ظفرت على جهل ففزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير
فصل: للحسن بن وهب: أما بعد، فالحمد لله متمم النعم برحمته، الهادي إلى شكره بفضله، وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله، الذي جمع له من الفضائل ما فرقه في الرسل قبله، وجعل تراثه راجعا إلى من خصه بخلافته، وسلم تسليما.
فصول لعمرو بن بحر الجاحظ
منها فصول في عتاب: أما بعد، فإن المكافأة بالإحسان فريضة، والتفضل على غير، ذوي الإحسان نافلة.
أما بعد، فليكن السكوت على لسانك، إن كانت العافية من شأنك.
أما بعد، فلا تزهد فيمن رغب إليك فتكون لحظك معاندا، وللنعمة جاحدا.
أما بعد، فإن العقل والهوى ضدان، فقرين العقل التوفيق، وقرين الهوى الخذلان، والنفس طالبة، فبأيهما ظفرت كانت في حزبه.
أما بعد، فإن الأشخاص كالأشجار، والحركات كالأغصان، والألفاظ كالثمار.
أما بعد، فإن القلوب أوعية، والعقول معادن، فما في الوعاء ينفد إذا لم يمده المعدن.
أما بعد، فكفى بالتجارب تأديبا، وبتقلب الأيام عظة، وبأخلاق من عاشرت معرفة، وبذكرك الموت زاجرا.
أما بعد، فإن احتمال الصبر على لذع الغضب أهون من إطفائه بالشتم والقذع.
أما بعد، فإن أهل النظر في العواقب أولو الاستعداد للنوائب، وما عظمت نعمة امرىء إلا استغرقت الدنيا همته، ومن فرغ لطلب الآخرة شغله جعل الأيام مطايا عمله، والآخرة مقيل مرتحله.
أما بعد، فإن الاهتمام بالدنيا غير زائد في الرزق والأجل، والاستغناء غير ناقص للمقادير.
أما بعد، فإنه ليس كل من حلم أمسك، وقد يستجهل الحليم حين يستخفه الهجر.
أما بعد: فإن أحببت أن تتم لك المقة في قلوب إخوانك، فاستقل كثيرا مما توليهم.
أما بعد، فإن أنظر الناس في العاقبة من لطف حتى كف حرب عدوه بالصفح والتجاوز، واستل حقده بالرفق والتحبب.
وكتب إلى أبي حاتم السجستاني، وبلغه عنه أنه نال منه: أما بعد، فلو كففت عنا من غربك لكنا أهلا لذلك منك، والسلام. فلم يعد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح: وله فصول في وصاة: أما بعد، فإن أحق في أسعفته في حاجته، وأجبته إلى طلبته، من توسل إليك بالأمل، ونزع نحوك بالرجاء.
أما بعد، فما أقبح الأحدوثة من مستمنح حرمته، وطالب حاجة رددته، ومثابر حجبت، ومنبسط إليك قبضته، ومقبل إليك بعنانه لويت عنه. فتثبت في ذلك، ولا تطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنميم.

(2/67)

أما بعد، فإن فلانا أسبابه متصلة بنا، يلزمنا ذمامه عندنا بلوغ موافقته من أياديك، وأنت لنا موضع الثقة من مكافأته. فأولنا فيه ما نعرف به موقعنا من حسن رأيك، ويكون مكافأة لحقه علينا.
أما بعد، فقد أتانا كتابك في فلان، وله لدينا من الذمام ما يلزمنا مكافأته ورعاية حقه، ونحن من العناية بأمره على ما يكافى حرمته، ويؤدي شكره.
وله فصول في استنجاز وعد: أما بعد، فقد رسفنا في قيود مواعيدك، وطال مقامنا في سجون مطلك، فأطلقنا - أبقاك الله - من ضيقها وشديد غمها، بنعم منك مثمرة أو لا، مريحة.
أما بعد، فإن شجرة مواعيدك قد أورقت، فليكن ثمرها سالما من جوائح المطل.
أما بعد، فإن سحاب وعدك قد برقت، فليكن وبلها سالما من صواعق المطل والاعتلال.
وله فصول في الاعتذار: أما بعد، فنعم البديل من الزلة الاعتذار، وبئس العوض من التوبة الإصرار.
أما بعد، فإن أحق من عطفت عليه بحلمك من لم يتشفع إليك بغيرك.
أما بعد، فإنه لا عوض من إخائك، ولا خلف من حسن رأيك، وقد انتقمت مني في زلتي بجفائك، فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك.
أما بعد، فإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك، وغاية عفوك، ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك.
أما بعد، فإن من جحد إحسانك بسوء مقالته فيك مكذب نفسه بما يبدو للناس أما بعد، فقد مسني من الألم بقطيعتك ما لا يشفيه غير مواصلتك، مع حبسك الاعتذار من هفوتك؛ لكن ذنبك تغتفره مودتك، فان علينا بصلتك تكن بدلا من مساءتك، وعوضا من هفوتك.
أما بعد، فلا خير فيمن استغرقت موجدته عليك قدر لي عنده، ولم يتسع لهنات الإخوان صدره.
أما بعد، فإن أولى الناس عندي بالصفح من أسلمه إلى ملكك التماس رضاك من غير مقدرة منك عليه.
أما بعد، فإن كنت ذممتني على الإساءة فلم رضيت لنفسك المكافأة.
وله فصول في التعازي: أما بعد، فإن الماضي قبلك الباقي لك، والباقي بعدك المأجور فيك، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
أما بعد، فإن في الله العزاء من كل هالك، والخلف من كل مصاب، وإن من لم يتعز بعزاء الله تنقطع نفسه على الدنيا حسرة.
أما بعد، فإن الصبر يعقبه الأجر، والجزع يعقبه الهلع فتمسك بحظك من الصبر تنل به الذي تطلب؛ وتدرك به الذي تأمل.
أما بعد، فقد كفى بكتاب الله واعظا، ولذوي الألباب زاجرا، فعليك بالتلاوة تنج مما أوعد الله به أهل المعصية.
صدور إلى خليفة: وفق الله أمير المؤمنين بالظفر فيما قلد وأيده، وأصلح به وعلى يديه - أكرم الله أمير المؤمنين بالظفر، وأيده بالنصر قي دوام نعمته، وحاط الرعية بطول مدته.
صدور إلى ولي عهد: متع الله أمير المؤمنين بطول مدة الأمير، وأجرى على يديه فعل الجميل، وانس بولايته المؤمنين - مد الله للأمير النعمة، وأسعد بطول عمره الأمة، وجعله غياثا ورحمة - أكمل الله له الكرامة، وحاطه بالنعمة والسلامة، ومتع به الخاصة والعامة - متع الله بسلامتك أهل الحرمة، وجمع لك شمل الأمة. واستعملك بالرأفة والرحمة.
صدور إلى ولي شرطة: أنصف الله بك المظلوم، وأغاث بك الملهوف، وأيدك بالتثبت، ووفقك للصواب - أرشدك الله بالتوفيق، وأنطقك بالصواب، وجعلك عصمة للدين، وحصنا للمسلمين - أعانك الله على ما قلدك، وحفظ لك ما استعملك بما يرضي من فعلك - سددك الله وأرشدك، وأدام لك فضل ما عودك - زادك الله شرفا في المنزلة، قدرا في قلوب الأمة، وزلفة عند الخليفة - نصر الله بعدلك المظلوم، وكشف بك كربة الملهوف، وأعانك على أداء الحقوق.
صدور إلى قاضي: ألهمك الله الحجة، وأيدك بالتثبت، ورد بك الحقوق. - ألهمك الله الاعتصام بحبله بالعلم، والتثبت في الحكم - ألهمك الله الحكمة وفصل الخطاب، وجلك إماما لذوي الألباب - زين الله بفضلك الزمان، وأنطق بشكرك اللسان، وبسط يدك في اصطناع المعروف، وأدام الله لك الإفضال، وحقق فيك الآمال.

(2/68)

صدور إلى عالم: جعل الله لك العلم نورا في الطاعة، وسببا إلى النجاة، وزلفة عند الله - نفع الله بعلمك المستفيدين، وقضى بك حوائج المتحرمين، وأوضح بك سنن الدين، وشرائع المسلمين - أدام الله لك التطول بإسعاف الراغب، وأنجح بك حاجة الطالب، وأمنك مكروه العواقب.
صدور إلى أخوان: متع الله أبصارنا برؤيتك، وقلوبنا بدوام الفتك، ولا أخلانا من جميل عشرتك، ووهب لك من كريم نفسك بحسب ما تنطوي عليه مودتك، وأبهج الله إخوانك بقربك، وجمع ألفتهم بالأنس بك، وصرف الله عن ألفتنا عواقب القدر، وأعاذ صفو إخائنا من الكدر، وجعلنا ممن أنعم الله عليه فشكر - من الله علينا بطول مدتك، وآنس أيامنا بمواصلتك، وهنأنا النعمة بسلامتك - قرب الله منا ما كنا نأمل منك، وجمع شمل السرور بك - نزه الله بقربك القلوب، وبرؤيتك الأبصار، وبحديثك الأسماع - أقبل الله بك على أودائك، ولا ابتلاهم بطول جفائك - أدال الله حرصنا من فتورك عنا، ورغبتنا فيك من تقصيرك في أمورنا - حفظ الله لنا منك ما أوحشنا فقده، ورد إلينا ما كنا نألفه ونعهده - رحم الله فاقة الحنين إليك، وما بي من تباريح الحزن عليك، وجعل حرمتنا منك، الشفيع لديك - يسر الله لنا من صفحك ما يسع تقصيرنا، ومن حلمك ما يرد سخطك عنا زين الله ألفتنا بمعاودة صلتك، واجتماعنا بزيارتك - أعاد الله علينا من إخائك وجميل رأيك ما يكون معهودا منك، ومألوفا لك.
صدور في عتاب: أنصف الله شوقنا إليك من جفائك لنا، وأخذ لبرنا بك من تقصيرك عنا.
وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص، وبلغه عنه أمر: وفقك الله لرشدك.
بلغني كلامك فإذا أوله بطر، وآخره خور، ومن أبطره الغنى أذله الفقر، وهما ضدان مخادعان للمرء عن عقله، وأولى الناس بمعرفة الدواء من يبين له الداء، والسلام. فأجابه: طاولتك النعم وطاولت بك. علو إنصافك يؤمن سطوة جورك، ذكرت أني نطقت بما تكره، وأنا مخدوع، وقد علمت أني ملت إلى محبتك ولم أخدع، ومثلك من شكر سعي معتذر، وعفا زلة معترف.
كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء
وتواريخهم وأيامهم
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه رحمه الله: قد مضى لنا قولنا في التوقيعات والفصول والصدور والكتابة، وهذا كتاب ألفناه في أخبار الخلفاء وتواريخهم وأيامهم، وأسماء كتابهم وحجابهم.
أخبار الخلفاء
نسب المصطفى
صلى الله عليه وسلم
روى أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف عن أشياخه: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن اليأس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب.
مولد النبي
صلى الله عليه وسلم - قالوا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت
من ربيع الأول. وقال بعضهم: لليلتين خلتا منه. وقال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين يوما. فهذا جمع ما اختلفوا فيه عن مولده. وأوحى الله إليه وهو ابن أربعين عاما. وأقام بمكة عشرا، وبالمدينة عشرا. وقال ابن عباس: أقام بمكة خمس عشرة وبالمدينة عشرا. والمجمع عليه أنه أقام بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرا.
اليوم والشهر الذي هاجر فيه صلى الله عليه وسلم - هاجر إلى المدينة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول. ومات يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول، اليوم والشهر الذي هاجر فيه صلى الله عليه وسلم.
جعلنا الله ممن يرد حوضه، وينال مرافقته في أعلى عليين من درجات الفردوس، وأسأل الله الذي جعلنا من أمته ولم نره أن يتوفانا على ملته، ولا يحرمنا رؤيته في الدنيا والآخرة.

(2/69)

صفة النبي صلى الله عليه وسلم - ربيعة بن أبي، عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض، مشربا حمرة، ضخم الرأس، أزج الحاجبين، عظيم العينين، أدعج أهدب، شثن الكفين والقدمين. إذا مشى تكفأ كأنما ينحط من صبب، ويمشي في صعد كأنما يتقلع من صخر. إذا التفت التفت جميعا. ليس بالجعد القطط ولا السبط. ذا وفرة إلى شحمة أذنيه. ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتطامن. عرفه أطيب من المسك الأذفر. لم تلد النساء قبله ولا بعده مثله. بين كتفيه خاتم النبوة كبيضة الحمامة. لا يضحك إلا تبسما. في عنفقته شعرات بيض لا تكاد تبين. وقال أنس بن مالك: لم يبلغ الشيب الذي كان برسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين شعرة. وقيل له: يا رسول الله، عجل عليك الشيب. قال: شيبتني هود وأخواتها.
هيئة النبي وقعدته
صلى الله عليه وسلم - كان صلى الله عليه وسلم يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض،
ويمشي في الأسواق، ويلبس العباءة، ويجالس المساكين، ويقعد القرفصاء، ويتوسد يده، ويلعق أصابعه، ولا يأكل متكئا، ولم يرقط ضاحكا ملء فيه. وكان يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدى إلي كراع لقبلت.
شرف بيت النبي صلى الله عليه وسلم - قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا سيد البشر ولا فخر، وأنا أفصح العرب، وأنا أول من يقرع باب الحنة، وأنا أول من ينشق عنه التراب. دعا لي إبراهيم، وبشر بي عيسى، ورأت أمي حين وضعتني نورا أضاء لها ما بين المشرق والمغرب. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقا فجعلني في خيرهم فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت، فأنا خيركم بيتا وخيركم نسبا. وقال صلى الله عليه وسلم. أنا ابن الفواطم والعواتك من سليم، واسترضعت في بني سعد بن بكر. وقال: نزل القرآن بأعرب اللغات، فلكل العرب فيه لغة، ولبني سعد بن بكر سبع لغات. وبنو سعد ابن بكر بن هوازن أفصح العرب، فهم من الأعجاز، وهي قبائل من مضر متفرقة، وكانت ظئر النبي صلى الله عليه وسلم التي أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب، من بني ناصرة بن قصية بن نصر، بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوته في الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وخذامة بنت الحارث، وهي التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم في أسرى حنين، فبسط لها رداءه ووهب لها أسرى قومها. والعواتك من سليم ثلاث: عاتكة بنت مرة ابن هلال، ولدت هاشما وعبد شمس ونوفلا، وعاتكة بنت الأوقص بن هلال، ولدت وهب بن عبد مناف بن زهرة؟ وعاتكة بنت هلال بن، فالج. وقال علي للأشعث إذ خطب إليه: أغرك ابن أبي قحافة إذ زوجك أم فروة، وإنها لم تكن من الفواطم من قريش، ولا العواتك من سليم.
أبو النبي
صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عبد المطلب، ولم يكن له ولد غيره، صلى الله عليه وسلم، وتوفي وهو في بطن أمه. فلما ولد كفله جده عبد المطلب إلى أن توفي، فكفله عمه أبو طالب، وكان أخا عبد الله لأمه وأبيه، فمن ذلك كان أشفق أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وأولاهم به. وأما أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وعماته، فإن عبد المطلب بن هاشم كان له من الولد لصلبه عشرة من الذكور وستة من الإناث. وأسماء بنيه: عبد الله، والد النبي عليه الصلاة والسلام، والزبير، وأبو طالب، واسمه عبد مناف، والعباس، وضرار، وحمزة، والمقوم، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، والحارث، والغيداق، واسمه حجل، وقال نوفل. وأسماء بناته، عمات النبي صلى الله عليه وسلم: عاتكة، والبيضاء، وهي أم حكيم، و برة، وأميمة، وأروى، وصفية.
ولد النبي
صلى الله عليه وسلم - ولد له من خديجة: القاسم والطيب وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم. وولد له من مارية القبطية: إبراهيم. فجميع ولده من خديجة غير إبراهيم.
أزواجه

(2/70)

صلى الله عليه وسلم - أولهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ولم يتزوج عليها حتى ماتت. ثم تزوج سودة بنت زمعة، وكانت تحت السكران بن عمرو، وهو من مهاجرة الحبشة، فمات ولم يعقب، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعده. ثم تزوج عائشة بنت أبي بكر بكرا، ولم يتزوج بكرا غيرها، وهي ابنة ست، وابتنى عليها ابنة تسع، وتوفي عنها وهي ابنة ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده إلى أيام معاوية، وماتت سنة ثمان وخمسين وقد قاربت السبعين، ودفنت ليلا بالبقيع، وأوصت إلى عبد الله بن الزبير. وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى، ولا عقب له. ثم تزوج زينب بنت خزيمة، من بني عامر بن صعصعة، وكانت تحت عبيدة بن الحارث ابن عبد المطلب، أول شهيد كان ببدر. ثم تزوج زينب بنت جحش الأسدية، وهي بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أول من مات من أزواجه في خلافة عمر. ثم تزوج أم حبيبة؛ واسمعها رملة بنت أبي سفيان، وهي أخت معاوية، وكانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، فتنصر ومات بأرض الحبشة. وتزوج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وكانت تحت أبي سلمة، فتوفي عنها وله منها أولاد، وبقيت إلى سن تسع وخمسين. وتزوج ميمونة بنت الحارث، من بني عامر بن صعصعة، وكانت تحت أبي رهم العامري. وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب النضرية، وكانت تحت رجل من يهود خيبر، يقال له كنانة، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقه وسبى أهله. وتزوج جويرية بنت الحارث، وكانت من سبي بني المصطلق. وتزوج خولة بنت حكيم، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. وتزوج امرأة يقال لها عمرة، فطلقها ولم يبن بها، وذلك أن أباها قال له: وأزيدك أنها لم تمرض قط. فقال: ما لهذه عند الله من خير، فطلقها. وتزوج امرأة يقال لها: أميمة بنت النعمان، فطلقها قبل أن يطأها. وخطب امرأة من بني مرة بن عوف، فرده أبوها، وقال: إن بها برصا. فلما رجع إليها وجدها برصاء.
كتاب النبي
صلى الله عليه وسلم وخدامه - كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ارتد ولحق بمكة مشركا. وحاجبه: أبو أنسة، مولاه، وخادمه: أنس بن مالك الأنصاري، ويكنى أبا حمزة. وخازنه على خاتمه: معيقيب بن أبي فاطمة. ومؤذناه: بلال وابن أم مكتوم. وحراسه: سعد بن زيد الأنصاري، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص. وخاتمه فضة، وفصه حبشي مكتوب عليه: محمد رسول الله، في ثلاثة أسطر: محمد، سطر، ورسول، سطر، والله، سطر. وفي حديث أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم: وبه تختم أبو بكر وعمر، وتختم به عثمان ستة أشهر، ثم سقط منه في بئر ذي أروان، فطلب فلم يوجد.
وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم - توفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحفر له تحت فراشه في بيت عائشة. وصلى عليه المسلمون جميعا بلا إمام، الرجال ثم النساء ثم الصبيان، ودفن ليلة الأربعاء في جوف الليل، ودخل القبر علي، والفضل وقثم، ابنا العباس، وشقران مولاه، ويقال: أسامة بن زيد، وهم تولوا غسله وتكفينه وأمره كله، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. واختلف في سنه. فقال عبد الله ابن عباس وعائشة وجرير بن عبد الله ومعاوية: توفي وهو ابن ستين سنة. وقال عروة بن الزبير وقتادة: اثنتين وستين سنة.
نسب أبي بكر الصديق وصفته
رضي الله عنه
هو عبد الله بن أبي قحافة، واسم أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
وكاتبه: عثمان بن عفان. وحاجبه: رشيد، مولاه. وقيل: كتب له زيد بن ثابت أيضا. وعلى أمره كله وعلى القضاء عمر بن الخطاب، وعلى بيت المال أبو عبيدة بن الجراح، ثم وجهه إلى الشام. ومؤذنه: سعد القرظ، مولى عمار بن ياسر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:25 pm

قيل لعائشة: صفي لنا أباك. قالت: كان أبيض، نحيف الجسم، خفيف العارضين، أحنى لا يستمسك إزاره، معروق الوجه، غائر العينين، ناتىء الجبهة، عاري الأشاجع، أقرع. وكان عمر بن الخطاب أصلع. وكان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم. وقال أبو جعفر الأنصاري: رأيت أبا بكر كأن لحيته ورأسه جمر الغضى. وقال أنس بن مالك قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر. فغلفها بالحناء والكتم.
وتوفي مساء ليلة الثلاثاء، لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة من التاريخ. فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال. وكان نقش خاتم أبي بكر: نعم القادر الله.
خلافة أبي بكر رضي الله عنه - شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس: قالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر، ففعلت حفصة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه! إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس.
أبو جعدة عن الزبير قال: قالت حفصة: يا رسول الله، إنك مرضت فقدمت أبا بكر. قال: لست الذي قدمته، ولكن الله قدمه.
أبو سلمة عن إسماعيل بن مسلم عن أنس قال. صلى أبو بكر بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم مريض ستة أيام.
النضر بن إسحاق عن الحسن قال: قيل لعلي: علام بايعت أبا بكر؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت فجأة، كان يأتيه بلال في كل يوم في مرضه يؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وقد تركني وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي المسلمون لدنياهم من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينهم، فبايعوه وبايعته.
ومن حديث الشعبي قال: أول من قدم مكة، بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر، عبد ربه بن قيس بن السائب المخزومي، فقال له أبو قحافة: من ولي الأمر بعده؟ قال: أبو بكر ابنك. قال: فرضي بذلك بنو عبد مناف؟ قال: نعم. قال: لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله.
جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف لقي رجلا في بعض طر مقبلا من المدينة، فقال له مات محمد؟ قال: نعم. قال: فمن قام مقامه؟ قال: بكر. قال أبو سفيان: فما فعل المستضعفان علي والعباس؟ قال: جالسين. قال: أما والله لئن بقيت لهما لأرفعن من أعقابهما، ثم قال: إني أرى غيرة لا يطفئها إلا دم. فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول:
بني هاشم لا تطمع الناس فيكم ... ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر إلا فيكم وإليكم ... وليس لها إلا أبو حسن على
فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قد قدم وهو فاعل شرا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستألفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة، ففعل. فرضي أبو سفيان وبايعه.
سقيفة بني ساعدة
أحمد بن الحارث عن أبي الحسن عن أبي معشر عن المقبري: أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قبضه الله إليه، إذ جاء معن بن عدي وعويم ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة إن يغلقه الله بك، هذا سعد بن عبادة والأنصار يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتى جاءوا سقيفة بني ساعدة وسعد على طنفس متكئا على وسادة، وبه الحمى، فقال له أبو بكر: ماذا ترى أبا ثابت؟ قال: أنا رجل منكم. فقال حباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري في الأنصاري شيئا رد عليه، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئا رد عليه، وإن لم تفعلوا فأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، لنعيدنها جذعة.

(2/72)

قال عمر: فأردت أن أتكلم، وكنت زورت كلاما في نفسي. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فما ترك كلمة كنت زورتها في نفسي إلا تكلم بها، وقال: نحن المهاجرون، أول الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأمسهم برسول الله صلى الله عليه وسلم رحما، وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم الله به، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعنى عمر ابن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح - فقال عمر: يكون هذا وأنت حي! ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضرب على يده فبايعه، وبايعه الناس وازدحموا على أبي بكر. فقالت الأنصار: قتلتم سعدا. فقال عمر: اقتلوه قتله الله، فإنه صاحب فتنة. فبايع الناس أبا بكر، وأتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي: ما هذا؟ قال العباس: ما رئي مثل هذا قط، أما قلت لك! ومن حديث النعمان بن بشير الأنصاري: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم الناس من يقوم بالأمر بعده، فقال قوم: أبو بكر، وقال قوم: أبي بن كعب. قال النعمان بن بشير: فأتيتا أبيا فقلت: يا أبي، إن الناس قد ذكروا أن رسول صلى الله عليه وسلم يستخلف أبا بكر أو إياك، فانطلق حتى ننظر في هذا الأمر. فقال: إن عندي في هذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما أنا بذاكره حتى يقبضه الله إليه، ثم انطلق. وخرجت معه حتى دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصبح، وهو يحسو حسوا في قصعة مشعوبة. فلما فرغ أقبل على أبي فقال: هذا ما قلت لك. قال: فأوص بنا. فخرج يخط برجليه حتى صار على المنبر، ثم قال: يا معشر المهاجرين، إنكم أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار كما هي لا تزيد،ألا وإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولى من أمرهم شيئا فليقبل من محسنهم، وليعف عن مسيئهم، ثم دخل. فلما توفي قيل لي: هاتيك الأنصار مع سعد بن عبادة يقولون: نحن الأولى بالأمر، والمهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم. فأتيت أبيا فقرعت بابه، فخرج إلي ملتحفا، فقلت: ألا أراك إلا قاعدا ببيتك مغلقا عليك بابك وهؤلاء قومك من بني ساعدة ينازعون المهاجرين، فأخرج إلى قومك. فخرج، فقال: إنكم والله ما أنتم من هذا الأمر في شيء، إنه لهم دونكم، يليها من المهاجرين رجلان، ثم يقتل الثالث، وينزع الأمر فيكون هاهنا، وأشار إلى الشام، وإن هذا الكلام لمبلول بريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أغلق بابه ودخل. ومن حديث حذيفة قال: كنا جلوسا عند رسول الله عظيم، فقال: إني لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه. الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر - في والعباس والزبير وسعد بن عبادة. فأما علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر ابن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقالت: يا بن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة. فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي.

(2/73)

ومن حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة، وذلك لستة أشهر من موت أبيها صلى الله عليه وسلم. فأرسل علي إلى أبي بكر، فأتاه في منزله فبايعه، وقال: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا، وما ننكر فضلك. وأما سعد بن عبادة فإنه رحل إلى الشام. أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي قال: بث عمر رجلا إلى الشام، فقال: ادعه إلى البيعة واحمل له بكل ما قدرت عليه، فإن أي فاستعن الله عليه. فقدم الرجل الشام، فلقيه بحوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني! قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم، فقتله. ميمون بن مهران عن أبيه قال: رمي سعد بن عبادة في حمام بالشام، فقتل. سعيد بن أبي عروبة عن ابن سيرين قال: رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده. فمات، فبكته الجن، فقالت:
وقتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عبادة
ورميناه بسهمي ... ن فلم نخطىء فؤاده

(2/74)

فضائل أبي بكر رضي الله عنه - محمد بن المنكدر قال: نازع عمر أبا بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركوني وصاحبي؟ إن الله بعثني بالهدى ودين الحق إلى الناس كافة، فقالوا جميعا: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجليسه في الغار، وأول من صلى معه أمن به واتبعه. وقال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا. يريد بلالا. وكان بلال عبدا لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان من مولدي مكة، أبوه رباح، وأمه حمامة. وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من أول من قام معك في هذا الأمر؟ قال: حر وعبد. يريد بالحر أبا بكر، وبالعبد بلالا. وقال بعضهم: علي وخباب. أبو الحسن المدائني قال: دخل هارون الرشيد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى مالك بن أنس، فقيه المدينة، فأتاه وهو واقف بين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنبر، فلما قام بين يديه وسلم عليه بالخلافة، قال: يا مالك، صف لي مكان أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا. فقال: مكانهما منه يا أمير المؤمنين كمكان قبريهما من قبره. فقال: شفيتني يا مالك: الشعبي عن أبي سلمة: إن عليا سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: على الخبير سقطت، كانا والله إمامين صالحين مصلحين، خرجا من الدنيا خميصين. وقال علي بن أبي طالب: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثنى أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة عمياء كما شاء الله. وقالت عائشة: توفي رسول الله عظيم بين سحري ونحري، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهدها، اشرأب النفاق، وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في لفظة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام. عمرو بن عثمان عن أبيه عن عائشة، أنه بلغها أن أناسا يتناولون من أبيها، فأرسلت إليهم، فلما حضروا قالت: إن أبي والله لا تعطوه الأيدي، طود منيف، وظل ممدود، أنجح إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد. فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا. يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب صدعها، ويلم شعثها. فما برحت شكيمته في ذات الله تشتد حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون. وكان وقيد الجوامح، عزير الدمعة، شجي النشيج. وأصفقت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به، والله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، وأكبرت ذلك رجالات قريش، فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا قناة، حتى ضرب الحق بجرانه، وألقى بركه، ورست أوتاده. فلما قبض الله نبيه ضرب الشيطان رواقه، ومد طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، فقام الصديق حاسرا مشمرا. فرد نشر، الإسلام على غره، وأقام أوده بثقافه، فابذعر النفاق بوطئه، وانتاش الناس بعدله، حتى أراح الحق على أهله، وحقن الدماء في أهبها. ثم أتته منيته، فسد ثلمته نظيره في المرحمة، وشقيقه في المعدلة، ذلك ابن الخطاب. لله در أم حفلت له ودرت عليه. ففتح الفتوح، وشرد الشرك، وبعج الأرض، فقاءت أكلها، ولفظت جناها؟ ترأمه ويأباها، وتريده ويصدف عنها، ثم تركها كما صحبها. فأروني ما ترتابون؛ وأي يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي، هذا واستغفر الله لي ولكم.
وفاة أبي بكر الصديق
رضي الله عنه
الليث بن سعد عن الزهري قال: أهدي لأبي بكر طعام وعنده الحارث ابن كلدة فأكلا منه، فقال الحارث: أكلنا سم سنة، وإني وإياك لميتان عند رأس الحول

(2/75)

فماتا جميعا في يوم واحد عند انقضاء السنة. وإنما سمته يهود كما سمت النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر في ذراع الشاة. فلما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة قال: ما زالت أكله خيبر تعاودني حتى قطعت أبهري. وهذا مثل ما قال الله تعالى " ثم لقطعنا منه الوتين " . والأبهر والوتين: عرقان في الصلب إذا انقطع أحدهما مات صاحبه. الزهري عن عروة عن عائشة قالت: اغتسل أبو بكر يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوما باردا، فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر يصلي بالناس. وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ. وغسلته امرأته أسماء بنت عميس. وصلى عليه عمر بن الخطاب بين القبر والمنبر، وكبر أربعا. الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما توفى أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح، فبلغ ذلك عمر فنهاهن، فأبين. فقال لهشام بن الوليد: أخرج إلي بنت أبي قحافة، فأخرج إليه أم فروة، فعلاها بالدرة ضربا، فتفرقت النوائح. وقالت عائشة وأبوها يغمض، رضي الله عنه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل
قالت عائشة: فنظر إلي وقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أغمي عليه. فقالت:
لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إلي كالغضبان وقال: قولي: " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد " ثم قال: انظروا ملاءتين خلقين فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
عروة بن الزبير والقاسم بن محمد قالا: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفى حفر له وجعل رأسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأس عمر عند حقوي أبي بكر. وبقي في البيت موضع قبر. فلما حضرت الوفاة الحسن بن علي أوصى بأن يدفن مع جده في ذلك الموضع. فلما أراد بنو هاشم أن يحفروا له منعهم مروان، وهو والي المدينة في أيام معاوية. فقال أبو هريرة: علام تمنعه أن يدفن مع جده؟ فأشهد لقد سمعت رسول الله عليه يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. قال له مروان: لقد ضيع الله حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يروه غيرك. قال: أنا والله لقد قلت ذلك، لقد صحبته حتى عرفت من أحب ومن أبغض، ومن نفى ومن أقر، ومن دعا له ومن دعا عليه. قال: وسطح قبر أبي بكر كما سطح قبر النبي صلى الله عليه وسلم ورش بالماء.

(2/76)

هشام بن عروة عن أبيه: إن أبا بكر صلي عليه ليلا ودفن ليلا. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة، ولها مات النبي صلى الله عليه وسلم. وعاش أبو قحافة بعد أبي بكر أشهرا وأياما، ووهب نصيبه في ميراثه لولد أبي بكر. وكان نقش خاتم أبي بكر: نعم القادر الله. ولما قبض أبو بكر سجى بثوب، فارتجت المدينة من البكاء، ودهش القوم كيوم قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول. رحمك الله أبا بكر، كنت والله أول القوم إسلاما، وأصدقهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأعظمهم غناء، واحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام، وأحماهم عن أهله، وأنسبهم برسول الله خلقا وفضلا وهديا وسمتا؛ فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا. صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وسماك الله في كتابه صديقا، فقال: " والذي جاء بالصدق وصدق به " يريد محمدا ويريدك. كنت والله للإسلام حصنا، وللكافرين ناكبا، لم تضلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك. كنت كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعيفا في بدنك، قويا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض، كبيرا عند المؤمنين. لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى، فالضعيف عندك قوي، والقوي عندك ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي وتأخذه للضعيف، فلا حرمك الله أجرك، ولا أضلنا بعدك. القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي توفي فيه فقالت: يا أبت، اعهد إلى خاصتك، وأنفذ رأيك في عامتك، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك، إنك محضور ومتصل بي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك وانتقاع لونك، فإلى الله تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك. أرقأ فلا أرقأ، وأشكو فلا أشكى. قال: فرفع رأسه، وقال: يا أمه، هذا يوم يخلى لي فيه عن غطائي، وأشاهد جزائي؛ إن فرحا فدائم، وان ترحا فمقيم. إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم حين كان النكوص إضاعة، والخزل تفريطا؛ فشهيدي الله، ما كان بقلبي إلا إياه، فتبلغت بصحفتهم، وتعللت بدرة لقحتهم، فأقمت صلاي معهم، لامختالا أشرا، ولا مكاثرا بطرا. لم أعد سد الجوعة، وتورية العورة، وإقامة القوام، من طوى ممعض، تهفو منه الأحشاء، وتجف له الأمعاء، فاضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض إلى الماء، المعيف الآجن. فإذا أنا مت فردي إليهم صحفتهم وعبدهم ولقحتهم ورحاهم ودثارة ما فوقي اتقيت بها البرد، ووثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف. قال: ودخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول الله، لقد كلفت القوم بعدك تعبا، ووليتهم نصبا، فهيهات من شق غبارك! فكيف اللحاق بك!.
استخلاف أبي بكر لعمر

(2/77)

عبد الله بن محمد التيمي عن محمد بن عبد العزيز: إن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة كتب عهده وبعث به مع عثمان بن عفان ورجل من الأنصار ليقرآه على الناس، فلما اجتمع الناس قاما فقالا: هذا عهد أبي بكر، فإن تقروا به نقرأه، وإن تنكروه نرجعه. فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهد أبي بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب. إني أمرت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل واتقى فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن بدل وغير فالخير أردت، لا يعلم الغيب إلا الله قال أبو صالح: أخبرنا محمد بن وضاح، قال: حدثني محمد بن رمح بن المهاجر التجيبي قال: حدثني الليث بن سعد عن علوان عن صالح بن كيسان عن حميد ابن. عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أنه دخل على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه فأصابه مفيقا، فقال: أصبحت بحمد الله بارئا. قال أبو بكر: أتراه؟ قال: نعم. قال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أمركم خيركم في نفسي فكلكم ورم من ذلك أنفه، يريد أن يكون له الأمر من دونه، ورأيتم الدنيا مقبلة، ولن تقبل - وهي مقبلة - حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم الاضطجاع على شوك السعدان. والله لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا. ألا وإنكم أول ضال بالناس غدا فتصدوهم عن الطريق يمينا وشمالا. يا هادي الطريق إنما هو الفجر أو البحر. قال: فقلت له: خفض عليك يرحمك الله، فإن هذا يهيضك على ما بك، إنما الناس في أمرك بين رجلين، إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل خالفك فهو يشير عليك برأيه، وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا الخير، ولم تزل صالحا مصلحا، مع أنك لا تأسي على شيء من الدنيا. فقال: أجل، إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وودت أني تركتهن، وثلاث تركتهن ووددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن. فأما الثلاث التي فعلتهن ووددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا أغلقوه على الحرب؛ ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، وأني قتلته سريحا أو خليته نجيحا؛ ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قد رميت الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أحدهما أميرا وكنت له وزيرا - يعني بالرجلين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح - وأما الثلاث التي تركتهن ووددت أني فعلتهن: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه؛ فإنه يخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه؛ ووددت أني سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون ظفروا وإن انهزموا كنت بصدد لقاء أو مدد؛ ووددت أني وجهت خالد بن الوليد إلى الشام ووجهت عمر ابن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله. وأما الثلاث التي وددت أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن: فإني وددت أني سألته: لمن هذا الأمر من بعده فلا ينازعه أحد، وأني سألته هل للأنصار يا هذا الأمر نصيب فلا يظلموا نصيب منه، ووددت أني سألته عن بنت الأخ والعمة، فإن في نفسي منهما شيئا.
نسب عمر بن الخطاب وصفته

(2/78)

أبو الحسن علي بن محمد قال: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر بن مالك. وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وهاشم هو ذو الرمحين. قال أبو الحسن: كان عمر رجلا آدم مشربا حمرة طويلا أصلع له حفافان، حسن الخدين والأنف والعينين، غليظ القدمين والكفين، مجدول الفحم، حسن الخلق، ضخم الكراديس، أعسر يسر، إذا مشى كأنه راكب. ولى الخلافة يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ. وطعن لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من التاريخ. فعاش ثلاثة أيام. ويقال سبعة أيام. معدان بن أبي حفصة، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، في رواية الشعبي. ولها مات أبو بكر، ولها مات النبي صلى الله عليه وسلم.
فضائل عمر بن الخطاب

(2/79)

أبو الأشهب عز الحسن، قال: عاتب عيينة عثمان، فقال له: كان عمر خيرا لنا منك، أعطانا فأغنانا، وأخشانا فأتقانا. وقيل لعثمان: ما لك لا تكون مثل عمر؟ قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم. القاسم بن عمر قال: كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة. وقيل: إن عمر خطب امرأة من ثقيف وخطبها المغيرة؛ فزوجوها المغيرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا زوجتم عمر؛ فإنه خير قريش أولها وآخرها، إلا ما جعل الله لرسوله. الحسن بن دينار عن الحسن، قال: ما فضل عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان أطولهم صلاة، وأكثرهم صياما؛ ولكنه كان أزهدهم في الدنيا، وأشدهم في أمر الله. وتظلم رجل من بعض عمال عمر، وادعى أنه ضربه وتعدى عليه، فقال: اللهم إني لا أحل لهم أشعارهم ولا أبشارهم. كل من ظلمه أميره فلا أمير عليه دوني، ثم أقاده منه. عوانة عن الشعبي قال: كان عمر يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم. وقال المغيرة بن شعبة، وذكر عمر، فقال: كان والله له فضل يمنعه من أن يخدع، وعقل يمنعه من، أن ينخدع. فقال عمر: لست بخب ولا الخب يخدعني. عكرمة عن ابن عباس، قال قال: بينما أنا أمشي مع عمر بن الخطاب في خلافته وهو عامد لحاجة له وفي يده الذرة، فأنا أمشي خلفه وهو يحدث نفسه ويضرب وحشي قدميه بدرته، إذ التفت إلي، فقال: يا بن عباس، أتدري ما حملني على مقالتي التي قلت يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا. قال: الذي حملني على ذلك أني كنت أقرأ هذه الآية: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " فوالله إني كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد علينا بأخف أعمالنا، فهو الذي دعاني إلى ما قلت. ابن دأب قال: قال ابن عباس: خرجت أريد عمر في خلافته، فألفيته راكبا على حمار قد أرسنه بحبل أسود، وفي رجليه نعلان مخصوفتان، وعليه إزار قصير وقميص قصير، قد انكشفت منه ساقاه، فمشيت إلى جنبه وجعلت أجبذ الإزار عليه، فجعل يضحك ويقول: إنه لا يطيعك. حتى أتى العالية، فصنع له قوم طعاما من خبز ولحم، فدعه إليه، وكان عمر صائما، فجعل ينبذ إلي الطعام ويقول: كل لي ولك. ومن حديث ابن وهب عن الليث بن سعد: أن أبا بكر لم يكن يأخذ من بيت المال شيئا ولا يجري عليه من الفيء درهما، إلا أنه استلف منه مالا، فلما حضرته الوفاة أمر عائشة برده. وأما عمر بن الخطاب فكان يجرى على نفسه درهمين كل يوم. فلما ولى عمر بن عبد العزيز قيل له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب؟ قال: كان عمر لا مال له، وأنا مال يغنيني بم فلم يأخذ منه شيئا. أبو حاتم عن الأصمعي، قال: قال عمر وقام على الردم: أين حقك يا أبا سفيان مما هنا؟ قال: مما تحت قدميك إلي. قال: طالما كنت قديم الظلم، ليس لأحد فيما وراء قدمي حق، إنما هي منازل الحاج. قال الأصمعي: وكان رجل من قريش قد تقدم صدر من داره عن قدمي عمر فهدمه. وأراد أن يغور البئر، فقيل له: في البئر للناس منفعة، فتركها. قال الأصمعي: إذا ودع الحاج ثم بات خلف قدمي عمر لم أر عليه أن يرجع. يقول: قد خرج من مكة.
مقتل عمر

(2/80)

أبو الحسن: كان للمغيرة بن شعبة غلام نصراني يقال له: فيروز أبو لؤلؤة، وكان نجارا لطيفا، وكان خراجه ثقيلا، فشكا إلى عمر ثقل الخراج، وسأله أن يكلم مولاه أن يخفف عنه من خراجه، فقال له: وكم خراجك؟ قال ثلاثة دراهم في كل شهر. قال وما صناعتك؟ قال: نجار. قالت: ما أرى هذا ثقيلا في مثل صناعتك. فخرج مغضبا، فاستل خنجرا محدود الطرفين. وكان عمر قد رأى في المنام ديكا أحمر ينقره ثلاث نقرات، فتأوله رجلا من العجم يطعنه ثلاث طعنات. فطعنه أبو لؤلؤة بخنجره ذلك في صلاة الصبح ثلاث طعنات، إحداها بين سرته وعانته، فخرقت الصفاق، وهي التي قتلته. وطعن في المسجد معه ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة. فأقبل رجل من بني تميم، يقال له حطان، فألقى كساءه عليه ثم احتضنه. فلما علم العلج أنه مأخوذ طعن نفسه وقدم عمر صهيبا يصلي بالناس، فقرأ بهم في صلاة الصبح: " قل هو الله أحد " في الركعة الأولى، و " قل يأيها الكافرون " في الركعة الثانية. واحتمل عمر إلى بيته، فعاش ثلاثة أيام ثم مات. وقد كان استأذن عائشة أن يدفن في بيتها مع صاحبيه، فأجابته وقالت: والله لقد كنت أردت ذلك المضجع لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي. فكانت ولاية عمر عشر سنين. صلى عليه صهيب بين القبر والمنبر، ودفن عند غروب الشمس. كاتبه: زيد بن ثابت، وكتب له معيقب أيضا. وحاجبه: يرفأ، مولاه. وخازنه: يسار. وعلى بيت ماله: عبد الله ابن الأرقم. وقال الليث بن سعد: كان عمر أول من جند الأجناد، ودون الدواوين، وجعل الخلافة شورى بين ستة من المسلمين، وهم: علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، ليختاروا منهم رجلا يولونه أمر المسلمين. وأوصى أن يحضر عبد الله بن عمر معهم، وليس له من أمر الشورى شيء.
أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان

(2/81)

صالح بن كيسان قال: قال ابن عباس: دخلت على عمر في أيام طعنته، وهو مضطجع على وسادة من أدم، وعنده جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له رجل: ليس عليك بأس. قال: لئن لم - يكن علي اليوم ليكون بعد اليوم، وإن للحياة لنصيبا من القلب، وإن للموت لكربة، وقد كنت أحب أن أنجي نفسي وأنجو منكم، وما كنت من أمركم إلا كالغريق يرى الحياة فيرجوها، ويخشى أن يموت دونها، فهو يركض بيديه ورجليه؛ وأشد من الغريق الذي يرى الجنة والنار وهو مشغول. ولقد تركت زهرتكم كما هي، ما لبستها فأخلقتها، وثمرتكم يانعة في أكمامها ما أكلتها، وما جنيت ما جنيت إلا لكم، وما تركت ورائي درهما ما عدا ثلاثين أو أربعين درهما، ثم بكى وبكى الناس معه. فقلت: يا أمير المؤمنين، أبشر، فوالله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، ومات أبو بكر وهو عنك راض، وإن المسلمين راضون عنك. قال: المغرور والله من غررتموه، أما والله لو أن لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطلع. داود بن أبي هند عن قتادة قال: لما ثقل عمر قال لولده عبد الله: ضع خدي على الأرض. فكره أن يفعل ذلك. فوضع عمر خذه على الأرض وقال: ويل لعمر ولام عمر إن لم يعف الله عنه. أبو أمية بن يعلى عن نافع قال: قيل لعبد الله بن عمر: تغسل الشهداء؟ قال: كان عمر أفضل الشهداء، فغسل وكفن وصلي عليه. يونس عن الحسن، وهشام بن عروة عن أبيه، قالا: لما طعن عمر بن الخطاب قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت؟ قال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني، وإن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني، ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة؛ ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إن سالما ليحب الله حبا لو لم يخفه ما عصاه. قيل له: فلو أنك عهدت إلى عبد الله فإنه له أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه. قال: بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولوددت أني نجوت من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي. ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت؟ فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي - ثم رأيت أن لا أتحملها حيا وميتا، فعليكم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:26 pm

إنهم من أهل الجنة، منهم سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل، ولست مدخله فيهم، ولكن الستة: علي وعثمان، ابنا عبد مناف، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، وطلحة الخير، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوكم واليا فأحسنوا مؤازرته. فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم. قال: أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره. فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا والزبير وعبد الرحمن، ثم قال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وإني لا أخاف الناس عليكم، ولكني أخافكم على الناس، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض، فاجتمعوا إلى حجرة عائشة بإذنها، فتشاوروا واختاروا منكم رجلا، وليصل بالناس صهيب ثلاثة أيام، ولا يأتي اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضركم عبد الله مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم. ومن لي بطلحة؛ فقال سعد: أنا لك به إن شاء الله. قال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله قد أعز بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار وكونوا مع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال للمقداد بن الأسود الكندي: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن وطلحة، إن حضر، بيت عائشة وأحضر عبد الله بن عمر، وليس له في الأمر شيء، وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة على رأي واحد وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة فرضوا وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، فإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بعبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين، إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس وخرجوا. فقال علي لقوم معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم فلن يومروكم أبدا. وتلقاه العباس فقال له: عدلت عنا. قال له: وما أعلمك؟ قال: قرن بي عثمان، ثم قال: إن رضي ثلاثة رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فلو كان الآخران معي ما نفعاني، فقال العباس: لم أدفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله فيمن، هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عني واحدة: كل ما عرض عليك القوم فأمسك إلى أن يولوك، واحذر هذا الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا. فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلي عليه. فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الأمر، لستما من هذا في شيء، هذا صهيب، استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلى عليه صهيب. فلما دفن عمر جمع المقداد بن الأسود أهل الشورى في بيت عائشة بإذنها وهم خمسة، معهم ابن عمر، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة، فحجبهم. وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في أهل، الشورى! فتنافس القوم في الأمر، وكثر بينهم الكلام، كل يرى أنه أحق بالأمر. فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها، لا والذي ذهب بنفس محمد لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر بها عمر أو أجلس في بيتي. فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؛ فلم يجبه أحد. قال: فأنا أنخلع منها. قال عثمان: أنا أول من رضي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عبد الرحمن أمين في السماء أمين في الأرض. فقال القوم: رضينا، وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: إن أعطيتني موثقا لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا

(2/83)

رحم، ولا تألو الأمة نصحا. قال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من نكل، وأن ترضوا بما أخذت لكم. فتوثق بعضهم من بعض وجعلوها إلى عبد الرحمن.رحم، ولا تألو الأمة نصحا. قال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من نكل، وأن ترضوا بما أخذت لكم. فتوثق بعضهم من بعض وجعلوها إلى عبد الرحمن.
فخلا بعلي، فقال: إنك أحق بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك، ولم تبعد، فمن أحق بها بعدك من هؤلاء؟ قال: عثمان. ثم خلا بعثمان فسأل عن مثل ذلك. فقال: علي ثم خلا بسعد. فقال عثمان ثم خلا بالزبير. فقال: عثمان. أبو الحسن قال: لما خاف علي بن أبي طالب عبد الرحمن بن عوف والزبير وسعدا أن يكونوا مع عثمان لقي سعدا ومعه الحسن والحسين، فقال له: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " . أسألك برحم ابني هذين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرحم عمي حمزة منك أن لا تكون مع عبد الرحمن ظهيرا علي لعثمان، فإني أدلي إليك بما لا يدلي به عثمان. ثم دار عبد الرحمن لياليه تلك على مشايخ قريش يشاورهم، فكلهم يشير بعثمان، حتى إذا كان في الليلة آلتي استكمل فيم صبيحتها الأجل أتى منزل المسور ابن مخرمة بعد هجعة من الليل فأيقظه، فقال: ألا أراك إلا، نائما ولم أذق في هذه الليالي نوما، فانطلق فادع لي الزبير وسعدا، فدعا بهما. فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد، فقال له: خل بني عبد مناف لهذا الأمر. فقال: نصيبي لعلي. فقال لسعد: أنا وأنت كالآلة فاجعل نصيبك لي فأختار. قال: أما إن اخترت نفسك فنعم، وأما إن اخترت عثمان فعلي أحب إلي منه. قال: يا أبا إسحاق، إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجعل إلي الخيار ما أردتها، إني رأيت كأني في روضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل لم أر مثله فحلا أكرم منه، فمر كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الروضة حتى قطعها، ودخل بعير يتلوه فأتبع أثره حتى خرج إليه من الروضة، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه يلتفت يمينا وشمالا ويمضي قصد الأولين، ثم خرج من الروضة، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة، ولا والله لا أكون البعير الرابع، ولا يقوم بعد أبي بكر وعمر أحد فيرضى الناس عنه. ثم أرسل المسور إلى علي، وهو لا يشك أنه صاحب الأمر. ثم أرسل المسور إلى عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما آذان الصبح. فلما صلوا الصبح جمع إليه الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين والأنصار، وإلى أمراء الأجناد، حتى ارتج المسجد بأهله فقال: أيها الناس، إن الناس قد احبوا أن تلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم. فقال عمار بن ياسر: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا. فشتم عمار ابن أبي سرح، وقال: متي كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم وبنو أمية. فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبينا وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم! فقال له رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها. فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس. فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا.

(2/84)

ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ثم دعا عثمان، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسرة الخليفتين من بعده؟ فقال: نعم، فبايعه. فقال علي: حبوته محاباة، ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا، أما والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن. فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحدا. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين. ثم قال: ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم منه، ولا أقضي بالعدل، ولا أعرف بالحق، أما والله لو أجد أعوانا! قال له عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله فإني أخشى عليك الفتنة. قال: وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه عثمان، فقيل له: إن الناس قد بايعوا عثمان. فقال: أكل قريش رضوا به؟ قالوا: نعم. وأتى عثمان، فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك. قال طلحة: فإن أبيت أتردها؟ قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: قد رضيت، لا أرغب عما اجتمعت الناس عليه، وبايعه. وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبت إذ بايعت عثمان ولو بايعت غيره ما رضيناه. قال: كذبت يا أعور، لو بايعت غيره لبايعته وقلت هذه المقالة. وقال عبد الله بن عباس: ماشيت عمر بن الخطاب يوما فقال لي: يا ابن عباس، ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاص؟ قلت: لا أدري. قال: لكني أدري، إنكم فضلتموهم بالنبوة، فقالوا: إن فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئا، وإن أفضل النصيبين بأيديكم، بل ما إخالها إلا مجتمعة لكم وإن نزلت على رغم أنف قريش. فلما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلة من أصحاب محمد، قيل لعبد الرحمن: هذا عملك، قال: ما ظننت هذا، ثم مضى ودخل عليه وعاتبه، وقال: إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال: إن عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا اصل قرابتي في الله. قال عبد الرحمن: لله علي أن لا أكلمك أبدا، فلم يكلمه أبدا حتى مات، ودخل عليه عثمان عائدا له في مرضه، فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه. ذكروا أن زيادا أوفد ابن حصين على معاوية، فأقام عنده ما أقام، ثم إن معاوية بعث إليه ليلا، فخلا به، فقال له: يا بن حصين، قد بلغني أن عندك ذهنا وعقلا، فأخبرني عن شيء أسألك عنه. قال: سلني عما بدا لك. قال: أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين وفرق أهواءهم وخالف بينهم؟ قال: نعم، قتل الناس عثمان. قال: ما صنعت شيئا. قال: فمسير علي إليك وقتاله إياك. قال: ما صنعت شيئا. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك، إنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهواءهم ولا خالف بينهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر، وذلك أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمره الله به ثم قبضه الله إليه، وقدم أبا بكر للصلاة، فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار بسيره، حتى قبضه الله، واستخلف عمر، فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بي ستة نفر، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه. ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. وقال المغيرة بن شعبة: إني لعند عمر بن الخطاب، وليس عنده أحد غيري، إذا أتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يزعمون أن الذي فعل أبو بكر في نفسه وفيك لم يكن له، وأنه

(2/85)

كان بغير مشورة ولا مؤامرة، وقالوا: تعالوا نتعاهد أن لا نعود إلى مثلها. قال عمر: وأين هم؟ قال: ي دار طلحة. فخرج نحوهم وخرجت معه، وما أعلمه يبصرني من شدة الغضب، فلما رأواه كرهوه وظنوا الذي جاء له. فوقف عليهم، وقال: أنتم القائلون ما قلتم؟ والله لن تتحابوا حتى يتحاب الأربعة: الإنسان والشيطان يغويه وهو يلعنه، والنار والماء يطفئها وهي تحرقه، ولم يأن لكم بعد، وقد آن ميعادكم ميعاد المسيخ متى هو خارج. قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا. قال المغيرة: ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب فاحبسه علي. فقلت: لا يفعل أمير المؤمنين وهو مغد. فقال: أدركه وإلا قلت لك يا بن الدباغة. قال: فأدركته، فقلت له: قف مكانك لإمامك واحلم فإنه سلطان وسيندم وتندم. قال: فأقبل عمر، فقال: والله ما خرج هذا الأمر إلا من تحت يدك.ان بغير مشورة ولا مؤامرة، وقالوا: تعالوا نتعاهد أن لا نعود إلى مثلها. قال عمر: وأين هم؟ قال: ي دار طلحة. فخرج نحوهم وخرجت معه، وما أعلمه يبصرني من شدة الغضب، فلما رأواه كرهوه وظنوا الذي جاء له. فوقف عليهم، وقال: أنتم القائلون ما قلتم؟ والله لن تتحابوا حتى يتحاب الأربعة: الإنسان والشيطان يغويه وهو يلعنه، والنار والماء يطفئها وهي تحرقه، ولم يأن لكم بعد، وقد آن ميعادكم ميعاد المسيخ متى هو خارج. قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا. قال المغيرة: ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب فاحبسه علي. فقلت: لا يفعل أمير المؤمنين وهو مغد. فقال: أدركه وإلا قلت لك يا بن الدباغة. قال: فأدركته، فقلت له: قف مكانك لإمامك واحلم فإنه سلطان وسيندم وتندم. قال: فأقبل عمر، فقال: والله ما خرج هذا الأمر إلا من تحت يدك.
قال علي: اتق أن لا تكون الذي نطيعك فنفتنك. قال: وتحب أن تكون هو؟ قال: لا، ولكننا نذكرك الذي نسيت. فالتفت إلي عمر فقال: انصرف، فقد سمعت منا عند الغضب ما كفاك فتنجيت قريبا، وما وقفت إلا خشية أن يكون بينهما شيء فأكون قريبا، فتكلما كلاما غير غضبانين ولا راضيين، ثم رأيتهما يضحكان وتفرقا. وجاءني عمر، فمشيت معه وقلت: يغفر الله لك، أغضبت؟ قال: فأشار إلى علي وقال: أما والله لولا دعابه فيه ما شككت في ولايته، وإن نزلت على رغم أنف قريش.

(2/86)

العتبي عن أبيه: إن عتبة بن أبي سفيان قال: كنت مع معاوية في دار كندة، إذ أقبل الحسن والحسين ومحمد، وبنو علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لهؤلاء القوم أشعارا وأبشارا، وليس مثلهم كذب، وهم يزعمون أن أباهم كان يعلم. فقال: إليك من صوتك، فقد قرب القوم، فإذا قاموا فذكرني بالحديث، فلما قاموا قلت يا أمير المؤمنين، ما سألتك عنه من الحديث؟ قال: كل القوم كان يعلم وكان أبوهم من أعلمهم. ثم قال. قدمت على عمر بن الخطاب، فإني عنده إذ جاءه علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا وهم يتدافعون ويضحكون، فلما رآهم عمر نكس، فعلموا أنه على حاجة، فقاموا كما دخلوا. فلما قاموا أتبعهم بصره، فقال: فتنة، أعوذ بالله من شرهم، وقد كفاني الله شرهم. قال: ولم يكن عمر بالرجل يسأل عما لا يفسر. فلما خرجت جعلت طريقي على عثمان فحدثته الحديث وسألته الستر. قال: نعم، على شريطة. قلت: هي لك. قال: تسمع ما أخبرك به وتسكت إذا سكت. قلت: نعم. قال: ستة يقدح بهم زناد الفتنة يجري الدم منهم على أربعة. قال: ثم سكت. وخرجت إلى الشام، فلما قدمت على عمر فحدث من أمره ما حدث، فلما مضت الشورى، ذكرت الحديث، فأتيت بيت عثمان وهو جالس وبيده قضيب، فقلت: يا أبا عبد الله، تذكر الحديث الذي حدثتني؟ قال: فأزم على القضيب عضا، ثم أقلع عنه وقد أثر فيه، فقال: ويحك يا معاوية، أي شيء ذكرتني! لولا أن يقول الناس خاف أن يؤخذ عليه لخرجت إلى. الناس منها. قال: فأبى قضاء الله إلا ما ترى. ومما نقم الناس على عثمان أنه آوى طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص، ولم يؤوه أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف، وسير أبا ذر إلى الربذة، وسير عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام، وطلب منه عبيد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف، وتصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهزور - موضع سوق المدينة - على المسلمين، فأقطعها الحارث بن الحكم، أخا مروان، وأقطع فدك مروان، وهي صدقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وافتتح إفريقية، وأخذ خمسه فوهبه لمروان. فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي:
فأحلف بالله رب الأنا ... م ما كتب الله شيئا سدى
ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو تبتلى
فإن الأمينين قد بينا ... منارا لحق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة ... وما تركا درهما في هوى
وأعطيت مروان خمس العبا ... د هيهات شأوك ممن شأى
نسب عثمان وصفته
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، عم النبي صلى الله عليه وسلم. وكان عثمان أبيض مشربا صفرة، كأنها فضة وذهب، حسن القامة، حسن الساعدين، سبط الشعر، أصلع الرأس، أجمل الناس إذا اعتم، مشرف الأنف، عظيم الأرنبة، كثير شعر الساقين والذراعين، ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. ولما أسن شد أسنانه بالذهب، وسلس بوله، فكان يتوضأ لكل - صلاة، ولي الخلافة منسلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقتل يوم الجمعة صبيح عيد الأضحى سنة خمس وثلاثين. وفي ذلك يقول حسان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
لنسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
فكانت ولايته اثنتي عشرة سنة وستة عشر يوما. وهو ابن أربع وثمانين سنة. وكان على شرطته - وهو أول من - اتخذ صاحب شرطة - عبيد الله ابن قنفذ. وعلى بيت المال، عبد الله بن أرقم، ثم استعفاه. وكاتبه: مروان. وحاجبه: حمران، مولاه.
فضائل عثمان

(2/87)

سالم بن عبد الله بن عمر، قال: أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك، فاشترى عثمان طعاما على ما يصلح العسكر، وجهز به عيرا. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى سواد مقبل، فقال: هذا جمل أشقر قد - جاءكم بميرة. فأنيخت الركائب، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء وقال: اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه. وكان عثمان حليما سخيا محببا إلى قريش، حتى كان يقال: " أحبك والرحمن، حب قريش عثمان " . وزوجه النبي صلى الله عليه وسلم رقية ابنته، فاتت عنده، فزوجه أم كلثوم ابنته أيضا.
الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: لما ماتت رقية جزع عثمان عليها، وقال: يا رسول الله، انقطع صهري منك. قال: إن صهرك مني لا ينقطع، وقد أمرني جبريل أن أزوجك أختها بأمر الله. عبد الله بن عباس قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، فراني ضجيعا لأم كلثوم، فاستعبر، فقلت: والذي بعثك بالحق ما اضطجعت عليه أنثى بعدها. فقال: ليس لهذا استعبرت، فإن الثياب للحي وللميت الحجر، ولو كن يا عثمان عشرا لزوجتكهن واحدة بعد واحدة. وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان فأبى منها، فشكاه عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سيزوج الله ابنتك خيرا من عثمان، ويزوج عثمان خيرا من ابنتك. فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، وزوج ابنته من عثمان بن عفان. " ومن حديث الشعبي أن النبي عليه إسلام، دخل عليه عثمان، فسوى ثوبه عليه وقال: كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة!
مقتل عثمان بن عفان
الرياشي عن الأصمعي قال: كان القواد الذين ساروا إلى المدينة في أمر عثمان أربعة: عبد الرحمن بن عديس التنوخي، وحكيم بن جبلة العبدي، والأشتر النخعي، وعبد الله بن فديك الخزاعي. فقدموا المدينة فحاصروه، وحاصره معهم قوم من المهاجرين والأنصار، حتى دخلوا عليه فقتلوه والمصحف بين يديه. ثم تقدموا إليه وهو يقرأ يوم الجمعة صبيحة النحر، وأرادوا أن يقطعوا رأسه ويذهبوا به، فرمت نفسها عليه امرأته نائلة بنت الفرافصة، وابنة شيبة بن ربيعة، فتركوه وخرجوا. فلما كان ليلة السبت انتدب لدفنه رجال، منهم: خبير ابن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الله بن الزبير، فوضعوه على باب صغير، وخرجوا به إلى البقيع، ومعهم نائلة بنت الفرافصة بيدها السراج. فلما بلغوا به البقيع منعهم من دفنه فيه رجال من بني ساعدة، فردوه إلى حش كوكب، فدفنوه فيه، وصلى عليه خبير بن مطعم، ويقال: حكيم بن حزام. ودخلت القبر نائلة بنت الفرافصة، وأم البنين بنت عيينة، زوجتاه، وهما دلتاه في القبر. والحش: البستان. وكان حش كوكب، اشتراه عثمان، فجعله أولاده مقبرة للمسلمين.

(2/88)

يعقوب بن عبد الرحمن: عن محمد بن عيسى الدمشقي عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب عن محمد بن شهاب الزهري قال: قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف قتل عثمان؟ وما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله كان معذورا. قلت: وكيف ذاك؟ قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولي بني أمية، ممن لم يكن له من لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة، وكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم. فلما كان في الحجج الآخرة استأثر ببني عمه فولاهم وأمرهم بتقوى الله، فخرجوا. وولى عبد الله بن أبي صح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه. ومن قبل ذلك كانت من عثمان هناة إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر. فكانت هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لابن مسعود. وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان بما نال عمار بن ياسر. وجاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدده، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عثمان عنه، وضرب رجلا ممن أتى عثمان، فقتله. فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل إلى المدينة، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح. فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد. وأرسلت إليه عائشة: قد تقدم إليك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت أن تعزله، فهذا قد قتل منهم رجلا، فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه علي، وكان متكلم القوم، فقال: إنما سألوك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم، واقض بينهم، وإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أوله عليكم مكانه. فأشار الناس عليهم بمحمد ابن أبي بكر. فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر. فكتب عهده وولاه، وأخرج معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح. فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط الأرض خبطا، كأنه رجل يطلب أو يطلب. فقال له أصحاب محمد: ما قصتك؟ وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب. فقال: أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر. فقالوا: هذا عامل مصر معنا. قال: ليس هذا أريد. وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه، فأتي به، فقال له: غلام من أنت؟ قال: فأقبل مرة يقول: غلام أمير المؤمنين، ومرة: غلام. مروان، حتى عرفه رجل منهم أنه لعثمان. فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال. إلى عامل مصر. قال: بماذا؟ قال: برسالة. قال: معك كتاب؟ قال: لا. ففتشوه فلم يوجد معه شيء إلا إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإداوة، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح. فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه: إذا جاءك محمد وفلان وفلان فاحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر على عملك حتى يأتيك رأي، واحتبس من جاء يتظلم منك ليأتيك في ذلك رأي إن شاء الله. فلما قرأوا الكتاب فزعوا وعزموا على الرجوع إلى المدينة، وختم محمد الكتاب بخواتم القوم الذين أرسلوا معه، ودفعوا الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام، وأقرأوهم الكتاب فلم يبق أحد في المدينة إلا حنق على عثمان، وازداد من كان منهم غاضبا لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر غضبا وحنقا، وقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلحقوا منازلهم، ما منهم أحد إلا وهو مغتم بما قرأوا في الكتاب. وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمد بن أبي بكر بني تيم وغيرهم، وأعانه طلحة بن عبيد الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:27 pm

على ذلك. وكانت عائشة تقرضه كثيرا. فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم بدري، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير، وقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. والبعير بعيرك؟ قال: نعم. والخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله: ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت الغلام إلى مصر قط. وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبى. وكان مروان عنده في الدار. فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا، وشكوا في أمر عثمان، وعلموا أنه لا يحلف باطلا، إلا أن قوما قالوا: لا نبرىء عثمان إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نمتحنه ونعرف أمر هذا الكتاب، وكيف يأمر بقتل رجال من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق! فإن يك عثمان كتبه عزلناه، وإن يك مروان كتبه على لسانه نظرنا في أمره، ولزموا بيوتهم. وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشي عليه القتل. وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف عليهم، فقال: أفيكم علي؟ قالوا: لا. قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا. فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليا، فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية، حتى وصل إليه الماء. فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. وقالت للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه. وبعث الزبير ولده، وبعث طلحة ولده على كره منه، وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ليمنعوا الناس أن يدخلوا على عثمان، وسألوه إخراج مروان. ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي الدماء على بابه، وأصاب مروان سهم في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر، مولى علي. وخشي محمد بن أبي بكر أن تغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها، فأخذ بيدي رجلين فمال لهما: إذا جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن والحسين كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد. فتسور محمد بن أبي بكر وصاحباه من دار رجل من الأنصار. ويقال من دار محمد بن حزم الأنصاري. ومما يدل على ذلك قول الأحوص: ذلك. وكانت عائشة تقرضه كثيرا. فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم بدري، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير، وقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. والبعير بعيرك؟ قال: نعم. والخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله: ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت الغلام إلى مصر قط. وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبى. وكان مروان عنده في الدار. فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا، وشكوا في أمر عثمان، وعلموا أنه لا يحلف باطلا، إلا أن قوما قالوا: لا نبرىء عثمان إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نمتحنه ونعرف أمر هذا الكتاب، وكيف يأمر بقتل رجال من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق! فإن يك عثمان كتبه عزلناه، وإن يك مروان كتبه على لسانه نظرنا في أمره، ولزموا بيوتهم. وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشي عليه القتل. وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف عليهم، فقال: أفيكم علي؟ قالوا: لا. قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا. فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليا، فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية، حتى وصل إليه الماء. فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. وقالت للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه. وبعث الزبير ولده، وبعث طلحة ولده على كره منه، وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ليمنعوا الناس أن يدخلوا على عثمان، وسألوه إخراج مروان. ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي الدماء على بابه، وأصاب مروان سهم في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر، مولى علي. وخشي محمد بن أبي بكر أن تغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها، فأخذ بيدي رجلين فمال لهما: إذا جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن والحسين كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد. فتسور محمد بن أبي بكر وصاحباه من دار رجل من الأنصار. ويقال من دار محمد بن حزم الأنصاري. ومما يدل على ذلك قول الأحوص:

(2/90)

لا ترثين لحزمي ظفرت به ... طرا ولو طرح الحزمي في النار
الناخسين بمروان بذي خشب ... والمدخلين على عثمان في الدار
فدخلوا عليه وليس معه إلا امرأته نائلة بنت الفرافصة، والمصحف في حجره، ولا يعلم أحد في كان معه، لأنهم كانوا على البيوت. فتقدم إليه محمد وأخذ بلحيته، فقال له عثمان: أرسل لحيتي يا بن أخي فلو رآك أبوك لساءه مكانك. فتراخت يده من لحيته، وغمز الرجلين فوجاه بمشاقص معهما حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا. وخرجت امرأته فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل. فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا، فأكبوا عليه يبكون. وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة، فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا، فاسترجعوا. وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسين، وضرب صدر الحسن، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير. ثم خرج علي وهو غضبان يرى أن طلحة أعان عليه. فلقيه طلحة فقال: ما لك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ فقال: عليك وعليهما لعنة الله، يقتل أمير المؤمنين ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدري، ولم تقم بينة ولا حجة! فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال: لو دفع مروان قتل قبل أن تثبت عليه حجة. وخرج علي فأتى منزله. وجاءه القوم كلهم يهرعون إليه، أصحاف محمد وغيرهم، يقولون: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: ليس ذلك إلا لأهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا، فقالوا: ما نرى أحدا أولى بها منك، فمد يدك نبايعك. فقال: أين طلحة والزبير وسعد؟ فكان أول من بايعه طلحة بلسانه، وسعد بيده. فلما رأى ذلك علي خرج إلى المسجد، فصعد المنبر، فكان أولا من صعد طلحة فبايعه بيده، وكانت إصبعه شلاء، فتطير منها علي، وقال: ما أخلقه أن ينكث. ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي جميعا. ثم نزل، ودعا الناس، وطلب مروان فهرب منه. خرجت عائشة باكية تقول: قتل عثمان مظلوما! فقال لها عمار: أنت بالأمس تحرضين عليه، واليوم تبكين عليه! وجاء علي إلى امرأة عثمان، فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرته بما صنع محمد بن أبي بكر. فدعا علي بمحمد، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان. فقال محمد: لم تكذب، وقد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمت وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أسكته. فقالت امرأة عثمان: صدق، ولكنه أدخلهما. لمعتمر عن أبيه عن الحسن: إن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان، فقال له: ابن أخي، لقد قعدت مني مقعدا ما كان أبوك ليقعده. وفي حديث آخر: إنه قال: يا بن أخي، لو رآك أبوك لساءه مكانك. فاسترخت يده، وخرج محمد. فدخل عليه رجل والمصحف في حجره، فقال له: بيني وبينك كتاب الله، فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها. فقال: أما إنها أول يد خطت المفصل.
القواد الذين أقبلوا إلى عثمان

(2/91)

الأصمعي عن أبي عوانة قال: كان القواد الذين أقبلوا إلى عثمان: علقمة ابن عثمان، وكنانة بن بشر، وحكيم بن جبلة، والأشتر النخعي، وعبد الله بن بديل. وقال أبو الحسن: لما قدم القواد قالوا لعلي: قم معنا إلى هذا الرجل. قال: لا والله لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابا قط. قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة. الأعمش عن عيينة عن مسروق قال: قالت عائشة: مصتموه موص الإناء حتى تركتموه كالثوب الرحيض نقيا من الدنس، ثم عدوتم فقتلتموه! فقال مروان: فقلت لها: هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه. فقالت: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسواد في بياض، حتى جلست في مجلسي هذا. فكانوا يرون أنه كتب على لسان علي وعلى لسانها، كما كتب أيضا على لسان عثمان مع الأسود إلى عامل مصر. فكان اختلاف هذه الكتب كلها سببا للفتنة. وقال أبو الحسن: أقبل أهل مصر عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وأهل البصرة عليهم حكيم بن جبلة العبدي، وأهل الكوفة عليهم الأشتر - واسمه مالك بن الحارث النخعي - في أمر عثمان حتى قدموا المدينة. قال أبو الحسن: لما قدم وفد أهل مصر دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا كذا وكذا؟ قال: إنما هما اثنتان، أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل الله دمك، وحصروه في الدار. فأرسل عثمان إلى الأشتر، فقال له: ما يريد الناس مني؟ قال: واحدة من ثلاث ليس عنها بد. قال: ما هي؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فقفدوه من شئتم؟ وإما أن تقتص من نفسك؟ فإن أبيت فالقوم قاتلوك. قال: أما أن أخلع لهم أمرهم، فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله فتكون سنة من بعدي، كلما كره القوم إمامهم خلعوه، وأما أن أقتص من نفسي، فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يدي قد كانا يعاقبان، وما يقوى بدني على القصاص؛ وأما أن تقتلوني، فلئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا ولا تصلون بعدي جميعا أبدا. قال أبو الحسن: فوالله لن يزالوا على النوى جميعا، وإن قلوبهم مختلفة. وقال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان وقال: إنه لا يحل سفك دم امرىء مسلم إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، فهل أنا في واحدة منهن؟ فما وجد القوم له جوابا. ثم قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء ومعه تسعة من أصحابه أنا أحدهم، فتزلزل الجبل حتى همت أحجاره أن تتساقط، فقال: اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: اللهم نعم. قال: شهدوا لي ورب الكعبة. قال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان فقال: السلام عليكم، فيا رد أحد عليه السلام. فقال: أيها الناس، إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القبر فضعوها. فما وجد القوم له جوابا. ثم قال: أستغفر الله إن كنت ظلمت، وقد غفرت إن كنت ظلمت.
يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعا وطاعة أن يكف يده ويلقى سلاحه. فألقى القوم أسلحتهم. ابن أبي عروبة عن قتادة: إن زيد بن ثابت دخل على عثمان يوم الدار، فقالت: إن هذه الأنصار بالباب وتقول: إن شئت كنا أنصار الله مرتين. قال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا. ابن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن نافع: إن عبد الله بن عمر لبس درعه وتقلد سيفه يوم الدار، فعزم عليه عثمان أن يخرج ويضع سلاحه ويكف يده، ففعل. محمد بن سيرين قال قال سليط: نهانا عثمان عنهم، ولو أذن لنا عثمان فيم لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا.
ما قالوا في قتلة عثمان

(2/92)

العتبي قال: قال رجل من ليث: لقيت الزبير قادما، فقلت: أبا عبد الله، ما بالك؟ قال: مطلوب مغلوب، يغلبني ابني، ويطلبني ذنبي. قال: فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: أبا إسحاق، من قتل عثمان؟ قال: قتله سيف سلته عائشة، وشحذه طلحة، وسمه علي. قلت: فما حال الزبير؟ قال: أشار بيده وصمت بلسانه. وقالت عائشة: قتل الله مذمما بسعيه على عثمان، تريد محمدا أخاها، وأهرق دم ابن بديل على ضلالته، وساق إلى أعين بني تميم هوانا في بيته، ورمى الأشتر بسهم من سهامه لا يشوي. قال: فما منهم أحد إلا أدركته دعوة عائشة. سفيان الثوري قال: لقي الأشتر مسروقا فقال له: أبا عائشة، ما لي أراك غضبان على ربك من يوم قتل عثمان بن عفان؟ لو رأيتنا يوم الدار ونحن كأصحاب عجل بني إسرائيل! وقال سعد بن أبي وقاص لعمار بن ياسر: لقد كنت عندنا من أفاضل أصحاب محمد حتى إذا لم يبق من عمرك إلا ظمء الحمار فعلت وفعلت، يعرض له بقتل عثمان. قال عمار: أي شيء أحب إليك؟ مودة على دخل أو هجر جميل؟ قال: هجر جميل. قال: فلله علي ألا أكلمك أبدا. دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أبا عبد الله، لو رأيتني يوم الجمل وقد نفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي. قال لها المغيرة: وددت والله أن بعضها كان قتلك. قالت: يرحمك الله، ولم تقول هذا؟ قال: لعلها تكون كفارة في سعيك على عثمان. قالت: أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله أني أردت قتله، ولكن علم الله أني أردت أن يقاتل فقوتلت، وأردت أن يرمى فرميت، وأردت أن يعصى فعصيت، ولو علم مني أني أردت قتله لقتلت. وقال حسان بن ثابت لعلي: إنك تقول: ما قتلت عثمان ولكن خذلته، ولم آمر به ولكن لم أنه عنه، فالخاذل شريك القاتل، والساكت شريك القاتل. أخذ هذه المعنى كعب بن جعيل التغلبي، وكان مع معاوية يوم صفين، فقال في علي بن أبي طالب:
وما في علي لمستحدث ... مقال سوى عصمه المحدثينا
وإيثاره لأهالي الذنوب ... ورفع القصاص عن القاتلينا
إذا سيل عنه زوى وجهه ... وعمى الجواب على السائلينا
فليس براض ولا ساخط ... ولا في النهاة ولا الآمرينا
ولا هو ساه ولا سره ... ولا آمن بعض ذا أن يكونا
وقال رجل من أهل الشام في قتل عثمان رضي الله تعالى عنه:
خذلته الأنصار إذ حضر المو ... ت وكانت ثقاته الأنصار
ضربوا بالبلاء فيه مع النا ... س وفي ذاك للبرية عار
حرم بالبلاد من حرم الل ... ه ووال من الولاة وجار
أين أهل الحياء إذ منع الما ... ء فدته الأسماع والأبصار
من عذيرى من الزبير ومن ط ... لحة هاجا أمرا له إعصار
تركوا الناس دونهم عبرة العج ... ل فشبت وسط المدينة نار
هكذا زاغت اليهود عن الح ... ق بما زخرفت لها الأحبار
ثم وافى محمد بن أبي بك ... رجهارا وخلفه عمار
وعلي في بيته يسأل النا ... س ابتداء وعنده الأخبار
باسطا للتي يريد يديه ... وعليه لسكينة ووقار
يرقب الأمر أن يزف إليه ... بالذي سببت له الأقدار
قد أرى كثرة الكلام قبيحا ... كل قول يشينه إكثار
وقال حسان يرثي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه:
من سره الموت صرفا لا مزاج له ... فليأت مأسدة في دار عثمانا
صبرا فدى لكم أمي وما ولدت ... قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا
لعلكم أن تروا يوما بمغيظه ... خليفة الله فيكم كالذي كانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيا وما سيمت حسانا
يا لي شعري ولي الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا

(2/93)

لتسمعين وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
ضحوا، بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
مقتل عثمان بن عفان
أبو الحسن عن مسلمة عن ابن عون: كان ممن نصر عثمان سبعمائة، فيهم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير. ولو تركهم عثمان لضربوهم حتى أخرجوهم من أقطارها.
أبو الحسن عن جبير بن سيرين قال: دخل ابن بديل على عثمان وبيده سيف، وكانت! بينهما شحناء، فضربه بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها، فقال: أما إنها أول كف خطت المفضل.
أبو الحسن قالت: يوم قتل عثمان يقال له: يوم الدار. وأغلق على ثلاثة من القتلى: غلام أسود كان لعثمان، وكنانة بن بشر، وعثمان.
أبو الحسن قال: قال سلامة بن روح الخزاعي لعمرو بن العاص: كان بينكم وبين الفتنة فكسرتموه فما حملكم على ذلك؟ قال: أردنا أن نخرج الحق من حفيرة الباطل وأن يكون الناس في الحق سواء. عن الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية: أن أمدني. فأمده بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كرز البجلي. فتلقاه الناس بقتل عثمان فانصرف، فقال: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها مختلفا إلا قتلته، لأن الخاذل والقاتل سواء. قيس بن رافع قال قال زيد بن ثابت: رأيت عليا مضطجعا في المسجد، فقلت: أبا الحسن، إن الناس يرون أنك لو شئت رددت الناس عن عثمان. فجلس، ثم قال: والله ما أمرتهم بشيء ولا دخلت في شيء من شأنهم. قال: فأتيت عثمان فأخبرته، فقال:
وحرق قيس علي البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما
الفضل عن كثير عن سعيد المقبري قال: لما حضروا عثمان ومنعوه الماء، قال الزبير: وحيل بينهم وبين ما يشتهون، كما فعل بأشياعهم من قبل. ومن حديث الزهري قال: لما قتل مسلم بن عقبة أهل المدينة يوم الحرة، قال عبد الله بن عمر: بفعلهم في عثمان ورب الكعبة. ابن سيرين عن ابن عباس قال: لو أمطرت السماء دما لقتل عثمان لكان قليلا له

(2/94)

أبو سعيد مولى أبي حذيفة قال: بعث عثمان إلى أهل الكوفة: من كان يطالبني بدينار أو درهم أو لطمة فليأت يأخذ حقه، أو يتصدق فإن الله يجزي المتصدقين. قال: فبكى بعض القوم، وقالوا: تصدقنا. ابن عون عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد على عثمان من طلحة. أبو الحسن قال: كان عبد الله بن عباس يقول: ليغلبن معاوية وأصحابه عليا وأصحابه، لأن الله تعالى يقول: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " . أبو الحسن قال: كان ثمامة الأنصاري عاملا لعثمان، فلما أتاه قتله بكى، وقال: اليوم انتزعت خلافة النبوة من أمة محمد وصار الملك بالسيف، فمن غلب على شيء أكله. أبو الحسن عن أبي مخنف عن نمير بن وعلة عن الشعبي: أن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان بن عفان كتبت إلى معاوية كتابا مع النعمان بن بشير، وبعثت إليه بقميص عثمان محضوبا بالدماء. وكان في كتابها: من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد: فإني أدعوكم إلى الله الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم في الكفر، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأنشدكم الله وأذكركم حقه وحق خليفته أن تنصروه بعزم الله عليكم، فإنه قال: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " . فإن أمير المؤمنين بغي عليه، ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حق الولاية لحق على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره، فكيف وقد علمتم قدمه في الإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب الله، وصدق كتابه، وأتبع رسوله، والله أعلم به إذ انتخبه، فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة. وإني أقص عليكم خبره، إني شاهدة أمره كله: إن أهل المدينة حصروه في داره وحرسوه ليلهم ونهارهم، قياما على أبوابه بالسلاح، يمنعونه من كل شيء قدروا عليه، حتى منعوه الماء، فمكث هو ومن معه خمسين ليلة؛ وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى علي ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وطلحة والزبير، فأمروهم بقتله، وكان معهم من القبائل خزاعة وسعد بن بكر وهذيل وطوائف من جهينة ومزينة وأنباط يثرب، فهؤلاء كانوا أشد الناس عليه. ثم إنه حصر فرشق بالنبل والحجارة، فجرح ممن كان في الدار ثلاثة نفر معه، فأتاه الناس يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال، فنهاهم وأمرهم أن يردوا إليهم نبلهم، فردوها عليهم؛ فما زادهم ذلك في القتل إلا جرأة، وفي الأمر إلا إغراقا، فحرقوا باب الدار. ثم جاء نفر من أصحابه فقالوا: إن ناسا يريدون أن يأخذوا بين الناس بالعدل فاخرج إلى المسجد يأتوك. فانطلق فجلس فيه ساعة وأسلحة القوم مطلة عليه من كل ناحية، فقال: ما أرى اليوم أحدا يعدل، فدخل الدار. وكان معه نفر ليس على عامتهم لسلاح، فلبس درعه وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست اليوم درعي. فوثب عليه القوم، فكلمهم ابن الزبير، وأخذ عليهم ميثاقا في صحيفة بعث بها إلى عثمان: عليكم عهد الله وميثاقه أن لا تقربوه بسوء حتى تكلموه وتخرجوا، فوضع السلاح، ولم يكن إلا وضعه. ودخل عليه القوم يقدمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، ودعوه باللقب. فقال: أنا عبد الله وخليفته عثمان. فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدم العين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم، فسقطت عليه وقد أثخنوه وبه حياة، وهم يريدون أن يقطعوا رأسه فيذهبوا به، فأتتني ابنة شيبة بن ربيعة فألقت بنفسها معي، فوطئنا وطئا شديدا، وعرينا من حلينا. وحرمة أمير المؤمنين أعظم، فقتلوا أمير المؤمنين في بيته مقهورا على فراشه. وقد أرسلت إليكم بثوبه عليه دمه، فإنه والله إن كان أثم من قتله فما سلم من خذله، فانظروا أين أنتم من الله. وأنا أشتكي كل ما مسنا إلى الله عز وجل، وأستصرخ بصالحي عباده. فرحم الله عثمان ولعن قتلته وصرعهم في الدنيا مصارع الخزي والمذلة، وشفى منهم الصدور. فحلف رجال من أهل الشام أن لا يمسوا غسلا حتى يقتلوا عليا أو تفنى أرواحهم. وقال

(2/95)

الفرزذق في قتل عثمان: في قتل عثمان:
إن الخلافة لما أظعنت ظعنت ... عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا
صارت إلى أهلها منهم ووارثها ... لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا
السافكي دمه ظلما ومعصية ... أي دم لا هدوا من غيهم سفكوا
وقال حسان:
إن تمس دار بني عثمان خاوية ... باب صريع وبيت محرق خرب
فقد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويأوي إليها المجد والحسب
يا معشر الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الحق عند الله والكذب
تبرؤ علي من دم عثمان
قال علي بن أبي طالب على المنبر: والله لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا، ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا. وأشرف علي من قصر له بالكوفة، فنظر إلى سفينة في دجلة فقال: والذي أرسلها في بحره مسخرة بأمره ما بدأت في أمر عثمان بشيء، ولئن شاءت بنو أمية لأباهلنهم عند الكعبة خمسين يمينا ما بدأت في حق عثمان بشيء. فبلغ هذا الحديث عبد الملك بن مروان فقال: إني لا أحسبه صادقا. قال معبد الخزاعي: لقيت عليا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدا إن شاء الله. قال: سل عما بدا لك. قلت: أخبرني أي منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إن عثمان كان إماما وإنه نهى عن القتال، وقال: من سل سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصينا. قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذ استسلم حتى قتل؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم، إذ قال لأخيه: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " . قلت: فهلا وسعتك هذه المنزلة يوم الجمل؟ قال: إنا قاتلنا يوم الجمل من ظلمنا، قال الله: " ولمن أنتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " . فقاتلنا نحن من ظلمنا وصبر عثمان، وذلك من عزم الأمور. ومن حديث بكر بن حماد: إن عبد الله ابن الكواء سأل علي بن أبي طالب يوم صفين، فقال له: أخبرني عن مخرجك هذا، تضرب الناس بعضهم ببعض، أعهد إليك عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي ارتأيته؟ قال علي: اللهم إني كنت أول من آمن به فلا أكون أول من كذب عليه، لم يكن عندي فيه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان عندي فيه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تركت أخا تيم وعدي على منابرها؛ ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم كان نبي رحمة، مرض أياما وليالي، فقدم أبا بكر على الصلاة، وهو يراني ويرى مكاني. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضيناه لأمر دنيانا إذ رضيه رسول الله لأمر ديننا. فسلمت له وبايعت وسمعت وأطعت، فكنت

(2/96)

آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأقيم الحدود بين يديه. ثم أتته منيته، فرأى أن عمر أطوق لهذا الأمر من غيره، ووالله ما أراد به المحاباة، ولو أرادها لجعلها في أحد ولديه. فسلمت له وبايعت وأطعت وسمعت، فكنت أخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأقيم الحدود بين يديه. ثم أتته منيته، فرأى أنه من استخلف رجلا فعمل بغير طاعة الله عذبه الله به في قبره، فجعلها شورى بين ستة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكنت أحدهم، فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا وعهودنا على أن يخلع نفسه وينظر لعامة المسلمين، فبسط يده إلى عثمان فبايعه. اللهم إن قلت إني لم أجد في نفسي فقد كذبت، ولكنني نظرت في أمري فوجدت طاعتي قد تقدمت معصيتي، ووجدت الأمر الذي كان بيدي قد صار بيد غير لم. فسلمت وبايعت وأطعت وسمعت، فكنت أخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأقيم الحدود بين يديه. ثم نقم الناس عليه أمورا فقتلوه ثم بقيت اليوم أنا ومعاوية، فأرى نفسي أحق بها من معاوية؛ لأني مهاجري وهو أعرابي، وأنا ابن عم رسول الله وصهره، وهو طليق ابن طليق. قال له عبد الله بن الكواء: صدقت، ولكن طلحة والزبير، أما كان لهما في هذا الأمر مثل الذي لك؟ قال: إن طلحة والزبير بايعاني في المدينة ونكثا بيعتي بالعراق، فقاتلتهما على نكثهما، ولو نكثا بيعة أبي بكر وعمر لقاتلاهما على نكثهما كما قاتلتهما على نكثهما، قال: صدقت، ورجع إليه. واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن صفوان على مكة، فخطب ذات يوم، وأبان بن عثمان قاعد عند أصلى المنبر، فنال من طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين في أمر أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكنك سؤتني، حسبي أن يكونا بريئين من أمره. وعلى هذا المعنى قال إسحاق بن عيسى: أعيذ عليا بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ عثمان أن يكون قتله علي. وهذا الكلام على مذهب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي. سعيد بن جبير عن أبي الصهباء: إن رجالا ذكروا عثمان فقال رجل من القوم: إني أعرف لكم رأي علي فيه. فدخل الرجل على علي، فنال من عثمان، فقال علي: دع عنك عثمان، فوالله ما كان بأشرنا، ولكنه ولي فاستأثر فحرمنا فأساء الحرمان. وقال عثمان بن حنيف: إني شهدت مشهدا اجتمع فيه علي وعمار ومالك الأشتر وصعصعة، فذكروا عثمان، فوقع فيه عمار، ثم أخذ مالك فحذا حذوه، ووجه علي يتمعر، ثم تكلم صعصعة، فقال: ما على رجل يقول: كان والله أول من ولي فاستأثر، وأول من تفرقت عنه هذه الأمة! فقال علي: إلي أبا اليقظان، لقد سبقت لعثمان سوابق لا يعذبه الله بها أبدا. محمد بن حاطب قال: قال لي علي يوم الجمل: انطلق إلى قومك فأبلغهم كتبي وقولي. فقلت: إن قومي إذا أتيتهم يقولون: ما قول صاحبك في عثمان؟ فقال: أخبرهم أن قولي في عثمان أحسن القول، إن عثمان كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا واحسنوا والله يحب المحسنين. جرير بن حازم عن محمد بن سيرين قال: ما علمت أن عليا اتهم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس. محمد بن الحنفية: إني عن يمين في يوم الجمل وابن عباس عن يساره، إذ سمع صوتا فقالت: ما هذا؟ قالوا: عائشة تلعن قتلة عثمان. فقال علي: لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل والبحر والبر.
ما نقم الناس على عثمان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:29 pm

ابن دأب قال: لما أنكر الناس على عثمان ما أنكروا من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلة الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا لعبد الرحمن بن عوف: هذا عملك واختيارك لأمة محمد. قال: لم أظن هذا به. ودخل على عثمان فقال له: إني إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، وقد خالفتهما. فقال: عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا أصل قرابتي في الله. فقال له: لله علي أن لا أكلمك أبدا. فمات عبد الرحمن وهو لا يكلم عثمان. ولما رد عثمان الحكم بن أبي العاصي، طريد النبي صلى الله عليه وسلم طريد أبي بكر وعمر إلى المدينة، تكلم الناس في ذلك، فقال عثمان: ما ينقم الناس مني! إني وصلت رحما وقربت قرابة. حصين بن زيد بن وهب قال: مررنا بأبي ذر بالربذة فسألناه عن منزله. فقال: كنت بالشام فقرأت هذه الآية: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " . فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. فقلت: إنها لفينا وفيهم. فكتب إلي عثمان: أقبل. فلما قدمت ركبتني الناس كأنهم لم يروني قط، فشكوت ذلك إلى عثمان. فقال: لو اعتزلت فكنت قريبا. فنزلت هذا المنزل، فلا أدع قولي، ولو أمروا علي عبدا حبشيا لأطعت. الحسن بن أبي الحسن عن الزبير بن العوام في هذه الآية: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " . قال: لقد نزلت وما ندري من يختلف لها. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، فلم جئت إلى البصرة؟ قال: ويحك، إننا ننظر ولا نبصر. أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: إن ناسا كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكة، فمر بنا عثمان فما بقي أحد من القوم إلا لعنه غيري، فكان فيهم رجل من أهل الكوفة فكان عثمان على الكوفي أجرأ منه على غيره، فقال: يا كوفي، أتشتمني؟ فلما قدم المدينة كان يتهدده. قال: فقيل له: عليك بطلحة. قال: فانطلق معه حتى دخل على عثمان. فقال عثمان: والله لأجلدنه مائة سوط. قال طلحة: والله لا تجلدنه مائة إلا أن يكون زانيا. قال: والله لأحرمنه عطاءه. قال: الله يرزقه. ومن حديث ابن أبي قتيبة عن الأعمش عن عبد الله بن سنان قال: خرج علينا ابن مسعود ونحن في المسجد، وكان على بيت مال الكوفة، وأمير الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقال: يا أهل الكوفة، فقدت من بيت مالكم الليلة مائة آلف لم يأتني بها كتاب من أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها براءة. قال: فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك، فنزعه عن بيت المال. ومن حديث الأعمش يرويه أبو بكر بن أبي شيبة قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة، ثم قالوا: من يذهب بها إليه؟ قال عمار: أنا. فذهب بها إليه. فلما قرأها قال: أرغم الله أنفك. قال: وأنف أبي بكر وعمر. قال: فقام إليه فوطئه حتى غشى عليه. ثم ندم عثمان وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له: اختر إحدى ثلاث: إما أن تعفو، هاما أن تأخذ الأرش، وإما أن تقتص. فقال: والله لا قبلت واحدة منها حتى ألقى الله. قال أبو بكر: فذكرت هذا الحديث للحسن بن صالح، فقال: ما كان على عثمان أكثر مما صنع.
ومن حديث الليث بن سعد قال: مر عبد الله بن عمر بحذيفة فقال: لقد اختلف الناس بعد نبيهم، فما منهم أحد إلا أعطى من دينه ما عدا هذا الرجل. وسئل سعد بن أبي وقاص عن عثمان فقال: أما والله لقد كان أحسننا وضوءا، وأطولنا صلاة، وأتلانا لكتاب الله، وأعظمنا نفقة في سبيل الله. ثم ولي فأنكروا عليه شيئا، فأتوا إله أعظم مما أنكروا.

(2/98)

وكتب عثمان إلى أهل الكوفة حين ولاهم سعيد بن العاص: أما بعد. فإني كنت وليتكم الوليد بن عقبة غلاما حين ذهب شرخه، وثاب حلمه، وأوصيته بكم ولم أوصكم به، فلما أعيتكم علانيته طعنتم في سريرته. وقد وليتكم سعيد بن العاص، وهو خير عشيرته، وأوصيكم به خيرا فاستوصوا به خيرا. وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وكان عامله على الكوفة، فصلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: وإن شئتم زدتكم. فقامت عليه البينة بذلك عند عثمان، فقال لطلحة: قم فاجلده. قال: لم أكن من الجالدين. فقام إليه علي فجلده.
وفيه يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... لجمعت بين الشفع والوتر
مسكوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري
ابن دأب قال: لما أنكر الناس على عثمان ما أنكروا واجتمعوا إلى علي وسألوه أن يلقى لهم عثمان. فأقبل حتى دخل عليه فقال: إن الناس ورائي قد كلموني أن أكلمك، والله ما أدرى ما أقول لك، ما أعرف شيئا تنكره، ولا أعلمك شيئا تجهله، وما ابن الخطاب أولى بشيء من الخير منك، وما نبصرك من عمى، وما نعلمك من جهل، وإن الطريق لبين واضح. تعلم يا عثمان أن أفضل الناس عند الله إمام عدل، هدي وهدى، فأحيا سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة؛ وأن شر الناس عند الله إمام ضلالة، ضل وأضل، فأحيا بدعة مجهولة، وأمات سنة معلومة. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالإمام الجائر يوم القيامة ليس معه ناصر ولا له عاذر فيلقى في جهنم فيدور دور الرحى يرتطم بجمرة النار إلى آخر الأبد. وأنا أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، يفتح به باب القتل والقتال إلى يوم القيامة، يمرج به أمرهم ويمرجون. فخرج عثمان، ثم خطب خطبته التي أظهر فيها التوبة. وكان علي كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل ابنه الحسن إليه، فلما أكثر عليه قال له: إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل، فكف عنا. فلم يبعث علي ابنه في شيء بعد ذلك. وذكروا أن عثمان صلى العصر ثم خرج إلى علي يعوده في مرضه، ومروان معه، فرآه ثقيلا. فقالت: أما والله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلم به، والله ما أدري أي يوميك أحب إلي أو أبغض، أيوم حياتك أو يوم موتك؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتا يعدك كنفا، ويتخذك عضدا، ولئن مت لأفجعن بك. فحظى منك حظ الوالد المشفق من الولد العاق، إن عاش عقه، وإن مات فجعه. فليتك جعلت لنا من أمرك علما نقف عليه ونعرفه، إما صديق مسالم وإما عدو معاند، ولم تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض، لا يرقى بيد، ولا يهبط برجل. أما والله لئن قتلتك لا أصيب منك خلفا، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفا، وما أحب أن أبقى بعدك. قال مروان: أي والله وأخرى، إنه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا وتقطع سيوفنا، فما خير العيش بعد هذا. فضرب عثمان في صدره وقال: ما يدخلك في كلامنا؟ فقال على: إني والله في شغل عن جوابكما، ولكني أقول كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. وقال عبد الله بن العباس: أرسل إلي عثمان فقال لي: اكفني ابن عمك. فقلت: إن ابن عمي ليس بالرجل يرى له ولكنه يرى لنفسه، فأرسلني إليه بما أحببت. قال: قل له فليخرج إلى ماله بالينبع فلا أغتم به ولا يغتم بي. فأتيت عليا فأخبرته. فقال: ما اتخذني عثمان إلا ناصحا، ثم أنشد يقول:
فكيف به أني أداوي جراحه ... فيدوى فلا مل الدواء ولا الداء
أما والله إنه ليختبر القوم. فأتيت عثمان، فحدثته الحديث كله إلا البيت الذي أنشده. وقوله: إنه ليختبر القوم. فأنشد عثمان:
فكيف به أني أداوي جراحه ... فيدوى فلا مل الدواء ولا الداء
وجعل يقول: يا رحيم، انصرني، يا رحيم، انصرني، يا رحيم، انصرني.

(2/99)

قال: فخرج علي إلى ينبع، فكتب إليه عثمان حين اشتد الأمر: أما بعد. فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع في من كان يضعف عن نفسه:
فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
فأقبل إلي على أي أمريك أحببت، وكن لي أم علي، صديقا كنت أم عدوا:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
خلافة علي بن أبي طالب
رضي الله عنه
قال: لما قتل عثمان بن عفان، أقبل الناس يهرعون إلى علي بن أبي طالب فتراكمت عليه الجماعة في البيعة، فقال: ليس ذلك إليكم، إنما ذلك لأهل بدر ليبايعوا. فقال: أين طلحة والزبير وسعد؟ فأقبلوا فبايعوا، ثم بايعه المهاجرون والأنصار، ثم بايعه الناس. وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكان أول من بايع طلحة، فكانت إصبعه شلاء، فتطير منها علي، وقال. ما أخلقه أن ينكث. فكان كما قال علي رضي الله عنه.
نسب علي بن أبي طالب وصفته
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وصفته، كان أصلع بطينا حمش الساقين. صاحب شرطته معقل بن قيس الرياحي، وما لك بن حبيب اليربوعي، وكاتبه سعيد ابن نمران، وحاجبه قنبر، مولاه. وقتل يوم الجمعة بالكوفة، وهو خارج إلى المسجد لصلاة الصبح، لسبع بقين من شهر رمضان، فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، صلى عليه ولده الحسن، ودفن برحبة الكوفة، ويقال في لحف الحيرة، وعمي قبره. واختلف في سنه، فقال الشعبي: قتل علي رحمه الله وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وولد علي بمكة في شعب بني هاشم.
فضائل علي بن أبي طالب
كرم الله وجهه
أبو الحسن قال: أسلم علي وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو أول من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي؟ وبهذا الحديث سمت الشيعة علي بن أبي طالب الوصي، وأولوا فيه أنه استخلفه على أمته إذ جعله منه بمنزلة هارون من موسى؛ لأن هارون كان خليفة موسى على قومه إذا غاب عنهم. وقال السيد الحميري رحمه الله تعالى:
إني أدين بما دان الوصي به ... وشاركت كفه كفي بصفينا
وجمع النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا والحسن والحسين فألقى عليهم كساءه وضمهم إلى نفسه ثم تلا هذه الآية: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. فتأولت الشيعة الرجس هاهنا بالخوض في غمرة الدنيا وكدورتها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، لا يمسي حتى يفتح الله له. فدعا عليا، وكان أرمد، فتفل في عينيه، وقال: اللهم. قه داء الحر والبرد. فكان يلبس كسوة الصيف في الشتاء وكسوة الشتاء في الصيف ولا يضره. أبو الحسن قال: ذكر علي عند عائشة فقالت: ما رأيت رجلا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولا رأيت امرأة كانت أحب إليه من امرأته. وقال علي بن أبي طالب: أنا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، لا يقولها بعدي إلا كذاب. الشعبي قال: كان علي بن أبي طالب في هذه الأمة مثل المسيح بن مريم في بني إسرائيل، أحبه قوم فكفروا في حبه، وأبغضه قوم فكفروا في بغضه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما. أبو الحسن قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقسم بيت المال في كل جمعة حتى لا يبقي منه شيئا، ثم يفرش له ويقيل فيه. ويتمثل بهذا البيت:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه
كان علي بن أبي طالب إذا دخل بيت المال ونظر إلى ما فيه من الذهب والفضة قال:
ابيضي واصفري وغري غيري ... إني من الله بكل خير

(2/100)

ودخل رجل على الحسن بن أبي الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، إنهم يزعمون أنك تبغض عليا. قال: فبكى الحسن حتى اخضلت لحيته، ثم قال: كان علي بن أبي طالب سهما صائبا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها وسابقتها، وذا قرابة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن بالنومة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا الملولة في ذات الله، ولا السروفة لمال الله. أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة وأعلام بينة، ذلك علي بن أبي طالب يا لكع.
يوم الجمل
أبو اليقظان قال: قدم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة أم المؤمنين البصرة. فتلقاهم الناس بأعلى المربد، حتى لو رموا بحجر ما وقع إلا على رأس إنسان، فتكلم طلحة وتكلمت عائشة، وكثر اللغط، فجعل طلحة يقول: أيها الناس، أنصتوا. وجعلوا يركبونه ولا ينصتون. فقال: أف أف! فراش نار، وذباب طمع. وكان عثمان بن حنيف الأنصاري عامل علي بن أبي طالب على البصرة، فخرج إليهم في رحاله ومن معه، فتواقفوا حتى زالت الشمس، ثم اصطلحوا، وكتبوا بينهم كتابا أن يكفوا عن القتال حتى يقدم علي بن أبي طالب، ولعثمان بن حنيف دار الإمارة والمسجد الجامع وبيت المال، فكفوا. ووجه علي بن أبي طالب الحسن ابنه وعمار بن ياسر إلى أهل الكوفة يستنفر انهم، فنفر معهما سبعة آلاف من أهل الكوفة. فقال لهم عمار. أما والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لتتبعوه أو تتبعوها. وخرج علي في أربعة آلاف من أهل المدينة، فيهم ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعه الرضوان مع النبي صلى الله عليه وسلم. وراية علي مع ابنه محمد ابن الحنفية، وعلى ميمنته الحسن، وعل ميسرته الحسين، وعلى الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر، وعلى المقدمة عبد الله بن عباس. ولواء طلحة والزبير مع عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى الخيل طلحة بن عبيد الله، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير. فالتقوا بموضع قصر عبيد الله بن زياد في النصف من جمادى الآخرة يوم الخميس. وكانت الوقعة يوم الجمعة.
وقالوا: لما قدم علي بن أبي طالب البصرة قال لابن عباس: ائت الزبير ولا تأت طلحة، فإن الزبير ألين، وأنت تجد طلحة كالثور عاقصا بقرنه يركب الصعوبة، ويقول: هي أسهل، فأقرئه السلام، وقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز، وأنكرتني بالعراق، فما عدا ما بدا؟ قال ابن عباس: فأتيته فأبلغته. فقال: قل له: بيننا وبينك عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، نحل ما أحلت، ونحرم ما حرمت. وقال علي بن أبي طالب: ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى أدركه ابنه عبد الله فلفته عنا. وقال طلحة لأهل البصرة وسألوه عن بيعة علي فقال: أدخلوني في حش ثم وضعوا الفج على قفي فقالوا: بايع وإلا قتلناك. قوله: اللج، يريد السيف، وقوله: قفي، لغة طىء، وكانت أمه طائية.

(2/101)

وخطبت عائشة أهل البصرة يوم الجمل فقالت: أيها الناس، صه صه، كأنما قطعت الألسن في الأفواه. ثم قالت: إن لي عليكم حرمة الأمومة، وحق الموعظة، لا يتهمني إلا من عصى ربه. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، وأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادخرني ربي وسلمني من كل بضع، وبي ميز بين منافقكم ومؤمنكم، وبي أرخص لكم في صعيد الأبواء. ثم أبي ثالث ثلاثة من المؤمنين وثاني اثنين في الغار، وأول من سمي صديقا. مضى رسول الله صلى الله عليه وسلما راضيا عنه، وطوقه طوق الإمامة. ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبي بطرفيه، ورتق لكم أثناءه فوقم النفاق، وأغاض نبع الردة، وأطفأ ما حشت يهود، وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون العدوة، وتسمعون الصيحة، فرأب الثأي، وأوذم العطلة، وانتاش من الهوة، واجتحى دفين الداء، حتى أعطن الوارد، وأورد الصادر، وعل الناهل، فقبضه الله واطئا على هامات النفاق، مذكيا نار الحرب للمشركين. وانتظمت طاعتكم بحبله. ثم ولي أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيدا ما بين اللابتين إذا ضل، عروكة للأذاة بجنبه، يقظان الليل في نصرة الإسلام، فسلك مسلك السابقين، ففرق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن، وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا. لم ألتمس إثما، ولم أورث فتنة أوطئكموها. أقول قولي هذا صدقا وعدلا، وإعذارا وإنذارا، وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين. وكتبت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة أم المؤمنين إذ عزمت على الخروج يوم الجمل: من أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة أم المؤمنين، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد، إنك سدة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أمته، حجاب مضروب على حرمته. قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكر خفارتك فلا تبتذليها. فالله من وراء هذه الأمة. لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك. أما علمت أنه قد نهاك عن الفراطة في البلاد، فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع؟ جهاد النساء غض الأطراف، وضم الذيول، وقصر الموادة. ما كنت قائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصة قعودا، من منهل إلى منهل؟ وغدا تردين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقسم لو قيل لي: يا أم سلمة، ادخلي الجنة، لاستحييت أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتكة حجابا ضربه علي. فاجعليه سترك، وقاعة البيت حصنك؛ فإنك أنصح ما تكونين لهذه الأمة ما قعدت عن نصرتهم. ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لنهشتني نهش الحية الرقشاء المطرقة. والسلام.

(2/102)

فأجابتها عائشة: من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فما أقبلني لوعظك، وأعرفني لحق نصيحتك، وما أنا بمعتمرة بعد تعريج، ولنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متشاجرتين من المسلمين، فإن أقعد فعن غير حرج، وإن أمض فإلى ما لا غنى بي عن الازدياد منه. والسلام. وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان إذ قدمت البصرة: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، سلام عليك. أما بعد، فإن أباك كان رأسا في الجاهلية وسيدا في الإسلام، وإنك من أبيك بمنزلة المصلى من السابق، يقال كاد أو لحق، وقد بلغك الذي كان في الإسلام من مصاب عثمان بن عفان، ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر. فإذا أتاك كتابي هذا فثبط الناس عن في بن أبي طالب، وكن مكانك حتى يأتيك أمري، والسلام. فكتب إليها: من زيد بن صوحان إلى عائشة أم المؤمنين. سلام عليك، أما بعد، فإنك أمرت بأمر وأمرنا بغيره، أمرت أن تقري في بيتك، وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة. فتركت ما أمرت به وكتبت تنهينا عما أمرنا به، والسلام وخطب علي رضي الله عنه بأهل الكوفة يوم الجمل إذ أقبلوا إليه مع الحسن بن علي فقام فيهم خطيبا، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله علي سيدنا محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين، أما بعد. فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين كافة، والناس في اختلاف، والعرب بشر المنازل، مستضعفون لما بهم، فرأب الله به الثأي، ولأم به الصدع، ورتق به الفتق، وأمن به السبيل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الموغرة للقلوب، والضفائن المشحنة للصدور، ثم قبضه الله تعالى مشكورا سعيه، مرضيا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند الله نزله. فيالها من مصيبة عمت المسلمين، وخصت الأقربين. وولي أبو بكر فسار فينا بسيرة رضا، رضي بها المسلمون. ثم ولي عمر فسار بسيرة أبي بكر رضي الله عنهما. ثم ولي عثمان فنال منكم ونلتم منه. ثم كان من أمره ما كان، أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم: لو بايعتنا؟ فقلت: لا أفعل، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم كفي فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلا بك، ولا نجتمع إلا عليك، وتراكمتم علي تراكم الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعضا، فبايعتموني، وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني إلى العمرة. فسارا إلى البصرة فقاتلا بها المسلمين، وفعلا بها الأفاعيل، وهما يعلمان والله أني لست بدون من مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت: اللهم إنهما قطعا قرابتي، ونكثا بيعتي، وألبا علي عدوي. اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملا. وأملى علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن داود عن أبي هند عن أبي حرب عن أبي الأسود عن أبيه قال: خرجت مع عمران بن حصين وعثمان بن حنيف إلى عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا. عهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم رأي رأيتيه؟ قالت: بل رأي رأيته حين قتل عثمان بن عفان، إنا نقمنا عليه ضربه بالسوط، وموقع المسحاة المحماة، وإمرة سعيد والوليد، فعدوتم عليه فاستحللتم منه الثلاث الحرم: حرمة البلد وحرمة الخلافة وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصتموه كما يماص الإناء. فغضبنا لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيفكم؟ قلنا: ما أنت وسيفنا وسوط عثمان، وأنت حبيس رسول الله صلى الله عليه وسلم! أمرك أن تقري في بيتك فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض! قالت: وهل أحذ يقاتلني أو يقوله غير هذا؟ قلنا: نعم. قالت: ومن يفعل ذلك؟ هل أنت مبلغ عني يا عمران؟ قال: لست مبلغا عنك حرفا واحدا. قلت: لكنني مبلغ عنك، فهات ما شئت. قالت: اللهم اقتل مذمما قصاصا بعثمان، وارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، وأدرك عمارا بخفره بعثمان أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن الأحنف بن قيس قال: قدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فانطلقت فأتيت طلحة والزبير، فقلت: إني لا أرى هذا إلا مقتولا

(2/103)

فمن تأمراني به كما ترضيانه لي؟ قالا: نأمرك بعلي. قلت: فتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. قال: ثم انطلقت حتى أتيت مكة، فبينما نحن بها إذ أتانا قتل عثمان وبها عائشة أم المؤمنين، فانطلقت إليها فقلت: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: علي بن أبي طالب. قلت: أتأمريني به وترضينه لي؟ قالت: نعم. قال: فممرت على علي بالمدينة فبايعته، ثم رجعت إلى البصرة، وأنا أرى أن الأمر قد استقام، فما راعنا إلا قدوم عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير قد نزلوا جناب الخريبة. قاد: فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: قد أرسلوا إليك يستنصرونك على دم عثمان، إنه قتل مظلوما. قال: فأتاني أفظع أمر لم يأتني قط. قلت: إن خذلان هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم لشديد، وإن قتال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروني ببيعته لشديد. قال: فلما أتيتهم قالوا: جئناك نستصرخك على دم عثمان، قتل مظلوما. قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنشدك الله، أقلت لك: من تأمريني به وترضينه لي، فقلت: علي؟ قالت: بلى، ولكنه بدل. قلت: يا زبير، يا حواري رسول الله، ويا طلحة، نشدتكما بالله، قلت لكما: من تأمراني به وترضيانه لي، فقلتما علي؟ قالا: بلى، ولكنه بدل. قال: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين، ولا أقاتل عليا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختاروا مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي باب الجسر فألحق بأرض الأعاجم حتى يقضي الله من أمره ما يقضي، وإما أن ألحق بمكة فأكون بها، أو أتحول فأكون قريبا؟ قالوا: نأتمر ثم نرسل إليك. قال: فأتمروا وقالوا: نفتح له باب الجسر فيلحق به المفارق والخاذل، أو يلحق بمكة فيفحشكم في قريش ويخبرهم بأخباركم، اجعلوه هاهنا قريبا حيث تنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء، من البصرة على فرسخين، واعتزل معه زهاء ستة آلاف من بني تميم.فمن تأمراني به كما ترضيانه لي؟ قالا: نأمرك بعلي. قلت: فتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. قال: ثم انطلقت حتى أتيت مكة، فبينما نحن بها إذ أتانا قتل عثمان وبها عائشة أم المؤمنين، فانطلقت إليها فقلت: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: علي بن أبي طالب. قلت: أتأمريني به وترضينه لي؟ قالت: نعم. قال: فممرت على علي بالمدينة فبايعته، ثم رجعت إلى البصرة، وأنا أرى أن الأمر قد استقام، فما راعنا إلا قدوم عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير قد نزلوا جناب الخريبة. قاد: فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: قد أرسلوا إليك يستنصرونك على دم عثمان، إنه قتل مظلوما. قال: فأتاني أفظع أمر لم يأتني قط. قلت: إن خذلان هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم لشديد، وإن قتال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروني ببيعته لشديد. قال: فلما أتيتهم قالوا: جئناك نستصرخك على دم عثمان، قتل مظلوما. قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنشدك الله، أقلت لك: من تأمريني به وترضينه لي، فقلت: علي؟ قالت: بلى، ولكنه بدل. قلت: يا زبير، يا حواري رسول الله، ويا طلحة، نشدتكما بالله، قلت لكما: من تأمراني به وترضيانه لي، فقلتما علي؟ قالا: بلى، ولكنه بدل. قال: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين، ولا أقاتل عليا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختاروا مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي باب الجسر فألحق بأرض الأعاجم حتى يقضي الله من أمره ما يقضي، وإما أن ألحق بمكة فأكون بها، أو أتحول فأكون قريبا؟ قالوا: نأتمر ثم نرسل إليك. قال: فأتمروا وقالوا: نفتح له باب الجسر فيلحق به المفارق والخاذل، أو يلحق بمكة فيفحشكم في قريش ويخبرهم بأخباركم، اجعلوه هاهنا قريبا حيث تنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء، من البصرة على فرسخين، واعتزل معه زهاء ستة آلاف من بني تميم.
مقتل طلحة
أبو الحسن قال: كانت وقعة الجمل يوم الجمعة في النصف من جمادى الآخرة، التقوا فكان أول مصروع فينا طلحة بن عبيد الله، أتاه سهم غرب فأصاب ركبته، فكان إذا أمسكوه فتر الدم، وإذا تركوه انفجر، فقال لهم: اتركوه، فإنما هو سهم أرسله الله.

(2/104)

حماد بن زيد عن يحيى بن لسعيد قال: قال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكسعي لما ... طلبت رضا بني حزم بزعمي
للهم خذ مني لعثمان حتى يرضى.
ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: لما رأى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد الله قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان، فانتزع له سهما فقتله.
ومن حديث سفيان الثوري قال: لما انقضى يوم الجمل خرج علي بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم ومعه مولاه وبيده شمعة يتصفح وجوه القتلى، حتى وقف على طلحة بن عبيد الله في بطن واد متعفرا فجعل يمسح الغبار عن وجهه وبقول: أعزز علي يا أبا محمد أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية، إنا لله وإنا إليه راجعون. شقيت نفسي وقتلت معشري، إلى الله أشكو عجري وبجري. ثم قال: والله إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " وإذا لم نكن نحن فمن هم؟ أبو إدريس عن ليث بن طلحة عن مطرف: أن علي بن أبي طالب أجلس طلحة يوم الجمل ومسح الغبار عن وجهه وبكى عليه. ومن حديث سفيان: أن عائشة بنت طلحة كانت ترى في نومها طلحة، وذلك بعد موته بعشرين يوما؛ فكان يقول لها: يا بنية، أخرجيني من هذا الماء الذي يؤذيني. فلما انتبهت من نومها جمعت أعوانها ثم نهضت فنبشته، فوجدته صحيحا كما دفن لم تنحسر له شعرة، وقد اخضر جنبه كالسلق من الماء الذي كان يسيل عليه، فلفته في الملاحف واشترت له عرصة بالبصرة فدفنته فيها، وبنت حوله مسجدا. قال: فلقد رأيت المرأة من أهل البصرة تقبل بالقارورة من البان فتصبها على قبره حتى تفرغها، فلم يزلن يفعلن ذلك حتى صار تراب قبره مسكا أذفر. ومن حديث الخشني قال: لما قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل وجدوا في تركته ثلثمائة بهار من ذهب وفضة. والبهار: مزود من جلد عجل. وقع قوم في طلحة عند علي بن أبي طالب فقال: أما والله لئن قلتم فيه إنه لكما قال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
كأن الثريا علقت في يمينه ... وفي خده الشعري وفي الآخر البدر
مقل الزبير بن العوام
شريك عن الأسود بن قيس قال: حدثني من رأى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا، فنوه به علي: أيا عبد الله، أتذكر يوما أتانا النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أناجيك فقال: أتناجيه! والله ليقاتلنك وهو ظالم لك. قال: فصرف الزبير وجه دابته وانصرف. قال أبو الحسن: لما انحاز الزبير يوم الجمل مر بماء لبني تميم، فقيل للأحنف بن قيس: هذا الزبير قد أقبل. قال: وما أصنع به أن جمع بين هذين الغزيين وترك الناس وأقبل - يريد بالغزيين المعسكرين - وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي، فلما سمع كلامه قام من مجلسه واتبعه حتى وجده بوادي الطباع نائما فقتله، وأقبل برأسه على علي بن أبي طالب. فقال علي: أبشر بالنار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشروا قاتل الزبير بالنار. فخرج عمرو بن جرموز وهو يقول:
أتيت عليا برأس الزبير ... وقد كنت أحسبها زلفه
فبشر بالنار قبل العيان ... فبئس بشارة ذي التحفه
ومن حديث ابن أبي شيبة قال: أقبل رجل بسيف الزبير إلى الحسن بن علي، فقال: لا حاجة لي به، أدخله إلى أمير المؤمنين. فدخل به إلى علي، فناوله إياه وقال: هذا سيف الزبير. فأخذه علي، فنظر إليه مليا ثم قال: رحم الله الزبير. لطالما فرج به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت امرأة الزبير ترثيه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم الهياج وكان غير معدد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمك أن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
وقال جرير ينعي على ابن مجاشع قتل الزبير رضي الله تعالى عنه:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:32 pm

إني تذكرني الزبير حمامة ... تدعو ببطن الواديين هديلا
قالت قريش ما أذل مجاشعا ... جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
لو كنت حرا يا بن قين مجاشع ... شيعت ضيفك فرسخا أو ميلا
أفبعد قتلكم خليل محمد ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا
هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: دعاني أبي يوم الجمل فقمت عن يمينه، فقال: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وما أراني إلا سأقتل مظلوما، وإن أكبر همي ديني، فبع مالي ثم اقض ديني، فإن فضل شيء فثلثه لولدك، وإن عجزت عن شيء ما بني فاستعن مولاي. قلت: ومن مولاك يا أبت؟ قال: الله. قال عبد الله بن الزبير: فوالله ما بقيت بعد ذلك في كربة من دينه أو عسرة إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه، فيقضيه. قال: فقتل الزبير ونظرت في دينه فإذا هو ألف ألف ومائة ألف. قال: فبعت ضيعه له بالغابة بألف ألف وستمائة ألف، ثم ناديت: من كان له قبل الزبير شيء فليأتنا نقضه. فلما قضيت دينه أتاني إخوتي فقالوا: أقسم بيننا ميراثنا. قلت: والله لا أقسم حتى أنادي أربع سنين بالموسم: من كان له على الزبير شيء فليأتنا نقضه. قال: فلما مضت الأربع السنين أخذت الثلث لولدي، ثم قسمت الباقي. فصار لكل امرأة من نسائه - وكان له أربع نسوة - في ربع الثمن ألف ألف ومائة ألف. فجميع ما ترك مائة ألف ألف وسبعمائة ألف ألف. ومن حديث ابن أبي شيبة قال: كان علي يخرج مناديه يوم الجمل يقول: لا يسلبن قتيل، ولا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح. قال: وخرج كعب بن ثور من البصرة قد تقلد المصحف في عنقه، فجعل ينشره بين الصفين ويناشد الناس في دمائهم، إذ أتاه سهم فقتله وهو في تلك الحال لا يدري من قتله. وقال في بن أبي طالب يوم الجمل للأشتر، وهو مالك بن الحارث، وكان الميمنة: أحمل. فحمل، فكشف من بإزائه. وقال لهاشم بن عقبة، أحد بني زهرة بن كلاب، وكان على الميسرة: احمل. فحمل، فكشف من بإزائه. فقال علي لأصحابه: كيف رأيتم ميسرتي وميمنتي!
من حديث الجمل
الخشني عن أبي حاتم الجستاني قال: أنشدني الأصمعي عن رجل شهد الجمل يقول:
شهدت الحروب وشيبني ... فلم تر عيني كيوم الجمل
اضر على مؤمن فتنة ... وأفتك منه لخرق بطل
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
ابن منية وهبه لعائشة وجعل له هودجا من حديد، وجهز من ماله خمسمائة فارس بأسلحتهم وأزودتهم. وكان أكثر أهل البصرة مالا. وكان علي بن أبر طالب يقول: بليت بأنض الناس وأنطق الناس وأطوع الناس في الناس. يريد بأنض الناس: يعلى بن منية، وكان أكثر الناس ناضا؛ ويريد بأنطق الناس: طلحة بن عبيد الله؛ وأطوع الناس في الناس عائشة أم المؤمنين. أبو بكر بن أبي شيبة عن مخلد بن عبيد الله عن التميمي قال: كانت راية علي يوم الجمل سوداء، وراية أهل البصرة كالجمل. الأعمش عن رجل سماه قال: كنت أرى عليا يوم الجمل يحمل فيضرب بسيفه حتى ينثني، ثم يرجع فيقول: لا تلوموني ولوموا هذا، ثم يعود ويقومه. ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: قال عبد الله بن الزبير: التقيت مع الأشتر يوم الجمل، فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسة أو ستة، ثم جر برجلي فألقاني في الخندق، وقال: والله لولا قربك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع فيك عضو إلى آخر. أبو بكر بن أبي شيبة قال: أعطت عائشة الذي بشرها بحياة ابن الزبير، إذ التقى مع الأشتر يوم الجمل، أربعة آلاف. سعيد عن قتادة قال: قتل يوم الجمل مع عائشة عشرون ألفا، منهم ثمانمائة من بني ضبة. وقالت عائشة: ما أنكرت رأس جملي حتى فقدت أصوات بني عدي. وقتل من أصحاب علي خمسمائة رجل، لم يعرف منهم إلا علباء بن الهيثم وهند الجملي، قتلهما ابن اليثربي، وأنشأ يقول:
إني لمن يجهلني ابن اليثربي ... قتلت علباء وهند الجملي

(2/106)

عبد الله بن عون عن أبي رجاء قال: لقد رأيت الجمل حينئذ وهو كظهر القنفذ من النبل، ورجل من بني ضبة أخذ بخطامه وهو يقول:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل
ننعي ابن عفان بأطراف الأسل
غندر قال: حدثنا شعبة بن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة، وكان مع في بن أبي طالب يوم الجمل، والحارث بن سويد، وكان مع طلحة والزبير، وتذاكرا وقعة الجمل، فقال الحارث بن سويد: والله ما رأيت مثل يوم الجمل، لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا وأشرعنا رماحنا في صدورهم، ولو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت، يقول هؤلاء: لا إله إلا الله والله أكبر، ويقول هؤلاء: لا إله إلا الله والله أكبر، فوالله لوددت أني لم أشهد ذلك اليوم، وأني أعمى مقطوع اليدين والرجلين. وقال عبد الله بن سلمة: والله ما يسرني أني غبت عن ذلك اليوم ولا عن مشهد شهده علي بن أبي طالب بحمر النعم. علي بن عاصم عن حصين قال: حدثني أبو جميلة البكاء قال: إني لفي الصف مع علي بن طالب إذ عقر بأم المؤمنين جملها، فرأيت محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر يشتدان بين الصفين أيهما يسبق إليها، فقطعا عارضة الرحل واحتملاها في هودجها. ومن حديث الشعبي قال: من زعم أنه شهد الجمل من أهل بدر إلا أربعة، فكذبه، كان علي وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية. أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثني خالد بن مخلد عن يعقوب عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بديل إلى عائشة وهي في الهودج، فقال: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله، أتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت لك: إن عثمان قد قتل فما تأمرينني به. فقلت لي: الزم عليا؟ فوالله ما غير ولا بدل. فسكتت. ثم أعاد عليها. فسكتت. ثلاث مرات. فقال: اعقروا الجمل، فعقروه. فنزلت أنا وأخوها محمد بن أبي بكر فاحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي علي، فسر به، فأدخل في منزل عبد الله بن بديل.

(2/107)

وقالوا: لما كان يوم الجمل ما كان، وظفر علي بن أبي طالب دنا من هودج عائشة، فكلمها بكلام. فأجابته: ملكت فأسجع. فجهزها علي بأحسن الجهاز وبعث معها أربعين امرأة - وقال بعضهم: سبعين امرأة - حتى قدمت المدينة. عكرمة عن ابن عباس قال: لما انقضى أمر الجمل دعا علي بن أبي طالب بآجرتين فعلاهما، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أنصار المرأة، وأصحاب البهيمة، رغا فجئتم، وعقر فهزمتم، نزلتم شر بلاد، أبعدها من السماء، بها مغيض كل ماء، ولها شر أسماء، هي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر، أين ابن عباس؟ قال: فدعيت له من كل ناحية، فأقبلت إليه، فقال: ائت هذه المرأة، فلترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقر فيه. قال: فجئت فاستأذنت عليها، فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها. فقالت: تالله يا بن عباس ما رأيت مثلك! تدخل بيتنا بلا إذننا، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا. فقلت: والله ما هو بيتك، ولا بيتك إلا الذي أمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي، إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجت منه. قالت: رحم الله أمير المؤمنين، ذاك عمر بن الخطاب. قلت: نعم، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قالت: أبيت أبيت. قلت: ما كان إباوك إلا فواق ناقة بكيئة، ثم صرت ما تحلين ولا تمرين، ولا تأمرين ولا تنهين. قال: فبكت حتى علا نشيجها. ثم قالت: نعم، أرجع؛ فإن أبغض البلدان إلي بلد أنتم فيه. قلت: أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أما، وجعلنا أباك لهم صديقا. قال: أتمن في برسول الله يا بن عباس؟ قلت: نعم، نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا. قال ابن عباس: فأتيت عليا فأخبرته، فقبل بين عيني، وقال: بأبي ذرية بعضا من بعض والله سميع عليم. ومن حديث ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب: أن قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت رؤيا أفظعتني. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس. قال عمر بن الخطاب: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الفيل وجعلنا آية النهار مبصرة " فانطلق، فوالله لا تعمل لي عملا أبدا. قال: فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفين. أبو بكر بن أبي شيبة قال: أقبل سليمان بن صرد، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى علي بن أبي طالب بعد وقعة الجمل، فقال له: تنأنأت وتزحزحت وتربصت، فكيف رأيت الله صنع؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الشوط بطين، وقد بقي من الأمور ما تعرف به عدوك من صديقك. وكتب علي بن أبي طالب إلى الأشعث بن قيس بعد الجمل، وكان واليا لعثمان على أذربيجان: سلام عليك، أما بعد. فلولا هنات كن منك لكنت أنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله، وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، وقد كان طلحة والزبير أول من بايعني ثم نكثا بيعتي من غير حدث ولا سبب، وأخرجا أم المؤمنين، فساروا إلى البصرة، وسرت إليهم فيمن بايعني من المهاجرين والأنصار، فالتقينا، فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه، فأبوا، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقيا، وأمرت ألا يذف على جريح ولا يتبع منهزم ولا يسلب قتيل، ومن ألقى سلاحه وأغلق بابه فهو آمن. واعلم أن عملك ليس لك بطعمة، إنما هو أمانة في عنقك، وهو مال من مال الله، وأنت من خزاني عليه حتى تؤديه إلي إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. فلما بلغ الأشعث كتاب علي قام فقال: أيها الناس، إن عثمان بن عفان ولاني أذربيجان فهلك، وقد بقيت في يدي، وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له واجبة، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما كان، وهو المأمون على من غاب من ذلك المجلس، ثم جلس.
قولهم في أصحاب الجمل

(2/108)

أبو بكر بن أبي شيبة قال: سئل علي عن أصحاب الجمل: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قال: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قال: فما هم! قال: إخواننا بغوا علينا. ومر علي بقتلى الجمل فقال: اللهم اغفر لنا ولهم، ومعه محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فقال أحدهما لصاحبه: أما تسمع ما يقول! قال: اسكت لا يزيدك. وكيع عن مسعر عن عبد الله بن رباح عن عمار قال: لا تقولوا: كفر أهل الشام، ولكن قولوا: فسقوا وظلموا. وسئل عمار بن ياسر عن عائشة يوم الجمل فقال: أما والله إنا لنعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتتبعونه أم تتبعونها. وقال علي بن أبي طالب يوم الجمل: إن قوما زعموا أن البغي كان منا عليهم، وزعمنا انه منهم علينا، وإنما اقتتلنا على البغي ولم نقتتل على التكفير.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: أول ما تكلمت به الخوارج يوم الجمل قالوا: ما أحل لنا دماءهم وحرم علينا أموالهم! فقال علي: هي السنة في أهل القبلة. قالوا: ما ندري ما هذا؟ قال: فهذه عائشة رأس القوم، أتتساهمون عليها! قالوا: سبحان الله! أمنا. قال: فهي حرام؟ قالوا: نعم. قال: فإنه يحرم من أبنائها ما يحرم منها. قال: ودخلت أم أوفى العبدية على عائشة بعد وقعه الجمل فقالت لها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا في صعيد واحد؟ قالت: خذوا بيد عدوة الله. وماتت عائشة في أيام معاوية، وقد قاربت السبعين. وقيل لها: تدفنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا، إني أحدثت بعده حدثا فادفنوني مع إخوتي بالبقيع. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: يا حميراء، كأني بك تنبحك كلاب الحوب. تقاتلين عليا وأنت له ظالمة. والحوب، بضم الحاء وتثقيل الواو، وقد زعموا أن الحوب ماء في في طريق البصرة. قال في ذلك بعض الشيعة:
إني أدين بحب آل محمد ... وبني الوصي شهودهم والغيب
وأنا البريء من الزبير وطلحة ... ومن التي نبحت كلاب الحوب
أخبار علي ومعاوية

(2/109)

كتب علي بن أبي طالب إلى جرير بن عبد الله، وكان وجهه إلى معاوية في أخذ بيعته، فأقام عنده ثلاثة أشهر يماطله بالبيعة، فكتب إليه علي: سلام عليك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخيره بين حرب مجلية، أو سلم محظية. فإن اختار الحرب فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين، وإن اختار السلم فخذ بيعته وأقبل إلي. وكتب علي إلى معاوية بعد وقعة الجمل: سلام عليك. أما بعد. فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا، وإن خرج عن أمرهم خارج ردوه إلى ما خرج عنه؛ فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتهما، وكان نقضهما كردتهما، فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي قبولك العافية. وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمت القوم إلي، حملتك وإياهم على كتاب الله. وأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن. ولعمي لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا يدخلون في الشورى، وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايعه ولا قوة إلا بالله. فكتب إليه معاوية: سلام عليك. أما بعد، فلعمري لو بايعك الذين ذكرت وأنت بريء من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريت بدم عثمان وخذلت الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف. وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. وإنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام. ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، ولا حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، إن كانا بايعاك فلم أبايعك أنا. فأما فضلك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلست أدفعه. فكتب إليه علي: أما بعد. فقد أتانا كتابك، كتاب امرىء ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاتبعه. زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خفوري لعثمان. ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا. وما كان الله ليجمعهم على ضلالة ولا ليضربهم بالعمى. وما أمرت فلزمتني خطيئة الأمر، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل. وأما قولك إن أهل الشام هم حكام أهل الحجاز. فهات رجلا من أهل الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة، فإن سميت كذبك المهاجرون والأنصار. ونحن نأتيك به من أهل الحجاز. وأما قولك: ادفع إلي قتلة عثمان. فما أنت وذاك؟ وهاهنا بنو عثمان، وهم أولى بذلك منك. فإن زعمت أنك أقوى على طلب دم عثمان منه، فارجع إلى البيعة التي لزمتك وحاكم القوم إلي. وأما تمييزك بين أهل الشام والبصرة، وبينك وبين طلحة والزبير. فلعمري ما الأمر هناك إلا واحد، لأنها بيعة عامة لا يتأتى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار. وأما قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمي في الإسلام، فلو استطعت دفعه لدفعته. وكتب معاوية إلى علي: أما بعد. فإنك قتلت ناصرك، واستنصرت واترك. فوايم الله لأرمينك بشهاب تزكيه الريح ولا يطفئه الماء. فإذا وقع وقب، وإذا مس ثقب، فلا تحسبني كسحيم أو عبد القيس أو حلوان الكاهن. فأجابه علي: أما بعد. فوالله ما قتل ابن عمك غيرك! أني أرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته. وإن السيف الذي ضربت به أهلك لمعي دائم. والله ما استحدثت ذنبا، ولا استبدلت نبيا، وإني على المنهاج الذي تركتموه طائعين، وأدخلتم فيه كارهين. وكتب معاوية إلى علي بن أبي طالب: أما بعد. فإن

(2/110)

الله اصطفى محمدا وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، واختار له من المسلمين أعوانا أيده بهم، وكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة، وخليفة الخليفة، والخليفة الثالث، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت. عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك على الخلفاء، وأنت في كل ذلك تقاد كما يقاد البعير المخشوش، حتى تبايع وأنت كاره. ولم تكن لأحد منهم أشد حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك في قرابته وصهره. فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه، وألبت عليه الناس، حتى ضربت إليه آباط الإبل، وشهر عليه السلاح في حرم الرسول، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة، لا تؤدي عن نفسك في أمره بقول ولا فعل بر. أقسم قسما صادقا لو قصت في أمره مقاما واحدا تنهين الناس عنه ما عدل بك ممن قبلنا من الناس أحد ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان، فهم بطانتك وعضدك وأنصارك. فقد بلغني أنك تنتفي من دمه، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا الصيف. والذي نفس معاوية بيده لأطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله. فأجابه علي: أما بعد. فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحي. فالحمد لله الذي صدقه الوعد، وتمم له النصر، ومكنه في البلاد، وأظهره على الأعادي من قومه، الذين أظهروا له التكذيب، ونابذوه بالعداوة، وظاهروا على إخراجه وإخراج أصحابه، وألبوا عليه العرب، وحزبوا الأحزاب، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. وذكرت أن الله اختار من المسلمين أعوانا أيده بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحه لله ولرسوله الخليفة من بعده. ولعمري إن كان مكانهما في الإسلام لعظيما، وإن كان المصاب بهما لجرحا في الإسلام شديدا، فرحمهما الله وغفر لهما. وذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا، فإن كان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف له الحسنات ويجزيه الثواب العظيم، وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا، لا يتعاظمه ذنب يغفره. ولعمري إني لأرجو إذا الله أعطى الأسهم أن يكون سهمنا أهل البيت أوفر نصيب. وايم الله، ما رأيت ولا سمعت بأحد كان أنصح لله ورسوله، ولا أنصح لرسول الله في طاعة الله، ولا أصبر على البلاء والأذى في مواطن الخوف، من هؤلاء النفر من أهل بيته، الذي قتلوا في طاعة الله: عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة. وفي المهاجرين خير كثير، جزاهم الله بأحسن أعمالهم. وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إياهم والبغي عليهم. فأما البغي، فمعاذ الله أن يكون. وأما الكراهة لهم، فوالله ما اعتذر للناس من ذلك. وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه، فقد عمل عثمان بما قد علمت، وعمل به الناس ما قد بلغك. فقد علمت أني كنت من أمره في عزلة، إلا أن تجنى، فتجن ما شئت وأما ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم إليك، فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه، فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، وإن لم تنزع عن غيك لنعرفنك عما قليل يطلبونك ولا يكلفونك أن تطلبهم في سهل ولا جبل، ولا بر ولا بحر. وقد كان أبوك أبو سفيان أتاني حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال. ابسط يدك أبايعك، فأنت أحق الناس بهذا الأمر. فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين المسلمين، لقرب عهد الناس بالكفر. فأبوك كان أعلم بحقي منك، وإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك، وإلا فنستعين الله عليك. وكتب عبد الرحمن بن الحكم إلى معاوية:ه اصطفى محمدا وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، واختار له من المسلمين أعوانا أيده بهم، وكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة، وخليفة الخليفة، والخليفة الثالث، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت. عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك على الخلفاء، وأنت في كل ذلك تقاد كما يقاد البعير المخشوش، حتى تبايع وأنت كاره. ولم تكن لأحد منهم أشد حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك في قرابته وصهره. فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه، وألبت عليه الناس، حتى ضربت إليه آباط الإبل، وشهر عليه السلاح في حرم الرسول، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة، لا تؤدي عن نفسك في أمره بقول ولا فعل بر. أقسم قسما صادقا لو قصت في أمره مقاما واحدا تنهين الناس عنه ما عدل بك ممن قبلنا من الناس أحد ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان، فهم بطانتك وعضدك وأنصارك. فقد بلغني أنك تنتفي من دمه، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا الصيف. والذي نفس معاوية بيده لأطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله. فأجابه علي: أما بعد. فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحي. فالحمد لله الذي صدقه الوعد، وتمم له النصر، ومكنه في البلاد، وأظهره على الأعادي من قومه، الذين أظهروا له التكذيب، ونابذوه بالعداوة، وظاهروا على إخراجه وإخراج أصحابه، وألبوا عليه العرب، وحزبوا الأحزاب، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. وذكرت أن الله اختار من المسلمين أعوانا أيده بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحه لله ولرسوله الخليفة من بعده. ولعمري إن كان مكانهما في الإسلام لعظيما، وإن كان المصاب بهما لجرحا في الإسلام شديدا، فرحمهما الله وغفر لهما. وذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا، فإن كان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف له الحسنات ويجزيه الثواب العظيم، وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا، لا يتعاظمه ذنب يغفره. ولعمري إني لأرجو إذا الله أعطى الأسهم أن يكون سهمنا أهل البيت أوفر نصيب. وايم الله، ما رأيت ولا سمعت بأحد كان أنصح لله ورسوله، ولا أنصح لرسول الله في طاعة الله، ولا أصبر على البلاء والأذى في مواطن الخوف، من هؤلاء النفر من أهل بيته، الذي قتلوا في طاعة الله: عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة. وفي المهاجرين خير كثير، جزاهم الله بأحسن أعمالهم. وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إياهم والبغي عليهم. فأما البغي، فمعاذ الله أن يكون. وأما الكراهة لهم، فوالله ما اعتذر للناس من ذلك. وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه، فقد عمل عثمان بما قد علمت، وعمل به الناس ما قد بلغك. فقد علمت أني كنت من أمره في عزلة، إلا أن تجنى، فتجن ما شئت وأما ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم إليك، فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه، فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، وإن لم تنزع عن غيك لنعرفنك عما قليل يطلبونك ولا يكلفونك أن تطلبهم في سهل ولا جبل، ولا بر ولا بحر. وقد كان أبوك أبو سفيان أتاني حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال. ابسط يدك أبايعك، فأنت أحق الناس بهذا الأمر. فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين المسلمين، لقرب عهد الناس بالكفر. فأبوك كان أعلم بحقي منك، وإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك، وإلا فنستعين الله عليك. وكتب عبد الرحمن بن الحكم إلى معاوية:

(2/111)

ألا أبلغ معاوية بن حرب ... كتابا من أخي ثقة يلوم
فإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم الأديم
يوم صفين
أبو بكر بن أبي شيبة قال: خرج علي بن أبي طالب من الكوفة إلى معاوية في خمسة وتسعين ألفا، وخرج معاوية من الشام في بضع وثمانين ألفا، فالتقوا بصفين. وكان عسكر علي يسمى الزحزحة، لشدة حركته، وعسكر معاوية يسمى الخضرية، لاسوداده بالسلاح والدروع. وأبو الحسن قال: كانت أيام صفين كلها موافقة، ولم تكن هزيمة بين الفريقين إلا على حامية ثم يكرون. أبو الحسن قال: كان منادي على يخرج كل يوم وينادي: أيها الناس، لا تجهزن على جريح، ولا تتبعن موليا، ولا تسلبن قتيلا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن. أبو الحسن قال: خرج معاوية إلى علي يوم صفين، ولم يبايعه أهل الشام بالخلافة، وإنما بايعوه على نصرة عثمان والطلب بدمه. فلما كان من أمر الحكمين ما كان، بايعوه بالخلافة. فكتب معاوية إلي سعد بن أبي وقاص يدعوه إلى القيام معه في دم عثمان: سلام عليك: أما بعد. فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش، الذين اثبتوا حقه، واختاروه على غيره، ونصرة طلحة والزبير، وهما شريكاك في الأمر، ونظيراك في الإسلام. وخفت لذلك أم المؤمنين، فلا تكره ما رضوا، ولا ترد ما قبلوا، وإنما نريد أن نردها شورى بين المسلمين. والسلام.
فأجابه سعد: أما بعد. فإن عمر رضي الله عنه لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة، فلم يكن أحد أولى بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه. غير أن عليا كان في ما فينا، ولم يكن فينا ما فيه، ولو لم يطلبها ولزم بيته لطلبته العرب ولو بأقصى اليمن. وهذا الأمر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره. وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما. والله يغفر لأم المؤمنين ما أتت. وكتب معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة: أما بعد. فإنما أنت يهودي ابن يهودي، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغض الفريقين إليك قتلك ونكل بك. وقد كان أبوك أوتر قوسه ورمى غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران.
فأجابه قيس: أما بعد. فأنت وثني ابن وثني. دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم يحذر نفاقك. ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه. والسلام.
وخطب علي بن أبي طالب أصحابه يوم صفين فقال: أيها الناس، إن الموت طالب لا يعجزه هارب، ولا يفوته مقيم، أقدموا ولا تنكلوا، فليس عن الموت محيص. والذي نفس ابن أبي طالب بيده، إن ضربة سيف أهون من موت الفراش.
أيها الناس، اتقوا السيوف بوجوهكم، والرماح بصدوركم، وموعدي وإياكم الراية الحمراء.
فقال رجل من أهل العراق: ما رأيت كاليوم خطيبا يخطبنا! يأمرنا أن نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بصدورنا، ويعدنا راية بيننا وبينها مائة ألف سيف.
قال أبو عبيدة في التاج: جمع علي بن أبي طالب رياسة بكر كلها يوم صفين لحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة، وجعل ألويتها تحت لوائه، وكانت له راية سوداء يخفق ظلها إذا أقبل، فلم يغن أحد في صفين غناءه. فقال فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لمن راية سواء يخفق ظلها ... إذ قيل قدمها حضين تقدما
يقدمها في الصف حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر السم والدما
جزى الله عني والجزاء بكفه ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما
وكان من همدان في صفين حسن. فقال فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لهمدان أخلاق ودين يزينهم ... وبأس إذا لاقوا وحسن كلام
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الإثنين ديسمبر 17, 2012 7:34 pm

أبو الحسن قال: كان في بن أبي طالب يخرج كل غداة لصفين في سرعان الخيل فيقف بين الصفين ثم ينادي: يا معاوية، علام يقتتل الناس؟ ابرز إلي وأبرز إليك فيكون الأمر لمن غلب. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل. فقال له معاوية: أردتها يا عمرو، والله لا رضيت عنك حتى تبارز عليا. فبرز إليه متنكرأ، فلما غشيه علي بالسيف رمى بنفسه إلى الأرض وأبدى له سوأته، فضرب علي وجه فرسه وانصرف عنه. فجلس معه معاوية يوما فنظر إليه فضحك. فقال عمرو: أضحك الله سنك، ما الذي أضحكك؟ قال: من حضور ذهنك يوم بارزت عليا إذ اتقيته بعورتك. أما والله لقد صادفت منانا كريما، ولولا ذلك لخرم رفغيك بالرمح. قال عمرو بن العاص: أما والله إني عن يمينك إذ دعاك إلى البراز فأحولت عيناك، وربا لسحرك، وبدأ منك ما أكره ذكره لك. وذكر عمرو بن العاصي عند علي بن أبي طالب، فقال فيه علي: عجبا لابن النابغة! يزعم أني بلقائه أعافس وأمارس، أنى وشر القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف، ويسأل فيبخل. فإذا أحمر البأس، وحمي الوطيس، وأخذت السيوف مأخذها من هام الرجال. لم يكن له هتم إلا نزعه ثيابه، ويمنح الناس استه، أغضه الله وترحه.
مقتل عمار بن ياسر
العتبي قال: لما التقى الناس بصفين نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة الذي يقال له: المرقال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أرقل ليمون. وكان أعور، والراية بيده، وهو يقول.
أعور يبغي نفسه محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يفل أو يفلا
فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا عمرو، هذا المر قال، والله لئن زحف بالراية زحفا إنه ليوم أهل الشام الأطول. ولكني أرى ابن السوداء إلى جنبه، يعني عمارا، وفيه عجلة في الحرب، وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة. وجعل عمار يقول: أبا عتبة، تقدم. فيقول: يا أبا اليقظان، أنا أعلم بالحرب منك، دعني أزحف بالراية زحفا. فلما أضجره وتقدم، أرسل معاوية خيلا فاختطفوا عمارا، فكان يسمي أهل الشام قتل عمار فتح الفتوح. أبو بكر بن أبي شيبة: عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب عن أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد قال: إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، كل واحد منهما يقول: أنا قتلته. فقال لهما عبد الله بن عمرو بن العاص: ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: تقتلك الفئة الباغية. أبو بكر بن أبي عشيبة عن ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية. أبو بكر قال: حدثنا علي بن حفص عن أبي معشر عن محمد بن عمارة قال: ما زال جدي خزيمة بن ثابت كافا سلاحه يوم صفين حتى قتل عمار، فلما قتل سل سيفه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية. فما زال يقاتل حتى قتل. أبو بكر عن غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلملمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا أخذا الحربة بيده، ويده ترعد، وهو يقول: والذي نفسي بيده، لقد قاتلت بهذه الحربة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة. والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أنا على حق وأنهم على باطل. ثم جعل يقول: صبرا عباد الله، الجنة تحت ظلال السيوف. أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي البحتري قال: لما كان يوم صفين واشتدت الحرب دعا عمار بشربة لبن وشربها وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن. أبو ذر عن محمد بن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما يحتاج إليه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع رداءه، فلما رأى ذلك الهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يرتجزون ويقولون ويعملون:

(2/113)

لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذا لعمل مضلل
قالت: وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا، فكان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كفيه ونظر إلى ثوبه، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه. فنظر إليه علي رضي الله عنه فأنشده:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها راكعا وساجدا
وقائما طورا وطورا قاعدا ... ومن يرى عن التراب حائدا
فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني. فسمعه عثمان، فقال: يا بن سمية، ما أعرفني بمن تعرض، ومعه جريدة، فقال: لتكفن أو لأعترضن بها وجهك. فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط، فقال: عمار جلدة ما بين عيني وأنفي، فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني، وأشار بيده فوضعها بين عينيه. فكف الناس عن ذلك، وقالوا لعمار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب فيك ونخاف أن ينزل فينا قرآن. فقال: أنا أرضيه كما غضب. فأقبل عليه فقال: يا رسول الله، مالي ولأصحابك؟ قال: وما لك ولهم؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة ويحملون على لبنتين. فأخذ به وطاف به في المسجد، وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول: يا بن سمية. لا يقتنك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية. فلما قتل بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال معاوية: هم قتلوه لأنهم أخرجوه إلى القتل. فلما بلغ ذلك عليا قال: ونحن قتلنا أيضا حمزة لأنا أخرجناه.
من حرب صفين
أبو الحسن قال: كانت أيام صفين كلها موافقة، ولم تكن هزيمة في أحد الفريقين إلا على حامية ثم يكرون. أبو بكر بن أبي شيبة قال: انفضت وقعة صفين عن سبعين ألف قتيل، خمسين ألفا من أهل الشام، وعشرين ألفا من أهل العراق. ولما انصرف الناس من صفين قال عمرو بن العاص:
شبت الحرب فأعددت لها ... مشرف الحارك محبوك الثبج
يصل الشر بشر فإذا ... وثب الخيل من الشر معج
جرشع أعظمه جفرته ... فإذا ابتل من الماء خرج
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص:
فإن شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوما شاب منها الذوائب
عشية جا أهل العراق كأنهم ... سحاب خريف صففته الجنائب
إذا قلت قد ولوا سراعا بدت لنا ... كتائب منهم وارجحنت كتائب
فدارت رحانا واستدارت رحاهم ... سراة النهار ما تولى المناكب
وقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... عليا فقلنا بل نرى أن تضاربوا
وقال السيد الحميري، وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادا بمسجد الكوفة:
إني أدين بما دان الوصي به ... وشاركت كفه كفي بصفينا
في سفك ما سفكت منها إذا احتضروا ... وأبرز الله للقسط الموازينا
تلك الدماء معا يا رب في عنقي ... ثم اسقني مثلها آمين أمينا
آمين من مثلهم في مثل حالهم ... في فتية هاجروا في الله شارينا
ليسوا يريدون غير الله ربهم ... نعم المراد توخاه المريدونا
وقال النجاشي يوم صفين، وكتب بها إلى معاوية:
يا أيها الملك المبدي عداوته ... انظر لنفسك أي الأمر تأتمر
فإن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يديك فإن الخير مبتدر
واعلم بأن علي الخير من نفر ... شم العرانين لا يعلوهم بشر
نعم الفتى أنت إلا أن بينكما ... كما تفاضل ضوء الشمس والقمر
وما إخالك إلا لست منتهيا ... حتى ينالك من أظفاره ظفر
خبر عمرو بن العاص مع معاوية

(2/114)

سفيان بن عيينة قالت: أخبرني أبو موسى الأشعري قال: أخبرني الحسن قال: علم معاوية والله إن لم يبايعه عمرو لن يتم له أمر، فقال له: يا عمرو، اتبعني. قال: لماذا؟ للآخرة؟ فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها، وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمر و السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب: إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا. قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا. قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، والله ما يجد بدا من كتابتها. ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر، وعمرو يقول له: إنما أبايعك بها ديني. فقال عتبة: ائتمن الرجل بدينه فإنه صاحب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وكتب عمرو إلى معاوية:
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا، فانظرن كيف تصنع؟
وما الدين والدنيا سواء وإنني ... لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
فإن تعطني مصرا فأربح صفقة ... أخذت بها شيخا يضر وينفع
وقالوا: لما قدم عمرو بن العاص على معاوية وقام معه في شأن علي، بعد أن جعل له مصر طعمة، قال له: إن بأرضك رجلا له شرف واسم، والله إن قام معك استهويت به قلوب الرجال، وهو عبادة بن الصامت. فأرسل إليه معاوية. فلما أتاه وسع له بينه وبين عمرو بن العاص، فجلس بينهما. فحمد الله معاوية وأثنى عليه، وذكر فضل عبادة وسابقته، وذكر فضل عثمان وما ناله، وحضه على القيام معه. فقال عبادة: قد سمعت ما قلت، أتدريان لم جلست بينكما في مكانكما؟ قالا: نعم، لفضلك وسابقتك وشرفك. قال: لا والله، ما جلست بينكما لذلك، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما، ولكن بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك إذ نظر إليكما تسيران، وأنتما تتحدثان، فالتفت إلينا فقال: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما، فإنهما لا يجتمعان على خير أبدا. وأنا أنها كما عن اجتماعكما. فأما ما دعوتماني إليه من القيام معكما، فإن لكما عدوا هو أغلظ أعدائكما، وأنا كامن من ورائكم في ذلك العدو، إن اجتمعتم على شيء دخلت فيه.
أمر الحكمين

(2/115)

أبو الحسن قال: لما كان يوم الهرير، وهو أعظم يوم بصفين، زحف أهل العراق على أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم، حتى انتهوا إلى سرادق معاوية، فدعا بالفرس وهم بالهزيمة، ثم التفت إلى عمرو بن العاص، وقال له: ما عندك؟ قال: تأمر بالمصاحف فترفع في أطراف الرماح، ويقال: هذا كتاب الله يحكم بيننا وبينكم. فلما نظر أهل العراق إلى المصاحف ارتدوا واختلفوا، وقال بعضهم: نحاكمهم إلى كتاب الله. وقال بعضهم: لا نحاكمهم، لأنا على يقين من أمرنا ولسنا على شك. ثم أجمع رأيهم على التحكيم. فهم علي أن يقدم أبا الأسود الدؤلي، فأبى الناس عليه. فقال له ابن عباس: اجعلني أحد الحكمين، فوالله لأفتلن لك حبلا لا ينقطع وسطه ولا ينشر طرفاه. فقال له علي: لست من كيدك ولاحت كيد معاوية في شيء، لا أعطيه إلا السيف حتى يغلبه الحق. قال: وهو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلبك الباطل. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك تطاع اليوم وتعصى غدا، وإنه يطاع ولا يعصى. فلما انتشر عن علي أصحابه قال: لله بلاء ابن عباس، إنه لينظر إلى الغيب بستر رقيق. قال: ثم اجتمع أصحاب البرانس، وهم وجوه أصحاب علي، على أن يقدموا أبا موسى الأشعري، وكان مبرنسا، وقالوا: لا نرضى بغيره، فقدمه علي. وقدم معاوية عمرو بن العاص. فقال معاوية لعمرو: إنك قد رميت برجل طويل اللسان قصير الرأي فلا ترمه بعقلك كله. فأخلي لهما مكان يجتمعان فيه، فأمهله عمرو بن العاص ثلاثة أيام، ثم أقبل إليه بأنواع من الطعام يشهيه بها، حتى إذا استبطن أبو موسى ناجاه عمرو، فقال له: يا أبا موسى، إنك شيخ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وذو فضلها وذو سابقتها، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها، فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمة فيحقن الله بك دماءها، فإنه يقول في نفس واحدة: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " ، فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله! قال له: وكيف ذلك؟ قال: تخلع أنت علي بن أبي طالب، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان، ونختار لهذه الأمة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة، ولم يغمس يده فيها. قال له: ومن يكون ذلك؟ وكان عمرو بن العاص قد فهم رأي أبي موسى في عبد الله بن عمر، فقال له: عبد الله بن عمر. فقال: إنه لكما ذكرت، ولكن كيف لي بالوثيقة منك؟ فقال له: يا أبا موسى، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى. ثم لم يبق عمرو بن العاص عهدا ولا موثقا ولا يمينا مؤكدة حتى حلف بها، حتى بقي الشيخ مبهوتا، وقال له: قد أحببت. فنودي في الناس بالاجتماع إليهما، فاجتمعوا. فقال له عمرو: قم فاخطب الناس يا أبا موسى. فقال: قم أنت أخطبهم. فقال: سبحان الله! أنا أتقدمك وأنت شيخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا فعلت أبدا! قال: أو عسى في نفسك أمر؟ فزاده أيمانا وتوكيدا. حتى قام الشيخ فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني قد اجتمعت أنا وصاحبي على أن أخلع أنا علي بن أبي طالب ويعزل هو معاوية بن أبي سفيان، ونجعل هذا الأمر لعبد الله بن عمر، فإنه لم يحضر في فتنة، ولم يغمس يده في دم امرىء مسلم. ألا وإني قد خلعت علي بن أبي طالب كما أختلع سيفي هذا، ثم خلع سيفه من عاتقه، وجلس، وقال لعمرو: قم. فقام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إنه كان من رأي صاحبي ما قد سمعتم، وانه قد أشهدكم أنه خلع علي بن أبي طالب كما يخلع سيفه، وأنا أشهدكم أني قد أثبت معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا، وكان قد خلع سيفه قبل أن يقوم إلى الخطبة، فأعاده على نفسه. فاضطرب الناس، وخرجت الخوارج. وقال أبو موسى لعمرو: لعنك الله! فإن مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قال عمرو: لعنك الله! فإن مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. وخر ج أبو موسى من فوره ذلك إلى مكة مستعيذا بها من علي، وحلف أن لا يكلمه أبدا. فأقام بمكة حينا حتى كتب إليه معاوية: سلام عليك، أما بعد، فلو كانت النية تدفع الخطأ لنجا المجتهد وأعذر الطالب، والحق لمن نصب له

(2/116)

فأصابه، وليس لمن عرض له فأخطأ. وقد كان الحكمان إذ حكما على علي لم يكن له الخيار عليهما، وقد اختاره القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوا منك، وأقبل إلى الشام فإني خير لك من علي، ولا قوة إلا بالله. فكتب إليه أبو موسى: سلام عليك، أما بعد، فإني لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت ما عند الله، وأراد به عمرو ما عندك. وقد كان بيني وبينه شروط وشورى عن تراض، فلما رجع عمرو رجعت. أما قولك: إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما. فإنما ذلك في الشاة والبعير والدينار والدرهم. فأما أمر هذه الأمة، فليس لأحد فيما يكره حكم، ولن يذهب الحق عجز عاجز ولا خدعة فاجر. وأما دعاؤك إياي إلى الشام، فليس لي رغبة عن حرم إبراهيم. فبلغ عليا كتاب معاوية إلى أبي موسى الأشعري فكتب إليه: سلام عليك، أما بعد. فإنك امرؤ ظلمك الهوى واستدرجك الغرور، حقق بك حسن الظن لزومك بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن، فاستقل الله يقلك؟ فإن الله يغفر ولا يغفل، وأحب عباده إليه التوابون. وكتبه سماك بن حرب. فكتب إليه أبو موسى: سلام عليك. فإنه والله لولا أني خشيت أن يرفعك مني منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك، لأنه ليس لي عندك عذر ينفعني ولا قوة تمنعني. وأما قولك " ولزومي بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن " فإني اعتزلت أهل الشام، وانقطعت عن أهل العراق، وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم، وعظموا من حقي ما صغرتم، إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير. وكان علي بن أبي طالب إذ وجه الحكمان قال لهما: إنما حكمنا كما بكتاب الله، فتحييان ما أحيا القرآن، وتميتان ما أمات. فلما كاد عمرو بن العاص لأبي موسى اضطرب الناس على علي واختلفوا، وخرجت الخوارج، وقالوا: لا حكم إلا الله، فجعل علي يتمثل بهذه الأبيات:فأصابه، وليس لمن عرض له فأخطأ. وقد كان الحكمان إذ حكما على علي لم يكن له الخيار عليهما، وقد اختاره القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوا منك، وأقبل إلى الشام فإني خير لك من علي، ولا قوة إلا بالله. فكتب إليه أبو موسى: سلام عليك، أما بعد، فإني لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت ما عند الله، وأراد به عمرو ما عندك. وقد كان بيني وبينه شروط وشورى عن تراض، فلما رجع عمرو رجعت. أما قولك: إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما. فإنما ذلك في الشاة والبعير والدينار والدرهم. فأما أمر هذه الأمة، فليس لأحد فيما يكره حكم، ولن يذهب الحق عجز عاجز ولا خدعة فاجر. وأما دعاؤك إياي إلى الشام، فليس لي رغبة عن حرم إبراهيم. فبلغ عليا كتاب معاوية إلى أبي موسى الأشعري فكتب إليه: سلام عليك، أما بعد. فإنك امرؤ ظلمك الهوى واستدرجك الغرور، حقق بك حسن الظن لزومك بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن، فاستقل الله يقلك؟ فإن الله يغفر ولا يغفل، وأحب عباده إليه التوابون. وكتبه سماك بن حرب. فكتب إليه أبو موسى: سلام عليك. فإنه والله لولا أني خشيت أن يرفعك مني منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك، لأنه ليس لي عندك عذر ينفعني ولا قوة تمنعني. وأما قولك " ولزومي بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن " فإني اعتزلت أهل الشام، وانقطعت عن أهل العراق، وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم، وعظموا من حقي ما صغرتم، إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير. وكان علي بن أبي طالب إذ وجه الحكمان قال لهما: إنما حكمنا كما بكتاب الله، فتحييان ما أحيا القرآن، وتميتان ما أمات. فلما كاد عمرو بن العاص لأبي موسى اضطرب الناس على علي واختلفوا، و