منتديات ياسمين الشام
اهلا وسهلا زائرنا الكريم التسجيل مجاني وسهل ومتاح للجميع
ان كانت زيارتك لموقعنا هي الاولى بامكانك التسجيل
بالضغط على زر التسجيل بهذه الصفحة او اعلى المنتدى



وسنقوم بتفعيل حسابك يدويا ان لم تستطع العودة لايميلك
لنتشرف بك كاحد اعضاء اسرة منتدانا
نرحب بكم اعضاء وزوار
مع تحيات ادارة منتديات ياسمين الشام


ثقافة منوعات مجتمع علوم تسلية
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   الأربعاء ديسمبر 05, 2012 6:08 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

المقدمة
كتاب اللؤلؤة في السلطان
السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدنيا؛ وهو حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده؛ به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم.
قالت الحكماء: إمام عادل، خير من مطر وابل؛ وإمام غشوم، خير من فتنة تدوم؛ ولما يزع الله بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن.
وقال وهب بن منبه: فيما أنزل الله على نبيه داود عليه السلام: إني أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن كان لي على طاعة جعلت الملوك عليهم نعمة، ومن كان لي على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة.
فحق على من قلده الله أزمة حكمه، وملكه أمور خلقه؛ واختصه بإحسانه، ومكن له في سلطانه، أن يكون من الاهتمام بمصالح رعيته، والاعتناء بمرافق أهل طاعته؛ بحيث وضعه الله عز وجل من الكرامة، وأجرى له من أسباب السعادة. قال الله عز وجل: " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر والله عاقبة الأمور " .
وقال حذيفة بن اليمان: ما مشى قوم قط إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل موتهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة.
وقال صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته.
وقال الشاعر:
فكلكم راع ونحن رعية ... وكل سيلقى ربه فيحاسبه
ومن شأن الرعية قلة الرضا عن الأئمة، وتحجر العذر عليهم، وإلزام اللائمة لهم؛ ورب ملوم لا ذنب له. ولا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة، إذ كان رضا جملتها، وموافقة جماعتها؛ من المعجز الذي لا يدرك، والممتنع الذي لا يملك؛ ولكل حصته من العدل، ومنزلته من الحكم.
فمن حق الإمام على رعيته أن تقضي عليه بالأغلب من فعله، والأعم من حكمه. ومن حق الرعية على إمامها حسن القبول لظاهر طاعتها، وإضرابه صفحاً عن مكاشفتها، كما قال زياد لما قدم العراق والياً عليها: أيها الناس، قد كانت بيني وبينكم إحن، فجعلت ذلك دبر أذني، وتحت قدمي، فمن كان محسناً فليزد في إحسانه، ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته. إني والله لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولم أهتك له ستراً، حتى يبدي صفحته لي.
وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر.
وقال كعب الأحبار: مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام؛ والعمود السلطان؛ والأطناب والأوتاد الناس. ولا يصلح بعضها إلا ببعض.
وقال الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إلا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
نصيحة السلطان ولزوم طاعته
قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " .
وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية أمرنا بطاعة الأئمة. وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من فارق الجماعة، أو خلع يداً من طاعة، مات ميتة جاهلية.
وقال صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأولي الأمر منكم.
فنصح الإمام ولزوم طاعته وإتباع أمره ونهيه في السر والجهر فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه.
الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال لي أبي: أرى هذا الرجل - يعني عمر بن الخطاب يستفهمك ويقدمك على الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وإني موصيك بخلال أربع: لا تفشين له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تطو عنه نصيحة، ولا تغتابن عنده أحداً.
قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحد خير من ألف. قال: إي والله، ومن عشرة آلاف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب الموضوعرسالة
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 1:23 am

ولا تأتدم على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم
وقلت فيه:
صحيفة كتبت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الراجي إذا يئسا
وعد له هاجس في القلب وقد برمت ... أحشاء صدري به من طول ما هجسا
يراعة غرني منها وميض سنى ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعضا موسى لما انبجسا
كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا
وقلت فيه:
رجاء دون أقربه السحاب ... ووعد مثل ما لمع السراب
وتسويف يكل الصبر عنه ... ومطل ما يقوم له حساب
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
لطيف الاستمناح
قال الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح، والأنفس ربما انطلقت وانشرحت بلطيف السؤال، وانقبضت وامتنعت بجفاء السائل؛ كما قال الشاعر:
وجفوتني فقطعت عنك فوائدي ... كالدر يقطعه جفاء الحالب
وقال العتابي: إن طلب حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه، وإياك والإلحاح علي، فإن إلحاحك يكلم عرضك، ويريق ماء وجهك، فلا تأخذ منه عوضا لما يأخذ منك؛ ولعل الإلحاح يجمع عليك إخلاق الوجه، وحرمان النجاح؛ فإنه ربما مل المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب.
وقال الحسن بن هانئ:
تأن مواعيد الكرام فربما ... حملت من الإلحاح سمحا على بخل
وقال آخر:
إن كنت طالب حاجة فتجمل ... فيها بأحسن ما طلب وأجمل
إن الكريم أخا المروءة والنهى ... من ليس في حاجاته بمثقل
وقال مروان بن أبي حفصة: لقيت يزيد بن مزيد وهو خارج من عند المهدي، فأخذ بعنان دابته وقلت له: إني قلت فيك ثلاثة أبيات أريد لكل بيت منها مائة ألف. قال: هات، لله أبوك! فأنشأت أقول:
يا أكرم الناس من عجم ومن عرب ... بعد الخليفة يا ضرغامة العرب
أفنيت مالك تعطيه وتنهبه ... يا آفة الفضة البيضاء والذهب
إن السنان وحد السيف لو نطقا ... لا خبرا عنك في الهيجاء بالعجب
فأمر لي بها.
المدائني قال: قدم قوم من بني أمية على عبد الملك بن مروان، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن ممن تعرف، وحقنا لا ينكر، وجئناك من بعيد، ونمت بقريب، وهما تعطنا فنحن أهله.
دخل عبد الملك بن صالح على الرشيد فقال: أسألك بالقرابة والخاصة، أم بالخلافة والعامة؟ قال: بل بالقرابة والخاصة. قال: يداك يا أمير المؤمنين بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. فأعطاه وأجزل له.
ودخل أبو الريان على عبد الملك بن مروان، وكان عنده أثيرا، فرآه خائرا، فقال: يا أبا الريان، مالك خائرا؟ قال: أشكو إليك الشرف يا أمير المؤمنين. قال: وكيف ذلك؟ قال: نسأل ما لا نقدر عليه ونعتذر فلا نعذر. قال عبد الملك: ما أحسن ما استمنحت، واعتررت يا أبا الريان! أعطوه كذا وكذا.
العتابي قال: كتب الشعبي إلى الحجاج يسأله حاجة، فاعتل عليه. فكتب إليه الشعبي: والله لا عذرتك وأنت والي العراقين، وابن عظيم القريتين، فقضى حاجته.
وكان جد الحجاج لأمه عروة بن مسعود الثقفي.
العتبي قال: قدم عبد العزيز بن زرارة الكلابي على أمير المؤمنين معاوية، فقال: إني لم أزل أهز ذئاب الرحال إليك، فلم أجد معولا إلا عليك؛ امتطى الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار؛ يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى، المجتهد يعذر، وإذا بلغتك فقطني. فقال: احطط عن راحلتك رحلها.
ودخل كريز بن زفر بن الحارث على يزيد بن المهلب فقال: أصلح الله الأمير، أنت أعظم من أن يستعان بك ويستعان عليك، ولست تفعل من الخير شيئا إلا وهو يصغر عنك وأنت أكبر منه، وليس العجب أن تفعل، ولكن العجب أن لا تفعل قال: سل حاجتك. قال: قد حملت عن عشيرتي عشر ديات. قال: قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها.
العتبي عن أبيه قال: أتى رجل إلى حاتم الطائي فقال: إنها وقعت بيني وبين قومي ديات فاحتملتها في مالي وأملي، فعدمت مالي وكنت أملي، فإن تحملها عني فرب هم فرجته، وغم كفيته، ودين قضيته؛ وإن حال دون ذلك حائل لم أذم يومك، ولم أيأس من غدك. فحملها عنه.
المدائني قال:

(1/71)

سأل رجل خالدا القسري حاجة، فاعتل عليه. فقال له: لقد سألت الأمير من غير حاجة. قال وما دعاك إلى ذلك؟ قال رأيتك تحب من لك عنده حسن بلاء، فأردت أن أتعلق منك بحبل مودة. فوصله وحباه وأدنى مكانه.
والأصمعي قال: دخل أبو بكير الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت لي فقبلت رأسك لعل الله يشدد لي منه. قال: اختر منها ومن الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم من الجائزة ألا تبقى حاكة في فمي. فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
وذكروا أن جارا لأبي دلف ببغداد لزمه كبير دين فادح حتى احتاج إلى بيع داره. فساوموه بها، فسألهم ألف دينار، فقالوا له: إن دارك تساوي خمسمائة دينار. قال: وجواري من أبي دلف بألف وخمسمائة دينار. فبلغ أبا دلف، فأمر بقضاء دينه، وقال له لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا.
ووقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، قال: ما أحسن هذه الكناية! املئوا لها بيتا خبزا ولحما وسمنا وتمرا.
إبراهيم بن أحمد عن الشيباني قال: كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل مستترا، فكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدث. فلما أفضت الخلافة إليه، قدم عليه أزهر، فرحب به وقربه، وقال له ما حاجتك يا أزهر؟ قال: داري متهدمة، وعلي أربعة آلاف درهم، وأريد أن يبني محمد ابني بعياله، فوصله باثني عشر ألفا، وقال. قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا طالبا: فأخذها وارتحل. فلما كان بعد سنة أتاه. فلما رآه أبو جعفر، قال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال جئتك مسلما. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالبا. قال: ما جئت إلا مسلما. قال: قد أمرنا لك باثني عشر ألفا، واذهب فلا تأتنا طالبا ولا مسلما. فأخذها ومضى. فلما كان بعد سنة أتاه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: أتيت عائدا. قال: إنه يقع في خلد أمير المؤمنين أنك جئت طالبا. قال: ما جئت إلا عائدا قال أمرنا لك باثني عشر ألفا فاذهب ولا تأتنا لا طالبا ولا مسلما ولا عائدا، فأخذها وانصرف. فلما مضت السنة أقبل، فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟ قال: دعاء كنت أسمعك تدعو به يا أمير المؤمنين، جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال: إنه دعاء غير مستجاب، وذلك أني قد دعوت الله تعالى به أن لا أراك، فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفا، فاذهب وتعال متى شئت، فقد أعيتني فيك الحيلة.
أقبل أعرابي إلى داود بن المهلب فقال له: إني مدحتك فاستمع. قال: على رسلك، ثم دخل بيته وقلد سيفه وخرج، فقال: فإن أحسنت حكمناك، وإن أسأت قتلناك. فأنشأ يقول:
أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المخشي والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان إذ شددت به أزري
له حكم لقمان وصورة يوسف ... وملك سليمان وعدل أبي بكر
فتى تفرق الأموال من جود كفه ... كما يفرق الشيطان من ليلة القدر
فقال: قد حكمناك، فإن شئت على قدرك وإن شئت على قدري. قال: بل على قدري، فأعطاه خمسين ألفا. فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدر الأمير! قال: لم يك في ماله ما يفي بقدره. قال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك، وأمر بمثل ما أعطاه.
الأصمعي قال: كنت عند الرشيد إذ دخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
فعالى فعال المكثرين تجملا ... ومالي كما قد تعلمين قليل
فكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
فقال له الرشيد: لله در أبيات تأتينا بها! ما أحسن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها! يا غلام، أعطه عشرين ألفا. قال: والله لا أخذت منها درهما واحدا. قال: ولم؟ قال: لأن كلامك والله يا أمير المؤمنين خير من شعري. قال: أعطوه أربعين ألفا. قال الأصمعي: فعلمت والله أنه أصيد لدراهم الملوك مني.
العتبي عن أبيه قال:

(1/72)

قدم زيد بن منية من البصرة على معاوية - وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة رضي الله عنها ومتولي تلك الحروب ورأس أهل البصرة، وكانت ابنة يعلى عند عتيبة بن أبي سفيان - فلما دخل على معاوية شكا دينه، فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفا. فلما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفا أخرى. ثم قال له: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم عليه مصر، فقال: إني سرت إليك شهرين، أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقرا من حسن الظن بك، وهاربا من دهر قطم، ومن دين لزم. بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين. فقال عتبة: إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيعة معه، وأنا رافع يدي ويدك بيد الله. فأعطاه ستين ألفا كما أعطاه معاوية.
إبراهيم الشيباني قال: قال عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف: أعدم أبي إعدامة شديدة بالبصرة وأنفض، فخرج إلى خراسان، فلم يصب بها طائلا، فبينا هو يشكو تعزر الأشياء عليه، إذ عدا غلامه على كسوته وبلغته فذهب بهما. فأتى أبا ساسان حضين بن المنذر الرقاشي فشكا إليه حاله. فقال له: والله يا بن أخي ما عمك ممن يحمل محاملك، ولكن لعلي أحتال لك: فدعا بكسوة حسنة فألبسني إياها، ثم قال. امض بنا. فأتى باب والي خراسان فدخل وتركني بالباب، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال: أين علي بن سويد؟ فدخلت إلى الوالي، فإذا حضين على فراش جانبه. فسلمت على الوالي، فرد علي، ثم أقبل عليه حضين فقال: أصلح الله الأمير، هذا علي بن سويد بن منجوف، سيد فتيان بكر بن وائل، وابن سيد كهولها، وأكثر الناس مالا حاضرا بالبصرة، وفي كل موضع ملكت به بكر بن وائل مالا، وقد تحمل بي إلى الأمير حاجة. قال: هي مقضية. قال: يسألك أن تمد يدك في ماله ومراكبه وسلاحه إلى ما أحببت. قال: لا والله لا أفعل ذلك به، نحب أولى بزيادته. قال: فقد أعفيناك من هذه إذ كرهتها، فهو يسألك أن تحمله حوائجك بالبصرة. قال: إن كانت حاجة فهو فيها ثقة، ولكن أسألك أن تكلمه في قبول معونة منا، فإنا نحب أن يرى على مثله من أثرنا. فأقبل علي أبو ساسان فقال: يا أبا الحسن، عزمت عليك أن لا ترد على عمك شيئا أكرمك به. فسكت. فدعا لي بمال ودواب وكساو ورقيق. فلما خرجت قلت: أبا ساسان، لقد أوقفتني على خطة ما وقفت على مثلها قط. قال: اذهب إليك يا بن أخي، فعمك أعلم بالناس منك. إن الناس إن علموا لك غرارة من مال حشوا لك أخرى، وإن يعلموك فقيرا تعدوا عليك مع فقرك.
إبراهيم الشيباني قال: ولدت لأبي دلامة ابنة ليلا، فأوقد السراج وجعل يخيط خريطة من شقق. فلما اصبح طواها بين أصابعه وغدا بها إلى المهدي فاستأذن عليه، وكان لا يحجب عنه. فأنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا من شعاع الشمس في درج ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس
قال له المهدي: أحسنت والله أبا دلامة! فما الذي غدا بك إلينا؟ قال: ولدت لي جارية يا أمير المؤمنين. قال: فهل قلت فهيا شعرا؟ قال: نعم، قلت:
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم
قال: فضحك المهدي. وقال: فما تريد أن أعينك به في تربيتها أبا دلامة؟ قال: تملأ هذه يا أمير المؤمنين، وأشار إليه بالخريطة بين إصبعيه. فقال المهدي: وما عسى أن تحمل هذه؟ قال: من لم يقنع بالقليل لم يقنع بالكثير. فأمر أن تملأ مالا. فلما نشرت أخذت عليهم صحن الدار، فدخل فيها أربعة آلاف درهم.
وكان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجا. فأخذ به وهو سكران، فأتي به إلى المهدي. فأمر بتمزيق الساج عليه، وأن يحبس في بيت الدجاج، فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من سكره ورأى نفسه بين الدجاج، صاح: يا صاحب البيت.
فاستجاب له السجان؛ فقال: مالك يا عدو الله؟ قال له: ويلك! من أدخلني مع الدجاج؟ قال: أعمالك الخبيثة، أتى بك أمير المؤمنين وأنت سكران فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدجاج. قال له: ويلك! أو تقدر على أن توقد سراجا، وتجيئني بدواة وورق ولك سلبي هذا. فأتاه بدواة وورق: فكتب أبو دلامة إلى المهدي:

(1/73)

أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
تهش لها النفوس وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنب ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لهان وجدي ... ولكني حبست مع الدجاج
دجاجات يطيف بهن ديك ... يناجي بالصياح إذا يناجي
وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي
ثم قال: أوصلها إلى أمير المؤمنين. فأوصلها إليه السجان. فلما قرأها، أمر بإطلاقه وأدخله عليه، فقال: أين بت الليلة أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج يا أمير المؤمنين. قال: فما كنت تصنع؟ قال: كنت أقاقي معهن حتى أصبحت. فضحك المهدي وأمر بصلة جزيلة، وخلع عليه كسوة شريفة.
وكتب أبو دلامة إلى عيسى موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
فأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأنصار قبح من غريم
لزوم ما علمت لباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائة علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
أتوني بالعشيرة يسألوني ... ولم أك في العشيرة باللئيم
قال: فبعث إليه بمائة ألف درهم.
ولقى أبو دلامة أبا دلف في مصاد، وهو والي العراق، فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إن حلفت لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ... ولتملأن دراهما حجري
فقال: أما الصلاة على النبي، فنعم، صلى الله عليه وسلم؛ وأما الدراهم، فلما نرجع إن شاء الله تعالى. قال له: جعلت فداك، لا تفرق بينهما. فاستلفها له، وصبت في حجره حتى أثقلته.
ودخل أبو دلامة على المهدي، فأنشده أبياتا أعجب بها، فقال له: سلني أبا دلامة واحتكم وأفرط ما شئت. فقال: يا أمير المؤمنين، كلب اصطاد به، قال: قد أمرنا لك بكلب؛ وهاهنا بلغت همتك، وعلى هاهنا انتهت أمنيتك؟ قال لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فإنه بقي علي. قال: وما بقي عليك؟ قال غلام يقود الكلب. قال: وغلام يقود الكلب. قال: وخادم يطبخ لنا الصيد. قال: وخادم يطبخ الصيد. قال ودار نسكنها. قال: ودار تسكنها. قال وجارية نأوي إليه. قال: وجارية تأوي إليها. قال: قد بقى الآن المعاش، قال: قد أقطعناك ألفي جريب عامرة وألفي جريب غامرة. قال: وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا تعمر. قال: أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفا من فيافي بني أسد. قال قد جعلتها كلها لك عامرة. قال: فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده؟ قال: أما هذه فدعها. قال: ما منعتني شيئا أيسر هي أم ولدي فقدا منه.
ودخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور يوما وعليه قلنسوة طويلة - وكان قد أخذ أصحابه بلبسها وأخذهم بلبس دراريع عليها مكتوب بين كتفي الرجل: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وأمرهم بتعليق السيوف على أوساطهم - فدخل عليه أبو دلامة في ذلك الزي، فقال له: كيف أصبت أبا دلامة؟ قال: بشر حال يا أمير المؤمنين. قال: كيف ذلك؟ ويلك! قال: وما ظنك يا أمير المؤمنين بمن أصبح وجهه في وسطه، وسيفه في أسته، وقد نبذ كتاب الله عز وجل وراء ظهره. قال: فضحك أبو جعفر، وأمر بتغيير ذلك، وأمر لأبي دلامة بصلة.
وأوصل أبو دلامة إلى العباس بن المنصور رقعة فيها هذه الأبيات:
قف بالديار وأي الدهر لم تقف ... على منازل بين الظهر والنجف
وما وقوفك في أطلال منزلة ... لولا الذي استحدثت في قلبك الكلف
إن كنت أصبحت مشغوفا بجارية ... فلا وربك لا تشفيك من شغف
ولا تزيدك إلا العل من أسف ... فهل لقلبك من صبر على الأسف

(1/74)

هذي مقالة شيخ من بني أسد ... يهدي السلام إلى العباس في الصحف
تخطها من جواري المصر كاتبة ... قد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفا وشاتية ... إلى معلمها باللوح والكتف
حتى إذا ما استوى الثديان وامتلأت ... منها وخيفت على الإسراف والقرف
صينت ثلاث سنين ما ترى أحدا ... كما تصان ببحر درة الصدف
بينا الفتى يتمشى نحو مسجده ... مبادرا لصلاة الصبح بالسدف
حانت لن نظرة منها فأبصرها ... مطلة بين سجفيها من الغرف
فخر في الترب ما يدري غداتئذ ... أخر منكشفا أم غير منكشف
وجاءه القوم أفواجا بمائهم ... لينضحوا الرجل المغشى بالنطف
فوسوسوا بقران في مسامعه ... خوفا من الجن والإنسان لم يخف
شيئا ولكنه من حب جارية ... أمسى وأصبح من موت على شرف
قالوا: لك الخير ما أبصرت؟ قلت لهم ... جنية أقصدتني من بني خلف
أبصرت جارية محجوبة لهم ... تطلعت من أعالي القصر ذي الشرف
فقلت من أيكم والله يأجره ... يعير قوته مني إلى ضعفي
فقام شيخ بهي من تجارهم ... قد طالما خدع الأقوام بالحلف
فابتاعها لي بألف أحمر فغدا ... بها إلي فألقاها على كتفي
فبت ألثمها طورا وتلثمني ... طورا ونفعل بعض الشيء في اللحف
بتنا كذلك حتى جاء صاحبها ... يبغي الدنانير بالميزان ذي الكفف
وذاك حق على زند وكيف به ... والحق في طرف والعين في طرف
وبين ذاك شهود لم أبال بهم ... أكنت معترفا أم غير معترف
فإن تصلني قضيت القوم حقهم ... وإن تقل لا فحق القوم في تلف
فلما قرأ العباس الأبيات أعجب بها واستظرفها، وقضى عنه ثمن الجارية. واسم أبي دلامة: زند.

(1/75)

إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى يوما: إني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة وأردت أن أخلو وأفر من أشغال الناس وأتوحد. فهل أنت مساعدي قلت: جعلني الله فداك، أنا أسعد الناس بمساعدتك، وآنس بمخالاتك. قال: فكر إلي بكور الغراب. قال: فأتيت عند الفجر الثاني فوجدت الشمعة بين يديه، وهو قاعد ينتظرني للميعاد. قال: فصلينا ثم أفضنا في الحديث حتى جاء وقت الحجامة، فأتى بحجام وحجمنا في ساعة واحدة، ثم قدم إلينا طعام فطعمنا. فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة، وضمخنا بالخلوق، وظللنا بأسر يوم مر بنا. ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب، فقال: إذا جاء عبد الملك القهرماني فأذن له. فنسي الحاجب، وجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، على جلالته وسنه وقدره وأدبه، فإذن له الحاجب. فما راعنا إلا طلعة عبد الملك. فتغير لذلك جعفر بن يحيى وتنغص عليه ما كان فيه. فلما نظر عبد الملك إليه على تلك الحال دعا غلامه دفع إليه سيفه وسواده وعمامته، ثم جاء ووقف على باب المجلس، وقال: اصنعوا بي ما صنعتم بأنفسكم. قال: فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة. ودعا بالطعام فطعم، ثم دعا بالشراب فشرب ثلاثا، ثم قال: ليخفف عني، فإن شيء ما شربته قط. فتهلل وجه جعفر وفرح به، وكان الرشيد قد عتب على عبد الملك بن صالح ووجد عليه. فقال له جعفر بن يحيى: جعلني الله فداك، قد تفضلت وتطولت وأسعدت، فهل من حاجة تبلغها مقدرتي، أو تحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت؟ قال: بلى، إن قلب أمير المؤمنين عاتب علي، فسله الرضا عني. قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. ثم قال: علي أربعة آلاف دينار. قال حاضرة، ولكن من مال أمير المؤمنين أحب إليك. قال: وابني إبراهيم أحب أن أشد ظهره بصهر من أولاد أمير المؤمنين. قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته عائشة. قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. قال: قد ولاه أمير المؤمنين على مصر. قال: وانصرف عبد الملك، ونحن نعجب من إقدامه على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر، فلم نلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد النكاح، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر. وخرج جعفر فأشار إلينا. فلما صار إلى منزله ونحن خلفه، نزل ونزلنا بنزوله. فالتفت إلينا فقال: تعلقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك فأحببتم معرفة آخره، وإني لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه ابتدأت القصة من أولها كما كانت، فجعل يقول: أحسن والله! أحسن والله! فما صنعت؟ فأخبرته بما سأله وبما أجبته به. فجعل يقول في ذلك: أحسنت، أحسنت! وخرج إبراهيم واليا على مصر.
قدم رجل على ملك من ملوك الأكاسرة، فمكث ببابه حينا لا يصل إليه، فتلطف في رقعة أوصلها إليه، وفيها أربعة أسطر: في السطر الأول: الضر والأمل أقدماني عليك.
والسطر الثاني: الفقر لا يكون معه صبر على المطالبة.
السطر الثالث: الانصراف بلا فائدة فتنة وشماتة للعدو.
والسطر الرابع: فإما نعم مثمرة، وإما لا مريحة.
فلما قرأها وقع تحت كل سطر منها بألف مثقال وأمر له بها.
ودخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن برمك فأنشده:
سألت الندى هل أنت حر فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثني عن والد بعد والد
فأمر له بعشر آلاف.
ودخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فأنشده:
أخالد إن لم أزرك لخلة ... سوى أنني عاف وأنت جواد
أخالد بين الحمد والأجر حاجتي ... فأيهما تأتي فأنت عماد
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
ومن قولنا في هذا المعنى. ودخلت على أبي العباس القائد فأنشدته:
الله جرد للندى والباس ... سيفا فقلده أبا العباس
ملك إذا استقبلت غرة وجهه ... قبض الرجاء إليك روح إلياس
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس
ثم سألته حاجة فيها بعض الغلظ. فتلكأ فيها علي، فأخذت سحاية من بين يديه فوقعت فيها على البديهة:

(1/76)

ما ضر عندك حاجتي ما ضرها ... عذرا إذا أعطيت نفسك قدرها
انظر إلى عرض البلاد وطولها ... أولست أكرم أهلها وأبرها
حاشى لجودك أن يوعر حاجتي ... ثقتي سهلت لي وعرها
لا يجتني حلو المحامد ماجد ... حتى يذوق من المطالب مرها
فقضى الحاجة وسارع إليها.
وأبطأ عبد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يتعرف خبره، فكتب إليه:
عليل من مكانين ... من الإفلاس والدين
ففي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
فبعث إليه بألف دينار.
عبد الله بن منصور قال: كنت يوما في مجلس الفضل بن يحيى. فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلا قد أكثر في طلب الإذن وزعم أن له يدا يمت بها. فقال: أدخله. فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فسلم فأحسن. فأومأ إليه بالجلوس، فجلس. فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت بها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل، فما الذي تمت به؟ قال: ولادة تقرب من ولادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك. قال: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني، قيل: إنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلا، إعظاما لاسمك أن تلحقني به. فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون سنة. قال: صدقت، هذا المقدار الذي أتيت عليه، فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله. قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: لم ارض نفسي للقائك لأنها كانت في عامية وحداثة تقعدني عن لقاء الملوك. قال: يا غلام، أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفا، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح له. فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به إخوانه وخاصة أهله.
وكتب حبيب بن أوس الطائي إلى أحمد بن أبي داود:
اعلم وأنت المرء غير معلموافهم جعلت فداك غير مفهم
أن اصطناع العرف ما لم توله ... مستكملا كالثوب ما لم يعلم
والشكر ما لم يستثر بصنيعةكالخط تقرؤه وليس بمعجم
وتفنني في القول إكثار وقد ... أسرجت في كرم الفعال فألجم.
وقال دعبل بن علي الخزاعي في طاهر بن الحسين صاحب خراسان:
أيا ذا اليمينين والدعوتين ... ومن عنده العرف والنائل
أترضى لمثلى أنى مقيم ... ببابك مطرح خامل
رضيت من الود والعائدات ... ومن كل ما أمل الآمل
بتسليمة بين خمس وست ... إذا ضمك المجلس الحافل
وما كنت أرضى بذا من هسواك ... أيرضى بذا رجل عاقل
وإن ناب شغل ففي دون ما ... تدبره شغل شاغل
عليك السلام فإني امرؤ ... إذا ضاق بي بلد راحل
الأصمعي قال: ونظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلا قبيحا، وهو أقبح الناس وجها، فقال: يا أخا ضبة، كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وجها، وهن آكل مني: فضحك زياد وقال: لله درك! ما ألطف سؤالك! افرضوا له و لكل واحدة منهن مائة وخادما، وعجلوا له و لهن أرزاقهم. فخرج الصبي وهو يقول:
إذا كنت مرتاد السماحة والندى ... فناد زيادا أو أخا لزياد
يجبك امرؤ يعطى على الحمد ما له ... إذا ضن بالمعروف كل جواد
ومالي لا أثنى عليك وإنما ... طريفي من معروفكم وتلادي
ووقف دعبل ببعض أمراء الرقة، فلما مثل بين يديه قال: أصلح الله الأمير، إني لا أقول كما قال صاحب معن:
بأي الخلتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي مسول
أبالحسنى وليس لها ضياء ... علي فمن يصدق ما أقول
أم الأخرى ولست لها بأهل ... وأنت لكل مكرمة فعول
ولكنني أقول:
ماذا أقول إذا أتيت معاشري ... صفرا يداي من الجواد المجزل
إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الأمير بماله لم يجمل
ولأنت أعلم بالمكارم والعلا ... من أن أقول فعلت ما لم تفعل

(1/77)

فاختر لنفسك ما أقول فإني ... لا بد مخبرهم وإن لم أسأل
قال له: قاتلك الله! وأمر له بعشرة آلاف درهم.
العتبي قال: دخل ابن عبدل على عبد الملك بن بشر بن مروان، لما ولي الكوفة فقعد بين السماطين، ثم قال: أيها الأمير، إني رأيت رؤيا فإذن لي في قصصها. فقال: قل. فقال:
أغفيت قبل الصبح يوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مفلوجة حسن علي قيامها
وببدرة حملت إلي وبغلة ... شهباء ناجية يصر لجامها
قال له عبد الملك بن بشر بن مروان: كل شيء رأيت فهو عندي إلا البغلة، فإنها دهماء فارهة. امرأتي طالق ثلاثا إن كنت رأيتها إلا دهماء. إلا أني غلطت.
الشيباني عن البطين الشاعر قال: قدمت على علي بن يحيى الأرميني فكتبت إليه:
رأيت في النوم أني راكب فرسا ... ولي وصيف وفي كفي دنانير
فقال قوم لهم حذق ومعرفة ... رأيت خيرا وللأحلام تعبير
رؤياك فسر غدا عند الأمير تجد ... تعبير ذاك وفي الفال التباشير
فجئت مستبشرا مستشعرا فرحا ... وعند مثلك لي بالفعل تيسير
قال: فوقع لي في أسفل كتابي: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. ثم أمر لي بكل شيء ذكرته في أبياتي ورأيته في منامي.
وقال بشار العقيلي:
حتى متى ليت شعري يا بن يقطين ... أثني عليك بما لا منك توليني
أما علمت جزاك الله صالحة ... عني وزادك خيرا يا بن يقطين
أني أريدك للدنيا وزينتها ... ولا أريدك يوم الدين للدين
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
يا بن العلاء ويا بن القرم مرداس ... إني لأطريك في أهلي وجلاسي
أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها رأسي
الأخذ من الأمراء
حدثنا جعفر بن محمد عن يزيد بن سمعان عن عبد الله بن ثور عن عبد الحميد ابن وهب عن أبي الخلال، قال: سألت عثمان بن عفان عن جائزة السلطان، فقال: لحم طري زكي.
جعفر بن محمد بن يحيى بن محمد العامري عن المعتمر عن عمران بن حدير، قال: انطلقت أنا ورجل إلى عكرمة، فرأى الرجل عليه عمامة متخرفة. فقال الرجل: عندنا عمائم، ألا نبعث إليك بعمامة منها؟ قال عكرمة: إنا لا نقبل من الناس شيئا، إنما نقبل من الأمراء.
وقال هشام بن حسان: رأيت على الحسن البصري خميصة لها أعلام يصلي فيها، أهداها إليه مسلمة بن عبد الملك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس خفين أسودين أهداهما إليه النجاشي صاحب الحبشة.
وقال نافع: كان عبد الله بن عمر يقبل هدايا أهل الفتنة، مثل المختار وغيره.
ودخل مالك بن أنس على هارون الرشيد، فشكا إليه دينا لزمه، فأمر له بألف دينار عين. فلما وضع يديه للقيام قال: يا أمير المؤمنين، وزوجت ابني محمدا فصار علي فيه ألف دينار. قال: ولابنه ألف دينار.
فلقد مات مالك وتركها زنته في مزوده.
وقال الأصمعي: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: كان الربيع بن خثيم في ألف ومائة من العطاء، فكلم فيه أبي معاوية فألحقه بألفين. فلما حضر العطاء نودي الربيع بن خثيم، فقيل له: في ألفين، فقعد. فنظروا على اسمه مكتوبا: كلم فيه ابن يحيى بن طلحة أمير المؤمنين فألحقه بألفين.
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، كنت أريد أن تقبل مني هذه الجبة كسوة. قال: إن كنت غنيا قبلتها منك، وإن كنت فقيرا لم أقبلها منك. قال: فإن غني. قال: وكم مالك؟ قال: ألفا دينار. قال: فأنت تود أنها أربعة آلاف. قال: نعم. قال: فأنت فقير لا أقبلها منك.
وأمر إبراهيم بن الأغلب، المعروف بزيادة الله، بمال يقسم على الفقهاء، فكان منهم من قبل، ومنهم من لم يقبل. فكان أسد بن الفرات فيمن قبل، فجعل زيادة الله يغمص على كل من قبل منهم: فبلغ ذلك أسد ابن الفرات، فقال: لا عليه، إنما أخذنا بعض حقوقنا والله سائله عما بقي.
وقد فخرت العرب بأخذ جوائز الملوك، وكان من أشرف ما يتمولونه، فقال ذو الرمة:

(1/78)

وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم
وقال آخر: يهجو مروان بن أبي حفصة ويعيبه بأخذه من العامة، ويفخر بأنه لا يأخذ إلا من الملوك، فقال:
عطايا أمير المؤمنين ولم تكن ... مقسمة من هؤلاء وأولئكا
وما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا
التفضيل في العطاء
تفضيل بعض الناس على بعض في العطاء
ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفقراء، فقال: إن سعيد بن حذيم منهم. فأعطاه ألف دينار، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أعطيت فأغن.
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد من العرب فأعطاهم، وفضل رجلا منهم. فقيل له في ذلك. كل القوم عيال عليه.
وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين المؤلفة قلوبهم فأعطى الأفرع ابن حابس التيمي وعيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى العباس ابن مرداس السلمي خمسين، فشق ذلك عليه، فقال أبياتا، فأتاه بها وأنشده إياها، وهي:
أيذهب نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
ولا كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت غير امرئ منهم ... ومن تضع اليوم لم يرفع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: اقطع عني لسان العباس. فأعطاه حتى أرضاه.
وقال صفوان بن أمية: لقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما خلق الله خلقا أبعض إلي منه، فما زال يعطيني حتى ما خلق الله خلقا أحب إلي منه. وكان صفوان بن أمية من المؤلفة قلوبهم.
شكر النعمة
سليمان التميمي قال: إن الله أنعم على عباده بقدر قدرته. وكلفهم من الشكر بقدر طاقتهم.
وقالوا: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنهم على من شكرك.
وقالوا: كفر النعمة يوجب زوالها، وشكرها يوجب المزيد فيها.
وقالوا: من حمدك فقد وفاك حق نعمتك.
وجاء في الحديث: من نشر معروفا فقد شكره، ومن ستره فقد كفره.
وقال عبد الله بن عباس: لو أن فرعون مصر أسدى إلي يدا صالحة لشكرته عليها.
وقالوا: إذا قصرت يدك عن المكافأة. فليطل لسانك بالشكر.
وقالوا: ما نحل الله تعالى عباده شيئا أقل من الشكر، واعتبر ذلك بقول الله عز وجل: " وقليل من عبادي الشكور " .
محمد بن صالح بن الواقدي قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي، فقلت: إن هاهنا قوما جاءوا يشكرون لك معروفا، فقال: يا محمد، هؤلاء يشكرون معروفا، فكيف لنا بشكر شكرهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنعم الله على عبده نعمة فرأى عليه أثرها إلا كتب: حبيب الله شاكرا لأنعمه، وما أنعم الله على عبده نعمة فلم ير أثرها عليه إلا كتب: بغيض الله كافرا لأنعمه.
وكتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: إني بأرض كثرت فيها النعم، وقد خفت على من قبلي من المسلمين قلة الشكر والضعف عنه. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: إن الله تعالى لم ينعم على قوم نعمة فحمدوه عليها إلا كان ما أعطوه أكثر مما أخذوا. واعتبر ذلك لقول الله تعالى: " ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا " . فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان.
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها تنشد أبيات زهير بن جناب:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه عواقب ما جنى
يجزيك أو يثني عليك فإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: صدق يا عائشة، لا شكر الله من لا يشكر الناس.
الخشنى قال: أنشدني الرياشي:
إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الخير والشكر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
وأنشدني في الشكر:
سأشكر عمرا ما تراخت منبتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقة ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
قلة الكرام في كثرة اللئام

(1/79)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.
وقالت الحكماء: الكرام في اللئام كالغرة في الفرس.
وقال الشاعر:
تفاخرني بكثرتها قريظ ... وقبلي والد الحجل الصقور
فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور
وقال السموأل:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها عن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وقال حبيب:
ولقد تكون ولا كريم نناله ... حتى نخوض إليه ألف لئيم
قال ابن أبي حازم:
وقالوا لو مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم
بلوت ومر بي خمسون حولا ... حسبك بالمجرب من عليم
فلا أحد يعد ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم
وقال دعبل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... والله يعلم أني لم أقل فندا
إن لأغلق عيني ثم أفتحها ... على كثير ولكن ما أرى أحد
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول حبيب الطائي:
إن الجياد كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
لا يدهمنك من دهمائهم عجب ... فإن جلهم أو كلهم بقر
وكلما أضحت الأخطار بينهم ... هلكي تبين من أضحى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
الأصمعي قال: قال كسرى: أي شيء أضر؟ فأجمعوا على الفقر. فقال كسرى: الشح أضر منه، لأن الفقير يجد الفرجة فيتسع.
من جاد أولا وضن آخرا
نزل أعرابي برجل من أهل البصرة، فأكرمه وأحسن إليه، ثم أمسك. فقال الأعرابي:
تسرى فلما حاسب المرء نفسه ... رأى أنه لا يستقر له السرو
وكان يزيد بن منصور يجري لبشار العقيلي وظيفة في كل شهر، ثم قطعها عنه فقال:
أبا خالد ما زلت سابح غمرة ... صغيرا فلما شبت خيمت بالشاطئ
جريت زمانا سابقا ثم لم تزل ... تأخر حتى جئت تقطو مع القاطي
كسنور عبد الله بيع بدرهم ... صغيرا فلما شب بيع بقيراط
وقال مسلم بن الوليد صريع الغواني لمحمد بن منصور بن زياد:
أبا حسن قد كنت قدمت نعمة ... وألحقت شكرا ثم أمسكت وانيا
فلا ضير لم تلحقك مني ملامة ... أسأت بنا عودا وأحسنت باديا
فأقسم لا أجزيك بالسوء مثله ... كفى بالذي جازيتني لك جازيا
وقال سليمان الأعمى، وهو أخو صريع الغواني، في سليمان بن علي:
يا سوءة يكبر الشيطان إن ذكرت ... منها العجائب جاءت من سليمانا
لا تعجبن بخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
من ضن أولا ثم جاد آخرا
قدم الحارث بن خالد المخزومي على عبد الملك فلم يصله، فرجع وقال فيه:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
حبست عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك يجري بؤسها ونعيمها
فبلغ قوله عبد الملك، فأرسل إليه فرده، وقال: أرأيت عليك غضاضة من مقامك ببابي؟ قال: لا، ولكني اشتقت إلى أهلي ووطني، ووجدت فضلا من القول فقلت، وعلي دين لزمني. قال: وكم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا. قال: فقضاء دينك أحب إليك أم ولاية مكة؟ قال: بل ولاية مكة. فولاه إياها.
وقدم الحطيئة المدينة فوق إلى عتيبة بن النهاس العجلي فقال: أعطني. فقال: مالك عند فأعطيكه، وما في مالي فضل عن عيالي فأعود به عليك. فخرج عنه مغضبا. وعرفه به جلساؤه، فأمر برده، ثم قال له: يا هذا إنك وقفت إلينا فلم تستأنس ولم تسلم، وكتمتنا نفسك، كأنك الحطيئة؟ قال: هو ذلك. قال: اجلس، فلك عندما كل ما تحب. فجلس، فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
من يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
يعني زهيرا: قال: ثم من؟ قال: الذي يقول:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 1:28 am

من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
يعني عبيدا. قال: ثم من؟ قال: أنا.
فقال لوكيله: خذ بيد هذا فامض به إلى السوق، فلا يشيرن إلى شيء إلا اشتريته له. فمضى معه إلى السوق، فعرض عليه الخز والقز، فلم يتلفت إلى شيء منه وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ والأقبية. فاشترى له منها حاجته، ثم قال: أمسك. قال: فإنه قد أمرني أن أبسط يدي بالنفقة قال: لا حاجة في أن يكون له على قومي يد أعظم من هذه، ثم أنشأ يقول:
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا الجود منك سجية ... فتعطى وقد يعدى على النائل الوجد
من مدح أميرا فخيبه
قال سعيد بن سلم: مدحني أعرابي فأبلغ، فقال:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم نور كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد
قال: فتأخرت عنه قليلا. فهجاني فأبلغ، فقال:
لكل أخي مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت سعيدا والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب
ومدح الحسن بن رجاء أبا دلف فلم يعطه شيئا، فقال:
أبا دلف ما أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
إني مدحتك كاذبا فأثبتني ... لما مدحتك ما يثاب الكاذب
وقال آخر في مثل هذا المعنى:
لئن أخطأت في مدحي ... ك ما أخطأت في منعي
لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
ومدح حبيب الطائي عياش بن لهيعة، وقدم عليه بمصر، واستسلفه مائتي مثقال. فشاور فيها زوجته، فقالت له: هو شاعر يمدحك اليوم، ويهجوك غدا، فاعتل عليه واعتذر إليه ولم يقض حاجته. فقال فيه:
عياش إنك للئيم وإنني ... مذ صرت موضع مطلبي للئيم
ثم هجاه حتى مات. وهجاه بعد موته، فقال فيه:
لا سقيت أطلالك الدائرة ... ولا انقضت عثرتك العاثرة
يا أسد الموت تخلصته ... من بين فكي أسد القاصرة
ما حفرة واراك ملحودها ... ببرة الرمس ولا طاهره
ومن قولنا في هذا المعنى، وسألت بعض موالي السلطان إطلاق محبوس فتلكأ فيه، فقلت:
حاشا لمثلك أن يفك أسيرا ... أو أن يكون من الزمان مجيرا
لبست قوافي الشعر فيك مدارعا ... سودا وصكت أوجها وصدورا
علا عطفت برحمة لما دعت ... ويلا عليك مدائحي وثبورا
لو أن لؤمك عاد جودا عشره ... ما كان عندك حاتم مذكورا
قال: ومدح ربعة الرقي يزيد بن حاتم الأزدي، وهو والي مصر فاستبطأه ربيعة. فشخص عنه من مصر وقال:
أراني ولا كفران الله راجعابخفي حنين من نوال ابن حاتم
فبلغ قوله يزيد بن حاتم. فأرسل في طلبه، فرد إليه. فلما دخل عليه قال له: أنت القائل:
أراني ولا كفران الله راجعا
قال: نعم؛ قال: فهل قلت غير هذا؟ قال: لا والله؛ قال: لترجعن بخفي حنين مملوءة مالا. فأمر بخلع نعليه وملئت له مالا. فقال فيه لما عزل عن مصر وولي يزيد بن أسيد السلمي مكانه:
بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغر ابن حاتم
وفيها يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
فهم الفتى الأزدي إنفاق ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
أجود أهل الجاهلية
الذين انتهي إليهم الجود في الجاهلية ثلاثة نفر: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المري، وكعب بن مامة الإيادي.
ولكن المضروب به المثل: حاتم وحده، وهو القائل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه، فقال في ذلك:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح ما موقد ريح صر
عسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر

(1/81)

ومر حاتم في سفره على عنزة، وفيهم أسير. فاستغاث بحاتم ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيين وأطلقه، وأقام مكانه في القيد حتى أدى فداءه.
وقالوا: لم يكن حاتم ممسكا شيئا ما عدا فرسه وسلاحه، فإن كان لا يجود بهما.
وقالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال وأيقنا بالهلاك. فوالله إنا لفي ليلة صنبر، بعيدة ما بين الطرفين، إذا تضاغى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد؛ فقال: من هذا؟ قالت: إلا عليك يا أبا عدي. فقال. أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم. فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي جانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها. فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر، ثم كشطه عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي بالنار، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتا بيتا، فيقول: هبوا أيها القوم عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع في ثوبه ناحية ينظر إلينا، فلا والله إن ذاق منه مزعه، وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقل اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطى الإنس والخبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ورئي حاتم يوما يضرب ولده لما رآه يضرب كلبة كانت تدل عليه أضيافه، وهو يقول:
أقول لابني وقد سطت يديه ... بكلبة لا يزال يلدها
أوصيك خيرا بها فإن لها ... عندي يدا لا أزال أحمدها
تدل ضيفي علي في غلس ال ... ليل إذا النار نام موقدها
ذكرت طبئ عند عدي بن حاتم: أن رجلا يعرف بأبي الخيبري مر بقبر حاتم فنزل به وجعل ينادي: أبا عدي، أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلا ما تكلم من رمة بالية؟ فقال: إن طيئا يزعمون أنه لم ينزل به أحد إلا قراه، كالمستهزئ. فلما كان في السحر وثب أبو خيبري يصيح: وا راحلتاه! فقال له أصحابه: ما شأنك؟ قال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتي وأنا أنظر إليها. فتأملوا راحلته فإذا هي لا تنبعث، فقالوا: قد والله أقراك. فنحروها وظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا. فبينما هم في مسيرهم إذ طلع عليهم عدي بن حاتم ومعه جمل قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتما جاء في النوم فذكر لي قولك وأنه أقراك وأصحابك راحلتك وقال لي أبياتا رددها علي حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبري وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها
أتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وأنعامها
وإنا لنطعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها
وأمرني بدفع راحلة عوض راحلتك فخذها، فأخذها ولحاتم بن عبد الله أيضا:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا عن طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حل في مالي النذر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
تري أن ما أنفقت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين يلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله سكر وآخره ذكر

(1/82)

وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
فإن وجدي رب واحد أمه ... أجرت فلا قتل عليه ولا أسر
ولا أظلم بن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكاسيهما الدهر
فما زادنا بأوا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وأما هرم بن سنان فهو صاحب زهير الذي يقول فيه:
متى تلاق على علاته هرما ... تلق السماحة في خلق وفي خلق
وكان سنان أبو هرم سيد غطفان، وماتت أمه وهي حامل به، وقالت: إذا أنا مت فشقوا بطني فإن سيد غطفان فيه. فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منه سنانا.
وفي بني سنان يقول زهير:
قوم أبوهم سنان حين تنبسهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا ... مرزءون بهاليل إذا قصدوا
محسدون على كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا
وقال زهير في هرم بن سنان:
وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب نوائله
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخور ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله
أخذ الحسن بن هانئ هذا المعنى فقال:
فتى لا تغول الخمر شحمة ماله ... ولكن أياد عود وبوادي
وقال زهير في هرم بن سنان وأهل بيته:
إليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجهض من أرحامها العلق
حتى دفعن إلى حلو شمائله ... كالغيث ينبت في آثاره الورق
من أهل بيت برى ذو العرش فضلهم ... يبنى لهم في جنان الخلد مرتفق
المطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطيبون ثيابا كلما عرقوا
كأن آخرهم في الجود أولهم ... إن الشمائل والأخلاق تتفق
إن قامروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا
تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنوفس عند الباعة الورق
وقال فيهم أيضا:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم حق من يعتفيهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
فما كان من خير ألوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وأما كعب بن مامة الإيادي، فلم يأت عنه إلا ما ذكر من إيثاره رفيقه النمري بالماء حتى مات عطشا ونجا النمري، وهذا أكثر من كل ما أثني لغيره.
وله يقول حبيب:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقص غاية الجود
وله ولحاتم الطائي يقول:
كعب وحاتم اللدان تقسما ... خطط العلا من طارف وتليد
هذا الذي خلف السجاب ومات ذا ... في المجد ميتة خضرم صنديد
إلا يكن فيها الشهيد فقومه ... لا يسمحون به بألف شهيد
أجواد أهل الإسلام
وأما أجواد أهل الإسلام فأحد عشر رجلا في عصر واحد لم يكن قبلهم ولا بعدهم مثلهم.
فأجواد الحجاز ثلاثة في عصر واحد: عبيد الله بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص.
وأجواد البصرة خمسة في عصر واحد، وهم: عبد الله بن عامر بن كريز وعبيد الله بن أبي بكرة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسلم بن زيادة، وعبيد الله بن معمر القرشي، ثم التمي، وطلحة الطلحات، وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وله يقول الشاعر يرثيه، ومات بسجستان وهو وال عليها:
نضر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
وأجواد أهل الكوفة ثلاثة في عصر واحد، وهم: عتاب بن ورقاء الرياحي، وأسماء بن خارجة الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض.
جود عبيد الله بن عباس

(1/83)

أنه أول من فطر جيرانه، وأول من وضع الموائد على الطرق، وأول من حيا على طعامه، وأول من أنهبه، وفيه يقول شاعر المدينة:
وفي السنة الشهباء أطعمت حامضا ... وحلوا ولحما تامكا وممزعا
وأنت ربيع لليتامى وعصمة ... إذ المحل من جو السماء تطلعا
أبوك أبو الفضل الذي كان رحمة ... وغوثا ونورا للخلائق أجمعا
ومن جوده: أنه أتاه رجل وهو بفناء داره، فقام بين يديه فقال: يا بن عباس، إن لي عندك يدا، وقد احتجت إليها. فصعد فيه بصره وصوبه، فلم يعرفه، ثم قال له: ما يدك عندنا؟ قال رأيتك واقفا بزمزم وغلامك يمتح لك من مائها، والشمس قد صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت قال: إني لأذكر ذلك، وإنه يتردد بين خاطري وفكري، ثم قال لقيمه: ما عندك؟ قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم؛ قال فادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيه ما كفاه فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم شفعه بك وبأبيك.
ومن جوده أيضا: أن معاوية حبس عن الحسين بن علي صلاته حتى ضاقت عليه حاله. فقيل له: لو وجهت إلى ابن عمك عبيد الله، فإن قد قدم بنحو من ألف ألف درهم. فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فوالله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر. ثم وجه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم. فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان من أرق الناس قلبا وألينهم عطفا، انهملت عيناه، ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم أصبحت حين لين المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال، وكثرة العيال، ثم قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فض وذهب وثوب ودابة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر؛ فقال له القيم: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا ذلك دللتك على أمر يقيم حالك. فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين، قال: إنا الله حملت والله على ابن عمي وما حسبته يتسع لنا بهذا كله؛ فأخذ الشطر من ماله. وهو أول من فعل ذلك في الإسلام.
ومن جوده: أن معاوية بن أبي سفيان أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها، فقال: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، إن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما السلام؛ فضحك عبيد الله، وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جعلت فداك، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد علي. قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلا. فقال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه - يعني معاوية - فظن عبيد الله أنها مكيدة منه، قال: دع عنك هذا الكلام فإنا قوم نفي بما وعدنا، ولا ننقض ما أكدنا.
ومن جوده أيضا: أنه أتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدق، فإني نبئت أن عبيد الله بن عباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر إليه؟ فقال له: وأين أنا من عبيد الله؟ قال أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟ قال: فيهما؛ قال: أما الحسب في الرجل، فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيبا، فأعطاه ألفي درهم واعتذر له من ضيق الحال؛ فقال له السائل: إن لم تكن عبد الله بن عباس فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس؛ فأعطاه ألفا أخرى. فقال السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض الشك بين جوانحي.
ومن جوده أيضا: أنه جاءه رجل من الأنصار فقال: يا بن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود، وإني سميته باسمك تبركا مني به، وإن أمه ماتت.

(1/84)

فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله، فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته، ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلة. قال الأنصاري: لو سبقت حاتما بيوم واحد ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك، فصرت له تاليا، وأنا أشهد أن عفوك أكثر من مجهوده، وكل كرمك أكثر من وابله.
جود عبد الله بن جعفر
ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الرحمن بن أبي عمار دخل على نخاس يعرض قيانا له، فعلق واحدة منهن، فشهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، فكان جوابه أن قال:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له هم غيره، فحج فبعث إلى مولى الجارية، فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها، ففعلت. وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار زارنا! فأخبر الشيخ، فأتاه مسلما. فلما أراد أن ينهض استجلسه ثم قال: ما فعل حب فلانة؟ قال: في اللحم والدم والمخ والعصب. قال: أتعرفها لو رأيتها؟ قال: لو أدخلت الجنة لم أنكرها فأمر بها عبد الله أن تخرج إليه وقال له: إنما اشتريتها لك، ووالله ما دنوت منها، فشأنك بها، مباركا لك فيها. فلما ولى، قال يا غلام، احمل معه مائة ألف درهم ينعم بها معها. قال: فبكى عبد الرحمن فرحا، وقال: يا أهل البيت، لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحدا قبلكم من صلب آدم، فتهنئكم هذه النعمة، وبورك لكم فيها.
ومن جوده أيضا: أنه أعطى امرأة سألته مالا عظيما. فقيل له: إنها لا تعرفك. وكان يرضيها اليسير. قال: إن كان يرضيها اليسير فإني لا أرضى بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
جود سعيد بن العاص
ومن جود سعيد بن العاص: أنه مرض وهو بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل بن السمط ومسلم بن عقبة المري، ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما لمعاوية، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان أن لا تتحرك، فقد ضعفت بالعلة. فسقط، فتبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه وأخذه بيده، فأقعده على فراشه وقعد معه، وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود معه. فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السمط، ويزيد بن شجرة، فقال: هل رأيتما خللا في مال أبي عثمان؟ فقالا: ما رأينا شيئا ننكره. فقال لمسلم بن عقبة: ما تقول؟ قال: رأيت. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة ورأيت صحن داره غير مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه. قال: صدقت، كل ذلك قد رأيته فوجه إليه مع مسلم بثلاثمائة ألف. فسبق رسول يبشره بها ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إن صاحبك ظن أنه أحسن فأساء، وتأول فأخطأ. فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرة حركته اتسخ ثوبه؛ وأما كنس الدار فليست أخلاقنا أخلاق من جعل داره مرآته، وتزينه لبسه، ومعروفه عطره، ثم لا يبال بمن مات هزلا من ذي لحمة أو حرمة. وأما منازعة التجارة قهرماني، فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه لم يجد بدا من أن يكون ظالما أو مظلوما؛ وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين، فوصلته كل ذي رحم قاطعة، وهنأته كرامته المنعم بها عليه، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معولنا.
فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه. فقال: صدق ابن عمي فيما قال، وأخطأت فيما انتهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنه فعل خيرا كوفئ عليه.

(1/85)

ومن جوده أيضا: أن معاوية كان يداول بينه وبين مروان بن الحكم في ولاية المدينة، فكان مروان يقارضه. فلما دخل على معاوية قال له: كيف تركت أبا عبد الملك؟ - يعني مروان - قال: تركته منفذا لأمرك، مصلحا لعملك. قال معاوية: إنه كصاحب الخبزة كفى إنضاجها فأكلها. قال: كلا يا أمير المؤمنين، إنه من قوم لا يأكلون إلا ما حصدوا. ولا يحصدون إلى ما زرعوا. قال: فما الذي باعد بينك وبينه؟ قال: خفته على شرفي وخافني على مثله. قال: فأي شيء كان له عندك؟ قال: أسوءه حارا وأسره غائبا. قال: يا أبا عثمان، تركتنا في هذه الحروب. قال: حملت الثقل وكفيت الحزم. قال: فما أبطأ بك؟ قال: غناك عني أبطأني عنك. وكنت قريبا، لو دعوت لأجبناك، ولو أمرت لأطعناك. قال: ذلك ظننا بك. فأقبل معاوية على أهل الشام، فقال يا أهل الشام هؤلاء قومي وهذا كلامهم. ثم قال: أخبرني عن مالك، فقد نبئت أنك تتجر فيه. قال: يا أمير المؤمنين، لنا مال يخرج لنا منه فضل، فإذا كان ما خرج قليلا أنفقناه على قلته، وإن كان كثيرا فكذلك، غير أنا لا ندخر منه شيئا عن معسر، ولا طالب، ولا مستحمل، ولا نستأثر منه بفلذة لحم، ولا مزعة شحم. قال: فكم يدوم لك هذا؟ قال: من السنة نصفها. قال: فما تصنع باقيها؟ قال: نجد من يسلفنا ويسارع إلى معاملتنا. قال: ما أحد أحوج إلى أن يصلح من شأنه منك. قال: إن شأننا لصالح يا أمير المؤمنين، ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذه الحال. فأمر له معاوية بخمسين ألف درهم، وقال: اشتر بها ضيعة تعينك على مروءتك. فقال سعيد: بل أشتري بها حمدا وذكرا باقيا، أطعم بها الجائع، وأزوج بها الأيم، وأنك بها العاني؛ وأواسي بها الصديق، وأصلح بها حال الجار. فلم تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم. فقال معاوية: ما فضيلة بعد الإيمان بالله هي أرفع في الذكر ولا أنبه في الشرف، من الجود، وحسبك أن الله تبارك وتعالى جعل الجود أحد صفاته.
ومن جوده أيضا ما حكاه الأصمعي، قال: كان سعيد بن العاص يسمر معه سماره إلى أن ينقضي حين من الليل، فانصرف عنه القوم ليلة ورجل قاعد لم يقم. فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال: حاجتك يا فتى؟ فذكر أن عليه دينا أربعة آلاف درهم، فأمر له بها. وكان إطفاؤه للشمعة أكثر من عطائه.
جود عبيد الله بن أبي بكرة
ومن جود عبيد الله بن أبي بكرة: أنه أدلى إليه رجل بحرمة، فأمر له بمائة ألف درهم. فقال: أصلحك الله، ما وصلني أحد بمثلها قط. ولقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لها بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.
جود عبيد الله بن معمر
القرشي التيمي
ومن جود عبيد الله بن معمر القرشي: أن رجلا أتاه من أهل البصرة كانت له جارية نفيسة قد أدبها بأنواع الأدب حتى برعت وفاقت في جميع ذلك، ثم إن الدهر قعد بسيدها ومال عليه. وقدم عبيد الله بن معمر البصرة من بعض وجوهه فقالت لسيدها: إني أريد أن أذكر لك شيئا أستحي منه، إذ فيه جفاء مني، غير أن يسهل ذلك علي ما أرى من ضيق حالك، وقلة مالك وزوال نعمتك، وما أخافه عليك من الاحتياج، وضيق الحال، وهذا عبيد الله بن معمر قدم البصرة، وقد علمت شرفه وفضله وسعة كفه وجود نفسه، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني، ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه هدية، رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقيلك الله به وينهضك إن شاء الله. قال فبكى وجدا عليها وجزعا لفراقها منه، ثم قال لها: لولا أنك نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبدا. ثم نهض بها حتى أوقفها بين يدي عبيد الله، فقال: أعزك الله، هذه جارية ربيتها ورضيت بها لك فاقبلها مني هدية. فقال: مثلي لا يستهدي من ملك، فهل لك في بيعها، فأجزل لك الثمن عليها حتى ترضى؟ قال: الذي تراه. قال: يقنعك مني عشرة بدر، في كل بدرة عشرة آلاف درهم؟ قال: والله يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت، ولكن هذا فضلك المعروف، وجودك المشهور. فأمر عبيد الله بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه، وقال للجارية: ادخلي الحجاب. فقال سيدها: أعزك الله لو أذنت لي في وداعها؟ قال: نعم. فوقفت وقام، وقال لها وعيناه تدمعان:
أبوح بحزن من فراقك موجع ... أقاسي به ليلا يطيل تفكري

(1/86)

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام لا زيادة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
قال عبيد الله بن معمر: قد شئت ذلك، فخذ جاريتك، وبارك الله لك في المال. فذهب بجاريته وماله، فعاد غنيا.
فهؤلاء أجواد الإسلام المشهورون في الجود المنسوبون إليه، وهم أحد عشر رجلا كما ذكرنا وسمينا، وبعدهم طبقة أخرى من الأجواد، قد شهروا بالجود وعرفوا بالكرم، وحمدت أفعالهم. وسنذكر ما أمكننا ذكره منها إن شاء الله تعالى.
الطبقة الثانية من الأجواد
الحكم بن حنطب
قيل لنصيب بن رباح: خرف شعرك أبا محجن؛ قال: لا، ولكن خرف الكرم، لقد رأيتني ومدحت بن حنطب، فأعطاني ألف دينار ومائة ناقة وأربعمائة شاة.
وسأل أعرابي الحكم بن حنطب، فأعطاه خمسمائة دينار فبكى الأعرابي فقال: ما يبكيك يا أعرابي؟ لعلك استقللت ما أعطيناك؟ قال: لا والله، ولكني أبكي لما تأمل الأرض منك، ثم أنشأ يقول:
وكأن آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء
العتبي قال: أخبرني رجل من أهل منبج، قال: قدم علينا الحكم بن حنطب، وهو مملق فأغنانا. قال: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: علمنا المكارم فعاد غنينا على فقيرنا.
معن بن زائدة
وكان يقال فيه: حدث عن البحر ولا حرج، وحدث عن معن ولا حرج. وأتاه رجل يسأله أن يحمله، فقال: يا غلام، أعطه فرسا وبرذونا وبغلا وعيرا وبعيرا وجارية، وقال: لو عرفت مركوبا غير هؤلاء لأعطيتك.
العتبي قال: لما قدم معن بن زائدة البصرة واجتمع إليه الناس، أتاه مروان بن أبي حفصة أخذ بعضادتي الباب، فأنشده شعره الذي قال فيه:
فما أحجم الأعداء عنك بقية ... عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا
له راحتان الحتف والجود فيهما ... أبى الله إلا أن يضر وينفعا
يزيد بن المهلب
وكان هشام بن حسان إذ ذكره قال: والله إن كانت السفن لتجري في جوده.
وقيل ليزيد بن المهلب: مالك لا تبني دارا؟ قال: منزلي دار الإمارة أو الحبس.
ولما أتى يزيد بن عبد الملك برأس يزيد بن المهلب نال منه بعض جلسائه، فقال له: مه! إن يزيد بن المهلب طلب جسيما، وركب عظيما، ومات كريما.
ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلب في الحبس فأنشده:
صح في قيدك السماحة والجو ... د وفك العناة والإفضال
قال: أتمدحني وأنا في هذه الحال؟ قال: أصبتك رخيصا فاشتريتك. فأمر له بعشرة آلاف.
وقال سليمان بن عبد الملك لموسى بن نصير: اغرم ديتك خمسين مرة. قال: ليس عندي ما أغرم. قال: والله لتغر من ديتك مائة مرة. قال يزيد بن المهلب: أنا أغرمها عنه يا أمير المؤمنين. قال: اغرم، فغرمها عنه مائة ألف.
العتبي قال: أخبرني عوانة قال:

(1/87)

استعمل الوليد بن عبد الملك عثمان بن حيان المري على المدينة وأمره بالغلظة على أهل الظنة، فلما استخلف سليمان أخذه بألفي ألف درهم. فاجتمعت القيسية في ذلك، فتحملوا شطرها وضاقوا ذرعا بالشطر الثاني، ووافق ذلك استعمال سليمان يزيد بن المهلب على العراق. فقال عمر بن هبيرة: عليكم بيزيد بن المهلب فما لها أحد غيره. فتحملوا إلى يزيد وفيهم عمر بن هبيرة، والقعقاع بن حبيب، والهذيل بن زفر بن الحارث، وانتهوا إلى رواق يزيد. قال يحيى بن أقتل - وكان حاجبا ليزيد بن المهلب، وكان رجلا من الأزد - : فاستأذنت لهم، فخرج يزيد إلى الرواق فقرب ورحب، ثم دعاء بالغداء، فأتوا بطعام، ما أنكروا منه أكثر مما عرفوا. فلما تغدوا، تكلم عثمان بن حيان وكان لسانا مفوها وقال: زادك الله في توفيقك أيها الأمير، إن الوليد بن عبد الملك وجهني إلى المدينة عاملا عليها، وأمرني بالغلظة على أهل الظنة وصخذ عليهم، وإن سليمان أغرمني غرما، والله ما يسعه مالي ولا تحمله طاقتي، فأتيناك لتحمل من هذا المال ما خف عليك، وما بقي والله ثقيل علي. ثم تكلم كل منهم بما حضره، وقد اختصرنا كلامهم، فقال يزيد بن المهلب: مرحبا بكم وأهلا، إن خير المال ما قضيت فيه الحقوق، وحملت به المغارم. وإنما لي من المال ما فضل عن إخواني، وأيم الله، لو علمت أن أحدا أملأ بحاجتكم مني لهديتكم إليه، فاحتكموا وأكثروا. فقال عثمان بن حيان: النصف، أصلح الله الأمير. قال: نعم وكرامة، اغدوا على مالكم فخذوه. فشكروا له وقاموا فخرجوا. فلما صاروا على باب السرادق، قال عمر بن هبيرة: قبح الله رأيكم، والله ما يبالي يزيد أنصفها تحمل أم كلها، فمن لكم بالنصف الباقي؟ قال القوم: هذا والله لرأي. وسمع يزيد مناجاتهم، فقال لحاجبه: انظر يا يحيى إن كان بقي على القوم شيء فليرجعوا. فرجعوا إليه. وقالوا: أقلنا. قال: قد فعلت. قالوا: فإن رأيت أن تحملها كلها فأنت أهلها، وإن أبيت فما لها أحد غيرك. قال: قد فعلت. وغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان. فقال: يا أمير المؤمنين أتاني عثمان بن حيان وأصحابه، قال: أمسك في المال؟ قال: نعم. قال سليمان: والله لآخذنه منهم. قال يزيد: إني قد حملته. قال: فأده. قال يزيد: والله ما حملته إلا لأؤديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن هذه الحمالة وإن عظم خطبها، فحمدها والله أعظم منها، ويدي مبسوطة بيدك. فابسطها لسؤالها. ثم غدا يزيد بالمال على الخزان فدفعه إليهم. فدخلوا على سليمان فأخبروه بقبض المال. فقال: وفت يمين سليمان، احملوا إلى أبي خالد ماله: فقال عدي ابن الرقاع العاملي:
والله علينا من رأى كحمالة ... تحملها كبش العراق يزيد
الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة من بني ضنة، فقال رجل منهم:
والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب
فأمر له بألف دينار. فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال:
مالي أرى أبوابهم مهجروة ... وكأن بابك مجمع الأسواق
حابوك أما هابوك أم شاموا الندى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشاق
فأمر له بعشر آلاف درهم.
ومر يزيد بن المهلب في طريق البصرة بأعرابية فأهدت إليه عنزا فقبلها، وقال لابنه معاوية: معاوية: ما عندك من نفقة؟ قال: ثمانمائة درهم. قال: ادفعها إليها. قال: إنها لا تعرفك ويرضيها اليسير. قال: إن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي، وإن كان يرضيها اليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير.
يزيد بن حاتم
وكتب إليه رجل يستوصله، فبعث إليه ثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: أما بعد، فقد بعثت إليك بثلاثين ألفا لا أكثرها امتنانا، ولا أقللها تجبرا، ولا أستثنيك عليها ثناء، ولا أقطع لك بها رجاء، والسلام.
وكان ربيعة الرقى قد قدم مصر فأتى يزيد بن حاتم الأزدي، فلم يعطه شيئا، فخرج وهو يقول:
أراني ولا كفران الله راجعابخفي حنين من نوال ابن حاتم

(1/88)

فسأل عنه يزيد، فأخبر أنه قد خرج، وقال كذا، وأنشد البيت؛ فأرسل في طلبه، فأتي به فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت. فقال: شغلنا عنك. ثم أمر بخفيه فخلعتا من رجليه وملئتا مالا، وقال: ارجع بها بدلا من خفي حنين. فقال فيه لما عزل عن مصر وولي مكانه يزيد بن أسيد.
بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا منها الأغر ابن حاتم
وفيها يقول:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
وخرج إليه رجل من الشعراء يمدحه، فلما بلغ مصر وجده قد مات، فقال فيه:
لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأحلفني منها الذي كنت آمل
فما كل ما يخشى الفتى بمصيبه ... ولا كل ما يرجو الفتى هو نائل
وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل
أبو دلف
واسمه القاسم بن إسماعيل، وفيه يقول علي بن جبلة:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وقال فيه رجل من شعراء الكوفة:
الله أجرى من الأرزاق أكثرها ... على العباد على كفى أبي دلف
بارى الرياح فأعطى وهي جارية ... حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف
ما خط لا كاتباه في صحيفته ... يوما كما خط لا في سائر الصحف
فأعطاه ثلاثين ألفا.
ومدحه آخر فقال له:
يشبهه الرعد إذا الرعد رجف ... كأنه البرق إذا البرق خطل
كأنه الموت إذا الموت أزف ... تحمله إلى الوغى الخيل القطف
إن سار سار المجد أو حل وقف ... انظر بعينيك إلى أسنى الشرف
هل ناله بقدرة أو بكلف ... خلق من الناس سوى أبي دلف
فأعطاه خمسين ألفا.
أخبار معن بن زائدة
قال شراحيل بن معن بن زائدة: حج هارون الرشيد وزميله أبو يوسف القاضي، وكنت كثيرا ما أسايره، إذ عرض له أعرابي من بني أسد فأنشده شعرا مدحه فيه وأفرط؛ فقال له هارون: ألم أنهك عن مثل هذا في مدحك يا أخا بني أسد؟ إذا قلت فينا فقل كقول القائل في أب هذا:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا إن أعطوا أطابوا وأجزلوا
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وأن أعطوا أطابوا وأجزلوا
خالد بن عبد الله القسري
وهو الذي يقول فيه الشاعر:
إلى خالد حتى أنحن بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمل
بينما خالد بن عبد الله القسري جالس في مظلة له إذ نظر إلى أعرابي يخب به بعيره مقبلا نحوه، فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تحجبه. فلما قدم أدخله عليه فلم وقال:
أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهر ألقى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال خالد: أرسلوك وانتظروا؟ والله لا تنزل حتى تنصرف إليهم بما يسرهم، وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة.
عدي بن حاتم
دخل عليه ابن دارة فقال: إني مدحتك؟ قال: أمسك حتى آتيك بمالي، ثم امدحني على حسبه، فإني أكره ألا أعطيك ثمن ما تقول، لي ألف شاة وألف درهم وثلاثة أعبد وثلاث إماء وفرسي هذا حبس في سبيل الله، فامدحني على حسب ما أخبرتك. فقال:
تحن قلوصى في معد وإنما ... تلاقي الربيع في ديار بني ثعل
وأبقى الليالي من عدي بن حاتم ... حساما كنصل السيف سل من الخلل

(1/89)

أبوك جواد لا يشق غباره ... وأنت جواد ما تعذر بالعلل
فإن تتقوا شرا فمثلكم اتقى ... وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل
قال له عدي: أمسك لا يبلغ مالي أكثر من هذا.
أصفاد الملوك على المدح
سعيد بن مسلم الباهلي قال: قدم على الرشيد أعرابي من باهلة وعليه جبة حبرة ورداء يمان، قد شده على وسطه، ثم ثناه على عاتقه، قد عصها على فوديه، وأرخى لها عذبة من خلفه. فمثل بين يدي الرشيد. فقال سعيد: يا أعرابي. خذ في شرف أمير المؤمنين. فاندفع في شعره. فقال الرشيد: يا أعرابي، أسمعك مستحسنا وأنكرك متهما، فقل لنا بيتين في هذين - يعني محمدا الأمين وعبد الله المأمون ابنيه وهما عن حفافيه - فقال: يا أمير المؤمنين، حملتني على الوعر القردد، ورجعتني عن السهل الجدد، روعة الخلافة، وبهر الدرجة، ونفور القوافي على البديهة، فأرودني تتألف لي نوافرها، ويسكن روعي. قال: قد فعلت: وجعلت اعتذارك بدلا من امتحانك. قال: يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهلت ميدان السباق؛ فأنشأ يقول:
بنيت لعبد الله ثم محمد ... ذرى قبة لإسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال الرشيد: وأنت يا أعرابي، بارك الله فيك، فسل ولا تكن مسألتك دون إحسانك. قال: الهنيدة يا أمير المؤمنين. فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع.
وقال مروان بن أبي حفصة: دخلت على المهدي فاستنشدني؛ فأنشدته الشعر الذي أقول فيه:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
حتى انتهيت إلى قولي:
شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها
أوتجحدون مقالة عن ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها
هل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها
قال: وأنشدته أيضا شعري الذي أقول فيه:
يا بن الذي ورث النبي محمدا ... دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحي بين بنى البنات وبينكم ... قطع الخصام فلات حين خصام
ما للنساء مع الرجال فرضية ... نزلت بذلك سورة الأنعام
إني يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام
ألغى سهامهم الكتاب فحاولوا ... أن يشرعوا فيها بغير سهام
ظفرت بنو ساقي الحجيج بحقهم ... وغررتم بتوهم الأحلام
قال مروان بن أبي حفصة: فلما أنشدت المهدي الشعرين، قال: وجب حقك على هؤلاء - وعنده جماعة من أهل البيت - قد أمرت لك بثلاثين ألفا، وفرضت على موسى خمسة آلاف، وعلى هارون مثلها، وعلى علي أربعة آلاف، وعلى العباس كذا، وعلى فلان كذا. فحسبت سبعين ألفا. قال: فأمر بالثلاثين ألفا فأتي بها، ثم قال: اغد على هؤلاء، وخذ ما فرضت لك، فأتيت موسى، فأمر لي بخمسة آلاف، وأتيت هارون فأمر لي بمثلها، وأتيت عليا، قال: قصر بي دون إخوتي فلن أقصر بنفسي، فأمر لي بخمسة آلاف، فأخذت من الباقين سبعين ألفا.
ودخل أعشى ربيعة على عبد الملك بن مروان وعن يمينه الوليد، وعن يساره سليمان. فقال له عبد الملك: ماذا بقي يا أبا المغيرة؟ قال: مضى ما مضى وبقي ما بقي، وأنشأ يقول:
وما أنا في حقي ولا في خصومتي ... بمهتضم حقي ولا قارع سني
ولا مسلم مولاي من سوء ما جنى ... ولا خائف مولاي من سوء ما أجني
وفضلى في الأقوال والشعر أنني ... أقول الذي أعني وأعرف ما أعني
وأن فؤادي بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وإني وإن فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أب وابن
فضحك عبد الملك، وقال للوليد وسليمان: أتلوماني على هذا؟ وأمر له بعشرة آلاف.
العتبي قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن الثقفي بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي لا يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقل في بيتين يعلقان أفواه الرواة، وأعطيكها عطية لم يعطكها أحد قبلي. فغدا عليه وهو يقول:

(1/90)

وأنت ابن بطحاوي قريش فإن تشأ ... تكن في ثقيف سيل ذي حذب غمر
وأنت ابن فرع ماجد لعقيلة ... تلقت له الشمس المضيئة بالبدر
قال: أحسنت. وأمر له بعشرة آلاف.
أبو سويد قال: أخبرني الكوفي قال: اعترض الفضل بن يحيى بن خالد في وقت خروجه إلى خراسان فتى من التجار كان شخص إلى الكوفة فقطع به وأخذ جميع ما كان معه، فأخذ بعنان دابة الفضل وقال:
سأرسل بيتا ليس في الشعر مثله ... يقطع أعناق البيوت الشوارد
أقام الندى والبأس في كل منزل ... أقام به الفضل بن يحيى بن خالد
قال فأمر له بمائة ألف درهم.
العتبي: قال أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة أبياتا ورفعها إلى زبيدة بنت جفعر يمتدح ابنها محمدا، وفيها يقول:
لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسودد
إن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد
فأمرت أن يملأ فمه درا.
وقال الحسن بن رجاء الكاتب: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن ابن سهل والمأمون هناك بانيا على خديجة بنت الحسن بن سهل، المعروفة ببوران، ونحن إذ ذاك نجري على نيف وسبعين ألف فلاح، وكان الحسن بن سهل مع المأمون يتصبح، فكان الحسن يجلس للناس إلى وقت انتباهه. فلما قدم علي ابن جبلة نزل بي، فقلت له، قد قوي شغل الأمير. قال: إذا لا أضيع معك. قلت: أجل. فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه. فقال: ألا ترى ما نحن فيه؟ فقلت: لست بمشغول عن الأمر له. فقال: يعطى عشرة آلاف إلى أن نتفرغ له. فأعلمت علي بن جبلة. فقال في كلمة له:
أعطيتني يا ولي الحق مبتدئا ... عطية كافأت حمدي ولم ترني
ما شمت برقك حتى نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرني
عرض رجل لابن طوق، وقد خرج متنزها في الرحبة، فناوله رقعة فيها جميع حاجته، فأخذها فإذا فيها:
جعلتك دنياي فإن أنت جدت لي ... بخير وإلا فالسلام على الدنيا
فقال: والله لأصدقن ظنك. فأعطاه حتى أغناه.
عرض دعبل بن علي الشاعر لعبد الله بن طاهر الخراساني، وهو راكب في حراقة له في دجلة، فأشار إليه برقعة، فأمر بأخذها فإذا فيها:
عجبت لحراقة بن الحسين ... كيف تسير ولا تغرق
وبحران: من تحتها ... واحد وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها ... إذا مسها كيف لا تورق
فأمر له بخمسة آلاف درهم وجارية وفرس.
وخرج عبد الله بن طاهر، فتلقاه دعبل برقعة فيها:
طلعت قناتك بالسعادة فوقها ... معقودة بلواء ملك مقبل
تهتز فوق طريدتين كأنما ... تهفو يقص لها جناحا أجدل
ربح البخيل على احتيال عرضه ... بندى يديك ووجهك المتهلل
لو كان يعلم أن نيلك عاجل ... ما فاض منه جدول في جدول
فأمر له بخمسة آلاف.
ووقف رجل من الشعراء إلى عبد الله بن طاهر فأنشده:
إذا قيل أي فتى تعلمون ... أهش إلى البأس والنائل
وأضرب للهام يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
أشار إليك جميع الأنام ... إشارة غرقى إلى ساحل
فأمر له بخمسين ألف درهم.
أحمد بن مطير قال: أنشدت عبد الله بن طاهر أبياتا كنت مدحت بها بعض الولاة، وهي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيقطر يوم الجود من كفه الندى ... ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه ... عن الناس لم يصبح على الأرض محرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه ... لبذل الندى ما كان بالأرض معدم
فقال لي عبد الله: كم أعطاك؟ قلت خمسة آلاف؛ قال: فقبلتها؟ قلت: نعم، قال لي: أخطأت، ما ثمن هذه إلا مائة ألف.
ودخل حماد عجرد على أبي جعفر بعد موت أبي العباس أخيه فأنشده:
أتوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقا وعيدانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا الشهد والبانا
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
القحذمي قال:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 1:37 am

جاء موسى شهوات إلى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فقال: إن هنا جارية تعشقتها، وأبوا أن ينقصوني عن مائتى دينار. فقال: بورك فيه. فذهب إلى سعيد بن خالد بن أسيد، وأمه عائشة بنت طلحة الطلحات، فدعا بمطرف خز فبسطه وعقد في كل ركن من أركانه مائة دينار، وقال لموسى: خذ المطرف بما فيه، فأخذه، ثم غدا عليه فأنشده:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
عميد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعميد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود
العتبي: سمعت عمي ينشد لأبي العباس الزبيري:
وكل خليفة وولي عهد ... لكم يا آل مروان الفداء
إمارتكم شفاء حيث كانت ... وبعض إمارة الأقوام داء
فأنتم تحسنون إذا ملكتم ... وبعض القوم إن ملكوا أساءوا
أأجعلكم وغيركم سواء ... وبينكم وبينهم الهواء
هم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأيديهم وأرجلهم سماء
فقلت له: كم أعطي عليها؟ قال: عشرين ألفا.
الأصمعي قال: حدثني رؤبة قال: دخلت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فلما أبصرني نادى: يا رؤبة، فأجبته:
لبيك إذ دعوتني لبيكا ... أحمد ربا ساقني إليكا
الحمد والنعمة في يديكا
قال: بل في يدي الله تعالى. قلت له: وأنت إذا أنعمت أجدت. ثم قلت: يأذن لي الأمير في الإنشاد؟ قال: نعم، فأنشدته:
ما زال يأتي الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره
مشمرا لا يصطلى بناره ... حتى أقر الملك في قراره
فقال: يا رؤية، إنك أتيتنا وقد شف المال واستنفده الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعلينا المعول، والدهر أطرق مستتب فلا تجعل بيننا وبينك الأسدة. قال رؤبة: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أكثر من الذي أفادني من ماله.
ودخل نصيب بن رباح على هشام فأنشده:
إذا استبق العلا سبقتهم ... يمينك عفوا ثم صلت شمالك
فقال هشام: بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يا أمير المؤمنين، يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة؟ قال: لا بد أن تفعل؟ قال: لي ابنة نفضت عليها من سوادي فكسدها فلو أنفقها أمير المؤمنين بشيء يجعله لها؟ قال: فأقطعها أرضا، وأمر لها بحلي وكسوة فنفقت السوداء.
الرياشي عن الأصمعي، قال: مدح نصيب بن رباح عبد الله بن جعفر، فأمر له بمال كثير، وكسوة شريفة، ورواحل موقرة برا وتمرا. فقيل له: أتفعل هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ قال: أما لئن كان عبدا إن شعره في لحر، ولئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإنما أخذ مالا يفنى، وثيابا تبلى، ورواحل تنضى، وأعطى مديحا يروى، وثناء يبقى.
وذكروا عن أبي النجم العجلي أنه أنشد هشاما شعره الذي يقول فيه:
الحمد لله الوهوب المجزل
وهو من أجود شعره، حتى انتهى إلى قوله:
والشمس في الجو كعين الأحول
وكان هشام أحول، فأغضبه ذلك، فأمر به فطرد. فأمل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد. فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: ابغنى رجلا عربيا فصيحا يحدثني وينشدني. فطلب له ما سأل، فوجد أبا النجم، فأتى به. فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: حيث ألفاني رسولك. قال: فمن كان أب النجم أبا مثواك؟ قال: رجلين أتغدى عند أحدهما وأتعشى عند الآخر. قال: فما لك من الولد؟ قال: ابنتان. قال: أزوجتهما؟ قال: زوجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها ليلة أهديتها؟ قال: قلت لها:
سبي الحماة وابهتي عليها ... وإن أبت فازدلفي إليها
ثم اقرعي بالعود مرفقيها ... وجددي الخلف به عليها
قال: هل أوصيتها بعد هذا؟ قال: نعم:
أوصيت من برة قلبا برا ... بالكلب خيرا والحماة شرا
لا تسأمي خنقا لها وجرا ... والحي عميهم بشر طرا
وإن كسوك ذهبا ودرا ... حتى يروا حلو الحياة مرا

(1/92)

قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب ولا ولدي كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال: هي ظلامة التي أقول فيها:
كان ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيان
الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خطيان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال هشام لحاجبة: ما فعلت بالدنانير التي أمرتك بقبضها؟ قال: هي عندي، وهمس خمسمائة دينار. قال له: ادفعها لأبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين.
أبو عبيدة قال: حدثني يونس بن حبيب قال: لما استخلف مروان بن محمد دخل الشعراء يهنئونه بالخلافة، فتقدم إليه طريح بن إسماعيل الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فقال: الحمد الله الذي أنعم بك على الإسلام إماما، وجعلك لأحكام دينه قوما، ولأمة محمد المصطفى جنة ونظاما، ثم أنشده شعره الذي يقول فيه:
تسوء عداك في سداد ونعمة ... خلافتنا تسعين عاما وأشهرا
فقال مروان: كم الأشهر؟ قال: وفاء المائة يا أمير المؤمنين، تبلغ فيها أعلى درجة وأسعد عاقبة في النصرة والتمكين. فأمر له بمائة ألف درهم.
ثم تقدم إليه ذو الرمة متحانيا كبرة قد انحلت عمامته منحدرة على وجهه، فوقف يسويها. فقيل له: تقدم. قال: إني أجل أمير المؤمنين أن أخطب بشرفه مادحا بلوثة عمامتي فقال مروان: ما أملت أنه قد أبقت لنا منك مي ولا صيدح في كلامك إمتاعا. قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، أرد منه قراحا، والأحسن امتداحا. ثم تقدم فأنشد شعرا يقول فيه:
فقلت لها سيري أمامك سيد ... تفرع من مروان أو من محمد
فقال له: ما فعلت مي؟ فقال: طويت غدائرها ببرد بلى، ومحا الترب محاسن الخد فالتفت مروان إلى العباس بن الوليد، فقال: أما ترى القوافي تنثال انثيالا، يعطى بكل من سمى من آبائي ألف دينار. قال ذو الرمة: لو علمت لبلغت به عبد شمس.
الربيع حاجب المنصور قال: قلت يوما للمنصور: إن الشعراء ببابك وهم كثيرون طالت أيامهم، ونفدت نفقاتهم. قال: أخرج إليهم فاقرأ عليهم السلام وقل لهم: من مدحني منكم فلا يصفني بالأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا بالحية، فإنما هي دويبة منتنة تأكل التراب، ولا بالجبل، فإنما هو حجر أصم، ولا بالبحر، فإنما هو غطامط لجب، ومن ليس في شعره هذا فليدخل ومن كان في شعره هذا فلينصرف فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة، فإنه قال له: أنا له يا ربيع، فأدخلني. فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال المنصور يا ربيع، قد علمت أنه لا يجيبك أحد غيره، هات يا بن هرمة. فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
له لحظات عن حفافى سريره ... إذا كرها فيها عذاب ونائل
لهم طينة بيضاء من آل هاشم ... إذا أسود من كوم التراب القبائل
إذا ما أبي شيئا مضى كالذي أبى ... وإذا قال إني فاعل فهو فاعل
فقال: حسبك، هاهنا بلغت، هذا عين الشعر، قد أمرت لك بخمسة آلاف درهم. فقمت إليه وقبلت رأسه وأطرافه ثم خرجت؛ فلما كدت أن أخفى على عينيه سمعته يقول: يا إبراهيم. فأقبلت إليه فزعا، فقلت: لبيك، فداك أبي وأمي. قال: احتفظ بها فليس لك عندنا غيرها. فقلت: بأبي وأمي أنت، أحفظها حتى أوافيك بها على الصراط بخاتم الجهبذ.
علي بن الحسين قال: أنشد علي بن الجهم جعفرا المتوكل شعره الذي أوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل
وكان في يد المتوكل جوهرتان. فأعطاه التي في يمينه، فأطرق متفكرا في شيء يقوله ليأخذ التي في يساره. فقال: مالك مفكرا؟ إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى خذها لا بورك لك فيها. فأنشأ يقول:
بسر من رى إمام عدل ... تغرف من بحره البحار
يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار
وقال آخر في الهول:
إذا سألت الندى عن كل مكرمة ... لم تلف نسبتها إلا إلى الهول
لو زاحم الشمس ألفى الشمس مظلمة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل

(1/93)

أمضى من الدهر إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أمضى من السيل
ودخل شاعر من أهل الري يقال له أبو يزيد على عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فأنشده:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... من شاذياخ ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن علي وابن ذي يزن
فأمر له بعشر آلاف درهم.
ودخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته:
إذا ورد الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
فقال لها: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام. ثم قال: أي النساء أحب إليك أنزلك عندها؟ قال: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال أم الجلاس بنت المهلب بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء من خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة العتكية. قالت: القيسية أحب إلي. فلما كان من الغد دخلت عليه. قال: يا غلام، أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، أحسبها أدما. قال قائل: إنما أمر لك بشاء قالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها إبلا إناثا على استحياء، وإنما كان أمر لها بشاء أولا.
كتاب الجمانة في الوفود
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأجواد والأصفاد على مراتبهم ومنازلهم، وما جروا عليه، وما ندبوا إليه، من الأخلاق الجميلة، والأفعال الجزيلة؛ ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الوفود الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الخلفاء والملوك، فإنها مقامات فضل، ومشاهد حفل يتخير لها الكلام، وتستهذب الألفاظ، وتستجزل المعاني. ولا بد للوافد عن قومه أن يكون عميدهم وزعيمهم الذي عن قوته ينزعون، وعن رأيه يصدرون؛ فهو واحد يعدل قبيلة، ولسان يعرب عن ألسنة. وما ظنك بوافد قوم يتكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو خليفته، أو بين يدي ملك جبار في رغبة أو رهبة، فهو يوطد لقومه مرة، ويتحفظ ممن أمامه أخرى؛ أتراه مدخرا نتيجة من نتائج الحكمة، أو مستبقيا غريبة من غرائب الفطنة، أم تظن القوم قدموه لفضل هذه الخطة إلا وهو عندهم في غاية الحذلقة واللسن، ومجمع الشعر والخطابة. ألا ترى أن قيس بن عاصم المنقري لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، بسط له رداءه وقال: هذا سيد الوبر. ولما توفي قيس بن عاصم قال فيه الشاعر:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وفود العرب على كسرى
ابن القطامي عن الكلبي قال:

(1/94)

قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها. فقال كسرى - وأخذته عزة الملك - يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حال من يقدم علي من وفود الأمم، فوجدت الروم لها حظ في اجتمع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها دينا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها، ويقيم جاهلها؛ ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعاتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها؛ وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها في آلة الحرب وصناعة الحديد، وفروسيتها وهمتها، وأن لها ملكا يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم؛ ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة؛ مع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطيرة الحائرة؟ يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة؟ قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ولهوها ولذتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع، لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها؛ وإن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة؛ تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا؛ وإن لها مع ذلك آثارا ولبوسا، وقرى وحصونا، وأمورا تشبه بعض أمور الناس - يعني اليمن. ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة، والفاقة والبؤس، حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس.
قال النعمان: أصلح الله الملك، حق لأمة منها أن يسموا فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها، إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك، وفي غير رد عليه ولا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل، فأنت آمن.
قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها وحسن رجوا وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائه.
فأما عزها ومنعتها، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك، وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجبنتهم السيوف، وعدتهم الصبر؛ إذ غيرها من الأمم، إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.
وأما أنسابها وأحسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا، فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا فأبا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها، فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب، عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة، فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبلهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر.

(1/95)

وأما دينها وشريعتها، فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما، وبلدا محرما، وبيتا محجوجا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغبته منه، فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى.
وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلى خروج نفسه. وإن أحدهم ليرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر ذمته؛ وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، وعسى أن يكون نائيا عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته، لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم؛ فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.
أما قولك: إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها؛ فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم؛ مع أنها أكثر البهائم شحوما، وأطيبها لحوما، وأرقها ألبانا، وأقلها غائلة، وأحلاها مضغة؛ وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعه؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم؛ وأما العرب، فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطف بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك، فإنما أتى جد الملك الذي أتاه عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع، فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا. قد تقاصر عن إيوائه، وصغر في عينه ما شيد من بناءه؛ ولولا ما وتر به من يليه من العرب، لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار، من غلبة العبيد الأشرار.
قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيهم مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة، التميميين وإلى الحارث بن عباد وقيس بن مسعود، البكريين، وإلى خالد بن جعفر وعلقمة ابن علاثة وعامر بن الطفيل، العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو ابن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري. فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله، فاقتص مقالات كسرى وما رد عليه. فقالوا: أيها الملك، وفقك الله، ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما يتخوف، من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم؛ والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره، ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، مترف معجب بنفسه؛ ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظمة أخطاركم؛ وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، لسني محله، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ وإنما دعاني إلى التقدمة بينكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا، فإنه ملك مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزانته من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة، وعممه عمامة وختمه بياقوته، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة، وكتب معهم كتابا:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 1:38 am

أما بعد، فإن الملك ألقى إلي من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، بما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم، وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم، وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم.
فخرج القوم في أهبتهم، حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان، فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه وشماله، ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.
فقام أكثم بن صيفي فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي. من فسدت بطانته كان الغاص بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها. شر الملوك من خافه البريء. المرء يعجز لا المحالة. أفضل الأولاد البررة. خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة. أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته. يكفيك من الزاد ما بلغك المحل. حسبك من شر سماعه. الصمت حكم وقليل فاعله. البلاغة الإيجاز. من شدد نفر، ومن تراخى تألف.
فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه! قال أكثم: الصدق ينبئ عند لا الوعيد؛ قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى؛ قال أكثم: رب قول أنفذ من صول.
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال: ورى زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك، إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرتها، ومنعت درتها؛ وهي لك وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها؛ وهي العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة؛ نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، وإن نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نختص بالذم دونها.
قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها؛ قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها؛ قال كسرى: وذلك.
ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها، وعلو سنائها. من طال رشاؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قل منحه. تناقل الأقاويل يعرف به اللب، وهذا مقام سيوجف بما ينطق فيه الركب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب؛ ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا فخمة؛ إن استنجدتنا فغير ربض، وإن استطرقتنا فغير جهض، وإن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر؛ رمحنا طوال، وأعمارنا قصار.
قال كسرى: أنفس عزيزة، وأمة والله ضعيفة.
قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزة، أو لصغير مرة.
قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك.
قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة، مغررا بنفسه على الموت، فهي منية استقبلها، وحياة استدبرها؛ والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدما وأحسبها وهي تصرف بهم؛ حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خضاخضها، حتى انغمس في غمرات لججها، وأكون فلكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دما، وأترك حماتها جزر السباع، وكل نسر قشعم.
ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه. قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدا أحشد، ولا شهودا أوفد.

(1/97)

ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك، نعم بالك، ودام في السرور حالك؛ إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي قليل بلغة، وفي الملك سورة العز. وهذا موطن له ما بعده، شرف فيه من شرف، وخمل فيه من خمل. لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرض لرفدك؛ إن في أموالنا مرتقدا، وعلى عزنا معتمدا؛ إن أورينا نارا أثقبنا، وإن أود دهر بنا اعتدلنا؛ إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك مكافحون؛ حتى يحمد الصدر، ويستطاب الخبر.
قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك.
قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديا، وبأيسر إفراطي مخبرا. ولم يلم من عزفت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ.
قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به، اجلس.
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادا، وأرشده إرشادا؛ إن لكل منطق فرصة، ولكل جابة غصة؛ وعي المنطق أشد عي السكوت، وعثار القول أنكى من عثار الوعث؛ وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوي، وغصة المنطق بما لا نهوي غير مستساغة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أنني له مطيق أحب إلي من تكلفي ما أتخوف ويتخوف مني؛ وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاقة لك باخعة، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة.
قال له كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.
ثم قام علقمة بن علانة العامري فقال: أنهجت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد؛ إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج، وللعويص مخارج؛ وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه؛ إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا، والوفادة قربتنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قست كل رجل منهم، وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه دنيا أندادا وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسودد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافد معروف؛ يحمي حماه، ويروي نداماه، ويذود أعده؛ لا تخمد ناره، ولا يحترز منه جاره. أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا، والبحور طميا، والنجوم الزواهر شرفا، والحصى عددا؛ فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى - وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه - : حسبك، أبلغت وأحسنت.
ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد، وجنبك المصائب، ووقاك مكروه الشصائب، ما أحقنا إذا أتيناك بإسماعك، ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقدا في قلبك. لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا في المنطق غير محجمين، وفي البأس غير مقصرين، إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين.
قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين، وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد.
قال قيس: أيها الملك، ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر أخفر بذمته.
قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة.
قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيها خفر من ذمتي، أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك.
قال كسرى: ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأثمة ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء؛ كيف رأيت حاجب بن زرارة، لم يحكم قواه فيبرم، ويعهد فيوفي، ويعد فينجز؟ قال: وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لي.
قال كسرى: القوم بزل، فأفضلها أشدها.
ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس الظلماء؛ وإنما الفخر في الفعال، والعز في النجدة، والسودد مطاوعة القدرة، وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحري، إن أدالت الأيام وثابت الأحلام، أن تحدث لنا أمورا لها أعلام.
قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر.
قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟ قال: ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر.
قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطفيل؟ قال: لست بكاهن، ولكني الرمح طاعن. قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟ قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث، ولكن مطاوعة العبث.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 1:44 am

ثم قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي فقال: إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجعة الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقف الخبرة خير من اعتساف الحيرة؛ فاجتبذ طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا، فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضما، ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا هضما.
ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملق، وانقيادنا لك عن تصاف؛ فما أنت لقبول ذلك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه بحقيق؛ ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود؛ والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأت من قبلك ميل أو زلل.
قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم؛ قال: إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك، وأن تكون أولى بالغدر، وأقرب من الوزر.
قال الحارث: إن في الحق مغضبة، والسرو التغافل، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة، فلتشبه أفعالك مجلسك.
قال كسرى: هذا فتى قوم. ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم وتفنن فيه متكلموكم، ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف فيه أودكم، ولم يحكم أمركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم، وغلب على طباعكم، لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به؛ وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أخنق صدورهم، والذي أحب هو إصلاح مداركم، وتألف شواذكم، والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم، وقد قبلت ما كان في منطقهم من صواب، وصفحت عما كان فيه من خلل، فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا موازرته، والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم، وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم، فإن في ذلك صلاح العامة.
وفود حاجب بن زرارة
على كسرى
العتبي عن أبيه: إن حاجب بن زرارة وفد على كسرى لما منع تميما من ريف العراق، فاستأذن عليه، فأوصل إليه: أسيد العرب أنت؟ قال: لا؛ قال: فسيد مضر؛ قال: لا؛ قال: فسيد بني أبيك أنت؟ قال: لا. ثم أذن له، فلما دخل عليه، قال له: من أنت؟ قال: سيد العرب؛ قال: أليس قد أوصلت إليك، أسيد العرب؟ فقلت لا، حتى اقتصرت بك على بني أبيك فقلت لا؟ قال له: أيها الملك، لم أكن كذلك حتى دخلت عليك، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب؛ قال كسرى: آه، املئوا فاه درا. ثم قال: إنكم معشر العرب غدر، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد، وأغرتم على العباد، وآذيتموني. قال حاجب: فإني ضامن للملك أن لا يفعلوا؛ قال: فمن لي بأن تفي أنت؟ قال أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك من حوله وقالوا: لهذه العصا يفي! قال كسرى: ما كان ليسلمها لي لشيء أبدا فقبضها منه، وأذن لهم أن يدخلوا الريف.
ومات حاجب بن زرارة، فارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه؛ فقال له: وقد وفى له قومه ووفى هو للملك. فدرها عليه وكساه حلة.
فلما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم عطارد بن حاجب وهو رئيس تميم، وأسلم على يديه، أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلها، فقالوا: يا رسول الله، هلك قومك وأكلتهم الضبع، يريدون الجوع - والعرب يسمون السنة الضبع والذئب. قال جرير: من ساقه السنة الحصاء والذيب - فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأحيوا؛ وقد كان دعا عليهم، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف.
وفود أبي سفيان
إلى كسرى
الأصمعي قال: حدثنا عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المري قال: قال أبو سفيان: أهديت لكسرى خيلا وأدما فقبل الخيل ورد الأدم، وأدخلت عليه، فكان وجهه وجهين من عظمه، فألقى إلي مخدة كانت عنده، فقلت: وا جوعاه! أهذه حظي من كسرى بن هرمز؟ قال: فخرجت من عنده، فما أمر على أحد من حشمة إلا أعظمها، حتى دفعت إلى خازن له، فأخذها وأعطاني ثمانمائة إناء من فضة وذهب.
قال الأصمعي: فحدثت بهذا الحديث النوشجان الفارسي، فقال: كانت وظيفة المخدة ألفا أن الخازن اقتطع منها مائتين.
وفود حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر

(1/99)

قال: وفد حسان بن ثابت على النعمان بن المنذر قال: فلقيت رجلا ببعض الطريق، فقال لي: أين تريد؟ قلت: هذا الملك؛ قال: فإنك إذا جئته متروك شهرا ثم تترك شهرا آخرا، ثم عسى أن يأذن لك، فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيرا، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظغن، فإنه لا شيء لك. قال: فقدمت عليه ففعل بي ما قال: ثم خلوت به وأصبت مالا كثيرا ونادمته. فبينما أنا معه إذا رجل يرتجز حول القبة ويقول:
أنام أم يسمح رب القبة ... يا أوهب الناس لعنس صلبه
ضرابة بالمشفر الأذبة ... ذات نجاء في يديها جذبه
فقال النعمان: أبو أمامة! ائذنوا له. فدخل فحياه وشرب معه، ووردت النعم السود؛ ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود غيره، ولا يفتحل أحد فحلا أسود. فاستأذنه النابغة في الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فأمر له بمائة ناقة من الإبل السود برعاتها. فما حسدت أحدا قط حسدي له في شعره وجزيل عطائه.
وفود قريش على سيف بن ذي يزن
بعد قتله الحبشة
نعيم بن حماد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري قال: قال ابن عباس: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه. فأتاه وفد قريش، فيهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وأسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جدعان، فقدموا عليه وهو في قصر له يقال غمدان - وله يقول أبو الصلت، والد أمية بن أبي الصلت:
ليطلب الثأر، أمثال ابن ذي يزن ... لجج في البحر للأعداء أحوالا
أني هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذي قالا
ثم انثنى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم ... إنك عمري لقد أسرعت إرقالا
من مثل كسرى وبهرام الجنود له ... ومثل وهرز يوم الجيش إذ جالا
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
صيدا جحاجحة بيضا خضارمة ... أسدا تربب في الغابات أشبالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... غادرت أوجههم في الأرض أفلالا
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
ثم اطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

(1/100)

فطلبوا الإذن عليه، فإذن لهم، فدخلوا فوجدوه متضمخا، بالعنبر يلمع وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران، قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، وسيفه بين يديه، والملوك عن يمينه وشماله، وأبناء الملوك والمقاول. فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام؛ فقال له: قل؛ فقال؛ إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلا رفيعا، صعبا منيعا، باذجا شامخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، ونبل أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب، وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد؛ سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف؛ ولن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه. نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أنهجك لكشفك، الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفود المرزئة. قال: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم؛ قال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فأدناه وقربه، ثم أقبل عليه وعلى القوم وقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا، يعطى عطاء جزلا؛ فذهبت مثلا. وكان أول ما تكلم به: قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأهل الشرف والنباهة أنتم، ولكم القربى ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم. قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجريت عليهم الأنزال، فأقاموا ببابه شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم في الانصراف. ثم انتبه إليهم انتباهة، فدعا بعبد المطلب من بينهم، فخلا به وأدنى مجلسه، وقال: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك كان لم أبح له به، ولكني رأيتك موضعه فأطلعتك عليه، فليكن مصونا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره: إني أجد في العلم المخزون، والكتاب المكنون؛ الذي ادخرناه لأنفسنا، واحتجبناه دون غيرنا؛ خبرا عظيما وخطرا جسيما؛ فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة؛ للناس كافة، ولرهطك عامة، ولنفسك خاصة.
قال عبد المطلب: مثلك يا أيها الملك من بر وسر وبشر، ما هو؟ فداك أهل الوبر، زمرا بعد زمر.
قال ابن ذي يزن: إذا ولد مولود بتهامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أبيت اللعن. لقد أبت بخير ما آب به أحد فلولا إجلال الملك لسألته أن يزيدني في البشارة ما أزداد به سرورا.
قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه؛ قد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا؛ يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويفتتح كرائم الأرض، ويضرب بهم الناس عن عرض؛ يخمد الأديان، ويدحر الشيطان، ويكسر الأوثان، ويعبد الرحمن؛ قوله حكم وفصل، وأمره حزم وعدل؛ يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
فقال عبد المطلب: طال عمرك، ودام جدك، وعز فخرك؛ فهل الملك يسرني بأن يوضح فيه بعض الإيضاح؟ فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الطنب، والعلامات والنصب، إنك يا عبد المطلب، لجده من غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدا.
قال ابن ذي يزن: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك؟ قال عبد المطلب: أيها الملك، كان لي ابن كنت له محبا وعليه حدبا مشفقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه، يقال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام بين كتفيه شامة، فيه كل ما ذكرت من علامة، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه.
قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظ ابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا؛ اطو ما ذكرت لك، دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة، من أن تكون لكم الرياسة؛ فيبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم. ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مهاجر. فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن يثرب دار هجرته، وبيت نصرته، ولولا أني أتوقى عليه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنة أمره، وأوطأت أقدام العرب عقبه؛ ولكني صارف ذلك إليك عن غير تقصير مني بمن معك.

(1/101)

ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشر إماء سود، وخمسة أرطال فضة، وحلتين من حلل اليمن، وكرش مملوءة عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأنبئني بما يكون من أمره.
فما حول الحول حتى مات ابن ذي يزن، فكان عبد المطلب بن هاشم يقول: يا معشر قريش، لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاذ، ولكن يغبطني بما يبقى لي ذكره وفخره لعقبي؛ فإذا قالوا له: وما ذاك؟ قال سيظهر بعد حين.
وفود عبد المسيح على سطيح
جرير بن حازم عن عكرمة ابن عباس قال: لما كان ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم ارتج إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة؛ فعظم ذلك على أهل مملكته، فما كان أوشك أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة؛ وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة؛ وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية؛ وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة. فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته، فأخبرهم الخبر؛ فقال الموبذان: أيها الملك، إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني؛ قال له: وما رأيت؟ قال: رأيت إبلا صعابا، تقوم خيلا عرابا، قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا؛ قال: رأيت عظيما، فما عهدك في تأويلها؟ قال: ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة، يوجه إليك رجلا من علمائهم، فإنهم أصحاب علم بالحدثان، فبعث إليه عبد المسيح بن نفيلة الغساني، فلما قدم عليه، أخبره كسرى الخبر؛ فقال له: أيها الملك، والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن جهز إلى خال لي بالشام، يقال له سطيح؛ قال: جهزوه، فلما قدم على سطيح وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، وكلمه فلم يرد عليه، فقال عبد المسيح:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحي من آل سنن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن
رسول قيل العجم يهوي للوثن ... لا يرعب الوعد ولا ريب الزمن
فرفع إليه رأسه، وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح؛ بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان؛ رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا؛ قد اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد. يا عبد المسيح، إذا ظهرت التلاوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وظهر صاحب الهراوة، وخمدت نار فارس؛ فليست بابل للفرس مقاما، ولا الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، عدد سقوط الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قال:
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير
منهم بنوا الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
فربما أصبحوا منهم بمنزلة ... يهاب صولهم الأسد المهاصير
حثوا المطي وأدوا في رمالهم ... فما يقوم لهم سرح ولا كور
والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمحقور ومهجور
والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور
ثم أتى كسرى فأخبره، فغمه ذلك. ثم تعزى فقال: إلى من يملك منا أربعة عشر ملكا يدور الزمان. فهلكوا كلهم في أربعين سنة.
الوفود على رسول الله
وفود همدان على النبي
صلى الله عليه وسلم
قدم مالك بن نمط في وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقوه مقبلا من تبوك، فقال مالك بن نمط: يا رسول الله، نصية من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلض نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر. عهدهم لا ينقض. عن سنة ما حل ولا سوداء عنقفير، ما أقام لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.

(1/102)

فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم: هذا كتاب من محمد رسول الله إلى مخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وحفاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار، مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوري، وعليهم الصالغ والقارح.
وفود النخع على النبي
صلى الله عليه وسلم
قدم أبو عمرو النخعي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيت في طريقي هذه رؤيا، رأيت أتانا تركتها في الحي ولدت جديا أسفع أحوى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من أمة تركتها مصرة حملا؟ قال: نعم، تركت أمة لي أظنها قد حملت؛ قال: فقد ولدت غلاما وهو ابنك؛ قال: فما له أسفع أحوى؟ قال: ادن مني؛ فدنا منه. فقال: هل بك برص تكتمه؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيا ما رآه مخلوق ولا علم به؛ قال: فهو ذلك. قال: ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان؛ قال: ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيه وبهجته. قال: ورأيت عجوزا شمطاء تخرج من الأرض؛ قال: تلك بقية الدنيا. قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني، آكلكم آكلكم، أهلككم وما لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك فتنة في آخر الزمان: قال: وما الفتنة يا رسول الله؟ قال: يقتل الناس إمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء.
وفود كلب على النبي صلى الله عليه وسلم قدم قطن بن حارثة العليمي في وفد كلب على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر كلاما، فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا نسخته: هذا كتاب من محمد رسول الله لعمائر طلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرها، مع قطن بن حارثة العليمي، فإقامة الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة لحقها، في شدة عقدها، ووفاء عهدها؛ بمحضر شهود من المسلمين: سعد بن عبادة، وعبد الله بن أنيس، ودحية بن خليفة الكلبي. عليهم في الحمولة الراعية البساط الظؤار، في كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية؛ وفي الشوي الوري مسنة حامل أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر من ثمرها مما أخرجت أرضها، وفي العذي شطره بقيمة الأمين، فلا تزاد عليهم وظيفة ولا يفرق، يشهد الله تعالى على ذلك ورسوله. وكتب ثابت بن قيس بن شماس.
وفود ثقيف على النبي
صلى الله عليه وسلم
وفدت ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فكتب لهم كتابا حين أسلموا: إن لهم ذمة الله، وإن واديهم حرام عضاهه وصيده وظلم فيه، وإن ما كان لهم من دين إلى أجل فبلغ أجله فإنه لياط مبرأ من الله ورسوله، وإن ما كان لهم من دين في رهن وراء عكاظ فإنه يقضى إلى رأسه ويلاط بعكاظ ولا يؤخر.
وفود مذحج على النبي
صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 1:45 am

وفد ظبيان بن حداد في سراة مذحج على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثناء على الله عز وجل بما هو أهله: الحمد لله الذي صدع الأرض بالنبات، وفتق السماء بالرجع. ثم قال: نحن قوم من سراة مذحج من يحابر بن مالك. ثم قال: فتوقلت بنا القلاص، من أعالي الحوف ورؤوس الهضاب، ترفعها عرر الربا، وتخفضها بطنان الرفاق، وتلحفها دياحي الدجى. ثم قال: وسروات الطائف كانت لبني مهلائيل بن قينان غرسوا وديانه، وذللوا خشانه، ورعوا قريانه. ثم ذكر نوحا حين خرج من السفينة بمن معه، قال: فكان أكثر بنيه بناتا، وأسرعهم نباتا، عاد وثمود، فرماهم الله بالدمالق، وهم الذي خطوا مشاربها، وأتوا جداولها، وأحيوا غراسها، ورفعوا عريشها. ثم قال: وإن حمير ملكوا معاقل الأرض وقرارها، وكهول الناس وأغمارها، ورؤوس الملوك وغرارها، فكان لهم البيضاء والسوداء، وفارس الحمراء، والجزية الصفراء؛ فبطروا النعم، واستحقوا النقم، فضرب الله بعضهم ببعض. ثم قال: وإن قبائل من الأزد نزلوا على عهد عمرو بن عامر، ففتحوا فيها الشرائع، وبنوا فيها المصانع، واتخذوا الدسائع، ثم ترامت مذحج بأسنتها، وتنزت بأعنتها، فغلب العزيز أذلها، وقتل الكثير أقلها. ثم قال: وكان بنو عمرو بن جذيمة يخبطون عضيدها، ويأكلون حصيدها، ويرشحون خضيدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نعيم الدنيا أفل وأصغر عند الله من خرء بعيضة، ولو عدلت عند الله جناح ذباب لم يكن لكافر منها خلاق، ولا لمسلم منها لحاق.
وفود لقيط بن عامر بن المنتفق على النبي
صلى الله عليه وسلم
وفد لقيط بن المنتفق على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له، يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا، فقال: أيها الناس، ألا إني قد خبأت لكم صوتي من أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرئ قد بعثه قومه؟ - فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم - ألا، ثم لعله أن يلهبه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضال، ألا وإني مسئول هل بلغت، ألا اسمعوا، ألا اجلسوا. فجلس الناس: وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه، وعلم أني أبتغه سقطه؛ فقال: ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله. وأشار بيده. قلت: وما هي؟ قال: علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه؛ وعلم ما في غد، وما أنت طاعم غدا، ولا تعلمه وعلم المني حين يكون في الرحم، قد علمه ولا تعلمونه؛ وعلم الغيث، يشرف عليكم آزلين مسنتين فيظل يضحك، قد علم أن عونكم قريب - قال لقيط: قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا - وعلم يوم الساعة؛ قلت: يا رسول الله، إني أسألك عن حاجتي فلا تعجلني؛ قال: سل عما شئت؛ قال قلت: يا رسول الله، علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا، من مذحج التي تدنو إليها وخشعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلبثون ما لبثتم، ثم توفى نبيكم، ثم تلبثون حتى تبعث الصيحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين عند ربك، فيصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد، فيرسل ربك السماء بهضب من عند العرش، فلعمر ألهك ما تدع ظهرها من مصرع قتيل، ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه، يستوي اليوم!. ولعهده بالحياة يحسبه حديث عهد بأهله. فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما قد تفرقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في إل الله، أشرفت على الأرض وهي مدبرة يابسة، فقلت: لا تحيا هذه أبدا؛ ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة. ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء. - قال ابن إسحاق: الأصواء: أعلام القبور.

(1/104)

ومن مصارعكم، فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم. قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: أنبئك بمثل ذلك في إل الله، الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة. ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما. قال: قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قلبكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر بتخطمه بمثل الحمم الأسود، ثم ينصرف نبيكم ويتفرق على أثره الصالحون؛ قال: فتسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر، فيقول: حس؛ فيقول ربك عز وجل: أو إنه؟ فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يظهره من الطوف والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما أحدا. قال: قلت: يا رسول الله، فبم نبصر يومئذ؟ قال: بمثل بصر ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال. قال: قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيآتنا وحسناتنا؟ قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها أو يعفو. قال: قلت: يا رسول الله، فما الجنة وما النار؟ قال: لعمر إلهك، إن للنار سبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منهما بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما. قال: قلت: يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة؟ قال: على أنها من عسل مصفى، وأنها من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنها من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن وفاكهة، لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة. قال: قلت: يا رسول الله، أولنا فيها أزواج، أو منهن صالحات؟ قال: الصالحات للصالحين، تلذون بهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذن بكم، غير أن لا توالد. قال لقيط: قلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه. فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يا رسول الله، علام أبايعاك؟ قال: فبسط إلي يده وقال: على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال الشرك، فلا تشرك بالله إلها غيره. قال: فقلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وظن أن أشترط عليه شيئا لا يعطينيه قال: قلت نحل منها حيث شئنا، ولا يجزى عن امرئ إلا نفسه؟ فبسط إلي يده وقال: ذلك لك: حل حيث شئت، ولا يجزي عنك إلا نفسك. قال: فانصرفنا عنه.
وفود قيلة على النبي
صلى الله عليه وسلم

(1/105)

خرجت قيلة بنة مخرمة التميمية تبغي الصحبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عم بناتها، وهو أثوب بن أزهر، قد انتزع منها بناتها، فبكت جويرية منهن حديباء قد أخذتها الفرصة، عليها سبيج من صوف، فرحمتها فذهبت بها. فبينما هما ترتكان الجمل إذا انتفجت منه الأرنب. فقال الحديباء: الفصية، والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثوب، ثم سنح الثعب، فسمته اسما غير الثعلب نسيه ناقل الحديث. ثم قالت فيه، مثل ما قالت في الأرنب، فبينما هما ترتكان الجمل إذ برك الجمل وأخذته رعدة. فقالت الحديباء: أخذتك - والأمانة إخذة أثوب. قالت قيلة: فقلت لها: فما أصنع؟ ويحك! قالت: قلبي ثيابك ظهورها لبطونها، وادحرجي ظهرك لبطنك، واقلبي أحلاس جملك، ثم خلعت سبيجها فقلبته، ثم ادحرجت ظهرها لبطنها، فلما فعلت ما أمرتني به انتفض الجمل، ثم قام فنأج وبال. فقالت: أعيدي عليه أداتك. ففعلت، ثم خرجنا نرتك، فإذا أثوب يسعى وراءنا بالسيف صلتا، فوألنا إلى حواء ضخم فداراه، حتى ألقه الجمل إلى رواقه الأوسط وكان جملا ذلولا، واقتحمت داخله، وأدركني بالسيف، فأصابت ظبته طائفة من قرون رأسيه، ثم قال: ألق إلي ابنة أخي يا دفار. فألقيتها إليه، فجعلها على منكبيه وذهب بها، وكنت أعلم به من أهل البيت. وخرجت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبينما أنا عندها تحسب أني نائمة، إذ جاء زوجها من السامر، فقال لها: وأبيك، لقد وجدت لقيلة صاحب صدق. قالت أختي: من هو؟ قال: حريث بن حسان الشيباني، وافد بكر بن وائل عاويا ذا صياح. فقالت أختي: الويل لي! لا تخبرها، فتتبع أخا بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها، ليس معها أحد من قومها؛ قال: لا ذكرته. قالت: وسمعت ما قالا فغدوت إلى جملي فشددت عليه، ثم نشدت عنه فوجدته غير بعيد، فسألته الصحبة؛ فقال: نعم وكرامة، وركابه مناخ عنده. قالت: فسرت معه صاحب صدق، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بالناس صلاة الغداة، قد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل فصففت مع الرجال، وأنا امرأة قريبة عهد بجاهلية. فقال الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا، بل امرأة؛ فقال: أنك كدت تفتنيني، فصلي في النساء وراءك. فإذا صف من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته إذا دخلت، فكنت فيهن، حتى إذا طلعت الشمس دنوت، لجعلت إذا رأيت رجلا ذا رواء وقشر طمح إليه بصري لأرى رسول الله فوق الناس، حتى جاء رجل، فقال: السلام عليك يا رسول الله؛ فقال: وعليك السلام ورحمة الله؛ وعليه - تعني النبي صلى الله عليه وسلم أسمال مليتين، كانتا بزعفران قد نفضتا، ومعه عسيب نخلة مقشو غير خوصتين من أعلاه، وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متخشعا في الجلسة أرعدت من الفرق؛ فقال جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة. فقال رسول الله، ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليك السكينة. قالت: فلما قالها صلى الله عليه وسلم أذهب الله ما كان دخل في قلبي من الرعب، وتقدم صاحب أول رجل فبايعه على الإسلام، عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين تميم كتابا بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز. قال: يا غلام، اكتب له بالدهناء. قالت: فلما رأيته أمر أن يكتب له، شخص بي، وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السوية من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك؛ فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة: المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان. فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه، قال: كنت أنا وأنت كما قال في المثل: حتفها تحمل ضأن بأظلافها؛ فقلت: أما والله ما علمت إن كنت لدليلا في الظلماء، جوادا لدى الرحل، عفيفا عن الرفيقة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا تلمني أن أسأل حظي إذ سألت حظك؛ قال: وأي حظ لك في الدهناء لا أبالك؟ قلت: مقيد جملي تريده لجمل امرأتك؛ فقال: لا جرم، إني أشهد رسول الله أني لك أخ ما حييت إذ أثنيت علي عنده؛ فقلت: إذ بدأتها فلن أضيعها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيلام ابن هذه أن يفضل الخطة

(1/106)

وينتصر من وراء الحجزة؛ فبكيت ثم قلت: فقد والله ولدته يا رسول الله حراما، فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب يمتري خيبر، فأصابته حماها ومات، فقال: لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك. أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا فإذا حال بينة وبينه من هو أولى بن استرجع ثم قال: رب آسني لما أمضيت، وأعني على ما أبقيت. فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعير له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم. ثم كتب لها في قطعة أدم أحمر: لقيلة والنسوة من بنات قيلة أن لا يظلمن حقا، ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن ومسلم لهن نصير، أحسن ولا تسئن.ينتصر من وراء الحجزة؛ فبكيت ثم قلت: فقد والله ولدته يا رسول الله حراما، فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب يمتري خيبر، فأصابته حماها ومات، فقال: لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك. أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا فإذا حال بينة وبينه من هو أولى بن استرجع ثم قال: رب آسني لما أمضيت، وأعني على ما أبقيت. فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعير له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم. ثم كتب لها في قطعة أدم أحمر: لقيلة والنسوة من بنات قيلة أن لا يظلمن حقا، ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن ومسلم لهن نصير، أحسن ولا تسئن.
كتاب رسول الله لأكيدر دومة
صلى الله عليه وسلم لأكيدر دومة
من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: إن لنا الضاحية من الضحل والبور، والمعامي وأغفال الأرض، والحلقة، والسلاح والحافر والحصن؛ ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور، ولا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين.
كتابه لوائل بن حجر الحضرمي
صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر الحضرمي
من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب من أهل حضرموت، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، في التيعة شاة، لا مقورة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة؛ والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط، ولا شناق، ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام.
حديث جرير بن عبد الله البجلي
قدم جرير بن عبد الله البجلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن منزله ببيشة، فقال: سهل ودكداك، وسلم وأراك، وحمض وعلاك، إلى نخلة ونخلة، ماؤها ينبوع، وجنابها مريع، وشتاؤها ربيع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن خير الماء الشبم، وخير المال الغنم، وخير المرعى الأراك، والسلم إذا أخلف كان لجينا، وإذا سقط كان درينا، وإذا أكل كان لبينا. وفي كلامه عليه السلام: إن الله خلق الأرض السفلى من الزبد الجفاء، والماء الكباء.
حديث عياش بن أبي ربيعة
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عياش بن أبي ربيعة إلى بني عبد كلال، وقال له: خذ كتابي بيمينك وادفعه بيمينك في أيمانهم، فهم قائلون لك اقرأ، فاقرأ: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين " ، فإذا فرغت منها فقل: آمن محمد وأنا أول المؤمنين، فلن تأتيك حجة إلا وقد دحضت، ولا كتاب زخرف إلا وذهب نوره، ومح لونه، وهم قارئون، فإذا رطنوا فقد ترجموا، فقل: حسن، آمنت بالله وبما أنزل من كتاب الله، فإذا أسلموا، فسلهم قضبهم الثلاثة التي إذا تخصروا بها سجد لهم: وهي الأثل، قضيب ملمع ببياض، وقضيب ذو عجر كأنه من خيزران، والأسود البهيم، كأنه من ساسم، اخرج بها فحرقها في سوقهم.
حديث راشد بن عبد ربه السلمي
عبد الله بن الحكم الواسطي عن بعض أشياخ أهل الشام قال قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب على نجران، فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه أميرا على القضاء والمظالم. فقال راشد بن عبد ربه:
صحا القلب عن سلمى وأقصر شأوه ... وردت عليه ما نفته تماضر
وحكمه شيب القذال عن الصبا ... وللشيب عن بعض الغواية زاجر
فأقصر جهلي اليوم وارتد باطلي ... عن الجهل لما آبيض مني الغدائر

(1/107)

على أنه قد هاجه بعد صحوة ... بمعرض ذي الآجام عيس بواكر
ولما دنت من جانب الغوط أخصبت ... وحلت ولاقاها سليم وعامر
وخبرها الركبان أن ليس بينها ... وبين قرى بصرى ونجران كافر
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وفود نابغة بني جعدة على النبي
صلى الله عليه وسلم
وفد أبو ليلى نابغة بني جعدة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله. فلما انتهى إلى قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك، فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنفض له سن. وبقي حتى وفد على عبد الله بن الزبير في أيامه بمكة وامتدحه؛ فقال له: يا أبا ليلى، أن أدنى وسائلك عندنا الشعر، لك في مال الله حقان: حق برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أحسن صلته وأجازه.
وفود طهفة بن أبي زهير على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لما قدمت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم، قام طهفة بن أبي زهير، فقال: يا رسول الله، أتيناك من غوري تهامة بأكوار الميس، ترمي بنا العيس، نستحلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير؛ ونستخيل الرهام، ونستجيل الجهام؛ من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء؛ قد نشف المدهن، ويبس الجعئن؛ ومات العسلوج؛ وسقط الأملوج؛ وهلك الهدي، ومات الودي. برئنا يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزمن؛ لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام؛ ما طمى البحر وقام تعار؛ ولنا نعم همل أغفال، ما تبص ببلال؛ ووقير كثير الرسل قليل الرسل أصابتها سنية حمراء، مؤزلة ليس بها علل ولا نهل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك لهم في محضها ومحضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر، بيانع الثمر؛ وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد؛ من أقام الصلاة كان مسلما، ومن أتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا. لكم يا بني نهد، ودائع الشرك، ووضائع الملك؛ لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة، ولا تثاقل عن الصلاة.
وكتب معه كتابا على بني نهد: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم، ما لم تضمروا الإمآق، وتأكلوا الرباق، من أقر بما في هذه الكتاب، فله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى عليه فعليه الربوة.
الوفود على عمر بن الخطاب
وفود جبلة بن الأيهم
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:06 pm

العجلى قال: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن الأجدع الكوفي بهيت، قال: حدثني إبراهيم بن علي مولى بني هاشم، قال: حدثنا ثقات شيوخنا: أن جبلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني لما أراد أن يسلم كتب إلى عمر بن الخطاب من الشام يعلمه بذلك يستأذنه في القدوم عليه، فسر بذلك عمر والمسلمون، فكتب إليه أن أقدم ولك ما لنا وعليك ما علينا: فخرج جبلة في خمسمائة فارس من عك وجفنة، فما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوج بالذهب والفضة، ولبس يومئذ جبلة تاجه وفيه قرط مارية، وهي جدته، فلم يبق يومئذ بالمدينة أحد إلا خرج ينظر إليه حتى النساء والصبيان، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه، حتى حضر الموسم من عامه ذلك مع عمر بن الخطاب، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من بني فزارة فحله، فالتفت إليه جبلة مغضبا، فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه الفزاري عمر بن الخطاب، فبعث إليه فقال: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك هذا الفزاري فهشمت أنفه؟ فقال: إنه وطئ أزاري فحله، ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي في عيناه؛ فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، إما أن ترضيه وإلا أقدته منك؛ قال: أتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة؟ قال: يا جبلة، إنه قد جمعك وإياه الإسلام، فما تفضله بشيء إلا بالعافية؛ قال: والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية؛ قال عمر: دع عنك ذلك؛ قال: إذن أتنصر؛ قال: إن تنصرت ضربت عنقك. قال: واجتمع قوم جبلة وبنو فزارة فكادت تكون فتنة؛ فقال جبلة: أخرني إلى غد يا أمير المؤمنين؛ قال: ذلك لك. فلما كان جنح الليل خرج هو وأصحابه، فلم يئن حتى دخل القسطنطينية على هرقل فتنصر، وأقام عنده، وأعظم هرقل قدوم جبلة وسر بذلك، وأقطعه الأموال والأرضي والرباع. فلما بعث عمر بن الخطاب رسولا إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام أجابه إلى المصالحة على غير الإسلام، فلما أراد أن يكتب جواب عمر، قال للرسول: ألقيت ابن عمك هذا الذي ببلدنا - يعني جبلة - الذي أتانا راغبا في ديننا؟ قال: ما لقيته؛ قال: آلقه، ثم ائتني أعطك جواب كتابك. وذهب الرسول إلى باب جبلة، فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثر الجمع مثل ما على باب هرقل. قال الرسول: فلم أزل أتلطف في الإذن، حتى أذن لي، فدخلت عليه، فرأيت رجلا أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسمر أسود اللحية والرأس، فنظرت إليه فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرها في لحيته حتى عاد أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسود من ذهب، فلما عرفني رفعني معه في السرير، فجعل يسائلني عن المسلمين، فذكرت خيرا وقلت: قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف؛ فقال: كيف تركت عمر ابن الخطاب؟ قلت: بخير، فرأيت الغم قد تبين فيه، لما ذكرت له من سلامة عمر؛ قال: فانحدرت عن السرير؛ فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا؛ قال: نعم، صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك من الدنس، ولا تبال علام قعدت. لما سمعته يقول: صلى الله عليه وسلم، طمعت فيه؛ فقلت له: ويحك يا جبلة! ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضلة؟ قال: أبعدها ما كان مني؟ قلت: نعم، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام، وقبل ذلك منه، وخلفه بالمدينة مسلما؛ قال: ذرني من هذا، إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام؛ قال: ضمنت لك التزوج، ولم أضمن لك الإمرة؛ قال: فأومأ إلى خادم بين يديه، فذهب مسرعا، فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة، وقال لي: كل، فقبضت يدي، وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة، فقال نعم، صلى الله عليه وسلم، ولك نق قلبك وكل فيما أحببت، قال: فأكل في الذهب والفضة وأكلت في الخليج، فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة وأباريق الذهب، وأومأ إلى خادم بين يديه، فمر مسرعا، فسمعت حسا، فالتفت، فإذا خدم معهن الكراسي مرصعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، ثم سمعت حسا، فإذا عشر جوار قد أقبلن مطمومات الشعر متكسرات في الحلي عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوها قط أحسن منهن، فأقعدهن على الكراسي عن يمينه ثم

(1/109)

سمعت حسا، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسي عن يساره، ثم سمعت حسا، فإذا جارية كأنها الشمس حسنا وعلى رأسها تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جام فيه مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جام فيه ماء ورد؛ فأومأت إلى الطائر، أو قال فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه، أو قال فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني. فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:معت حسا، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسي عن يساره، ثم سمعت حسا، فإذا جارية كأنها الشمس حسنا وعلى رأسها تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جام فيه مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جام فيه ماء ورد؛ فأومأت إلى الطائر، أو قال فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه، أو قال فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني. فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول
يسقون من وريد البريص، عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا، قال: قائله حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: بالله أبكيننا، فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالخمان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر ... محلا لحادث الأزمان
قد أراني هناك دهرا مكينا ... عند ذلك التاج مقعدي ومكاني
ودنا الفصح فالولائد ينظمن ... سراعا أكلة المرجان
لم يعللن بالمغافير والصمغ ... ولا نقف حنظل الشريان
قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت لا أدري؛ قال: حسان بن ثابت. ثم أنشأ يقول:
تنصرت الأشراف من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج ونخوة ... وبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
ثم سألني عن حسان: أحي هو؟ قلت: نعم، تركته حيا. فأمر لي بكسوة ومال، ونوق موقرة برا، ثم قال لي: إن وجدته حيا، فادفع إليه الهدية وأقرئه سلامي، وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله، وانحر الجمال على قبره. فلما قدمت على عمر أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام، والشرط الذي شرطه، وأني ضمنت له التزوج، ولم أضمن له الإمرة. فقال: هلا ضمنت له الإمرة؟ فإذا أفاء الله به الإسلام قضى عليه بحكمه عز وجل. ثم ذكرت له الهدية التي أهداها إلى حسان بن ثابت. فبعث إليه، وقد كف بصره؛ فأتي به وقائد يقوده، فلما دخل، قال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد رياح آل جفنة عندك؛ قال: نعم، هذا رجل أقبل من عنده؛ قال: هات يا بن أخي، إنه كريم من كرام مدحتهم في الجاهلية فحلف أن لا يلقى أحدا يعرفني إلا أهدى إلي معه شيئا. فدفعت إليه الهدية: المال والثياب، وأخبرته بما كان أمر به في الإبل إن وجد ميتا؛ فقال: وددت أني كنت ميتا، فنحرت على قبري.
قال الزبير: وانصرف حسان وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم

(1/110)

لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... مهلكا ولا متنصرا بالروم
يعطى الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم
فقال له رجل كان في مجلس عمر: أتذكر ملوكا كفرة أبادهم الله وأفناهم؟ قال: ممن الرجل؟ قال: مزني؛ قال: أما والله لولا سوابق قومك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لطوقت؛ طوق الحمامة. قال: ثم جهزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة ما اشترط به، فلما قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعملت أن الشقاء غلب عليه في أم الكتاب.
وفود الأحنف
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
المدائني قال: قدم الأحنف بن قيس التميمي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أهل البصرة وأهل الكوفة، فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كل واحد منهم، وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية، والملوك الجبابرة، ومنازل كسرى وقيصر، وبني الأصفر، فهم من المياه العذبة، والجنان المخصبة، في مثل حولاء السلى وحدقة البعير؛ تأتيهم ثمارهم غضة لم تتغير، وإنا نزلنا أرضا نشاشة، طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشاشة، لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف منا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنق ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدو والسبع، فإلا ترفع خسيستنا، وتنعش ركيستنا، وتجبر فاقتنا، وتزيد في عيالنا عيالا، وفي رجالنا رجالا، وتصفر درهمنا، وتكبر قفيزنا، وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا.
قال عمر: هذا والله السيد! هذا والله السيد! قال الأحنف: فما زلت أسمعها بعدها.
فأراد زيد بن جبلة أن يضع منه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس هناك، وأمه باهلية. قال عمر: هو خير منك إن كان صادقا. يريد إن كانت له نية. فقال الأحنف:
أنا ابن الباهلية أرضعتني ... بثدي لا أجد ولا وخيم
أغض على القذى أجفان عيني ... إذا شر السفيه إلى الحليم
قال: فرجع الوفد واحتبس الأحنف عنده حولا وأشهرا، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حذرنا كل منافق صنع اللسان، وإني خفتك فاحتبستك، فلم يبلغني عنك إلا خير، رأيت لك جولا ومعقولا، فارجع إلى منزلك واتق الله ربك. وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن يحتفر لهم نهرا.
وفود الأحنف وعمرو بن الأهتم
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
العتبي عن أبيه قال: وفد الأحنف وعمرو بن الأهتم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأراد أن يقرع بينهما في الرياسة، فلما اجتمعت بنو تميم، قال الأحنف:
ثوى قدح عن قومه طالما ثوى ... فلما أتاهم قال قوموا تناجزوا
فقال عمرو بن الأهتم: إنا كنا وأنتم في دار جاهلية فكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، وإنا اليوم في دار الإسلام، والفضل فيها لمن حلم، فغفر الله لنا ولك. قال: فغلب يومئذ عمرو بن الأهتم على الأحنف ووقعت القرعة لآل الأهتم. فقال عمرو بن الأهتم:
لما دعتني للرياسة منقر ... لدى مجلس أضحى به النجم باديا
شددت لها أزري وقد كنت قبلها ... لأمثالها مما أشد إزاريا
وعمرو بن الأهتم: هو الذي تكلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الزبرقان؛ فقال عمرو: مطاع في أدنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله، إنه ليعلم مني أكثر مما قال، ولكن حسدني، قال: أما والله يا رسول الله، إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الولد، لئيم الخال، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، رضيت عن ابن عمي فقلت أحسن ما علمت، ولم أكذب، وسخطت عليه فقلت أقبح ما علمت، ولم أكذب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا.
وفود عمرو بن معد يكرب
على عمر بن الخطاب رضي الله عنه
إذ أوفده سعد

(1/111)

لما فتحت القادسية على يدي سعد بن أبي وقاص، أبلى فيها عمرو بن معد يكرب بلاء حسنا، فأوفده سعد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكتب إليه معه بالفتح وأثنى في الكتاب على عمرو. فلما قدم على عمر بن الخطاب سأله عنه سعد؛ فقال: أعرابي في نمرته، أسد في تأمورته، نبطي في جبايته، يقسم بالسوية، ويعدل في القضية، وينفر في السرية، وينقل إلينا حقنا نقل الذرة. فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء. وكان عمر قد كتب إلى سعد يوم القادسية أن يعطى الناس على قدر ما معهم من القرآن. فقال سعد لعمرو بن معد يكرب: ما معك من القرآن؟ قال: ما معي شيء؛ قال: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أعطي الناس على قدر ما معهم من القرآن؛ فقال عمرو:
إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير
نعطى السوية من طعن له نفذ ... ولا سوية إذ نعطى الدنانير
قال: فكتب سعد بأبياته إلى عمر. فكتب إليه أن يعطى على مقاماته في الحرب.
وفود أهل اليمامة على أبي بكر الصديق
رضي الله عنه
وفد أهل اليمامة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بعد إيقاع خالد بهم وقتله مسيلمة الكذاب؛ فقال لهم أبو بكر: ما كان يقول صاحبكم؟ قالوا: أعفنا يا خليفة رسول الله؛ قال: لا بد أن تقولوا؛ قالوا: كان يقول: يا ضفدع، كم تنقين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم لا يعدلون. فقال لهم أبو بكر: وحيكم! ما خرج هذا من إل ولا بر، فأين ذهب بكم؟ قال أبو عبيد: الإل: الله تعالى. والبر: الرجل الصالح.
وفود عمرو بن معد يكرب على مجاشع بن مسعود
وفد عمرو بن معد يكرب الزبيدي على مجاشع بن مسعود السلمي - وكانت بين عمرو وبين سليم حروب في الجاهلية - فقدم عليه البصرة يسأله الصلة؛ فقال: اذكر حاجتك؛ فقال له: حاجتي صلة مثلي. فأعطاه عشرة آلاف درهم، وفرسا من بنات الغبراء، وسيفا جرازا، ودرعا حصينة، وغلاما خبازا. فلما خرج من عنده، قال له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك؟ قال: لله در بني سليم، ما أشد في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللأواء عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها، والله يا بني سليم لقد قاتلناكم في الجاهلية فما أجبناكم، ولقد هاجيناكم فما أقحمناكم، وقد سألناكم فما أبخلناكم.
فلله مسؤولا نوالا ونائلا ... وصاحب هيج يوم هيج مجاشع
الوفود على معاوية
وفود الحسن بن علي
رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه
أبو بكر بن أبي شيبة قال: وفد الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية بعد عام الجماعة، فقال له معاوية، والله لأحبونك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك، ولا أجيز بها أحدا بعدك، فأمر بمائة ألف.
وفي بعض الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل على ابنته فاطمة، فوجد الحسن طفلا يلعب بين يديها، فقال لها: إن الله تعالى سيصلح على يدي ابنك هذا بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
وفود زيد بن منية
على معاوية رحمه الله
العتبي قال: قدم زيد بن منية على معاوية من البصرة - وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة ومتولي تلك الحروب، ورأس أهل البصرة، وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوج يعلى بن منية - فلما دخل على معاوية، شكا إليه دينا لزمه؛ فقال: يا كعب، أعطه ثلاثين ألفا، فلما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين ألفا أخرى: ثم قال له: الحق بصهرك - يعني عتبة - فقدم عليه مصر، فقال: إن سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف، ألبس أردية الليل مرة، وأخوض في لجج السراب أخرى، موقرا من حسن الظن بك، وهاربا من دهر قطم، ودين لزم، بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين، فلم أجد إلا إليك مهربا، وعليك معولا؛ فقال عتبة: مرحبا بك وأهلا، إن الدهر أعاركم غنى، وخلطكم بنا، ثم استرد ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيعة معه، وأنا واضع يدي ويدك بيد الله. فأعطاه ستين ألفا، كما أعطاه معاوية رحمه الله.
وفود عبد العزيز بن زرارة
على معاوية رحمه الله
العتبي عن أبيه قال:

(1/112)

وفد عبد العزيز بن زرارة على معاوية، وهو سيد أهل الكوفة، فلما أذن له وقف بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أهز ذوائب الرحال إليك، إذ لم أجد معولا إلا عليك؛ أمتطي الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار، يقودني إليك أمل، وتسوقني بلوى؛ والمجتهد يعذر، وإذ بلغتك فقطني. فقال معاوية: احطط عن راحتك رحلها.
وخرج عبد العزيز بن زرارة مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة فهلك هناك، فكتب به يزيد بن معاوية إلى معاوية، فقال لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب؛ قال زرارة: يا أمير المؤمنين، هو ابني أو ابنك؟ قال: بل ابنك؟ قال: للموت ما تلد الوالدة.
أخذ سابق البريري فقال:
وللموت تغدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدار تبنى المساكن
وقال آخر:
للموت يولد منا كل مولود ... لا شيء يبقى ولا يفنى بموجود
وفود عبد الله جعفر على يزيد بن معاوية
المدائني قال: قدم عبد الله بن جعفر على يزيد بن معاوية. فقال له: كم كان عطاؤك؟ فقال له: ألف ألف، قال: قد أضعفاناها لك؛ قال: فداك أبي وأمي، وما قلتها لأحد قبلك؛ قال: أضعفناها لك ثانية. فقيل ليزيد: أتعطي رجلا واحدا أربعة آلاف ألف! فقال: ويحكم! إنما أعطيتها أهل المدينة أجمعين، فما يده فيها إلا عارية. فلما كان في السنة الثانية قدم عبد الله بن جعفر، وقدم مولى له يقال له نافع، كانت له منزلة من يزيد بن معاوية. قال نافع: فلما قدمنا عليه أمر لعبد الله بن جعفر بألف ألف، وقضى عنه ألف ألف، ثم نظر إلي فتبسم؛ فقلت: هذه لتلك الليلة. وكنت سامرته ليلة في خلافة معاوية وأسمعته فيها فذكرته بها. وقدمت عليه هدايا من مصر كثيرة، فأمر بها لعبد الله بن جعفر، وكان له مائة ناقة، فقلت لابن جعفر: لو سألته منها شيئا نحتلبه في طريقنا؟ ففعل، فأمر بصرفها كلها إليه. فلما أراد الوداع أرسل إلي فدخلت عليه، فقال: ويلك! إنما أخترك لأتفرغ إليك، هات قول جميل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
قال: فأسمعته! فقال: أحسنت والله؛ هات حاجتك. فما سألته شيئا إلا أعطانيه؛ فقال: إن يصلح الله هذا الأمر من قبل ابن الزبير تلقنا بالمدينة، فإن هذا لا يحسن إلا هناك. فمنع والله من ذلك شؤم ابن الزبير.
الوفود على عبد الملك بن مروان
وفود عبد الله بن جعفر
على عبد الملك بن مروان
قال بديح: وفد عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، وكان زوج ابنته أم كلثوم من الحجاج على ألفي ألف في السر وخمسمائة في العلانية، وحملها إليه إلى العراق، فمكثت عنده ثمانية أشهر. قال بديح: فلما خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان، خرجنا معه حتى دخلنا دمشق، فإنا لنحط رحالنا إذ جاءنا الوليد بن عبد الملك على بغلة وردة ومعه الناس، فقلنا: جاء إلى ابن جعفر ليحييه ويدعوه إلى منزله. فاستقبله ابن جعفر بالترحيب؛ فقال له: لكن أنت لا مرحبا بك ولا أهلا؛ مهلا يا بن أخي، فلست أهلا لهذه المقالة منك؛ قال: بلى ولشر منها؛ قال: وفيم ذلك؟ قال: إنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب، وسيدة بني عبد مناف، ففرشتها عبد ثقيف يتفخذها؛ قال: وفي هذا عتب علي يا بن أخي؟ قال: وما أكثر من هذا؟ قال: والله إن أحق الناس أن لا يلومني في هذا لأنت وأبوك، إن كان من قبلكم من الولاة ليصلون رحمي، ويعرفون حقي، وإنك وأباك منعتماني ما عندكما حتى ركبني من الدين ما والله لو أن عبدا مجدعا حبشيا أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوجتها، فإنما فديت بها رقبتي من النار. قال: فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه، ومضى حتى دخل على عبد الملك - وكان الوليد إذا غضب عرف ذلك في وجهه - فلما رآه عبد الملك قال: مالك أبا العباس؟ قال: إنك سلطت عبد ثقيف وملكته ورفعته، حتى تفخذ نساء عبد مناف، وأدركته الغير. فكتب عبد الملك إلى الحجاج يعزم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يطلقها. فما قطع الحجاج عنها رزقا ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا. قال: وما زال واصلا لعبد الله بن جعفر حتى هلك.
قال بديح: فما كان يأتي علينا هلال إلا وعندنا عير مقبلة من الحجاج، عليها لطف وكسوة وميرة، حتى لحق عبد الله بن جعفر بالله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:08 pm

ثم استأذن ابن جعفر على عبد الملك، فلما دخل عليه استقبله عبد الملك بالترحيب، ثم أخذ بيده فأجلسه معه على سريره، ثم سأله فألطف المسألة، حتى سأله عن مظعمه ومشربه، فلما انقضت مسألته، قال له يحيى بن الحكم: أمن خبيثة كان وجهك أبا جعفر؟ قال: وما خبيثة؟ قال: أرضك التي جئت منها؛ قال: سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها طيبة وتسميها خبيثة! لقد اختلفتما في الدنيا وأظنكما في الآخرة مختلفين. فلما خرج من عنده هيأ له ابن جعفر هدايا وألطافا. فقلت لبديح: ما قيمة ذلك؟ قال: قيمته مائة ألف، من وصفاء ووصائف وكسوة وحرير ولطف من لطف الحجاز. قال: فبعثني بها، فدخلت عليه وليس عنده أحد، فجعلت أعرض عليه شيئا شيئا. قال: فما رأيت مثل إعظامه لكل ما عرضت عليه من ذلك، وجعل يقول كلما أريته شيئا: عافى الله أبا جعفر، ما رأيت كاليوم، وما كنا نريد أن يتكلف لنا شيئا من هذا، وإن كنا لمتذممين محتشمين. قال: فخرجت من عنده، وإذن لأصحابه، فوالله لبينا أنا أحدثه عن تعجب عبد الملك وإعظامه لما أهدى إليه، إذا بفارس قد أقبل علينا، فقال: أبا جعفر، إن أمير المؤمنين يقرأ السلام عليك، ويقول لك: جمعت لنا وخش رقيق الحجاز أباقهم، وحبست عنا فلانة، فابعث بها إلينا - وذلك أنه حين دخل عليه أصحابه جعل يحدثهم عن هدايا ابن جعفر ويعظمها عندهم؛ فقال له يحيى بن الحكم: وماذا أهدى إليك ابن جعفر؟ جمع لك وخش رقيق الحجاز وأباقهم وحبس عنك فلانة؛ قال: ويلك! وما فلانة هذه؟ قال: ما لم يسمع والله أحد بمثلها قط جمالا وكمالا وخلقا وأدبا، لو أراد كرامتك بعث بها إليك؛ قال: وأين تراها، وأين تكون؟ قال: هي والله معه، وهي نفسه التي بين جنبيه - فلما قال الرسول ما قال، وكان ابن جعفر في أذنه بعض الوقر إذا سمع ما يكره تصام، فأقبل علي فقال: ما يقول بديح؟ قال: قلت: فإن أمير المؤمنين يقرأ السلام ويقول: إنه جاءني بريد من ثغر كذا يقول: إن الله نصر المسلمين وأعزهم؛ قال: اقرأ أمير المؤمنين السلام، وقل له: أعز الله نصرك، وكبت عدوك؛ فقال الرسول: يا أبا جعفر، إني لست أقول هذا، وأعاد مقالته الأولى. فسألني، فصرفته إلى وجه آخر؛ فأقبل علي الرسول، فقال: يا ماص أبرسل أمير المؤمنين تهكم؟ وعن أمير المؤمنين تجيب هذا الجواب؟ قال: والله لأطلن دمك؛ فانصرف. وأقبل علي ابن جعفر فقال: من ترى صاحبنا؟ قال: صاحبك بالأمس؛ قال: أظنه، فما الرأي عندك؟ قلت: يا أبا جعفر، قد تكلفت له ما تكلفت فإن منعتها إياه جعلتها سببا لمنعك، ولو طلب أمير المؤمنين إحدى بناتك ما كنت أرى أن تمنعها إياه، قال: ادعها لي. فلما أقبلت رحب بها، ثم أجلسها إلى جنبه، ثم قال: أما والله ما كنت أظن أن يفرق بيني وبينك إلا الموت؛ قالت: وما ذاك؟ قال: إنه حدث أمر وليس والله كائنا فيه إلا ما أحببت، جاء الدهر فيه بما جاء؛ قالت: وما هو؟ قال: إن أمير المؤمنين بعث يطلبك، فإن تهوين فذاك، وإلا والله لا يكون أبدا؛ قالت: ما شيء لك فيه هوى ولا أظن فيه فرجا عنك إلا فديته بنفسي، وأرسلت عينيها بالبكاء؛ فقال لها: أما إذا فعلت فلا ترين مكروها، فمسحت عينيها، وأشار إلي فقال: ويحك يا بديح! استحثها قبل أن تتقدم إلي من القوم بادرة. قال: ودعا بأربع وصائف ودعا من صاحب نفقته بخمسمائة دينار، ودعا مولاة له كانت تلي طيبه، فدحست لها ربعة عظيمة مملوءة طيبا، ثم قال: عجلها ويلك! فخرجت أسوقها حتى انتهيت إلى الباب، وإذا الفارس قد بلغ عني، فما تركني الحجاب أن تمس رجلاي الأرض حتى أدخلت على عبد الملك وهو يتلظى؛ فقال لي: يا ماص! وكذا أنت المجيب عن أمير المؤمنين والمتهكم برسله؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أتكلم؛ قال: وما تقول يا كذا وكذا؟ قلت: ائذن لي يجعلني الله فداك أتكلم؛ قال: تكلم؛ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنا، وأقل خطرا من أن يبلغ كلامي من أمير المؤمنين ما أرى، وهل أنا إلا عبد من عبيد أمير المؤمنين، نعم قد قلت ما بلغك، وقد يعلم أمير المؤمنين أنا إنما نعيش في كنف هذا الشيخ، وأن الله لم يزل إليه محسنا، فجاءه من قبلك شيء ما أتاه قط مثله، إنما طلبت نفسه التي بين جنبيه، فأجبت بما بلغك لأسهل الأمر عليه، ثم سألني فأخبرته، واستشارني فأشرت عليه، وها هي ذه قد جئتك بها؛ قال: أدخلها ويلك! قال:

(1/114)

فأدخلتها عليه، وعنده مسلمة ابنه غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضر شاربه، فلما جلست وكلها أعجب بكلامها، فقال: لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب إليك، أم أهبك لهذا الغلام؟ فإنه ابن أمير المؤمنين؛ قالت: يا أمير المؤمنين، لست لك بحقيقة، وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجها؛ قال: فقام من مكانه ما راجعها؛ فدخل وأقبل عليها مسلمة، يالكاع، أعلى أمير المؤمنين تختارين؟ قالت: يا عدو نفسه، إنما تلومني أن اخترتك! لعمر الله، لقد قال: رأي من اختارتك. قال: فضيقت والله مجلسه؛ واطلع علينا عبد الملك، قد ادهن بدهن وارى الشيب، وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب، بيده مخصرة يخطر بها، فجلس مجلسه على سريره، ثم قال: إيها! لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب لك، أم أهبك لهذا الغلام؟ قالت: ومن أنت أصلحك الله؟ قال لها الخصي: هذا أمير المؤمنين؛ قالت: لست مختارة على أمير المؤمنين أحدا؛ قال: فأين قولك آنفا؟ قالت: رأيت شيخا كبيرا، وأرى أمير المؤمنين أشب الناس وأجملهم، ولست مختارة عليه أحدا، قال: دونكها يا مسلمة.دخلتها عليه، وعنده مسلمة ابنه غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضر شاربه، فلما جلست وكلها أعجب بكلامها، فقال: لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب إليك، أم أهبك لهذا الغلام؟ فإنه ابن أمير المؤمنين؛ قالت: يا أمير المؤمنين، لست لك بحقيقة، وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجها؛ قال: فقام من مكانه ما راجعها؛ فدخل وأقبل عليها مسلمة، يالكاع، أعلى أمير المؤمنين تختارين؟ قالت: يا عدو نفسه، إنما تلومني أن اخترتك! لعمر الله، لقد قال: رأي من اختارتك. قال: فضيقت والله مجلسه؛ واطلع علينا عبد الملك، قد ادهن بدهن وارى الشيب، وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب، بيده مخصرة يخطر بها، فجلس مجلسه على سريره، ثم قال: إيها! لله أبوك! أمسكك لنفسي أحب لك، أم أهبك لهذا الغلام؟ قالت: ومن أنت أصلحك الله؟ قال لها الخصي: هذا أمير المؤمنين؛ قالت: لست مختارة على أمير المؤمنين أحدا؛ قال: فأين قولك آنفا؟ قالت: رأيت شيخا كبيرا، وأرى أمير المؤمنين أشب الناس وأجملهم، ولست مختارة عليه أحدا، قال: دونكها يا مسلمة.
قال بديح: فنشرت عليه الكسوة والدنانير التي معي، وأريته الجواري والطيب؛ قال: عافى الله ابن جعفر، أخشي أن لا يكون لها عندنا نفقة وطيب وكسوة؟ فقلت: بلى، ولكن أحب أن يكون معها ما تكتفي به حتى تستأنس. قال: فقبضها مسلمة. فلم تلبث عنده إلا يسيرا حتى هلكت. قال بديح: فوالله الذي ذهب بنفس مسلمة، ما جلست معه مجلسا، ولا وقفت موقفا أنازعه فيه الحديث إلا قال: أبغني مثل فلانة، فأقول: أبغني مثل ابن جعفر.
قال: فقلت لبديح: ويلك! فما أجازه به؟ قال: قال: حين دفع إليه حاجته ودينه، لأجيزنك جائزة، لو نشر لي مروان من قبره ما زدته عليها، فأمر له بمائة ألف، وأيم الله إني لا أحسبه أنفق في هديته ومسيره ذلك وجاريته التي كانت عدل نفسه مائتي ألف.
وفود الشعبي
على عبد الملك بن مروان
كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أن ابعث رجلا يصلح للدين وللدنيا، أتخذه سميرا وجليسا وخليا؛ فقال الحجاج: ما له إلا عامر الشعبي، وبعث به إليه. فلما دخل عليه وجده قد كبامهتما، فقال: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت قول زهير:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجامي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برامي
فلو أنني أرمى بنبل رأيتها ... ولكنني أرمى بغير سهام
على الراحتين تارة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهن قيامي
قال له الشعبي: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة وقد بلغ سبعين حجة:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة ... خلصت بها عن منكبي ردائيا
ولما بلغ سبعا وسبعين سنة قال:
بانت تشكي إلى النفس موهنة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا
ولما بلغ تسعين سنة قال:
وقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ولما بلغ عشرا ومائة قال:

(1/115)

أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي خلت ... أنوء كأني كلما قمت راكع
ولما بلغ ثلاثين ومائة وحضرته الوفاة قال:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما فقولا بالذي تعلمانه ... ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى سنة ثم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
قال الشعبي: فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعا أن يعيشها.
وفود الحجاج بإبراهيم بن محمد
بن طلحة على عبد الملك بن مروان
عمران بن عبد العزيز قال:

(1/116)

لما ولي الحجاج بن يوسف الحرمين بعد قتله ابن الزبير استخلص إبراهيم بن محمد بن طلحة فقربه وعظم منزلته، فلم تزل حاله عنده حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان، فخرج معه معادلا، لا يقصر له في بر ولا إعظام، حتى حضر به عبد الملك، فلما دخل عليه لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن قال له: قدمت عليك أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيرا في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قد الأبوة وما بلوت منه في الطاعة والنصيحة وحسن الموازرة، وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقد أحضرته بابك ليسهل عليه إذنك، وتعرف له ما عرفتك؛ فقال: أذكرتنا رحما قريبة وحقا واجبا، يا غلام، ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة، فلما دخل عليه أدناه عبد الملك حتى أجلسه على فراشه، ثم قال له: يا بن طلحة، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل والأدب والمروءة وحسن المذهب، مع قرابة الرحم ووجوب الحق وعظم قدر الأبوة، وما بلاه منك في الطاعة والنصيحة وحسن الوازرة، فلا تدعن حاجة عن خاصة نفسك وعامتك إلا ذكرتها؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أول الحوائج وأحق ما قدم بين يدي الأمور ما كان لله فيه رضا، ولحق نبيه صلى الله عليه وسلم أداء، ولك فيه ولجماعة المسلمين نصيحة، وعندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها، ولا أقدر على ذلك إلا وأنا خال، فأخلني يا أمير المؤمنين ترد عليك نصيحتي؛ قال: دون أبي محمد؟ قال: نعم، دون أبي محمد. قال عبد الملك للحجاج: قم. فلما خطرف الستر أقبل علي، فقال: يا بن طلحة، قل نصيحتك؛ فقال: تالله يا أمير المؤمنين، لقد عمدت إلى الحجاج في تغطرسه، وتعجرفه، وبعده من الحق، وقربه من الباطل، فوليته الحرمين، وهما ما هما وبهما ما بهما من المهاجرين والأنصار والموالي الأخيار يطؤهم بطغام أهل الشام ورعاع لا روية لهم في إقامة حق ولا في إزاحة باطل، ويسومهم الخسف ويحكم فيهم بغير السنة، بعد الذي كان من سفك دمائهم، وما انتهك من حرمهم، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك وبين الله زاهق، وفيما بينك وبين نبيك غدا إذا جاثاك للخصومة بين يدي الله في أمته، أما والله لا تنجو هنالك إلا بحجة، فاربع على نفسك أودع. فقال له عبد الملك: كذبت ومنت وظن بك الحجاج ما لم يجده فيك، وقد يظن الخير بغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن. قال: فقمت وما أعرف طريقا، فلما خطرف الستر لحقني لاحق، فقال: احبسوا هذا، وقال للحجاج: ادخل، فدخل، فمكث مليا من النهار لا أشك أنهما في أمري، ثم خرج الآذن، فقال: ادخل يا بن طلحة، فلما كشف لي الستر لقيني الحجاج، وهو خارج وأنا داخل، فاعتنقني وقبل ما بين عيني، وقال: أما إذا جزى الله المتواخيين خيرا تواصلهم فجزاك الله عني أفضل الجزاء، فوالله لئن سلمت لك لأرفعن ناظرك، ولأعلين كعبك، ولأتبعن الرجال غبار قدميك؛ قال: قلت: يهزأ بي وحق الكعبة. فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أدناني عن مجلسي الأول، ثم قال: يا بن طلحة، لعل أحدا شاركك في نصيحتك هذه؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما أعلم أحدا أنصع عندي يدا ولا أعظم معروفا من الحجاج، ولو كنت محابيا أحدا لغرض دنيا لحابيته، ولكني آثرت الله ورسوله وآثرتك والمؤمنين عليه؛ قال: قد علمت أنك لم ترد الدنيا، ولو أردتها لكانت لك في الحجاج، ولكن أردت الله والدار الآخرة، وقد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما، وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالا لهما، ووليته العراقين، وما هنالك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله، وأعلمته أنك استدعيتني إلى ولايته عليهما استزادة له، لألزمه بذلك من حقك ما يؤدي إليك عني أجر نصيحتك، فاخرج معه فإنك غير ذام لصحبته. فخرجت مع الحجاج وأكرمني أضعاف إكرامه.
وفود رسول المهلب على الحجاج
بقتل الأزارقة
أبو الحسن المدائني قال:

(1/117)

لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، بعث إلى مالك بن بشير، فقال له: إني موفدك إلى الحجاج فسر، فإنما هو رجل مثل؛ وبعث إليه بجائزة، فردها وقال: إنما الجائزة بعد الاستحقاق، وتوجه. فلما دخل إلى الحجاج؛ قال له، ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير؛ قال: ملك وبشارة؛ كيف تركت المهلب؟ قال: أدرك ما أمل وأمن من خاف؛ قال: كيف هو بجنده؟ قال: والد رءوف؛ قال: فكيف جنده له؟ قال أولاد بررة؛ قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل؛ قال: فكيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم؟ قال: نلقاهم بحدنا فنطمع فيهم، ويلقوننا بحدهم فيطعمون فينا؛ قال: كذلك الحد إذا لقي الحد؛ قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه؛ قال: فما منعكم من إتباعه؟ قال: رأينا المقام من ورائه خيرا من إتباعه؛ قال: فأخبرني عن ولد المهل؛ قال: أعباء القتال بالليل، حماة السرح بالنهار؛ قال: أيهما أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم؛ قال: لتقولن؛ قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها؛ قال: أقسمت عليك، هل روأت في هذا الكلام؟ قال: ما أطلع الله على غيبة أحدا؛ فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع، لا الكلام المصنوع.
وفود جرير
على عبد الملك بن مروان
لما مدح جرير بن الخطفي الحجاج بن يوسف بشعره الذي يقول فيه:
من سد مطلع النفاق عليكم ... أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
وقوله:
دعا الحجاج مثل دعاء نوح ... فأسمع ذا المعارج فاستجابا
قال له الحجاج: إن الطاقة تعجز عن المكافأة، ولكني موفدك على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فسر إليه بكتابي هذا. فسار إليه، ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له، فقال:
أتصحو بل فؤادك غير صاحي
قال له عبد الملك: بل فؤادك. فلما انتهى إلى قوله:
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الواردين ذوي امتياح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
سأشكر إن رددت إلي ريشي ... وأثبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
ارتاح عبد الملك وكان متكئا، فاستوى جالسا، ثم قال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت؛ ثم قال له: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة من نعم كلب؟ قال: إذا لم تروها يا أمير المؤمنين فلا أرواها الله. فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب كلها سود الحدقة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنها أباق ونحن مشايخ، وليس بأحدنا فضل عن راحلته؛ فلو أمرت بالرعاء؛ فأمر له بثمانية من الرعاء. وكانت بين يدي عبد الملك صحاف من فضة يقرعها بقضيب في يده؛ فقال له جرير: والمحلب يا أمير المؤمنين، وأشار إلى صحفة منها، فنبذها إليه بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك. ففي ذلك يقول جرير:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا شرف
الوفود على عمر بن عبد العزيز
وفود جرير
عن أهل الحجاز على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
قدم جرير بن الخطفي، على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، عن أهل الحجاز فاستأذنه في الشعر، فقال: ما لي وللشعر يا جرير؟ إني لفي شغل عنه؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنها رسالة عن أهل الحجاز؛ قال: فهاتها إذا؛ فقال:
كم من ضرير أمير المؤمنين لدى ... أهل الحجاز دهاه البؤس والضرر
أصابت السنة الشهباء ما ملكت ... يمينه فحناه الجهد والكبر
ومن قطيع الحشا عاشت مخبأة ... ما كانت الشمس تلقاها ولا القمر
لما اجتلتها صروف الدهر كارهة ... قامت تنادي بأعلى الصوت يا عمر
وفود دكين الراجز
على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم


عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:09 pm

قال دكين بن رجاء الفقيمي الراجز: مدحت عمر بن عبد العزيز، وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم صعابا، فكرهت أن أرمي بها الفجاج فتنشر علي، ولم تطب نفسي ببيعها، فقدمت علينا رفقة من مضر، فسألتهم الصحبة، فقالوا: إن خرجت الليلة؛ فقلت: إني لم أودع الأمير ولا بد من وداعه؛ قالوا: فإن الأمير لا يحجب عن طارق ليل؛ فاستأذنت عليه، فأذن لي وعنده شيخان لا أعرفهما؛ فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا تواقة، فإن أنا صرت إلى أكثر مما أنا في فبعين ما أرينك؛ قلت: أشهد لي بذلك أيها الأمير؛ قال: إني أشهد الله؛ قلت: ومن خلقه؟ قال: هذين الشيخين؛ قلت لأحدهما: من أنت يرحمك الله أعرفك؟ قال: سالم بن عبد الله؛ فقلت: لقد استسمنت الشاهد؛ وقلت للآخر: من أنت يرحمك الله؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير، وكان مزاحم يكنى أبا يحيى. قال دكين: فخرجت بهن إلى بلدي فرمى الله في أذنابهن بالبركة، حتى اتخذت منهن الضياع والربع والغلمان، فإني لبصحراء فلج إذا بريد يركض إلى الشام، فقلت له: هل من مغربة خبر قال: مات سليمان بن عبد الملك؛ قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قال: فأنخت قلوصي، فألقيت عليها أداتي وتوجهت عنده، فلقيت جريرا في الطريق جائيا من عنده، فقلت: من أيا أبا حزرة؟ قال: من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء؛ قلت: فما ترى، فإني خرجت إليه؟ قال: عول عليه في مال ابن السبيل، كما فعلت. فانطلقت فوجدته قاعدا على كرسي في عرصة داره قد أحاط الناس به، لم أجد إليه سبيلا للوصول، فناديت بأعلى صوتي:
يا عمر الخيرات والمكارم ... وعمر الدسائع العظائم
إني امرؤ من قطن بن دارم ... أطلب حاجي من أخي مكارم
إذ ننتجي والله غير نائم ... في ظلمة الليل وليلي عاتم
عند أبي يحيى وعند سالم
فقام أبو يحيى، ففرج لي وقال: يا أمير المؤمنين، إن لهذا البدوي عندي شهادة عليك؛ قال: أعرفها، ادن مني يا دكين، أنا كما ذكرت لك أن لي نفسا تواقة، وأن نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا؛ فلما أدركتها وجدتها تتوق إلى الآخرة، والله ما رزأت من أمور الناس شيئا فأعطيك منه، وما عندي إلا ألفا درهم، أعطيك أحدهما؛ فأمر لي بألف درهم. فوالله ما رأيت ألفا كانت أعظم بركة منها.
وفود كثير والأحوص
على عمر بن العزيز رضي الله عنه
حماد الراوية قال:

(1/119)

قال لي كثير عزة: ألا أخبرك عما دعاني إلى ترك الشعر؟ قلت: نعم؛ قال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكل واحد منا يدل عليه بسابقة وإخاء قديم، ونحن لا نشك أنه سيشر كنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة، لقينا مسلمة بن عبد الملك، وهو يومئذ فتى العرب؛ فسلمنا، فرد، ثم قال: أما بلغكم أن إمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا ما توضح إلينا خبر حتى انتهينا إليك، ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا؛ فقال: إن يك ذو دين بنى مروان قد ولي وخشيتم حرمانه، فإن ذا دنياها قد بقي ولكم عندي ما تحبون، وما ألبث حتى أرجع إليكم وأمنحكم ما أنتم أهله. فلما قدم كانت رحالنا عنده بأكرم منزل وأكرم منزول عليه؛ فأقمنا عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره فلا يؤذن لنا، إلى أن قلت في جمعة من تلك الجمع: لو أني دنوت من عمر فسمعت كلامه فحفظته كان ذلك رأيا، ففعلت. فكان مما حفظت من كلامه: لكل سفر زاد لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه أو عقابه، فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم؛ في كلام كثير لا أحفظه. ثم قال: أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي، وتظهر عيلتي، وتبدو مسكنتي، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق. ثم بكى حتى ظننت أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حوله بالبكاء فانصرفت إلى صاحبي فقلت لهما: خذا في شرج من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه، فإن الرجل آخري وليس بدنيوي. إلى أن استأذن لنا مسلمة في يوم جمعة ما أذن للعامة، فلما دخلت سلمت ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثواء وقلت الفائدة وتحدثت بجفائك إيانا وفود العرب؛ قال؛ يا كثير " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل " أفي واحد من هؤلاء أنت؟ قلت: بلى، ابن سبيل منقطع به، وأنا ضاحك؛ قال: ألست ضيف أبي سعيد؟ قلت: بلى؛ قال: ما أرى ضيف أبي سعيد منقطعا به؛ قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الإنشاء؟ قال: نعم، ولا تقل إلا حقا، فقلت:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بريا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدقت بالفعل المقال مع الذي ... أتيت فأمسى راضيا كل مسلم
ألا إنما الفتى بعد زيغة ... من الأود البادي ثقاف المقوم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم
وقد كنت من أجبالها في ممنع ... ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت تواقا إلى كل غاية ... بلغت بها أعلى البناء المقوم
فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن ... لطالب دنيا بعده من تكلم
تركت الذي يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأي مصمم
وأضررت بالفاني وشمرت للذي ... أمامك في يوم من الهول مظلم
ومالك إذ كنت الخليفة مانع ... سوى الله من مال رغيب ولا دم
سما لك هم في الفؤاد مؤرق ... بلغت به أعلى المعالي بسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها ... مناد ينادي من فصيح وأعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتني ... بأخذ للدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كف لامرئ غير مجرم ... ولا السفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسموا ... لك الشطر من أعمارهم غير ندم
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل علي وقال: إنك مسؤول عما قلت. ثم تقدم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد؛ فقال: قل ولا تقل إلا حقا؛ فقال:
وما الشعر إلا حكمة من مؤلف ... بمنطق حق أو بمنطق باطل
فلا تقبلن إلا الذي وافق الرضا ... ولا ترجعنا كالنساء الأرامل

(1/120)

رأيناك تعدل عن الحق يمنة ... ولا شأمة فعل الظلوم المخاتل
ولكن أخذت الحق جهدك كله ... وتقفو مثال الصالحين الأوائل
فقلنا ولم نكذب بما قد بدا لنا ... ومن ذا يرد الحق من قول قائل
ومن ذا يرد السهم بعد مضائه ... على فوقه إذ عار من نزع نابل
ولولا قد عودتنا خلائف ... غطاريف كانوا كالليوث البواسل
لما وخدت شهرا برحلى شملة ... تقدمتون البيد بين الرواحل
ولكن رجونا منك مثل الذي به ... حبينا زمانا من ذويك الأوائل
فإن لم يكن للشعر عندك موضع ... وإن كان مثل الدر من نظم قائل
وكان مصيبا صادقا لا يعيبه ... سوى أنه يبنى بناء المنازل
فإن لنا قربى ومحض مودة ... وميراث آباء مشوا بالمناصل
فذادوا عدو السلم عن عقر دارهم ... وأرسوا عمود الدين بعد التمايل
وقبلك ما أعطى الهنيدة جلة ... على الشعر كعبا من سديس وبازل
رسول الإله المستضاء بنوره ... عليه سلام الضحى والأصائل
فقال: إنك مسؤول عما قلت. قم تقدم نصيب فاستأذنه في الإنشاد، فلم يأذن له، وأمره بالغزو إلى دابق، فخرج إليها وهو محموم. وأمر لي بثلثمائة، وللأحوص بمثلها، ولنصيب بمائة وخمسين.
وفود الشعراء
على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
ابن الكبى: لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله، فأقاموا ببابه أياما لا يأذن لهم بالدخول، حتى قدم عون بن عبد الله بن عنبة بن مسعود على عمر بن عبد العزيز، وعليه عمامة قد أرخى طرفيها، وكانت له منه مكانة، فصاح به جرير:
يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدى الباب كالمصفود في قرن
وحش المكانة من أهلي ومن لدى ... نائي المحلة عن داري وعن وطني
قال: نعم أبا حزرة ونعمى عين. فلما دخل على عمر، قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك، وأقوالهم باقية وسنانهم مسنونة؛ قال: يا عون: مالي وللشعراء؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن النبي صلى الله عليه وسلم: قد مدح وأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم؛ قال: ومن مدحه؟ قلت: عباس بن مرداس، فكساه حلة قطع بها لسانه؛ قال: وتروي قول؟ قلت: نعم:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما
ونورت بالبرهان أمرا مدمسا ... وأطفأت بالبرهان نارا مضرما
فمن مبلغ عني النبي محمدا ... وكل امرئ يجزى بما قد تكلما
تعالى علوا فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما
قال: صدقت، فم بالباب منهم؟ قلت: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة؛ قال: لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه، أليس هو القائل:
ألا ليت أني يوم حانت منيتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم
ويا ليت سلمى في القبو ضجيعتي ... هنالك أو في جنة أو جهنم
فليته والله تمنى لقاءها في الدنيا، ويعمل عملا صالحا، والله لا دخل علي أبدا؛ فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جميل بن معمر العذري؛ قال: هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت ... يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوي عليها صفيحها
أظل نهاري لا أراها ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها
اعزب به، فوالله لا دخل علي أبدا، فمن غير من ذكرت؟ قلت: كثير عزة؛ قال: هو الذي قال:
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزة راكعين سجودا

(1/121)

اعزب به، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأحوص الأنصاري؛ قال: أبعد الله ومحقه، أليس هو القائل، وقد أفسد على أهل المدينة جارية عرب بها منه:
الله بيني وبين سيدها ... يفر عني بها وأتبع
اعزب به، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: همام بن غالب الفرزدق؛ قال: أليس هو القائل يفخر بالزنى:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره
وأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت ... مغلقة دوني عليها دساكره
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا ... ووليت في أعقاب ليل أبادره
اعزب به، فوالله لا دخل علي أبدا، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأخطل التغلبي؛ قال: أليس هو القائل:
فلست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لهم الأضاحي
ولست بزاجر عنسا بكورا ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح
اعزب به، فوالله لا وطئ لي بساطا أدبا وهو كافر، فمن الباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن الخطفي؛ قال: أليس هو القائل:
لولا مراقبة العيون أريتنا ... مقل المها وسوالف الآرام
هل ينهينك أن قتلن مرقشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام
طرقتك صائدة القول وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهذا، فأذن له فخرجت إليه، فقلت: ادخل أبا حزرة؛ فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمدا ... جعل الخلافة في إمام عادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوى وأقام ميل المائل
والله أنزل في القرآن فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل
إني لأرجو منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل
فلما مثل بين يديه، قال: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقا؛ فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلا من الجن أو مسا من البشر
خليفة الله ماذا تأمرن بنا ... لنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في هم يؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر، وأملك إلا ثلثمائة، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الباقية؛ فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال إلي كسبته، ثم خرج؛ فقالوا له: ما وراءك؟ قال: ما يسوؤكم، خرجت من عند أمير المؤمنين يعطى الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا.
الوفود على ابن الزبير
وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير
رحمه الله تعالى:
الزبير بن بكار قاضي الحرمين قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فوفد إلى ابن الزبير، فدخل عليه في المسجد الحرام، ثم أنشده:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا ... فعاد صباحا حالك اللون مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى ... دجى الليل جواب الفلاة عثمثم

(1/122)

لتجبر منه جانبا زعزعت به ... صروف الليالي والزمان المصمم
فقال له ابن الزبير: هو عليك أبا ليلى، فالشعر أدنى وسائل عندنا، أما صفوة أموالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد وتيما تشغلها عنك، ولكن لك في مال الله سهمان، سهم برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده ودخل به دار النعم فأعطاه قلائص سبعا، وجملا رحيلا، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا. فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفا؛ فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى! لقد بلغ به الجهد؛ قال النابغة: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت خيرا فأنجزت، فأنا والنبيون فراط القاصفين.
قال الزبير بن بكار: الفارط: الذي يتقدم إلى الماء يصلح الرشاء والدلاء. والقاصف: الذي يتقدم لشراء الطعام.
وفود أهل الكوفة على ابن الزبير
رحمة الله تعالى
قال: لما قتل صعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد خرج حاجا، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير بمكة، ومعه وجوه أهل العراق، فقال له: يا أمير المؤمنين، جئتك بوجوه أهل العراق، لم أدع لهم بها نظيرا، لتعطيهم من هذا المال؛ قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم مال الله! والله لا فعلت. فلما دخلوا عليه وأخذوا مجالسهم، قال لهم: يا أهل الكوفة، وددت والله أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار والدرهم، بل لكل عشرة رجلا. قال عبيد الله بن ظبيان: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلك فيما ذكرت؟ قال: وما ذلك؟ قال: فإن مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كما قال أعشى بكر بن وائل:
علقتها عرضا وعقلت رجلا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. ثم انصرف القوم من عنده خائبين، فكاتبوا عبد الملك بن مروان وغدروا بمصعب بن الزبير.
وفود رؤبة على أبي مسلم
الأصمعي قال: حدثنا رؤبة قال: قدمت على أبي مسلم صاحب الدعوة، فأنشدته، فناداني: يا رؤية؛ فنوديت له من كل مكان: يا رؤبة، فأجبت:
لبيك إذ دعوتني لبيكا ... أحمد ربا ساقني إليكا
الحمد والنعمة في يديكا
قال: بل في يدي الله عز وجل؛ قلت: وأنت لما أنعمت حمدت. ثم استأذنت في الإنشاد، فأذن لي فأنشدته:
ما زال يأتى الملك من أقطاره ... وعن يمينه وعن يساره
مشمرا لا يصطلى بناره ... حتى أقر الملك في قرراه
فقال: إنك أتيتنا وقد شف المال واستنفضه الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة، وهي تافهة يسيرة، ومنك العود وعليك المعول، والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بجنبيك الأسدة؛ قال: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أحب إلي من الذي أفادني من ماله.
وفود العتابي على المأمون
الشيباني قال: كان كلثوم العتابي أيام هارون الرشيد في ناحية المأمون، فلما خرج إلى خراسان شيعه إلى قومس حتى وقف على سنداد كسرى، فلما حاول وداعه، قال له المأمون: لا تدع زيارتنا إن كان لنا من هذا الأمر شيء. فلما أفضت الخلافة إلى المأمون، وفد إليه العتابي زائرا، فحجب عنه، فتعرض ليحيى بن أكثم، فقال: أيها القاضي، إن رأيت أن تذكر بي أمير المؤمنين؛ فقال له يحيى: ما أنا بالحاجب؛ قال له: قد علمت، ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان. فدخل على المأمون؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أجرني من العتابي ولسانه، فلم يأذن له وشغل عنه، فلما رأى العتابي جفاءه قد تمادى، كتب إليه:
ما على ذاكنا افترقنا بسندا ... دولا هكذا رأينا الإخاء
لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصفاء إلا صفاء
تضرب الناس بالمثقفة السم ... ر على غدرهم وتنسى الوفاء
فلما قرأ أبياته دعا به؛ فلما دنا منه سلم بالخلافة ووقف بين يديه؛ فقال: يا عتابي، بلغتنا وفاتك فغمتنا، ثم انتهت إلينا وفادتك فسرننا؛ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قسم هذا البر على أهل منى وعرفات لوسعهم، فإنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك؛ قال: سل حاجتك؛ قال: يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. فأحسن جائزته وانصرف

(1/123)

وفود أبي عثمان المازني على الواثق
أبو عثمان بكر بن محمد قال: وفدت على الواثق، فلما دخلت وسلمت قال: هل خليت وراءك أحدا يهمك أمره؟ قلت: أخية لي ربيتها فكأنها بنتي؛ قال: ليس شعري! ما قالت حين فارقتها؟ قلت: أنشدتني قول الأعشى:
تقول ابنتي يوم جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: ليت شعري! ما قلت لها؟ قال: أنشدتها أمير المؤمنين قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عنده الخليفة بالنجاح
قال: أتاك النجاح، وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: حدثني حديثا ترويه عن أبي مهدية مستظرفا؛ قلت: يا أمير المؤمنين، حدثني الأصمعي قال: قال لي أبو مهدية: بلغني أن الأعراب والأعزاب سواء في الهجاء؛ قلت: نعم؛ قال: فاقرأ: الأعراب أشد كفرا ونفاقا ولا تقرأ الأعراب، ولا يغرنك العزب وإن صام وصلى. فضحك الواثق حتى شغر رجله، وقال: لقد لقي أبو مهدية من العزبة شرا، وأمر له بخمسمائة دينار.
الوافدات على معاوية
وفود سودة بنت عمارة
على معاوية
عامر الشعبي قال: وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان، فاستأذنت عليه، فأذن لها؛ فلما دخلت عليه سلمت؛ فقال لها: كيف أنت يا بنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين؛ قال لها: أنت القائلة لأخيك:
شمر كفعل أبيك يا بن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان
فقد الجيوش وسر أمام لوائه ... قدما بأبيض صارم وسنان
قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي؛ قال: هيهات؛ ليس مثل مقام أخيك ينسى؛ قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان أخي خفي المقام، ذليل المكان، ولكن كما قالت الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيته؛ قال: قد فعلت: فقولي حاجتك؛ قالت: يا أمير المؤمنين، إنك للناس سيد، ولأمورهم مقلد، والله سائلك عما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك، ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسألنا الجليلة، هذا ابن أرطأة قدم بلادي، وقتل رجالي، وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته فشكرناك، وإلا لا فعرفناك؛ فقال معاوية: إياي تهددين بقومك! والله قد هممت أن أردك إليه على قتب أشرس، فينفذ حكمه فيك؛ فسكتت ثم قالت:
صلى الإله على روح تضمنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به ثمنا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذلك؟ قالت: علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى؛ قالت: وما أرى عليك منه أثرا؛ قال: بلى، أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا، فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين، فوجدته قائما يصلي، فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل، فبكى ثم رفع يديه إلى السماء، فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقك؛ ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب، فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ. إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك، حتى يأتي من يقبضه منك، والسلام.
فأخذته منه يا أمير المؤمنين ما خزمه بخزام، ولا ختمه بختام. فقال معاوية: اكتبوا لها الإنصاف لها والعدل عليها؛ فقالت: ألي خاصة، أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قال: هي والله إذا الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلا شاملا، وإلا يسعنى ما يسع قوي؛ قال: هيهات، لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون، وغركم قوله:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:11 pm

وقوله:
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سنى فتحة الباب
كالهنداوي لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب
اكتبوا لها بحاجتها
وفود بكارة الهلالية
على معاوية
استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، وهو يومئذ بالمدينة، فدخلت عليه، وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها، وضعفت قوتها، ترعش بين خادمين لها، فسلمت وجلست، فرد عليها معاوية السلام، وقال: كيف أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين؛ قال: غيرك الدهر؛ قالت: كذلك هو ذو غير، من عاش كبر، ومن مات قبر. قال عمرو بن العاص: هي والله والقائلة يا أمير المؤمنين:
يا زيد دونك فاستشر من دارنا ... سيفا حساما في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونا
قال مروان: وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين:
أترى ابن هند للخلافة مالكاهيهات، ذاك وإن إراد بعيد
منتك نفسك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد
قال سعيد بن العاصي: هي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن موت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبة
فالله آخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائب
في كل يوم للزمان خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائبا
ثم سكتوا. فقالت: يا معاوية، كلاك أعشى بصري وقصر حجتي، أنا والله قائلة ما قالوا، وما خفي عليك مني أكثر؛ فضحك وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك، اذكري حاجتك. قالت: الآن فلا.
وفود الزرقاء
على معاوية
عبيد الله بن عمرو الغساني عن الشعبي قال: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية قالوا: بينما معاوية ذات ليلة مع عمرو وسعيد وعتبة والوليد، إذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن غالب بن قيس الهمدانية، وكانت شهدت مع قومه صفين، فقال: أيحكم يحفظ كلامها؟ قال بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين؛ قال: فأشيروا علي في أمرها؛ فقال بعضهم: نشير عليك بقتلها؛ قال: بئس الرأي الذي أشرتم به علي، أيحسن بمثلى أن يتحدى عنه أنه قتل امرأة بعدما ظفر بها! فكتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه ما ثقة من ذوي محارمها، وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء لينا، ويسترها بستر خصيف، ويوسع لها في النفقة، فأرسل إليها فأقرأها الكتاب؛ فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار إلي فإني لا آتية، وإن كان حتم فالطاعة أولى. فحملها وأحسن جهازها على ما أمر به، فلما دخلت على معاوية، قال: مرحبا وأهلا، قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين. أدام الله لك النعمة؛ قال: كيف كنت في مسيرك؟ قالت: ربيبة بيت أو طفلا ممهدا؛ قال: بذلك أمرناهم، أتدرين فيما بعثت إليك؟ قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم؛ قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر، والوقفة بين الصفين يوم الصفين تحضين على القتال. وتوقدين الحرب، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب، ولم يعد ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعد الأمر؛ قال لها معاوية: صدقت. أتحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت: لا والله لا أحفظه ولقد أنسيته؛ قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين تقولين: أيها الناس، ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها فتنة عمياء، صماء بكماء؛ لا تسع لناعقها، ولا تنساق لقائدها. إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة العدل، ودمغ الحق باطله، فلا يجهلن أحد، فيقول: كيف العدل وأنى، ليقض الله أمرا كان مفعولا. ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده.
والصبر خير في الأمور عواقبا
أيها، في الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين.

(1/125)

ثم قال لها: والله يا زرقاء، لقد شركت عليا في كل دم سفكه؛ قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك، فمثلك بشر بخير وسر جليسه؛ قال: أو يسرك ذلك؟ قالت: نعم والله. لقد سررت بالخبر فأنى لي بتصديق الفعل؛ فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك؛ قالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك أعطى عن غير مسألة، وجاد من غير طلبة؛ قال: صدقت، وأمر لها وللذين جاؤوا معها بجوائز وكسا.
وفود أم سنان بنت خيثمة
على معاوية
رحمه الله
سعيد بن أبي حذافة قال: حبس مروان بن الحكم وهو والي المدينة غلاما من بني ليث في جناية جناها، فاتته جدة الغلام أم أبيه، وهي أم سنان بنت خيثمة بن خرشة المذحجية، فكلمته في الغلام، فأغلظ مروان، فخرجت إلى معاوية، فدخلت عليه فانتسب، فعرفها؛ فقال لها: مرحبا يا بنة خيثمة، ما أقدمك أرضنا؟ وقد عهدتك تشتميننا وتحضين علينا عدونا؛ قالت: إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة، وأحلاما وافرة؛ لا يجهلون بعد علم، ولا يسفهون بعد حلم، ولا ينتقمون بعد عفو، وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه لأنت؛ قال: صدقت، نحن كذلك، فكيف قولك:
عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمروا ... إن العدو لآل أحمد يقصد
هذا علي كالهلال تحفه ... وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عم محمد ... إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
ما زال مذ شهد الحروب مظفرا ... والنصر فوق لوائه ما يفقد
قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين، وأرجو أن تكون لنا خلفا بعده. فقال رجل من جلسائه: كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة:
إما هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحق تعرف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفا كما ... أوصى إليك بنا فكنت وفيا
فاليوم لا خلف يؤمل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيا
قالت: يا أمير المؤمنين، لسان نطق، وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك الأوفر؛ والله ما ورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء، فأدحض مقالتهم، وأبعد منزلتهم، فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا، ومن المؤمنين حبا؛ قال: وإنك لتقولين ذلك؟ قالت: سبحان الله! والله ما مثلك مدح بباطل، ولا اعتذر إليه بكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا، وضمير قلوبنا؛ كان والله علي أحب إلينا منك، وأنت أحب إلينا من غيرك؛ قال: ممن؟ قالت: مروان بن الحكم وسعيد بن العاصي؛ قال: وبم استحققت ذلك عندك؟ قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك؛ قال: فإنهما يطمعان في ذلك؛ قال: والله لقد قاربت، فما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، إن مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح. لا حكم بعدل، ولا يقضي بسنة، يتتبع عثرات المسلمين، ويكشف عورات المؤمنين، حبس ابن ابني فأتيته، فقال: كيت وكيت، فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصاب، ثم رجعت إلى نفس باللائمة، وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه، فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرا، وعليه معديا؛ قال: صدقت، لا أسألك عن ذنبه، ولا عن القيام بحجته، اكتبوا لها بإطلاقه؛ قالت: يا أمير المؤمنين، وأنى لي بالرجعة، وقد نفذ زادي، وكلت راحلتي. فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم.
وفود عكرشة بنت الأطرش
على معاوية رحمه الله تعالى
أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال:

(1/126)

دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية متوكئة على عكاز لها، فلمت عليه بالخلافة، ثم جلست؛ فقال لها معاوية: الآن يا عكرشة صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إذ لا علي حي؛ قال: ألست المتقلدة حمائل السيف بصفين، وأنت واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إن الجنة لا يرحل عنها من قطنها، ولا يرهم من سكنها، ولا يموت من دخلها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، وكونوا قوما مستبصرين في دينهم، مستظهرين بالصبر على طلب حقهم؛ إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب غلف القلوب، لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله، وإياكم والتواكل، فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفئ نور الحق، هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى؛ يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا، ولقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البقر وتروث روث العتاق. فكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك العسكران، يقولون: هذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة، فإن كدت لتقتلين أهل الشام لولا قدر الله، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: " يا أيها الذي آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته؛ قال: صدقت، فاذكري حاجتك؛ قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا، وإنا قد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير، ولا ينعش لنا فقير، فإن كان ذلك عن رأيك، فمثلك من انتبه عن الغفلة، وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك، فما مثلك من استعان الخونة، ولا استعمل الظلمة. قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق، وبحور تنفهق، قالت: يا سبحان الله، والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا على غيرنا وهو علام الغيوب؛ قال معاوية: هيهات يا أهل العراق، نبهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا. ثم أمر برد صدقاتهم فيهم وإنصافها.
قصة دارمية الحجونية
مع معاوية رحمه الله تعالى
سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال: حج معاوية، فسأل عن امرأة من بني كناية كانت تنزل بالحجون، يقال لها دارمية الحجونية، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها، فبعث إليها فجيء بها، فقال: ما حالك يا بنة حام؟ فقالت: لست لحام إن عبتني، أنا امرأة من بني كنانة؛ قال: صدقت، أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله؛ قال: بعثت إليك لأسألك علام أحببت عليا وأبعضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك؛ قالت: أما إذ أبيت، فأني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وأبغضتك على قتالك من هو أولى منك بالأمر، وطلبتك ما ليس لك بحق؛ وواليت عليا على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الولاء، وحبه المساكين، وإعظامه لأهل الدين؛ وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى؛ قال: فلذلك انتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك؛ قالت: يا هذا، بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لا بي، قال معاوية: يا هذه اربعي، فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها؛ فرجعت وسكنت. قال لها: يا هذه هل رأيت عليا؟ قالت: إي والله؛ قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك؛ قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم والله، فكان يجلو القلب من العمى، كما يجلو الزيت صدأ الطست؛ قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم، قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فحلها وراعيها؛ قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذوا بألبانها الصغر، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر؛ قال: فإن أعطيتك ذلك، فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك، يا: سبحان الله، أو دونه؟. فأنشأ معاوية يقول:
إذ لم أعد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم

(1/127)

خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسلم
ثم قال: أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا؛ قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين.
وفود أم الخير بنت الحريش
على معاوية
عبيد الله بن عمر الغساني عن الشعبي قال: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بقولها فيه بالخير خيرا وبالشر شرا. فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه؛ فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة، ولا معتلة بكذب، ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري. فلما شيعها وأراد مفارقتها، قال لها: يا أم الخير، إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بالخير خيرا وبالشر شرا، فمالي عندك؟ يا هذا لا يطمعنك برك بي أن أسرك بباطل، ولا تؤيسك معرفتي بك أن يقول فيك غير الحق. فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية، فأنزلها مع الحرم، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع، وعنده جلساؤه؛ فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ فقال لها: وعليك السلام يا أم الخير، بحق ما دعوتني بهذا الاسم؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مه، فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه، و لكل أجل كتاب؛ قال: صدقت، فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى صرت إليك، فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق؛ قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم؛ قالت: يا أمير المؤمنين، يعيذك الله من دحض المقال وما تردي عاقبته؛ قال: ليس هذا أردنا، أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن زورته قبل، ولا رويته بعد، وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة، فإن أحببت أن أحدث لك مقالا عن ذلك فعلت؛ قال: لا أشاء ذلك. فالتفت معاوية إلى جلسائه، فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين؛ قال: هات؛ قال: كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف النسيج، وهي على جمل أرمك، وقد أحيط حولها، وبيدها سوط منتشر الضفيرة، وهي كالفحل يهدر في شقشقته، تقول:

(1/128)

يا أيها الناس، اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن الله قد أوضح لكم الحق، وأبان الدليل، وبين السبيل، ورفع العلم، ولم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فأين تريدون رحمكم الله، أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول: " ولبيلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " . ثم رفعت رأسها إلى السماء، وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والرضي التقي؛ والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها واثب حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. صبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم، فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام، كحمر مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، وعما قليل ليصبحن نادمين، حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة ولات حين مناص، إنه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل، ألا إن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطابوا الآخرة فسعوا لها؛ فالله الله أيها الناس، قبل أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون؛ وتقوى كلمة الشيطان، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وأبي سبطيه؟ خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأبان ببغضه المنافقين، وها هو ذا مغلق الهام، ومكسر الأصنام، صلى والناس مشركون. وأطاع والناس كارهون، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرق بن جمع هوازن. فيالها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا، وردة وشقاقا، وزادت المؤمنين أيمانا، قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله.
فقال معاوية: يا أم الخير، ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك؛ قالت: والله ما يسوءني أن يجري قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه؛ قال: هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه الله؟ قالت: وما عسيت أن أقول في عثمان، استخلفه الناس وهم به راضون، وقتلوه وهم له كارهون، قال معاوية: يا أم الخير، هذا أصلك الذي تبينين عليه؟ قالت: لكن الله يشهد وكفى بالله شهيدا، ما أردت بعثمان نقصا، ولكن كان سابقا إلى الخير، وإنه لرفيع الدرجة غدا. قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة، اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة. قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولقد كان سباقا إلى كل مكرمة في الإسلام. وأنا أسألك بحق الله يا معاوية - فإن قريشا تحدثت أنك أحلمها - أن تسعني بفضل حلمك، و أن تعفني من هذه المسائل وتسألني عما شئت من غيرها؛ قال: نعم ونعمة عين، قد أعفيتك منها، ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردها مكرمة.
وفود أروى بنت عبد المطلب
على معاوية رحمه الله

(1/129)

العباس بن مكار قال: حدثني عبد الله بن سليمان المدني وأبو بكر الهذلي: أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت على معاوية، وهي عجوز كبيرة، فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك وأهلا يا عمة، فكيف كنت بعدنا؟ فقالت: يا بن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك، من غير بلاء كان منك، ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام، بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتعس الله منك الجدود، وأضرع منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله، ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، تحتجون بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الأمر، فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار. فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالة، وأقصري من قولك مع ذهاب عقلك، إذ لا تجوز شهادتك وحدك! فقالت له: وأنت يا بن النابغة، تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة تغني بمكة وآخذهن لأجرة؛ ادعاك خمسة نفر من قريش، فسئلت أمك عنهم، فقالت: كلهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل، فلحقت به. فقال مروان: كفى أيتها العجوز، واقصدي لما جئت له. فقالت: وأنت أيضا يا بن الزرقاء تتكلم! ثم التفتت إلى معاوية، فقالت: والله ما جرأ علي هؤلاء غيرك، فإن أمك القائلة في قتل حمزة:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر ... وشكر وحشى علي دهري
حتى ترم أعظمي في قبري
فأجابتها بنت عمي، وهي تقول:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنة جبار عظيم الكفر
فقال معاوية: عفا الله عما سلف، يا عمة، هات حاجتك؛ قالت: مالي إليك حاجة؛ وخرجت عنه.
كتاب المرجانة في مخاطبة الملوك
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الوفود والوافدات ومقاماتهم بين يدي نبي الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي الخلفاء والملوك، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه وتأييده وتسديده في مخاطبة الملوك والتزلف إليهم بسحر البيان، الذي يمازج الروح لطافة، ويجري مع النفس رقة؛ والكلام الرقيق مصايد القلوب، وإن منه لما يستعطف المستشيط غيظا، والمندمل حقدا، حتى يطفئ جمرة غيظه، ويسل دفائن حقده؛ وإن منه لما يستميل قلب اللئيم، ويأخذ بسمع الكريم وبصره؛ وقد جعله الله تعالى بينه وبين خلقه وسيلة نافعة، وشافعا مقبولا؛ قال تبارك وتعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب إنه هو التواب الرحيم " .
وسنذكر في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى من تخلص من أنشوطة الهلاك وتفلت من حبائل المنية، بحسن التفصل، ولطيف التوصل، ولين الجواب، ورقيق الاستعتاب، حتى عادت سيآته حسنات، وعيض بالثواب بدلا من العقاب. وحفظ هذا الباب، أوجب على الإنسان من حفظ عرضه، وألزم له من قوام بدنه.
البيان
كل شيء كشف لك قناع المعنى الخفي حتى يتأدى إلى الفهم ويتقبله العقل، فذلك البيان الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، ومن به على عباده، فقال تعالى: " الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان " .
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: فيم الجمال؟ فقال: في اللسان، يريد البيان.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا.
وقالت العرب: أنفذ من الرمية كلمة فصيحة.
وقال الراجز:
لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية طورا وطورا شاعرا.
وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقالوا: البيان بصر، والعي عمى؛ كما أن العلم بصر، والجهل عمى. والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل.
وقالوا: ليس لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه عنان السماء.
وقال صاحب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق المبين. وقال: الروح عماد البدن والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.
تبجيل الملوك وتعظيمهم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
وقالت العلماء:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:12 pm

لا يؤم ذو سلطان في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
وقال زياد ابن أبيه: لا يسلم على قادم بين يدي أمير المؤمنين.
وقال يحيى بن خالد بن برمك: مساءلة الملوك عن حالها من سجية النوكى، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير؟ فقل: صبح الله الأمير بالنعمة والكرامة؛ وإذا كان عليلا، فأردت أن تسأله عن حاله، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة؛ فإن الملوك لا تسأل ولا تشمت ولا تكيف، وأنشد:
إن الملوك لا يخاطبونا ... ولا إذا ملوا يعاتبونا
وفي المقال لا ينازعونا ... وفي العطاس لا يشمتونا
وفي الخطاب لا يكيفونا ... يثنى عليهم ويبجلونا
فافهم وصاتي لا تكن مجنونا
اعتل الفضل بن يحيى، فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائدا لم يزد على السلام عليه والدعاء له، ويخفف في الجلوس، ثم يلقى حاجبه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه، وكان غيره يطيل الجلوس. فلما أفاق من علقته قال: ما عادني في علتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح.
وقال أصحاب معاوية له: إنا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فنريد أن تجعل لنا علامة نعرف بها ذلك؛ فقال: علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم.
وقيل ذلك ليزيد، فقال: إذا قلت: على بركة الله.
وقيل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: إذا وضعت الخيزرانة من يدي.
ومن تمام خدمة الملوك أن يقرب الخادم إليه نعليه، ولا يدعه يمشي إليهما، ويجعل النعل اليمنى مقابلة الرجل اليمنى، واليسرى مقابلة اليسرى؛ وإذا رأى متكأ يحتاج إلى إصلاح أصلحه قبل أن يؤمر، فلا ينتظر في ذلك؛ ويتفقد الدواة قبل أن يأمره، وينفض عنها الغبار إذا قربها إليه؛ وإن رأى بين يديه قرطاسا قد تباعد عنه قربه ووضعه بين يديه على كسره.
ودخل الشعبي على الحجاج، فقال له: كم عطاك؟ قال: ألفين؛ قال: ويحك! كما عطاؤك؟ قال ألفان؛ قال: فلم لحنت فيما لا يلحن فيه مثلك؟ قال: لحن الأمير فلحنت، وأعرب الأمير فأعربت، ولم أكن ليلحن الأمير فأعرب أنا عليه، فأكون كالمقرع له بلحنه، والمستطيل عليه بفضل القول قبله. فأعجبه ذلك منه ووهبه مالا.
قبلة اليد
ذكر عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا نقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن حديث عبد الرحمن وكيع عن سفيان قال قال: قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ومن حديث الشعبي قال: لقي النبي عليه الصلاة والسلام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فالتزمه وقبل ما بين عينيه.
قال إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبل خد الحسين.
الشيباني عن أبي الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلا دخل على علي بن الحسين في المسجد فقبل يده ووضعها على عينيه فلم ينهه.
العتبي قال: دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقبل يده، وقال: يدك يا أمير المؤمنين أحق يد بالتقبيل، لعلوها في المكارم، وطهرها من المآثم؛ وإنك تقل التثريب، وتصفح عن الذنوب، فمن أراد بك سوءا جعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك.
الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل البيت بركة، فلو أذنت فقبلت رأسك، لعل الله يمسك علي ما بقي من أسناني؛ قال: اختر بينها وبين الجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أيسر علي من ذهاب الجائزة أن لا تبقى في فمي حاكة؛ فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
ودخل جعفر بن يحيى في زي العامة وكتمان النباهة على سليمان صاحب بيت الحكمة، معه ثمامة بن أشرس؛ فقال ثمامة: هذا أبو الفضل، فنهض إليه سليمان فقبل يده، وقال له: بأبي أنت، ما دعاك إلى أن تحمل عبدك ثقل هذه المنة التي لا أقوم بشكرها ولا أقدر أن أكافئ عليها.
الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ عبد الله بن عباس بركابه؛ فقال له: لا تفعل يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال هكذا: أمرنا أن نفعل بلعمائنا؛ فقال له زيد: أرني يدك؛ فأخرج إليه يده، فأخذها وقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
وقالوا: قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخد، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم.
من كره من الملوك تقبيل اليد
العتبي قال:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:14 pm

دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبل يده؛ فقال: أف له، إن العرب ما قبلت الأيدي إلا هلوعا، ولا فعلته العجم إلا خضوعا.
واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده، فقال له: إن قبلة اليد من المسلم ذلة، ومن الذمي خديعة، ولا حاجة بك أن تذل، ولا بنا أن نخدع.
واستأذن أبو دلامة الشاعر المهدي في تقبيل يده؛ فقال: أما هذه فدعها؛ قال: ما منعت عيالي شيئا أيسر فقدا عليهم من هذه.
حسن التوفيق في مخاطبة الملوك
قال هارون الرشيد لمعن بن زائدة: كيف زمانك يا معن؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت الزمان، فإن أصلحت صلح الزمان، وإن فسدت فسد الزمان.
وهذا نظير قول سعيد بن سلم، وقد قال له أمير المؤمنين الرشيد: من بيت قيس في الجاهلية؟ قال: يا أمير المؤمنين، بنو فزارة؛ قال: فمن بيتهم في الإسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين، الشريف من شرفتموه؛ قال: صدقت أنت وقومك.
ودخل معن بن زائدة على أبي جعفر، فقال له: كبرت يا معن؛ قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين؛ قال: وإنك لجلد؛ قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين؛ قال وإن فيك لبقية؛ قال: هي لك يا أمير المؤمنين؛ قال أي الدولتين أحب إليك أو أبغض، أدولتنا أم دولة بني أمية؟ قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، وإن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب إلي، وإن زاد برهم على برك كانت دولتهم أحب إلي؛ قال: صدقت.
قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: أهذا منزلك؟ قال: هو لأمير المؤمنين ولي به؛ قال: كيف ماؤه؟ قال: أطيب ماء؛ قال: فكيف هواءه؟ قال: أصح هواء.
وقال أبو جعفر المنصور لجرير بن يزيد: إنك أردتك لأمر؛ قال: يا أمير المؤمنين، قد أعد الله لك مني قلبا معقودا بطاعتك، ورأيا موصولا بنصيحتك، وسيفا مشهورا على عدوك، فإذا شئت فقل.
وقال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي ابنك عبد الله؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن مدحته عبته، وإن ذممته اغتبته، ولكنه قدح في كف مثقف ليوم نضال في خدمة أمير المؤمنين.
وأمر بعض الخلفاء رجلا بأمر؛ فقال: أنا أطوع من الرداء، وأذل لك من الحذاء.
وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات.
وقال آخر: أطوع لك من يدك، وأذل لك من نعالك وقال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " . قال: حسبك أبا أمية.
وقال المأمون ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة؟ قال: بلى، ولكن منابرهم الجذوع.
وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية؛ قال: يا أمير المؤمنين، إنه من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى.
وقال هارون لعبد الملك بن صالح: صف لي منبج؛ قال: رقيقة الهواء، لينة الوطاء؛ قال: فصف لي منزلك بها؛ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل أهلها؛ قال: ولم قدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسى به وأقفو أثره وأحذو مثاله.
ودخل المأمون يوما بيت الديوان، فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: أنا الناشئ في دولتك، والمتقلب في نعمتك، والمؤمل لخدمتك، الحسن بن رجاء؛ قال المأمون: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.
علي بن يحيى قال: إني عند المتوكل حين دخل عليه الرسول برأس إسحق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يدي المتوكل، ويقول:
أهلا وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفي من الغليل
برأس إسحق بن إسماعيل
فقال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لئلا يضيع.
ودخل عقال بن شبة على أبي عبيد الله كاتب المهدي، فقال: يا عقال، لم أرك منذ اليوم؛ قال: والله إني لألقاك بشوق، وأغيب عنك بتوق.
وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح - وكان أسود - يا نصيب، هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة؛ فقال: أصلح الله الأمير، اللوم مرمد، والشعر مفلفل، ولم أقعد إليك بكريم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت أن لا تفرق بينهما فافعل.
ولما ودع المأمون الحسن بن سهل عند مخرجه من مدينة السلام، وقال له: يا أبا محمد، ألك حاجة تعهد إلي فيها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تحفظ علي من قلبك ما لا أستعين على حفظه إلا بك.

(1/132)

وقال سعيد بن سلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في أمير المؤمنين من قصده إلي بحديثه، وإشارته إلي بطرفه، لكان ذلك من أعظم ما توجبه النعمة، وتفرضه الصنيعة؛ قال المأمون: ذلك والله لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لا يجده عند غيرك.
مدح الملوك والتزلف إليهم
في سير العجم أن أردشير بن يزدجرد لما استوثق له أمره، جمع الناس، فخطبهم خطبة حضهم فيها على الألفة والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصنف لهم الناس أربعة أصناف، فخروا له سجدا. وتكلم متكلمهم، فقال: لا زلت أيها الملك محبوا من الله بعز النصر، ودرك الأمل، ودوام العافية، وتمام النعمة، وحسن المزيد؛ ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذمامات حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، ولا تنقطع زهرتها، في دار القرار التي أعدها الله لنظرائك من أهل الزلفى عنده، والحظوة لديه؛ ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة البحور والأنهار، حتى تستوي أقطار الأرض كلها في علوك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم، فأصبحت قد جمع الله بك الأيادي بعد افتراقها، وألف بين القلوب بعد تباغضها، وأذهب عنا الإحن والحسائف بعد توقد نيرانها، بفضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحد بنعت. فقال أردشير: طوبى للممدوح مستحقا؛ وللداعي إذا كان للإجابة أهلا.
ودخل حسان بن ثابت على الحارث الجفني فقال: أنعم صباحا أيها الملك، السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالدي فداؤك، أنى يناوئك المنذر، فوالله لقذالك أحسن من وجهه، ولأمك أحسن من أبيه، ولظلك خير من شخصه، ولصمتك أبلغ من كلامه، ولشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول:
ونبئت أن أبا منذر ... يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه ... وأمك خير من المنذر
ويسرى يديك إذا أعسرت ... كيمنى يديه فلا تمتر
ودخل خالد بن عبد الله القسري على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، ومن تكون شرفته فأنت قد شرفتها، وأنت كما قال الشاعر:
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا.
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أعطي صاحبكم مقولا ولم يعط معقولا.
ذكر بن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد فتلقاه وجوه أهلها، فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك، وزادك في نعمتك، وشكرك على رعيتك، تقدمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وآيست أن يعاين مثلك؛ أما فيما مضى فلا نعرفه، وأما فيما بقي فلا نرجوه، فنحن جميعا ندعو لك ونثني عليك؛ خصب لنا جنابك، وعذب شرابك، وحسنت نظرتك، وكرمت مقدرتك؛ جبرت الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول:
ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه علق
حتى تمنى البراء أنهم ... عندك أسرى في القيد والحلق
ودخل رجل على خالد بن عبد الله القسري فقال: أيها الأمير، إنك لتبذل ما جل، وتجبر ما اعتل، وتكثر ما قل؛ ففضلك بديع، ورأيك جميع.
وقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك، ولا أستقل قليلك؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك أكثر من كثيرك، ولأن قليلك أكثر من كثير غيرك.
وقال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: قدمت فأعطيت كلا بقسطه من نظرك ومجلسك؛ وصلاتك وعداتك، حتى كأنك من كل أحد، وكأنك لست من أحد.
وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟ قال: يا أمير المؤمنين، المديح كله دون قدرك، والشعر فيك فوق قدري، ولكني أستحسن قول العتابي:
ماذا عسى مادح يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديس وتطهير
فت الممادح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضمايير

(1/133)

مدح خالد بن صفوان رجلا فقال: قريع المنطق، جزيل الألفاظ، عربي اللسان، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل، كثيرة الطلاوة، صموتا قؤولا، يهنأ الجرب، ويداوي الدبر، ويقل الحز، ويطبق المفصل، لم يكن بالبرم في مروءته، ولا بالهذر في منطقه، متبوعا غير تابع.
كأنه علم في رأسه نار دخل سهل بن هارون على الرشيد، فوجده يضاحك ابنه المأمون، فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له في البركات، حتى يكون كل يوم من أيام موفيا على أمسه، مقصرا على غده؛ فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسن وأجوده، ومن الحديث أصحه وأبلغه، ومن البيان أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه؟ قال سهل: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن أحدا تقدمني سبقني إلى هذا المعنى؛ فقال: بل أعشى همدان حيث يقول:
وجدتك أمس خير بني لؤي ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس
وكان المأمون قد استثقل سهل بن هارون، فدخل عليه يوما والناس عنده على منازلهم، فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب؛ فلما فرغ أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع، فقال لهم: ما لك تسمعون ولا تعون، وتفهمون ولا تعجبون، وتعجبون ولا تصفون، أما والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير، مثل ما قالت وفعلت بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمهم، وعجمهم كعرب بني تميم، ولكن كيف يشعر بالدواء من لا يعرف الداء؛ قال: فرجع له المأمون إلى رأيه الأول.
وكان الحجاج بن يوسف يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أثنى الوفد على الحجاج عند عبد الملك بن مروان، قال زياد: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فلم يكن بعد ذلك أحد أخف على الحجاج ولا أحب إليه منه.
حدث الشيباني قال: أقام المنصور صالحا ابنه، فتكلم في أمر فأحسن، فقال شبيب بن شيبة: تالله ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أعرب لسانا، ولا أربط جأشا، ولا أبل ريقا، ولا أحسن طريقا، وحق لمن كان المنصور أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا
وخرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما، فقيل له: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا.
وقيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ويستعد له، فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لافتضح. قال: فأمر رسولا فأخذ بيده فصعده المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ألا إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة: فمنها الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر، فأشبه منه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر فأشبه منه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه منه نوره وضياءه، وأما الربيع الناضر فأشبه منه حسنه وبهاءه، ثم نزل.
وقال عبد الملك بن مروان لرجل دخل عليه: تكلم بحاجتك قال: يا أمير المؤمنين، بهر الدرجة وهيبة الخلافة يمنعاني من ذلك؛ قال: فعلى رسلك، فإنا لا نحب مدح المشاهدة، ولا تزكية اللقاء؛ قال: يا أمير المؤمنين، لست أمدحك، ولكن أحمد الله على النعمة فيك، قال: حسبك فقد أبلغت.
ودخل رجل على المنصور، فقال له: تكلم بحاجتك؛ فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين؛ قال: تكلم بحاجتك، فإنك لا تقدر على هذا المقام كل حين؛ قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أستقصر أجلك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن عطاءك لشرف، وإن سؤال لزين، وما لامرئ بذل وجهه إليك نقص ولا شين. قال: فاحسن جائزته وأكرمه.
حدث إبراهيم بن السندي قال:

(1/134)

دخل العماني على المأمون، وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج؛ فقال له: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان رائقان. قال: فغدا علي في زي الأعراب فأنشده، ثم دنا فقبل يده، وقال: قد والله يا أمير المؤمنين أنشدت يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ورأيت وجوههما وقبلت أيديهما وأخذت جوائزهما، وأنشد مروان، وقبلت يده وأخذت جائزته؛ وأنشدت المنصور، ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته؛ وأنشدت المهدي، ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته؛ إلى كثير من أشباه الخلفاء، وكبراء الأمراء، والسادة الرؤساء، فلا والله يا أمير المؤمنين، ما رأيت فيهم أبهى منظرا، ولا أحسن وجها، ولا أنعم كفا، ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. قال: فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه بوجهه وبشره فبسطه، حتى تمنى جميع من حضره أنهم قاموا مقامه.
حدث العتبي عن سفيان بن عينية قال: قدم على عمر بن عبد العزيز ناس من أهل العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحوش للكلام، فقال: أكبروا أكبروا؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس بالسن، ولو كان الأمر كله بالسن لكان في المسلمين من أهو أسن منك؛ فقال عمر: صدقت رحمك الله تكلم؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد دخلت علينا منازلنا، وقدمت علينا بلادنا، وأما الرهبة فقد أمننا الله بعدلك من جورك؛ قال: فما أنتم؟ قال: وفد الشكر؛ قال: فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغلبن جهل القوم بك معرفتك بنفسك، فإن ناسا خدعهم الثناء، وغرهم شكر الناس فهلكوا، وأنا أعيذك بالله أن تكون منهم، فألقى عمر رأسه على صدره.
التنصل والاعتذار
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يقبل من متنصل عذرا صادقا كان أو كاذبا لم يرد على الحوض. وقال صلى الله عليه وسلم: المعترف بالذنب كمن لا ذنب له.
وقال: الاعتراف يهدم الاقتراف.
وقال الشاعر:
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فلك الذنب
واعتذر رجل إلى إبراهيم بن المهدي فقال: قد عذرتك غير معتذر، إن المحاذير يشوبها الكذب.
واعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى، فقال: قد أغناك الله بالعذر عن الاعتذار، وأغنانا بحسن النية عن سوء الظن.
وقال إبراهيم الموصلي: سمعت جعفر بن يحيى يعتذر إلى رجل من تأخر حاجة ضمنها له وهو يقول: أحتج إليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النية.
وقال رجل لبعض الملوك: أنا من لا يحاجك عن نفسه، ولا يغالطك في جرمه، ولا يلتمس رضاك إلا من جهة عفوك، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالزلة.
وقال الحسن بن وهب:
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر
أعوذ بالود الذي بيننا ... أن يفسد الأول بالآخر
وكتب الحسن بن وعب إلى محمد بن عبد الملك الزيات:
أبا جعفر ما أحسن العفو كله ... ولا سيما عن قائل: ليس لي عذر
وقال آخر:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
خير الخليطين من أغضى لصاحبه ... ولو أراد انتصارا من لانتصرا
وقالت الحكماء: ليس من العدل سرعة العذل.
وقال الأحنف بن قيس: رب ملوم لا ذنب له.
وقال آخر: لعل له عذرا وأنت تلوم وقال حبيب:
البر بي منك وطى العذر عندك لي ... فيما أتاك فلم تقبل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم
وقال آخر:
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب
ومن قولنا في هذا المعنى:
عذيري من طول البكا لوعة الأسى ... وليس لمن لا يقبل العذر من عذر
وقال آخر:
فهبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل
فإن لم أكن للعفو عندك للذي ... أتيت به أهلا فأنت له أهل
ومن الناس من لا يرى الاعتذار ويقول: إياك وما يعتذر منه.

(1/135)

وقالوا: ما اعتذر مذنب إلا ازداد ذنبا.
وقال الشاعر محمود الوراق:
إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن أطراح العذر خير من العذر
قال ابن شهاب الزهري: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنا، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له؛ فقال: لقد كان أبوك وعمك نعاقين في فتنة ابن الأشعث؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن مثلك إذا عفا لم يعدد، وإذا صفح لم يثرب. فأعجبه ذلك، وقال: أين نشأت؟ قلت: بالمدينة؛ قال: عند من طلبت؟ قلت: سعيد بن المسيب؛ وسليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب؛ قال: فأين أنت من عروة بن الزبير؟ فإنه بحر لا تكدره الدلاء. فلما انصرفت من عنده لم أبارح عروة بن الزبير حتى مات.
ودخل ابن السماك على محمد بن سليمان بن علي فرآه معرضا عنه، فقال: مالي أرى الأمير كالعاتب علي؟ قال: ذلك لشيء بلغني عنك كرهته؛ قال: إذا لا أبالي؛ قال: ولم؟ قال: لأنه إذا كان ذنبا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله.
ودخل جرير بن عبد الله على أبي جعفر المنصور، وكان واجدا عليه، فقال له: تكلم بحجتك؛ فقال؛ لو كان لي ذنب تكلمت بعذري، ولكن عفو أمير المؤمنين أحب إلي من براءتي.
وأتي موسى الهادي برجل، فجعل يقرعه بذنوبه؛ فقال: يا أمير المؤمنين إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري ذنبا لم أجنه، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر
سعي بعبد الملك بن الفارسي إلى المأمون، فقال له المأمون: إن العدل من عدله أبو العباس، وقد كان وصفك بما وصفك به، ثم أتتني الأخبار بخلاف ذلك؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي بلغك عني تحميل علي، ولو كان كذلك لقلت: نعم، كما بلغك، فأخذت بحظي من الله في الصدق، واتكلت على فضل أمير المؤمنين في سعة عفوه؛ قال: صدقت.
محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات النصرة، فجار فيها وظلم، فكثر الشاكي له والداعي عليه، ووافى باب أمير المؤمنين زهاء خمسين رجلا من جلة البصريين، فعزله المأمون، وجلس لهم مجلسا خاصا، وأقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم. فكان مما حفظ من كلامه، أن قال: يا أمير المؤمنين، لو أن أحدا ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: " ومنهم من يلمزك فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " فأعجب المأمون جوابه، واستجزل مقاله، وخلى سبيله.
محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: قال لي أبو عبد الله أحمد بن أبي داود: دخلت على الواثق، فقال لي: ما زال قوم في ثلبك ونقصك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين. " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " ، والله ولي جزائه، وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ذل من كنت ناصره، ولا ضاع من كنت حافظه، فماذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت أبا عبد الله:
وسعى إلي بعيب عزة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها
قال أبو العيناء: قلت لأحمد بن أبي داود: إن قوما تظافروا علي؛ قال: " يد الله فوق أيديهم " . قلت: إنهم عدد وأنا واحد؛ قال: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " . قلت: إن للقوم مكرا؛ قال: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " .
قال أبو العيناء: فحدثت بها الحديث أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي داود إلا أن القرآن أنزل عليه.
قال: وهجا نهار بن توسعة قتيبة بن مسلم، وكان ولي خراسان بعد يزيد بن المهلب، فقال:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح
فبدلت بعده قردا نطوف به ... كأنما وجهه بالخل منضوح
فطلبه فهرب منه، ثم دخل عليه بكتاب أمه، فقال له: ويحك! بأي وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ربي وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك. فقر به ووصله وأحسن إليه.
وأقبل المنصور يوما راكبا والفرج بن فضالة جالس عند باب الذهب، فقام الناس إليه ولم يقم، فاستشاط المنصور غيظا وغضبا ودعا به، فقال: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله تعالى لم فعلت، ويسألك عنه لم رضيت، وقد كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسكن غضبه وقر به وقضى حوائجه.

(1/136)

يحيى بن أكثم قال: إني عند المأمون يوما، حتى أتي برجل ترعد فرائصه، فلما مثل بين يديه، قال له المأمون: كفرت نعمتي ولم تشكر معروفي؛ قال له: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شكري في جنب ما أنعم الله بك علي؟ فنظر المأمون إلي وقال متمثلا:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لكثرة مال أو علو مكان
لما ندب الله العباد لشكره ... فقال اشكروا لي أيها الثقلان
ثم التفت إلى الرجل، فقال له: هلا قلت كما قال أصرم بن حميد:
رشحت حمدي حتى إنني رجل ... كلي بكل ثناء فيك مشتغل
خولت شكري ما خولت من نعم ... فحر شكري لما خولتني خول
الاستعطاف والاعتراف
لما سخط المهدي على يعقوب بن داود، قال له: يا يعقوب؛ قال: لبيك يا أمير المؤمنين، تلبية مكروب لموجدتك؛ قال: ألم أرفع من قدرك إذ كنت وضيعا، وأبعد من ذكرك إذا كنت خاملا، وألبسك من نعمتي ما لم أجد بها يدين من الشكر، فكيف رأيت الله أظهر عليك، ورد إليك مني؟ قال: إن كان ذلك بعلمك يا أمير المؤمنين فتصديق معترف منيب، وإن كان مما استخرجته دفائن الباغين فعائذ بفضلك؛ فقال: والله لولا الحنث في دمك بما تقدم لك، لألبستك منه قميصا لا تشد عليه زرا، ثم أمر به إلى الحبس. فتولى وهو يقول: الوفاء يا أمير المؤمنين كرم، والمودة رحم، وأنت بها جدير.
أخذت الشعراء معنى قول المهدي: لألبستك منه قميصا لا تشد عليه زرا، فقال معلي الطائي:
طوقته بالحسام طوق ردى ... ما يستطيع عليه شد أزرار
وقال حبيب:
طوقته بالحسام طوق داهية ... أغناه عن مس طوقه بيده
ومن قولنا:
طوقته بالحسام منصلتا ... آخر طوق يكون في عنقه
ولما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد، أذن له بالدخول عليه، فلما مثل بين يديه، قال: الحمد الله الذي سهل لي سبيل الكرامة بلقائك، ورد على النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله يا أمير المؤمنين في حال سخطك جزاء المحسنين المرغبين، وفي حال رضاك جزاء المنعمين المتطولين: فقد جعلك الله، وله الحمد، تثبت تحرجا عند الغضب، وتمتن تطولا بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو.
ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي - وهو الذي يقال له ابن شكلة - أمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه، قال: ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو للتقوى، وقد جعل الله كل ذنب دون عفوك، فإن صفحت فبكرمك، وإن أخذت فبحقك. قال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك، فأشارا علي به؛ قال: أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك، وما جرت عليه عادة السياسة فقد فعلا، ولكنك أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، ثم استعبر باكيا؛ قال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلا إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته؛ ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنه وإن كان جرمي يبلغ سفك دمي، فحلم أمير المؤمنين وتفضله يبلغاني عفوه، ولي بعدها شفاعة الإقرار بالذنب، وحرمة الأب بعد الأب، قال المأمون: لو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن زلتك، لبلغك إليه حسن توصلك، ولطيف تنصلك.
وكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق والعباس ألطف في طلب الرضا ودفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما.
وقال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبني أغفلت إجلابك مع ابن المهلب وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره؛ قال: يا أمير المؤمنين، والله لإجرام قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من جرمي إليك، ولرحمي أمس من أرحامهم، وقد قال كما قال يوسف لإخوته: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارث لهذه المنة وممتثل لها؛ قال: هيهات، تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرم في إسلامك وفي دار خلافتك؛ قال: يا أمير المؤمنين، فوالله للسلم أحق بإقالة العثرة؛ وغفران الزلة من الكافر، هذا كتاب الله بيني وبينك، يقول الله تعالى: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " إلى " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " . فهي للناس يا أمير المؤمنين سنة دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف؛ قال: صدقت، اجلس، وريت بك زنادي، فلا برح نادما من القادرين من أهلك وأمثالك.
العتبي عن أبيه قال:

(1/137)

قبض مروان بن محمد من معاوية بن عمرو بن عتبة ماله بالفرسان، وقال: إني قد وجدت قطيعة عمك لأبيك: إني أقطعتك بستاني، والبستان لا يكون إلا غامرا، وأنا مسلم إليك الغامر وقابض منك العامر؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن سلفك الصالح لو شهدوا مجلسنا هذا كانوا شهودا على ما ادعيته، وشفعاء فيما طلبته، يسألونك بإحسانك إلي، مكافأة إحسان سلفي إليهم، فشفع فينا الأموات واحفظ منا القرابات، واجعل مجلسك هذا مجلسا يلزم من بعدنا شكره؛ قال: لا والله إلا أن أجعلها طعمة مني لك، لا قطيعة من عمك لأبيك؛ قال: قد قبلت ذلك، ففعل.
العتبي قال: أمر عبد الملك بن مروان بقطع أرزاق آل أبي سفيان وجوائزهم لموجودة وجدها على خالد بن يزيد بن معاوية فدخل عليه عمر بن عتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أدنى حقك معتب، وبعضه فادح لنا، ولنا من حقك علينا حق عليك، بإكرام سلفنا لسلفك، فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليهم، وضعنا بحيث وضعتنا الرحم منك؛ قال: عبد الملك: إنما ما يستحق عطيتي من استعطاها، فأما من ظن أنه يكتفي بنفسه، فسنكله إلى نفسه، ثم أمر له بعطيته.
فبلغ ذلك خالدا فقال: أبا لحرمان يهددني! يد الله فوق يده باسطة، وعطاء الله دونه مبذول، فأما عمرو فقد أعطى من نفسه أكثر مما أخذ لها.
العتبي قال: حدثنا طارق بن المبارك عن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة قال: جاءت دولة المسودة، وأنا حديث السن كثير العيال متفرق المال، فجعلت لا أنزل قبيلة من قبائل العرب إلا شعرت فيها، فلما رأيت أمري لا يكتتم، أتيت سليمان بن علي، فاستأذنت عليه قرب المغرب، فأذن لي وهو لا يعرفني، فلما صرت إليه، قلت: أصلحك الله، لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما قبلتني غانما، وإما رددتني سالما؛ قال: ومن أنت؟ فانتسبت له، فعرفني وقال: مرحبا، اقعد، فتكلم غانما؛ قلت: أصلحك الله، إن الحرم اللاتي أنت أقرب الناس إليهن معنا، وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه؛ قال: فاعتمد سليمان على يديه، وسالت دموعه على خديه، ثم قال: يا بن أخي، يحقن الله دمك، ويستر حرمك، ويسلم مالك إن شاء الله، ولو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت. فلم أزل في جوار سليمان آمنا.
وكتب سليمان إلى أبي العباس أمير المؤمنين: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإنا إنما حاربنا بني أمية على عقوقهم، ولم نحاربهم على أرحامهم، وقد دفت إلي منهم دافة. لم يشهروا سلاحا، ولم يكثروا جمعا، وقد أحسن الله إليك فأحسن، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لهم أمانا ويأمر بإنفاذه إلي فليفعل.
فكتب لهم كتابا منشورا، وأنفذه إلى سليمان بن علي في كل من لجأ إليه من بني أمية، فكان يسميه أبو مسلم: كهف الأباق.
ودخل عبد الملك بن صالح يوما على الرشيد، فلم يلبث في مجلسه أن التفت الرشيد، فقال متمثلا:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبؤبها قد همع، وعارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد وقع، فأقلع عن براجم بلا معاصم، وجماجم بلا غلاصم، فمهلا مهلا، فبي والله يسهل لكم الوعر. ويصفو لكم الكدر؛ وألقت إليكم الأمور مقاليد أزمتها، فالتدارك التدارك قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل. قال عبد الملك: أفذا ما تكلمت أم توأما يا أمير المؤمنين؟ قال: بل فذا؛ قال اتق الله في ذي رحمك، وفي رعيتك التي استرعاك الله، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد محضت لك النصيحة، وأديت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوك سبيلا تتعاوره الأقدام، فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته، إن الكتاب لنميمة واش وبغي باغ، ينهش اللحم، ويلغ في الدم، فكم ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق فرجته، وكنت كما قال الشاعر أخو بني كلاب:
ومقام ضيق فرجته ... بلساني ومقامي وجدل
لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي وزجل
فرضي عنه ورحب به، وقال: وريت بك زنادي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:15 pm

والتفت الرشيد يوما إلى عبد الملك بن صالح، فقال: أكفرا بالنعمة، وغدرا بالإمام؟ قال: لقد بؤت إذا بأعباء الندم، وسعيت في استجلاب النقم، وما ذلك يا أمير المؤمنين إلا بغي باغ نافسني فيك بقديم الولاية، وحق القرابة؛ يا أمير المؤمنين، إنك خليفة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في أمته، وأمينه على رعيته، لك عليها فرض الطاعة، وأداة النصيحة، ولها عليك التثبت في حادثها، والعدل في حكمها. فقال له هارون: تضع لي من لسانك، وترفع علي من جنانك بحيث يحفظ الله لي عليك، هذا قمامة كاتبك يخبرني بفعلك؛ فقال عبد الملك: أحقا يا قمامة؟ قال: نعم، لقد أردت قتل أمير المؤمنين والغدر به فقال عبد الملك: كيف لا يكذب علي من خلفي من بهتني في وجهي! قال الرشيد: هذا ابنك عبد الرحمن شاهد عليك؛ قال: يا أمير المؤمنين، هو بين مأمور أو عاق، فإن كان مأمورا معذور، وإن كان عاقا فما أخاف من عقوقه أكثر.
وقال له الرشيد يوما، وكان معتلا عليه: أتبقون بالرقة؟ قال: نعم، ونبرغث؛ قال له: يا بن الفاعلة، ما حملك على أن سألتك عن مسألة، فرددت علي في مسألتين، وأمر به إلى الحبس. فلم يزل في حبسه حتى أطلقه الأمين.
إبراهيم بن السندي قال: سمعت عبد الملك بن صالح يقول بعد إخراج المخلوع له من الحبس، وذكر الرشيد وفعله به، فقال: والله إن الملك لشيء ما نويته ولا تمنيته، ولا نصبت له ولا أردته، ولو أردته لكان إلي أسرع من الماء إلى الحدور، ومن النار إلى يبس العرفج، وإني لمأخوذ بما لم أجن، ومسؤول عما لم أعرف؛ ولكن حين رآني للملك قمينا، وللخلافة خطيرا، ورأي لي يدا تنالها إذا مدت، وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لخصالها، وتستحقها بفعالها - وإن كنت لم أجن تلك الخصال، ولم أصطنع تلك الفعال، ولم أترشح لها في السر، ولا أشرت إليها في الجهر - ورآها تجن حنين الوالدة الوالهة، وتميل ميل الهلوك، خاف أن ترغب إلى خير مرغب، وتنزع إلى أخصب منزع، وعاقبني عقاب من سهر في طلبها، وجهد في التماسها؛ فإن كان إنما حسبني أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق لي، فليس ذلك بذنب جنيته فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحط نفسي عنه؛ وإن زعم أن لا صرف لعقابه، ولا نجاة من عذابه، إلا أن أخرج له من حد العلم والحلم والحزم، فكما لا يستطيع المضياع أن يكون مصلحا، كذلك لا يستطيع العاقل أن يكون جاهلا، وسواء علي أعاقبني على علمي وحلمي أم عاقبتني على نسبي وسني، وسواء علي عاقبتني على جمالي أو عاقبتني على محبة الناس لي، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، وشغلته عن التدبير، ولما كان فيها من الخطب إلا اليسير.
إبراهيم بن السندي قال: كنت أساير سعيد بن سلم حين قيل له: إن أمير المؤمنين قد غضب على رجاء بن أبي الضحاك وأمر بأخذ ماله، فارتاع بذلك وجزع؛ فقيل له: ما يروعك منه؟ فوالله ما جعل الله بينكما نسبا ولا سببا؛ فقال: بلى، النعمة نسب بين أهلها؛ والطاعة سبب مؤكد بين الأولياء.
وبعث بعض الملوك إلى رجل وجد عليه، فلما مثل بين يديه قال: أيها الأمير، إن الغضب شيطان، فاستعذ بالله منه، وإنما خلق العفو للمذنب، والتجاوز للمسيء، فلا تضق عما وسع الرعية من حلمك وعفوك. فعفا عنه، وأطلق سبيله.
ولما اتهم قتيبة بن مسلم أبا مجلز على بعض الأمر، قال: أصلح الله الأمير، تثبت فإن التثبت نصف العفو.
قال الحجاج لرجل دخل عليه: أنت صاحب الكلمة؟ قال: أبوء بالذنب وأستغفر الرب، وأسأل العافية؛ قال: قد عفونا عنك.
وأرسل بعض الملوك في رجل أراد عقوبته، فلما مثل بين يديه، قال: أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي، إلا نظرت في أمري نظر من برئي أحب إليه من سقمي، وبراءتي أحب إليه من جرمي.
وقال خالد بن عبد الله لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة، وأنت تجل عن العقوبة، ونحن مقرون بالذنب، فإن تعف عني فأهل ذلك أنت، وإن تعاقبني فأهل ذلك أنا.
وأمر معاوية بن أبي سفيان بعقوبة روح بن زنباع، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض مني مريرة أنت أبرمتها، أو تشمت بي عدوا أنت وقمته إلا أتى حلمك وصفحك عن خطئي وجهلي؛ فقال معاوية: خليا عنه، إذا أراد الله أمرا يسره.

(1/139)

وجد عبد الملك بن مروان على رجل فجفاه وأطرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء، فرآه شاحبا ناحلا، فقال له: مذ متى اعتللت؟ فقال: ما مسني سقم، ولكني جفوت نفسي إذ جفاني الأمير، وآليت أن لا أرضى عنها حتى يرضى عني أمير المؤمنين. فأعاده إلى حسن رأيه.
وقعد الحسن بن سهل لنعيم بن حازم، فأقبل إليه حافيا حاسرا، وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الأرض؛ فقال الحسن: على رسلك أيها الرجل، لا بأس عليك، قد تقدمت لك طاعة، وحدثت لك توبة، وليس للذنب بينهما موضع، ولئن وجد موضعا فما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
أذنب رجل من بني هاشم ذنبا إلى المأمون، فعاتبه فيه، فقال يا أمير المؤمنين، من حمل مثل دالتي، ولبس ثوب حرمتي، ومت بمثل قرابتي، اغتفر له فوق زلتي؛ قال: صدقت يا بن عمي، وصفح عنه.
واعتذر رجل إلى المأمون من ذنب، فقال: إني وإن كانت زلتي قد أحاطت بحرمتي فإن فضلك محيط بها وكرمك موقوف عليها.
أخذه صريع الغواني فقال:
إن كان ذنبي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بذنبي عفوك المأمولا
دخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أبي جعفر المنصور بعدما كتب أمانه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن إمارتكم بكر، ودولتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنبوهم مرارتها، تخف على قلوبهم طاعتكم، وتسرع إلى أنفسهم محبتكم، وما زلت مستبطئا لهذه الدعوة. فلما قام قال أبو جعفر: عجبا من كل من يأمر بقتل هذا! ثم قتله بعد ذلك غدرا.
الهيثم بن عدي قال: لما انهزم عبد الله بن علي من الشام، قدم على المنصور وفد منهم، فتكلموا عنده، ثم قام الحارث فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لسنا وفد مباهاة، وإنما نحن وفد توبة، ابتلينا بفتنة استخفت كريمنا، واستفزت حليمنا، ونحن بما قدمنا معترفون، ومما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فقد أجرمنا، وإن تعف عنه فطالما أحسنت إلى من أساء منا؛ فقال المنصور للحرسي: هذا خطيبهم، وأمر برد ضياعه عليه بالغوطة.
قال أحمد بن أبي داود: ما رأينا رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعله إلا تميم بن جميل، فإنه كان تغلب على شاطئ الفرات، وأوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة، ودخل عليه، فلما مثل بين يديه، دعا بالنطع والسيف، فأحضرا؛ بجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئا، وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه، وكان جسيما وسيما، ورأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره؛ فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به، أو حجة فأدل بها؛ فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة، وكبر الذنب، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، ثم أنشأ يقول:
أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يدلى بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
فكم من قائل: لا يبعد الله روحه ... وآخر جذلان يسر ويشمت
قال: فتبسم المعتصم، وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل، اذهب فقد غفرت لك الصبوة، وتركتك للصبية.

(1/140)

وحكي أن أمير المؤمنين المهدي قال لأبي عبيد الله لما قتل ابنه: إنه لو كان في صالح خدمتك، وما تعرفناه من طاعتك، وفاء يجب به الصفح عن ولدك، ما تجاوز أمير المؤمنين ذلك به إلى غيره، ولكنه نكص على عقبيه، وكفر بربه؛ قال أبو عبيد الله: رضانا عن أنفسنا وسخطنا عليها موصول برضاك وسخطك، ونحن خدم نعمتك؛ تثيبنا على الإحسان فنشكر، وتعاقبنا على الإساءة فنصبر.
أبو الحسن المدائني قال: لما حج المنصور مر بالمدينة، فقال للربيع الحاجب: علي بن جعفر بن محمد؛ قتلني الله إن لم أقتله، فمطل به، ثم ألح عليه فحضر، فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه؛ ثم تقرب وسلم؛ فقال: لا سلم الله عليك يا عدو الله، تعمل علي الغوائل في ملكي، قتلني الله إن لم أقتلك؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن سليمان صلى الله على محمد وعليه، أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت على إرث منهم، وأحق من تأسى بهم. فنكس أبو جعفر رأسه مليا، وجعفر واقف، ثم رفع رأسه فقال: إلي أبا عبد الله، فأنت القريب القرابة، وذو الرحم الواشجة، السليم الناحية، القليل الغائلة، ثم صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه، وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يحادثه ويسائله، ثم قال: يا ربيع، عجل لأبي عبد الله كسوته وجائزته وإذنه. قال الربيع: فلما حال الستر بيني وبينه أمسكت بثوبه؛ فقال: ما أرانا يا ربيع إلا وقد حبسنا؛ فقلت: لا عليك، هذه مني لا منه؛ فقال: هذه أيسر، سل حاجتك؛ فقلت له: إني منذ ثلاث أدفع عنك وأداري عليك، ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك، ثم رأيت الأمر انجلى عنك، وأنا خادم سلطان، ولا غنى لي عنه، فأحب منك أن تعلمينه؛ قال: نعم، قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بحفظك الذي لا يرام، ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها علي قل لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليت بها قل عندها صبري فلم تخذلن؛ اللهم بك أدرأ في نحره، وأستعيذ بخيرك من شره، فإنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
المدائني قال: كان يزيد بن راشد خطيبا، وكان فيمن دعا إلى خلع سليمان بن عبد الملك والبيعة لعبد العزيز بن الوليد، فنذر سليمان قطع لسانه. فلما أفضت الخلافة إليه دخل عليه يزيد بن راشد، فجلس على طرف البساط مفكرا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، كن كنبي الله صلى الله عليه وسلم، ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وقدر فغفر؛ قال: ومن أنت؟ قال: يزيد بن راشد. فعفا عنه.
حبس الرشيد رجلا، فلما طال حبسه كتب إليه: إن كل يوم يمضي من نعيمك يمضي من بؤسي مثله، والأمد قريب، والحكم لله. فأطلقه.
ومر أسد بن عبد الله القسري، وهو والي خراسان بدار من دور الاستخراج ودهقان يعذب في حبسه، وحول أسد مساكين يستجدونه، فأمر لهم بدراهم تقسم فيهم؛ فقال الدهقان: يا أسد، إن كنت تعطى من يرحم فارحم من يظلم، فإن السموات تنفرج لدعوة المظلوم؛ يا أسد، احذر من ليس له ناصر إلا الله، واتق من لا جنة له إلا الابتهال إليه، إن الظلم مصرعه وخيم، ولا تغتر بإبطاء الغيثات من ناصر متى شاء أن يجيب أجاب، وقد أملى لقوم ليزدادوا إثما. فأمر أسد بالكف عنه.
عتب المأمون على رجل من خاصته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة، وحديث التوبة، يمحوان ما بينهما من الإساءة؛ فقال: صدقت، ورضي عنه.
وكان ملك من ملوك فارس عظيم المملكة شديد النقمة، وكان له صاحب مطبخ، فلما قرب إليه طعامه صاحب المطبخ سقطت نقطة من الطعام على يديه، فزوى لها الملك وجهه، وعلم صاحب المطبخ أنه قاتله، فكفأ الصحفة على يديه؛ فقال الملك: علي به، فلما أتاه، قال له: قد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك، فما عذرك في الثانية؟ قال: استحييت للملك أن يقتل مثلي في سني وقديم حرمتي في نقطة، فأردت أن أعظم ذنبي ليحسن به قتلي؛ فقال له الملك: لئن كان لطف الاعتذار ينجيك من القتل، ما هو بمنجيك من العقوبة، اجلدوه مائة جلدة وخلوه.
الشيباني قال:

(1/141)

دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبض ضياعهم، فقال: يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك بين يديك، ربيب دولتك، وسليل نعمتك، وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن لي في الكلام؟ قال: نعم؛ قال: نستمتع الله حياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام العائد بفضلك، الهارب إلى كنفك وظلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك؛ ثم تكلم في حاجته فقضاها.
وقال عبيد بن أيوب، وكان يطالبه الحجاج لجناية جناها، فهرب منه وكتب إليه:
أذقني طعم النوم أو سل حقيقة ... علي فإن قامت ففصل بنانيا
خلعت فاستطار فأصبحت ... ترامى به البيد القفار تراميا
ولم يقل أحد في هذا المعنى أحسن من قول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
أكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقال فيه أيضا:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتب فمثلك يعتب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني جناية ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
قال ابن الطثرية:
فهبني امرأ إما بريئا علمته ... وإما مسيئا تاب منه وأعتبا
وكنت كذي داء يبغي لدائه ... طبيبا فلما لم يجده تطببا
وقال الممزق لعمرو بن هند:
تروح وتغدو ما يحل وضينها ... إليك ابن ماء المزن وابن محرق
أحقا أبيت اللعن أن ابن مزننا ... على غير إجرام بريقي مشرقي
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فادركني ولما أمزق
فأنت عميد الناس مهما تقل نقل ... ومهما تضع من باطل لا يحقق
وتمثل بهذه الأبيات عثمان بن عفان في كتابه إلى علي بن أبي طالب يوم الدار.
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات لما أحس بالموت وهو في حبس المتوكل برقعة إلى المتوكل، فيها:
هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم
لا تعجلن رويدا إنما دول ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم
إن المنايا وإن أصبحت ذا فرح ... تحوم حولك حوما أيما حوم
فلما وصلت إلى المتوكل وقرأها، أمر بإطلاقه، فوجدوه ميتا.
وقال عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة للمنصور وقد أراد عقوبة رجل: يا أمير المؤمنين، إن الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه أوكس النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين.
جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة وبين قائد من قواده يقال له شهرام كلام، فقال له قائده كلمة فيها بعض الغلظ، ثم ندم على ما كان منه، فجعل يتضرع ويتنصل إليه؛ فقال له أبو مسلم: لا عليك، لسان سبق، ووهم أخطأ، وإنما الغضب شيطان، وأنا جرأتك علي بطول احتمالي منك، فإن كنت للذنب متعمدا، فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا، فإن العذر يسعك، وقد عفونا على كل حال. فقال: أصلح الله الأمير، إن عفو مثلك لا يكون غرورا؛ قال: أجل؛ قال: فإن عظم الذنب لا يدع قلبي يسكن، وألح في الاعتذار؛ فقال له أبو مسلم: عجبا لك، إنك أسأت فأحسنت، فلما أحسنت أأسيء! دخل أبو دلف على المأمون، وقد كان عتب عليه ثم أقاله، فقال له وقد خلا مجلسه: قل أبا دلف، وما عسيت أن تقول وقد رضي عنك أمير المؤمنين وغفر لك ما فعلت؛ فقال يا أمير المؤمنين:
ليالي تدنو منك بالبشر مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر

(1/142)

فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر
قال المأمون: لك بها رجوعك إلى المناصحة، وإقبالك على الطاعة، ثم عاد له إلى ما كان عليه.
وقال له المأمون يوما: أنت الذي تقول:
إني امرؤ كسروي الفعال ... أصيف الجبال وأشتوا العرافا
ما أراك قدمت لحق طاعة، ولا قضيت واجب حرمة؛ قال له: يا أمير المؤمنين، إنما هي نعمتك، ونحن فيها خدمك، وما هراقة دمي في طاعتك، إلا بعض ما يجب لك.
ودخل أبو دلف على المأمون، فقال: أنت الذي يقول فيك ابن جبلة:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
فقال: يا أمير المؤمنين، شهادة زور، وكذب شاعر، وملق مستجد، وليكن الذي يقول فيه ابن أخيه:
ذريني أجوب الأرض في طلب الغنى ... فما الكرج بالدنيا ولا الناس قاسم
الكرج: منزل أبي دلف، وكان اسمه القاسم بن عيسى.
وقال المنصور وجعل لمعن بن زائدة: ما أظن ما قيل عنك من ظلمك أهل اليمن واعتسافك عليهم إلا حقا؟ قال: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغني عنك أنك أعطيت شاعرا لبيت قاله ألف دينار، وأنشده البيت وهو:
معن بن زائدة الذي زيدت به ... فخرا إلى فخر بنو شيبان
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قد أعطيته ألف دينار، ليس على هذا البيت، ولكن على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلما ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان
قال: فاستحيا المنصور وجعل ينكت بالمخصرة، ثم رفع رأسه وقال: اجلس أبا الوليد.
أتي عبد الملك بن مروان بأعرابي سرق، فأمر بقطع يده فأنشأ يقول:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكانا يشينها
ولا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فأبى إلا قطعه؛ فقالت أمه: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي؛ قال: بئس الكاسب كان لك، وهذا حد من حدود الله؛ قالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها، فعفا عنه.
تذكير الملوك بذمام متقدم
قال ثمامة بن أشرس للمأمون لما صارت إليه الخلافة: إنه كان لي أملان: أمل لك وأمل بك، فأما أملي لك فقد بلغته، وأما أملي بك فلا أدري ما يكون منك فيه؛ قال: يكون أفضل ما رجوت وأملت، فجعله من سماره وخاصته.
الأصمعي قال: لما مات يزيد بن عبد الملك وصارت الخلافة إلى هشام بن عبد الملك، خر أصحابه سجودا إلا الأبرش الكلبي؛ فقال له: يا أبرش، ما منعك أن تسجد كما سجدوا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لأنك ذهبت عنا وتركتنا؛ قال: فإن ذهبت بك معي؟ قال: أو تفعل يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ قال: فالآن طاب السجود، ثم سجد.
ولما صارت الخلافة إلى أبي جعفر كتب إليه رجل من إخوانه:
إنا بطانتك الألى ... كنا نكابد ما نكابد
ونرى فنعرف بالعدا ... وة والبعاد لمن نباعد
ونبيت من شفق علي ... ك ربيئة والليل هاجد
هذا أوان وفاء ما ... سبقت به منك المواعد
فوقع أبو جعفر على كل بيت منها: صدقت صدقت، ثم دعاء به وألحقه بخاصته.
وقال حبيب الشاعر في هذا المعنى:
وإن أولى الموالي أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في الموطن الخشن
حسن التخلص من السلطان

(1/143)

أبو الحسن المدائني قال: كان العباس بن سهل والي المدينة لعبد الله بن الزبير، فلما بايع الناس عبد الملك بن مروان، ولى عثمان بن حيان المري، وأمره بالغلظة على أهل الظنة، فعرض يوما بذكر الفتنة وأهلها، فقال له قائل: هذا العباس بن سهل على ما فيه، كان مع ابن الزبير وعمل له؛ فقال عثمان بن حيان: ويلي عليه، والله لأقتلنه؛ قال العباس: فبلغني ذلك، فتغيبت حتى أضر بي التغيب، فأتيت ناسا من جلسائه فقلت لهم: ما لي أخاف وقد أمنني عبد الملك بن مروان؟ فقالوا: والله ما يذكرك إلا تغيظ عليك، وقلما كلم على طعامه في ذنب إلا انبسط، فلو تنكرت وحضرت عشاءه وكلمته. قال: ففعلت، وقلت على طعامه وقد أتي بجفنة ضخمة ذات ثريد ولحم: والله لكأني أنظر إلى جفنة حيان بن معبد والناس يتكاوسون عليها، وهو يطوف في حاشيته، يتفقد مصالحها، يسحب أردية الخز، حتى إن الحسك ليتعلق به فما يميطه، ثم يؤتى بجفنة تهادى بين أربعة، ما يستقلون بها إلا بمشقة وعناء، وهذا بعد ما يفرغ الناس من الطعام ويتنحون عنه، فيأتي الحاضر من أهله بالدنو والطارئ من أشراف قومه، وما بأكثرهم من حاجة إلى الطعام، وما هو إلا الفخر بالدنو من مائدته والمشاركة ليده؛ قال: هيه، أنت رأيت ذلك؟ قلت: أجل والله؛ قال لي: ومن أنت؟ قلت: وأنا آمن؟ قال: نعم؛ قلت: العباس بن سهل بن سعد الأنصاري، قال: مرحبا وأهلا، أهل الشرف والحق. قال: فلقد رأيتني بعد ذلك وما بالمدينة رجل أوجه مني عنده. فقيل له بعد ذلك: أنت رأيت ونزلنا ذلك الماء وغشينا وعليه عباءة ذكوانية، فلقد جعلنا نذوده عن رحلنا مخافة أن يسرقه.
أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة قال: أخذ سراقة بن مرداس البارقي أسيرا يوم جبانة السبيع، فقدم في الأسرى إلى المختار، فقال سراقة:
امنن علي اليوم يا خير معد ... وخير من لبى وصلى وسجد
فعفا عنه المختار وخلى سبيله. ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث فأتي به المختار أسيرا، فقال له: ألم أعف عنك وأمنن عليك؟ أما والله لأقتلنك؛ قال: لا والله لا تفعل إن شاء الله؛ قال: ولم؟ قال: لأن أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معك، ثم أنشده:
ألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... حملنا حملة كانت علينا
خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطرا وحينا
تراهم في مصفهم قليلا ... وهم مثل الدبى لما التقينا
فأسجح إذا قدرت فلو قدرنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا
تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النقد دينا
قال: فخلى سبيله. ثم خرج إسحاق بن الأشعث ومعه سراقة، فأخذ أسيرا وأتي به المختار؛ فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك يا عدو الله، هذه ثالثة؛ فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أخذوني، فأين هم لا أراهم؟ إنا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض، وتحتهم خيل بلق تطيق بين السماء والأرض؛ فقال المختار: خلوا سبيله ليخبر الناس. ثم دعا لقتاله فقال:
ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهما مصمتات
أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات
كان معن بن زائدة قد أمر بقتل جماعة من الأسرى، فلما سقوا، قال: يا معن، أتقتل ضيفانك؟ فأمر معن بإطلاقهم.
لما أتي عمر بن الخطاب بالهرمزان أسيرا دعاه إلى الإسلام، فأبى عليه، فأمر بقتله، فلما عرض عليه السيف، قال: لو أمرت يا أمير المؤمنين بشربة من ماء فهو خير من قتلي على الظمأ؛ فأمر له بها، فلما صار الإناء بيده قال: أنا آمن حتى أشرب؟ قال: نعم. فألقى الإناء من يده، وقال: الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج، قال: لك التوقف حتى أنظر في أمرك، ارفعا عنه السيف؛ فلما رفع عنه؛ قال: الآن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؛ فقال له عمر: ويحك! أسلمت خير إسلام، فما أخبرك؟ قال: خشيت يا أمير المؤمنين أن يقال أن إسلامي إنما كان جزعا من الموت؛ فقال عمر: إن لفارس حلوما بها استحقت ما كانت فيه من الملك. ثم كان عمر يشاوره بعد ذلك في إخراج الجيوش إلى أرض فارس ويعمل برأيه.

(1/144)

لما أتي الحجاج بالأسرى الذين خرجوا مع ابن الأشعث أمر بقتلهم؛ فقال رجل: أصلح الله الأمير، إن لي حرمة؛ قال: وما هي؟ قال: ذكرت في عسكر ابن الأشعث فشتمت في أبويك، فعرضت دونهما، فقلت: لا والله ما في نسبه مطعن، فقولوا فيه ودعوا نسبه؛ قال: ومن يعلم ما ذكرت؟ فالتفت إلى أقرب الأسرى إلي، فقلت: هذا يعمله؛ قال له الحجاج: ما تقول فيما يقول؟ قال: صدق، أصلح الله الأمير، وبر. قال: خليا عن هذا لنصرته وعن هذا لحفظ شهادته.
عمرو بن بحر الجاحظ قال: أتي روح بن حاتم برجل كان متلصصا في طريق الرقاق فأمر بقتله؛ فقال: أصلح الله الأمير، لي عندك يد بيضاء؛ قال: وما هي؟ قال: إنك جئت يوما إلى مجمع موالينا بني نهشل والمجلس محتفل، فلم يتحفز لك أحد، فقمت من مكاني حتى جلست فيه، ولولا محض كرمك، وشرف قدرك، ونباهة أوليتك، ما ذكرتك هذه عند مثل هذا؛ قال ابن حاتم: صدق، وأمر بإطلاقه، وولاه تلك الناحية وضمنه إياها.
ولما ظفر المأمون بأبي دلف، وكان يقطع في الجبال، أمر بضرب عنقه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، دعني أركع ركعتين؛ قال: افعل. فركع وحبر أبياتا، ثم وقف بين يديه فقال:
بع بي الناس فإني ... خلف ممن تبيع
واتخذني لك درعا ... قلصت عنه الدروع
وارم بي كل عدو ... فأنا السهم السريع
فأطلقه، وولاه تلك الناحية، فأصلحها.
أتي معاوية يوم صفين بأسير من أهل العراق، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك؛ قال: لا تقل يا معاوية، فإنها مصيبة؛ قال: وأي نعمة أعظم من أن أمكنني الله عز وجل من رجل قتل جماعة من أصحابي في ساعة واحدة؟ اضرب عنقه يا غلام؛ فقال الأسير: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك، وأنك لا ترضى بقتلي، وإنما يقتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله؛ قال له: ويحك! لقد سببت فأبلغت، ودعوت فأحسنت، خليا عنه.
وأمر مصعب بن الزبير برجل من أصحاب المختار أن يضرب عنقه؛ فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك، وأقول: أي رب، سل هذا فيم قتلني؛ قال: أطلقوه فإني جاعل ما وهبت له من حياته في خفض، أعطوه مائة ألف؛ قال الأسير: بأبي أنت وأمي. أشهد أن لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفا؛ قال: ولم؟ قال: لقوله:
إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك عزة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء.
يتقي الله في الأمور وقد أف ... لح من كان همه الاتقاء
أمر عبد الملك بقتل رجل؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله؛ فعفا عنه.
أتي الحجاج بأسرى من الخوارج، فأمر بضرب أعناقهم، فقدم فيهم شاب، فقال: والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو؛ فقال: أف لهذه الجيف، ما كان فيهم من يقول مثل هذا! وأمسك عن القتل.
وأتي الحجاج بأسرى فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك الله يا حجاج عن السنة خيرا، فإن الله تعالى يقول: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء " . فهذا قول الله في كتابه. وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد
فقال الحجاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبروني بما أخبرني هذا المنافق! وأمسك عمن بقي.
الهيثم بن عدي قال: أتي الحجاج بحرورية، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذه؟ قالوا: اقتلها، أصلح الله الأمير، ونكل بها غيرها. فتبسمت الحرورية؛ فقال لها: لم تبسمت؟ فقالت: لقد كان وزراء أخيك فرعون خيرا من وزرائك يا حجاج، استشارهم في قتل موسى، فقالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء يأمرونك بتعجيل قتلي؛ فضحك الحجاج، وأمر بإطلاقها.
وقال معاوية ليونس الثقفي: اتق الله، لأطيرنك طيرة بطيئا وقوعها؛ قال: أليس بي وبك المرجع إلى الله؟ قال: نعم؛ قال: فاستغفر الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:17 pm

ودخل رجل من بني مخزوم على عبد الملك بن مروان، وكان زبيريا، فقال له عبد الملك: أليس الله قد ردك على عقبيك؟ قال: ومن رد إليك يا أمير المؤمنين فقد رد على عقبيه؟ فسكت عبد الملك وعلم أنها خطأ.
دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان: على امرئ أمرك وجرأك وسلطك على الأمة لعنة الله، أتظن الحجاج استقر في قعر جهنم أم هو يهوي فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج يأتي يوم القيامة بين أخيك وأبيك، فضعه من النار حيث شئت.
وقال عبيد الله بن زياد لقيس بن عباد: ما تقول في وفي الحسين؟ قال: أعفني عافاك الله؛ قال: لا بد أن تقول؛ قال: يجيء أبوه يوم القيامة فيشفع له ويجيء أبوك فيشفع لك؛ قال: قد علمت غشك وخبثك، لئن فارقتني يوما لأضعن أكثرك شعرا بالأرض.
الأصمعي قال: بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول: إن الحسين بن علي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن رسول الله، لتأتيني بالمخرج مما قلت أو لأضربن عنقك؛ فقال له ابن يعمر: وإن جئت بالمخرج فأنا آمن؟ قال: نعم؛ قال: اقرأ: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " إلى قوله " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى " إلى قوله " وعيسى " . فمن أقرب: عيسى من إبراهيم، وما هو ابن بنته، أو الحسين من محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال له الحجاج: والله لكأني ما قرأت هذه الآية قط، وولاه قضاء بلده، فلم يزل بها قاضيا حتى مات.
أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ليلى على الحجاج، فقال لجلسائه: إن أردتم أن تنظروا إلى رجل يسب أمير المؤمنين عثمان ابن عفان فهذا عندكم، يعني عبد الرحمن؛ فقال عبد الرحمن: معاذ الله أيها الأمير أن أكون أسب أمير المؤمنين، إنه ليحجزني عن ذلك آيات في كتاب الله، قال الله تعالى: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " . فكان عثمان منهم. ثم قال: " والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " . فكان أبي منهم. ثم قال: " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم " . فكنت أنا منهم. فقال: صدقت.
أبو عوانة عن عاصم بن أبي وائل قال: بعث إلي الحجاج فقال لي: ما اسمك؟ قال: ما أرسل إلي الأمير حتى عرف اسمي؛ قال: متى هبطت هذا البلد؟ قلت: حين هبط أهله؛ قال: ما تقرأ من القرآن؟ قلت: أقرأ منه ما لو تبعته كفاني؛ قال: إني أريد أن أستعين بك في عملي؛ قلت: إن تستعن بي تستعن بكبير أخرق ضعيف يخاف أعوان السوء، وإن تدعني فهو أحب إلي، وإن تقحمني أتقحم؛ قال: إن لم أجد غيرك أقحمتك، وإن وجدت غيرك لم أقحمك؛ قلت: وأخرى، أكرم الله الأمير، إني ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك، والله إني لأتعار من الليل فيما يأتيني النوم من ذكرك حتى أصبح، هذا ولست لك على عمل؛ قال: هيه، كيف قلت؟ فأعدت عليه؛ فقال: إني والله لا أعلم على وجه الأرض خلقا هو أجرا على دم مني، قال: فقمت فعدلت عن الطريق كأني لا أبصر؛ فقال: أرشدوا الشيخ.

(1/146)

لما أتي الحجاج بأسرى الجماجم أتي فيهم بعامر الشعبي، ومطرف بن عبد الله الشخمير، وسعيد بن جبير، وكان الشعبي ومطرف يريان التقية، وكان سعيد بن جبير لا يراها، وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف، فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلي سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه؛ فقال الحجاج للشعبي: وأنت ممن ألب علينا مع ابن الأشعث؟ اشهد على نفسك بالكفر؛ فقال: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، وأحزن بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء؛ قال: لله أبوك، لقد صدقت، ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم، خلوا سبيل الشيخ. ثم قال لمطرف: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: أصلح الله الأمير، إن من شق العصا، وسفك الدماء، ونكث البيعة، وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين، لجدير بالكفر، فخلى سبيله. ثم قال لسعيد بن جبير: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت منذ آمنت بالله، فضرب عنقه، ثم استعرض الأسرى، فمن أقر بالكفر خلى سبيله، ومن أبى قتله، حتى أتي بشيخ وشاب، فقال للشاب: أكافر أنت؟ قال: نعم. قال: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر؛ فقال له الشيخ: أعن نفسي تخادعني يا حجاج، والله لو علمت أعظم من الكفر لقلته؛ فضحك الحجاج وخلى سبيله.
فلما مات الحجاج، وقام سليمان، قال الفرزدق:
لئن نفر الحجاج آل معتب ... لقوا دولة كان العدو يدالها
لقد أصبح الأحياء منهم أذلة ... وموتاهم في النار كلحا سبالها
وكانوا يرون الدائرات بغيرهم ... فصار عليهم بالعذاب انفتالها
ألكني إلى من كان بالصين أورمت ... به الهند ألواح عليها جلالها
هلم إلى الإسلام والعدل عندنا ... فقد مات عن أهل العراق خبالها
لما ولي سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالأردن: اجمع يدي عدي ابن الرقاع إلى عنقه وابعث به إلي على قتب بلا وطاء، ووكل به من ينخس به؛ ففعل ذلك؛ فلما انتهى إلى سليمان بن عبد الملك ألقي بين يديه وهو لقى لا حراك فيه ولا روح، فتركه حتى ارتد إليه روحه، ثم قال له: أنت أهل لما نزل بك، ألست القائل في الوليد:
معاذ ربي أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا
وقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما هكذا قلت، وإنما قلت:
معاذ ربي أن نبقى ونفقدهم ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا
فنظر إليه سليمان واستضحك، ثم أمر له بصلة وخلى سبيله.
العتبي قال: كان بين شريك القاضي والربيع حاجب المهدي معارضة، فكان الربيع يحمل عليه المهدي، فلا يلتفت إليه، حتى رأى المهدي في منامه شريكا القاضي مصروفا وجهه عنه، فلما استيقظ من نومه دعا الربيع، وقص عليه رؤياه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن شريكا مخالف لك وإنه فاطمي محض؛ قال المهدي: علي به فلما دخل عليه، قال له: يا شريك، بلغني أنك فاطمي، قال له شريك: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطمي، إلا أن تعني فاطمة بنت كسرى؛ قال: ولكني أعني فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم: قال: أفتلعنها يا أمير المؤمنين؟ قال: معاذ الله؛ فماذا تقول فيما يلعنها؟ قال: عليه لعنة الله؛ قال: فالعن هذا - يعني الربيع - فإنه يلعنها، فعليه لعنة الله؛ قال الربيع: لا والله يا أمير المؤمنين ما ألعنها؛ قال له شريك: يا ماجن فما ذكرك لسيدة نساء العالمين، وابنة سيد المرسلين في مجالس الرجال؟ قال المهدي: دعني من هذا، فإني رأيتك في منامي كأن وجهك مصروف عني وقفاك إلي، وما ذلك إلا بخلافك علي، ورأيت في منامي كأن أقتل زنديقا؛ قال شريك: إن رؤياك يا أمير المؤمنين ليست برؤيا يوسف الصديق صلوات الله على محمد وعليه، وإن الدماء لا تستحل بالأحلام، وإن علامة الزندقة بينة؛ قال: وما هي؟ قال: شرب المر والرشا في الحكم ومهر البغي؛ قال: صدقت والله أبا عبد الله، أنت والله خير من الذي حملني عليك.
ودخل شريك القاضي على المهدي فقال له الربيع: خنت مال الله ومال أمير المؤمنين؛ قال: لو كان ذلك لأتاك سهمك.

(1/147)

العتبي قال: دخل جامع المحاربي على الحجاج - وكان جامع شيخا صالحا خطيبا لبيبا جريئا على السلطان، وهو الذي قال للحجاج إذ بنى مدينة واسط: بنيتها في غير بلدك، وتورثها غير ولدك - لجعل الحجاج يشكو سوء طاعة أهل العراق وقبح مذهبهم. فقال له جامع: أما إنه لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لنسبك ولا لبلدك، ولا لذات نفسك، فدع عنك ما يبعدهم منك إلى ما يقربهم إليك، والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك. قال الحجاج: ما أرى أن أراد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف؛ قال: أيها الأمير، إن السيف إذ لاقى السيف ذهب الخيار؛ قال الحجاج: الخيار يومئذ لله؛ قال: أجل، ولكنك لا تدري لمن يجعله الله؛ فغضب وقال: يا هناه، إنك من محارب؛ فقال جامع:
وللحرب سمينا وكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا
فقال الحجاج: والله لقد هممت بأن أخلع لسانك فأضرب به وجهك؛ قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله؛ قال: أجل، وسكن. وشغل الحجاج ببعض الأمر، فانسل جامع، فمر بين الصفوف من أهل الشام حتى جاوزها إلى صفوف العراق، فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق، وقيس العراق، وتميم العراق، وأزد العراق، فلما رأوه أشرأبوا إليه، وقالوا له: ما عندك؟ دفع الله عنك؛ قال: ويحكم؛ عموه بالخلع كما يعمكم بالعداوة، ودعوا التعادي ما عاداكم، فإذا ظفرتم تراجعتم وتعاديتم، أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي، وأيها القيسي هو أعدى لك من التغلبي، وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم. وهرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، واستجار بزفر بن الحارث فأجاره.
العتبي قال: كان هارون الرشيد يقتل أولاد فاطمة وشيعتهم، وكان مسلم ابن الوليد صريع الغواني؛ قد رمي عنده بالتشيع، فأمر بطلبه، فهرب منه، ثم أمر بكلب أنس بن أبي شيخ كاتب البرامكة، فهرب منه، ثم وجد هو ومسلم بن الوليد عند قينة ببغداد، فلما أتي بهما، قيل له: يا أمير المؤمنين، قد أتي بالرجلين؛ قال: أي الرجلين؟ قيل: أنس بن أبي شيخ، ومسلم ابن الوليد؛ فقال: الحمد لله الذي أظفرني بهما، يا غلام، أحضرهما. فلما دخلا عليه، نظر إلى مسلم، وقد تغير لونه، فرق له وقال: إيه يا مسلم، أنت القائل:
أنس الهوى ببني علي في الحشا ... وأراه يطمح عن بني العباس
قال: بل أنا الذي أقول يا أمير المؤمنين:
أنس الهوى ببني العمومة في الحشا ... مستوحشا من سائر الإيناس
وإذا تكاملت الفضائل كنتم ... أولى بذلك يا بني العباس
قال: فعجب هارون من سرعة بديهته، وقال له بعض جلسائه: استبقه يا أمير المؤمنين، فإنه من أشعر الناس، وامتحنه فسترى منه عجبا؛ فقال له: قل شيئا في أنس؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أفرخ روعي، أفرخ الله روعك يوم الحاجة إلى ذلك، فإني لم أدخل على خليفة قط، ثم أنشأ يقول:
تلمظ السيف من شوق إلى أنس ... فالموت يلحظ والأقدار تنتظر
فليس يبلغ منه ما يؤمله ... حتى يؤامر فيه رأيك القدر
أمضى من الموت عند قدرته ... وليس للموت عفو حين يقتدر
قال: فأجلسه هارون وراء ظهره، لئلا يرى ما هم به، حتى إذا فرغ من قتل أنس، قال له: أنشدني أشعر شعر لك، فكلما فرغ من قصيدة، قال له: التي تقول فيها الوحل، فإني رويتها وأنا صغير، فأنشده شعره الذي أوله:
أديرا علي الراح لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
حتى انتهى إلى قوله:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشت به مشي المقيد في الوحل
فضحك هارون وقال: ويحك يا مسلم! أما رضيت أن قيدته، حتى جعلته يمشي في الوحل، ثم أمر له بجائزة وخلي سبيله.
قال كسرى ليوشت المغني: وقد قتل الفهليذ تلميذه، كنت أستريح منك إليه ومنه إليك، فأذهب حسدك ونغل صدرك شكر تمتعي، وأمر أن يطرح تحت أرجل الفيلة. فقال: أيها الملك، إذا كنت أنا قد أهبت شطر تمتعك، وأذهبت أنت الشطر الآخر: أليس جنايتك على نفسك، مثل جنايتي عليك؟ قال كسرى: دعوه، فما دله على هذا الكلام إلا ما جعل من طول المدة.

(1/148)

يعقوب بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قال: دخلت يوما على الرشيد، أمير المؤمنين، وهو متغيظ متربد، فندمت على دخولي عليه، وقد كنت أفهم غضبه في وجهه، فسلمت، فلم يرد؛ فقلت: داهية نآد، ثم أومأ إلي فجلست. فالتفت إلي وقال: لله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فلقد نطق بالحكمة حيث يقول:
يا أيها الزاجري عن شيمتي سفها ... عمدا عصيت مقال الزاجر الناهي
أقصر فإنك من قوم أرومتهم ... في اللؤم فافخر بهم ما شئت أو باهي
يزين الشعر أفواها إذا نطقت ... بالشعر يوما وقد يزري بأفواه
قد يرزق المر لا من فضل حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
لقد عجبت لقوم لا أصول لهم ... أثروا وليسوا وإن أثروا بأشباهي
ما نالني من غنى يوما ولا عدم ... إلا وقولي عليه الحمد لله
فقلت: يا أمير المؤمنين، ومن ذا الذي بلغت به المقدرة أن يسامي مثلك أو يدانيه؟ قال: لعله من بني أبيك وأمك.
كان الكميت بن زيد يمدح بني هاشم ويعرض ببني أمية، فطلبه هشام، فهرب منه عشرين سنة، لا يستقر به القرار من خوف هشام، وكان مسلمة بن عبد الملك له على هشام يوما إلى بعض صيوده، أتى الناس يسلمون عليه، وأتاه الكميت بن زيد فيمن أتى، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
قف بالديار وقوف زائر ... وتأن إنك غير صاغر
حتى انتهى إلى قوله:
يا مسلم بن أبي الولي ... د لميت إن شئت ناشر
غلقت حبالي من حبا ... لك ذمة الجار المجاور
فالآن صرت إلى أمي ... ة والأمور إلى المصاير
والآن كنت به المصي ... ب كمهتد بالأمس حائر
فقال مسلمة: سبحان الله، من هذا الهندكي الجلحاب الذي أقبل من أخريات الناس فبدأ بالسلام ثم أما بعد ثم الشعر؟ قيل له: هذا الكميت بن زيد. فأعجب لفصاحته وبلاغته، فسأله مسلمة عن خبره، وما كان فيه طول غيبته، فذكر له سخط أمير المؤمنين عليه، فضمن له مسلمة أمانه، وتوجه به حتى أدخله على هشام، وهشام لا يعرفه. فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله بركاته، - الحمد لله - قال هشام: نعم، الحمد لله يا هذا - قال الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه، والذي خص بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، وجعله فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنته، أحمده حمد من علم يقينا، وأبصر مستبينا، وأشهد له بما شهد به لنفسه قائما بالقسط، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده العربي، ورسوله الأمي، أرسله والناس في هبوات حيرة، ومدلهمات ظلمة، عند استمرار أبهة الضلال، فبلغ عن الله ما أمر به، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم. ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة وحرت في سكرة، إدلأم بي خطرها؛ وأهاب بي داعيها، وأجابني غاويها، فاقطوطيت إلى الضلالة، وتسكعت في الظلمة والجهالة، حائدا عن الحق، قائلا بغير صدق، فهذا مقام العائذ، ومنطق التائب، ومبصر الهدى بعد طول العمي. ثم يا أمير المؤمنين، كم من عاثر أقلتم عثرته، ومجترم عفوتم عن جرمه. فقال له هشام، وأيقن أنه الكميت: ويحك! من سن لك الغواية، وأهاب بك في العماية؟ قال: الذي أخرج أبي آدم من الجنة فنسي ولم يجد له عزما؛ وأمير المؤمنين كريح رحمة أثارت سحابا متفرقا فلفقت بعضه إلى بعض حتى التحم فاستحكم، وهدر رعده، وتلألأ برقه، فنزل الأرض فرويت واخضلت واخضرت، وأسقيت، فروي ظمآنها، وامتلأ عطشانها، فكذلك نعدك أنت يا أمير المؤمنين، أضاء الله بك الظلمة الداجية بعد العموس فيها، وحقن بك دماء قوم أشعر خوفك قلوبهم، فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وبصيرتك، وقد علموا أنك الحرب وابن الحرب، إذا حمرت الحدث، وعضت المغافر بالهام، عز بأسك، واستربط جأشك، مسعار هتاف، وكاف بصير بالأعداء، مغزي الخيل بالنكراء، مستغن برأيه عن رأي ذوي الألباب، برأي أريب، وحلم مصيب، فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء، وتمم عليه النعماء، ودفع به الأعداء. فرضي عنه هشام وأمر له بجائزة.

(1/149)

العتبي قال: لما أتي بابن هبيرة إلى خالد بن عبد الله القسري وهو والي العراق، أتي به مغلولا مقيدا في مدرعة، فلما صار بين يدي خالد ألقته الرجال إلى الأرض؛ فقال: أيها الأمير، إن القوم الذين أنعموا عليك بهذه النعمة قد أنعموا بها علي من قبلك، فأنشدك الله أن تستن في بسنة يستن بها فيك من بعدك. فأمر به إلى الحبس؛ فأمر ابن هبيرة غلمانه فحفروا له تحت الأرض سردابا حتى خرج الحفر تحت سريره، ثم خرج منه ليلا وقد أعدت له أفراس يداولها، حتى أتى مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به فأجاره، واستوهبه مسلمة من هشام ابن عبد الملك فوهبه إياه. فلما قدم خالد بن عبد الله القسري على هشام وجد عنده ابن هبيرة، فقال له: إباق العبد أبقت؛ قال له: حين نمت نومة الأمة.
فقال الفرزدق في ذلك:
لما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... فلم يبق إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا
خرجت ولم تمنن عليك شفاعة ... سوى حثك التقريب من آل أعوجا
ودخل الناس على ابن هبيرة بعدما أمنه هشام بن عبد الملك يهنئونه ويحمدون له رأيه، فقال متمثلا:
من يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
ثم قال لهم: ما كان وقلكم لو عرض لي أو أدركت في طريقي؟ ومثل هذا قول القطامي:
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
عبد الله بن سوار قال: قال لي ربيع الحاجب: أتحب أن تسمع حديث ابن هبيرة مع مسلمة؟ قلت: نعم؛ قال: فأرسل لخصي كان لمسلمة يقوم على وضوئه، فجاءه، فقال: حدثنا حديث ابن هبيرة مع مسلمة؛ قال: كان مسلمة بن عبد الملك يقوم من الليل فيتوضأ ويتنفل حتى يصبح فيدخل على أمير المؤمنين، فإني لأصب الماء على يديه م آخر الليل وهو يتوضأ إذ صاح صائح من وراء الرواق: أنا بالله وبالأمير؛ فقال مسلمة: صوت ابن هبيرة، اخرج إليه. فخرجت إليه ورجعت فأخبرته؛ فقال: أدخله، فدخل؛ فإذا رجل يميد نعاسا، فقال: أنا بالله وبالأمير؛ قال: أنا بالله وأنت بالله؛ ثم قال: أنا بالله وبالأمير؛ قال: أنا بالله وأنت بالله، حتى قالها ثلاثا؛ ثم قال: أنا بالله، فسكت عنه، ثم قال لي: انطلق به فوضئه ولصصل، ثم اعرض عليه أحب الطعام إليه فأته به وافرش له في تلك الصفة - بصفة بين يدي بيوت النساء - ولا توقظه حتى يقوم متى قام. فانطلقت به فتوضأ وصلى وعرضت عليه الطعام، فقال: شربة سويق، فشرب، وفرشت له فنام؛ وجئت إلى مسلمة فأعلمته، فغدا إلى هشام، فجلس عنده حتى إذا حان قيامه، قال: يا أمير المؤمنين، لي حاجة؛ قال: قضيت إلا أن تكون في ابن هبيرة؛ قال: رضيت يا أمير المؤمنين، ثم قام منصرفا، حتى إذا كان أن يخرج من الإيوان رجع، فقال: يا أمير المؤمنين، عودتني أن تستثني في حاجة من حوائجي، وإني أكره أن يتحدث الناس أنك أحدثت على الاستثناء؛ قال: لا أستثني عليك؛ قال: فهو ابن هبيرة. فعفا عنه.
بلغ هشام بن عبد الملك عن رجل كلام غليظ، فأحضره. فلما وقف بين يديه جعل يتكلم؛ فقال له هشام: وتتكلم أيضا؟ فقال الرجل: يقول الله عز وجل: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " فنجادل الله تعالى جدالا ولا نكلمك كلاما؟ فقال هشام بن عبد الملك: ويحك! تكلم بحاجتك.
فضيلة العفو والترغيب فيه
كان للمأمون خادم، وهو صاحب وضوئه، فبينما هو يصب الماء على يديه، إذ سقط الإناء من يده، فاغتاظ المأمون عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: " والكاظمين الغيظ " . قال: قد كظمت غيظي عنك. قال: " والعافين عن الناس " . قال: قد عفوت عنك. قال: " والله يحب المحسنين " . قال: اذهب فأنت حر.
أمر عمر عبد العزيز بعقوبة رجل، فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين، إن الله قد فعل ما تحب من الظفر، فافعل ما يحبه من العفو.
الأصمعي قال: عزم عبد الله بن علي على قتل بني أمية بالحجاز، فقال له عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: إذا أسرعت بالقتل في أكفائك، فمن تباهي بسلطانك، فاعف يعف الله عنك.

(1/150)

دخل ابن خريم على المهدي، وقد عتب على بعض أهل الشام، وأراد أن يغزيهم جيشا، فقال: يا أمير المؤمنين، عليك بالعفو عن الذنب، والتجاوز عن المسيء، فلأن تطيعك العرب طاعة محبة، خير لك من أن تطيعك طاعة خوف.
أمر المهدي بضرب عنق رجل، فقام إليه ابن السماك، فقال: إن هذا الرجل لا يجب عليه ضرب العنق؛ قال: فما يجب عليه؟ قال: تعفو عنه، فإن كان من أجر كان لك دوني، وإن كان وزر كان علي دونك. فخلى سبيله.
كلم الشعبي ابن هبيرة في قوم حبسهم، فقال: إن كنت حبستهم بباطل فالحق يطلقهم، وإن كنت حبستهم بحق فالعفو يسعهم.
العتبي قال: وقعت دماء بين حيين من قريش، فأقبل أبو سفيان، فما بقي أحد واضع رأسه غلا رفعه، فقال: ما معشر قريش، هل لكم في الحق أو فيما هو أفضل من الحق؟ قالوا: وهل شيء أفضل من الحق؟ قال: نعم، العفو، فتهادن القوم واصطلحوا.
وقال هزيم بن أبي طحمة ليزيد بن عاتكة بعد ظفره بيزيد بن المهلب: ما ظلم أحد ظلمك، ولا نصر نصرك، فهل لك في الثالثة نقلها؟ قال: وما هي؟ قال ولا عفا عفوك.
وقال المبارك بن فضالة: كنت عند أبي جعفر جالسا في السماط، إذ أمر برجل أن يقتل، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله: ألا من كانت له عند الله يد فليتقدم، فلا يتقدم إلا من عفا عن مذنب. فأمر بإطلاقه.
وقال الأحنف بن قيس: أحق الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب " وتقول العرب في أمثالها: ملكت فأسجح، وارحم ترحم، وكما تدين تدان، ومن بر يوما بر به.
بعد الهمة وشرف النفس
دخل نافع بن جبيرة بن مطعم على الوليد، وعليه كساء غليظ، وخفان جاسيان، فسلم وجلس، فلم يعرفه الوليد، فقال لخادم بين يديه: سل هذا الشيخ من هو. فسأله، فقال له: اعزب؛ فعاد إلى الوليد فأخبره؛ فقال: عد إليه واسأله؛ فعاد إليه، فقال له مثل ذلك. فضحك الوليد، وقال له: من أنت؟ قال: نافع بن جبير بن مطعم.
وقال زياد بن ظبيان لابنه عبيد الله؛ ألا أوصي بك الأمير زيادا؟ قال: يا أبت إذا لم يكن للحي إلا وصية فالحي هو الميت.
وقال معاوية لعمرو بن سعيد: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي؛ قال وبما أوصى إليك؟ قال: أن لا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
وقال مالك بن مسمع لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما في كنانتي سهم أنا به أوثق مني بك، قال: وإني لفي كنانتك! أما والله لئن كنت فيها قائما لأطولنها، ولئن كنت فيها قاعدا لأخرقنها. قال: كثر الله مثلك في العشيرة؛ قال: لقد سألت الله شططا.
وقال يزيد بن المهلب: ما رأيت أشرف نفسا من الفرزدق، هجاني ملكا ومدحني سوقة.
وقدم عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عتاب بن ورقاء الرياحي - وهو والي خراسان - فأعطاه عشرين ألفا، فقال له: والله ما أحسنت فأحمدك، ولا أسأت فألومك، وإنك لأقرب البعداء، وأحب البغضاء.
وعبيد الله بن زياد بن ظبيان هذا هو القائل: والله ما ندمت على شيء قط ندمي على عبد الملك بن مروان، إذ أتيته برأس مصعب بن الزبير فخر لله ساجدا، أن لا أكون قد ضربت عنقه، فأكون قد قتلت ملكين من ملوك العرب في يوم واحد.
ومن أشرف الناس همة عقيل بن علفة المري. وكان أعرابيا يسكن البادية، وكان تصهر إليه الخلفاء، وخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته لأحد أولاده، فقال له: جنبني هجناء ولدك.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل من بني أمية كان له أخوال في بني مرة: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة. فبلغ ذلك عقيل بن علفة، فأقبل إليه فقال له قبل أن يبتدئه بالسلام: بلغني يا أمير المؤمنين أنك غضبت على رجل من بني عمك له أخوال في بني مرة، فقلت: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرة، وأنا أقول قبح الله ألأم الطرفين، ثم انصرف. فقال عمر بن عبد العزيز: من رأى أعجب من هذا الشيخ الذي أقبل من البادية ليست له حاجة إلا شتمنا ثم انصرف؟ فقال له رجل من بني مرة: والله يا أمير المؤمنين ما شتمك وما شتم إلا نفسه وقومه، نحن والله ألأم الطرفين.

(1/151)

أبو حاتم السجستاني عن محمد بن عبد الله العتبي قال: سمعت أبي يحدث عن أبي عمرو المري، قال: كان بنو عقيل بن علفة بن مرة بن غطفان يتناقلون وينتجعون الغيث، فسمع عقيل بن علفة بنتا له ضحكت فشهقت في آخر ضحكها، فاخترط السيف وحمل عليها وهو يقول:
فرقت إني رجل فروق ... بضحكة آخرها شهيق
وقال عقيل:
إني وإن سيق إلي المهر ... ألف وعبدان وذود عشر
أحب أصهاري إلي القبر
وقال الأصمعي: كان عقيل بن علفة المري رجلا غيورا، وكان يصهر إليه الخلفاء، وإذا خرج يمتار خرج بابنته الجرباء معه. قال: فنزلوا ديرا من ديرة الشام يقال لها دير سعد، فلما ارتحلوا قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وطالما ... على عرض ناطحنه بالجماجم
ثم قال لابنه: يا عملس أجز، فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال لابنته: يا جرباء، أجيزي، فقالت:
كأن الكرى سقاهم صرخدية ... عقارا تمشى في المطا والقوائم
قال: وما يدريك أنت ما نعت الخمر! فأخذ السيف وهوى نحوها، فاستعانت بأخيها عملس، فحال بينه وبينها.
قال: فأراد أن يضربه. قال: فرماه بسهم فاختل فخذيه فبرك، ومضوا وتركوه، حتى إذا بلغو أدنى ماء للأعراب، قالوا لهم: إنا أسقطنا جزروا فأدركوها وخذوا معكم الماء، فإذا عقيل بارك وهو يقول:
إن بني زملوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
من يلق أبطال الرجال يكلم
والشنشنة: الطبيعة، وأخزم: فحل معروف، وهذا مثل للعرب ومن أعز الناس نفسا وأشرفهم همما الأنصار، وهم الأوس والخزرج ابنا قيلة، لم يؤدوا إتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبع يدعوهم إلى طاعته، ويتوعدهم إن لم يفعلوا أن يغزوهم. فكتبوا إليه:
العبد تبع كم يروم قتالنا ... ومكانه بالمنزل المتذلل
إنا أناس لا ينام بأرضنا ... عض الرسول ببظر أم المرسل
فغزاهم تبع أبو كرب، فكانوا يقاتلونه نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا، فتذمم من قتالهم ورحل عنهم.
ودخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك، فقال له: من أنت؟ وتجهم له كأنه لا يعرفه: فقال له الفرزدق: وما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا؛ قال: أنا من قوم منهم أوفى العرب، أسود العرب، وأجود العرب، وأحلم العرب، وأفرس العرب، وأشعر العرب: قال: والله لتبينن ما قلت أو لأوجعن ظهرك؛ ولأهدمن دارك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أما أوفى العرب، فحاجب بن زرارة، الذي رهن قوسه عن جميع العرب فوفى بها: وأما أسود العرب، فقيس بن عاصم، الذي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسط له رداءه، وقال: هذا سيد الوبر؛ وأما أحلم العرب، فعتاب بن ورقاء الرياحي؛ وأما أفرس العرب، فالحريش بن هلال السعدي؛ أما أشعر العرب فأنذا بين يديك يا أمير المؤمنين، فاغتم سليمان مما سمع من فخره ولم ينكره، وقال: ارجع على عقبيك، فما لك عندنا شيء من خير. فرجع الفرزدق وقال:
أتيناك لا من حاجة عرضت لنا ... إليك ولا من قلة في مجاشع
وقال الفرزدق في الفخر:
بنو دارم قومي ترى حجزاتهم ... عتاقا حواشيها رقاقا نعالها
يجرون هداب اليماني كأنهم ... سيوف جلا الأطباع عنها صقالها
وقال الأحوص في الفخر، وهو أفخر بيت قالته العرب:
ما من مصيبة نكبة أرمى بها ... ألا تشرفني وترفع شاني
وإذا سألت عن الكرام وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:19 pm

وقال أبو عبيدة: اجتمعت وفود العرب عند النعمان بن المنذر، فأخرج إليهم بردي محرق، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة فليلبسهما فقام عامر بن أحيمر السعدي فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر؛ فقال له النعمان: بم أنت أعز العرب؟ قال: العز والعدد من العرب في معد، ثم في نزار، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني؛ فسكت الناس. ثم قال النعمان: هذه حالك في قومك، فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ قال: أنا أبو عشرة، وخال عشرة، وعم عشرة؛ وأما أنا في نفسي فهذا شاهدي ثم وضع قدمه في الأرض، ثم قال: من أزالها من مكانها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد، فذهب بالبردين.
ففيه يقول الفرزدق:
فما ثم في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما سيل لم يتبهدل
لهم وهب النعمان بردي محرق ... بمجد معد والعديد المحصل
وفي أهل هذا البيت من سعد بن زيد مناة كانت الإفاضة في الجاهلية. ومنهم بنو صفوان الذين يقول فيهم أوس بن مغراء السعدي:
ولا يريمون في التعريف موقفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
ما تطلع الشمس إلا عند أولنا ... ولا تغيب إلا عند أخرانا
وقال الفرزدق في مثل هذا المعنى:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
وكانت هنيدة بنت صعصعة عمة الفرزدق تقول: من جاءت من نساء العرب بأربعة كأربعتي يحل لها أن تضع خمارها عندهم فصرمتى لها: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبرقان بن بدر، فسميت ذات الخمار.
وممن شرفت نفسه، وبعدت همته: طاهر بن الحسين الخراساني، وذلك أنه لما قتل محمد بن زبيدة، وخاف المأمون أن يغدر به، امتنع عليه بخراسان ولم يظهره خلعه.
وقال دعبل بن علي الخزاعي يفتخر بقتل طاهر بن الحسين محمدا، لأنه كان مولى خزاعة، ويقال إنه خزاعي:
أيسومني المأمون خطة عاجز ... أوما رأى بالأمس رأس محمد
توفي على روس الخلائق مثل ما ... توفي الجبال على رؤوس القردد
إني من القوم الذين هم هم ... قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد
رفعوا محلك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
وقال طاهر بن الحسين:
غضبت على الدنيا فأنهبت ما حوت ... وأعتبتها مني بإحدى المتالف
قتلت أمير المؤمنين وإنما ... بقيت عناء بعده للخلائف
وأصبحت في دار مقيما كما ترى ... كأني فيها من ملوك الطوائف
وقد بقيت في أم رأس فتكة ... فإما لرشد أو لرأي مخالف
فأجابه محمد بن يزيد بن مسلمة:
عتبت على الدنيا فلا كنت راضيا ... فلا أعتبت إلا بإحدى المتالف
فمن أنت أو ما أنت يا فقع قرقر ... إذا أنت منا لم تعلق بكانف
فنحن بأيدينا هرقنا دماءنا ... كثول تهادى الموت عند التزاحف
ستعلم ما تجني عليك وما جنت ... يداك فلا تفخر بقتل الخلائف
وقد بقيت في أم رأسك فتكة ... سنخرجها منه بأسمر راعف
وقال عبد الله بن طاهر:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول
ومدين البيض في تعب ... وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث رمى ... بهواه فهو مدخول
أقصري عما لهجت به ... ففراغي عنك مشغول
سائلي، عمن تسائلني ... قد يرد الخير مسئول
أنا من تعرف نسبته ... سلفي الغر بالبهاليل
سل بهم تنبيك نجدتهم ... مشرفيات مصاقيل
كل عضب مشرب علقا ... وغرار الحد مفلول
مصعب جدي نقيب بني ... هاشم والأمر مجبول
وحسين رأس دعوتهم ... بعده الحق مقبول
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده قولوا
صاحب الرأي الذي حصلت ... رأيه القوم المحاصيل
حل منهم بالذرى شرفا ... دونه عز وتبجيل

(1/153)

نفصح الأنباء عنه إذا ... أسكت الأنباء مجهول
سل به الجبار يوم غدا ... حوله الجرد الأبابيل
إذ علت من فوقه يده ... نوطها أبيض مصقول
أبطن المخلوع كلكله ... وحوالبه المقاويل
فثوى والترب مصرعه ... غال منه ملكه غول
وهبوا لله أنفسهم ... لا معازيل ولا ميل
ملك تجتاح صولته ... ونداه الدهر مبذول
نزعت منه تمائمه ... وهو مرهوب ومأمول
وتره يسعى إليه به ... ودم يجنيه مطلول
فأجابه محمد بن يزيد بن مسلمة، وكان من أصحابه وآثرهم عنده، ثم اعتذر إليه وزعم أنه لم يدعه إلى إجابته إلا قوله:
من يسامي مجده قولوا
فأمر له بمائة ألف وزاده أثرة ومنزلة:
لا يرعك القال والقيل ... كل ما بلغت تضليل
ما هوى لي كنت أعرفه ... بهوى غيرك موصول
أيخون العهد ذو ثقة ... لا يخون العهد متبول
حملتني كل لائمة ... كل ما حملت محمول
واحكمي ما شئت واحتكمي ... فحرامي لك تحليل
أين لي عنك إلى بدل ... لا بديل منك مقبول
ما لداري منك مقفرة ... وضميري منك مأهول
وبدت يوم الوداع لنا ... غادة كالشمس عطبول
تتعاطى شد مئزرها ... ونطاق الخصر محلول
شملنا إذ ذاك مجتمع ... وجناح البين مشكول
ثم ولت كي تودعنا ... كحلها بالدمع مغسول
أيها البادي بطيته ... ما لأغلاطك تحصيل
قد تأولت على جهة ... ولنا ويحك تأويل
إن دليلاك يوم غدا ... بك في الحين لضليل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول
قد يخون الرمح عامله ... وسنان الرمح مصقول
وينال الوتر طالبه ... بعد ما تسلو المثاكيل
بأخي المخلوع طلت يدا ... لم يكن في باعها طول
وبنعماه التي كفرت ... جالت الخيل الأبابيل
ويراع غير ذي شفق ... فعلت تلك الأفاعيل
يا بن بيت النار موقدها ... ما لحاذيه سراويل
من حسين وأبوه ومن ... مصعب غالتهم غول
إن خير القول أصدقه ... حين تصطك الأقاويل
مراسلات الملوك
العتبي عن أبيه قال: أهدى ملك اليمن عشر جزائر إلى مكة، وأمر أن ينحرها أعز قريشي. فقدمت وأبو سفيان عروس بهند بنت عتبة، فقال له: أيها الرجل، لا يشغلنك النساء عن هذه المكرمة التي لعلها أن تفوتك؛ فقال لها: يا هذه، دعي زوجك وما يختاره لنفسه، والله ما نحرها غيري إلا نحرته. فكانت في عقلها حتى خرج أبو سفيان في اليوم السابع فنحرها.
زهير عن أبي الجويرية الجرمي قال: كتب قيصر إلى معاوية: أخبرني عما لا قبلة له، وعمن لا أب له، وعمن لا عشيرة له، وعمن سار به قبره، وعن ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء، وابعث إلي في هذه القارورة ببزر كل شيء، فبعث معاوية بالكتاب والقارورة إلى ابن عباس. فقال ابن عباس: أما مالا قبلة قبله له فالكعبة؛ وأما من لا أب له فعيسى، وأما من لا عشيرة له فآدم، وأما من سار به قبره فيونس؛ وأما ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم: فكبش إبراهيم، وناقة ثمود، وحية موسى؛ وأما شيء، فالرجل له عقل يعمل بعقله؛ وأما نصف شيء، فالرجل ليس له عقل ويعمل برأي ذوي العقول؛ وأما لا شيء، فالذي ليس له عقل يعمل به ولا يستعين بعقل غيره؛ وملأ القارورة ماء، وقال: هذا بزر كل شيء: فبعث به إلى معاوية، فبعث به معاوية إلى قيصر. فلما وصل إليه الكتاب والقارورة، قال: ما خرج هذا إلا من أهل بيت النبوة.
نعيم بن حماد قال:

(1/154)

بعث ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز كتابا فيه: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك، والذي تحته ابنه ألف ملك، والذي مربطه ألف فيل، والذي له نهران ينبتان العود والألوة والجوز والكافور، والذي يوجد ريحه على مسيرة اثني عشر ميلا، إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئا، أما بعد، فإني قد بعثت إليك بهدية وما بهدية، ولكنها تحية، وأحببت أن تبعث إلي رجلا يعلمني ويفهمني الإسلام، والسلام، يعني الهدية الكتاب.
الرياشي قال: لما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كان صوابا فقد أخطأ أبوك، وإن كان خطأ فما عذرك؟ فكتب إليه: " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما " .
وكتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان: أكلت لحم الجمل الذي هرب عليه أبوك من المدينة لأغزينك جنودا مائة ألف ومائة ألف. فكتب عبد الملك إلى الحجاج أن يبعث إلى عبد الله بن الحسن ويتوعده ويكتب إليه بما يقول، ففعل، فقال عبد الله بن الحسن: إن الله عزل وجل لوحا محفوظا، يلحظه كل يوم ثلثمائة لحظة، ليس منها لحظة إلا يحيي فيها ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، وإني لأرجو أن يكفينيك منها بلحظة واحدة. فكتب به الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، وكتب به عبد الملك إلى ملك الروم، فلما قرأه قال: ما خرج هذا إلا من كلام النبوة.
بعث ملك الهند إلى هارون الرشيد بسيوف قلعية، وكلاب سيورية، وثياب من ثياب الهند؛ فلما أتته الرسل بالهدية أمر الأتراك فصفوا صفين، ولبسوا الجديد حتى لا يرى منهم إلا الحدق، وأذن للرسل فدخلوا عليه، فقال لهم: ما جئتم به؟ قالوا: هذه أشرف كسوة بلدنا، فأمر هارون القطاع بأن يقطع منها جلالا وبراقع كثيرة لخيله، فصلب الرسل على وجوههم، وتذمموا من ذلك ونكسوا رؤوسهم؛ ثم قال لهم الحاجب: ما عندكم غير هذا؟ قالوا له: هذه سيوف قلعية لا نظير لها. فدعا هارون بالصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب، فقطعت به السيوف بين يديه سيفا سيفا، كما يقط الفجل، من غير أن تنثني له شفرة، ثم عرض عليهم حد السيف فإذا لا فل فيه، فصلب القوم على وجوههم؛ ثم قيل لهم: ما عندكم غير هذا؟ قالوا: هذه كلاب سيورية لا يلقاها سبع إلا عقرته؛ فقال لهم هارون: فإن عند سبعا فإن عقرته فهي كما ذكرتم؛ ثم أمر بالأسد فأخرج إليهم: فلما نظروا إليه هالهم، وقالوا: فنرسلها عليه، وكانت الأكلب ثلاثة، فأرسلت عليه فمزقته، فأعجب بها هارون، وقال لهم: تمنوا في هذه الكلاب ما شئتم من طرائف بلدنا؛ قالوا: ما نتمنى إلا السيف الذي قطعت به سيوفنا؛ قال لهم: ما كنا لنبخل عليكم، ولكنه لا يجوز في ديننا أن نهاديكم بالسلاح، ولكن تمنوا غير ذلك ما شئتم؛ قالوا: ما نتمنى إلا السيف؛ قال: لا سبيل إليه، ثم أمر لهم بتحف كثيرة وأحسن جائزتهم.
أبو جعفر البغدادي قال:

(1/155)

لما انقبض طاهر بن الحسين بخراسان عن المأمون وأخذ حذره، أدب له المأمون وصيفا بأحسن الآداب وعلمه فنون العلم، ثم أهداه إليه مع ألطاف كثيرة من طرائف العراق، وقد واطأه على أن يسمه، وأعطاه سم ساعة، ووعده على ذلك بأموال كثيرة. فلما انتهى إلى خراسان وأوصل إلى طاهر الهدية، قبل الهدية، وأمر بإنزال الوصيف في دار، وأجرى عليه ما يحتاج إليه من التوسعة في النزالة وتركه أشهرا. فلما برم الوصيف بمكانه كتب إليه: يا سيدي، إن كنت تقبلني فاقبلني وإلا فردني إلى أمير المؤمنين؛ فأرسل إليه وأوصله إلى نفسه. فلما انتهى إلى باب المجلس الذي كان فيه، أمره بالوقوف عند باب المجلس، وقد جلس على لبد أبيض وقرع رأسه، وبين يديه مصحف منشور وسيف مسلول، فقال: قد قبلنا ما بعث به أمير المؤمنين غيرك فإنا لا نقبلك، وقد صرفناك إلى أمير المؤمنين، ولي عندي جواب أكتبه، إلا ما ترى من حالي، فأبلغ أمير المؤمنين السلام، وأعلمه بالحال التي رأيتني فيها. فلما قدم الوصيف على المأمون، وكلمه بما كان من أميره، ووصف له الحال التي رآه فيها؛ شاور وزراءه في ذلك وسألهم عن معناه، فلم يعلمه واحد منهم؛ فقال المأمون: لكني قد فهمت معناه: أما تقريعه رأسه وجلوس على اللبد الأبيض، فهو يخبرنا أنه عبد ذليل؛ وأما المصحف المنشور؛ فإنه يذكرنا بالعهود التي له علينا؛ وأما السيف المسلول، فإنه يقول: إن نكثت تلك العهود فهذا يحكم بيني وبينك، أغلقوا عنا باب ذكره، ولا تهيجوه في شيء مما هو فيه. فلم يهجه المأمون حتى مات طاهر بن الحسين، وقام عبد الله بن طار بن الحسين مكانه، فكان أخف الناس على المأمون.
وكتب طاهر بن الحسين إلى المأمون في إطلاق بن السندي من حبسه، وكان عامله على مصر فعزله عنها وحبسه، فأطلقه له وكتب إليه:
أخي أنت ومولاي ... فما ترضاه أرضاه
وما تهوى من الأمر ... فإني أنا أهواه
لك الله على ذاك ... لك الله لك الله
/كتاب الياقوتة في العلم والأدب قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في مخاطبة الملوك ومقاماتهم، وما تفننوا فيه من بديع حكمهم، والتزلف إليهم بحسن التوصل ولطيف المعاني، وبارع منطقهم، واختلاف مذاهبهم، ونحن قائلون بحمد الله وتوفيقه في العلم والأدب، فإنهما القطبان اللذان عليها مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان، وما بين الطبيعة الملكية، والطبيعة البهيمية. وهما مادة العقل وسراج البدن ونور القلب وعماد الروح، وقد جعل الله بلطيف قدرته، وعظيم سلطانه، بعض الأشياء عمدا لبعض ومتولدا من بعض، فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس تبعث خواطر الذكر، وخواطر الذكر تنبه رؤية الفكر، وروية الفكر تثير مكامن الإرادة، والإرادة تحكم أسباب العمل، فكل شيء يقوم في العقل ويمثل في الوهم يكون ذكرا، ثم فكرا، ثم إرادة، ثم عملا. والعقل متقبل للعلم لا يعمل في غير ذلك شيئا. والعلم علمان: علم حمل، وعلم استعمل فما حمل منه ضر، وما استعمل نفع. والدليل على أن العقل إنما يعمل في تقبل العلوم كالبصر في تقبل الألوان، والسمع في تقبل الأصوات، أن العاقل إذا لم يعلم شيئا كان كمن لا عقل له، والطفل الصغير لو لم تعرفه أدبا وتلقنه كتابا كان كأبله البهائم وأضل الدواب، فإن زعم زاعم فقال: إنا نجد عاقلا قليل العلم: فهو يستعمل عقله في قلة علمه، فيكون أشد رأيا، وأنبه فطنة، وأحسن موارد ومصادر من الكثير العلم مع قلة العقل، فإن حجتنا عليه ما قد ذكرناه من حمل العلم واستعماله، فقليل العلم يستعمله العقل خير من كثيره يحفظه القلب.
قيل للمهلب: بم أدركت ما أدركت؟ قال: بالعلم، قيل له: فإن غيرك قد علم أكثر مما علمت، ولم يدرك ما أدركت، قال: ذلك علم حمل، وهذا علم استعمل.
وقد قالت الحكماء: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس ذود، فإذا كان قائد بلا سائق هلكت " الماشية " ، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، وإذا اجتمعا أنابت طوعا أو كرها.
فنون العلم

(1/156)

قال سهل بن هارون يوما وهو عند المأمون: من أصناف العلم مالا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال؟ فقال المأمون: قد يسمي بعض الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كان هذا أردت فوجهه الذي ذكرت؛ ولو قلت أيضا: إن العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا تستقى أصوله، ولا تنضبط أجزاؤه، صدقت، فإن كان الأمر كذلك فابدأ بالأهم فالأهم، والأوكد فالأوكد، وبالفرض قبل النفل، يكن ذلك عدلا قصدا ومذهبا جميلا. وقد قال بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في غايته والوقوف على نهايته، ولكن التماس مالا يسع جهله؛ فهذا وجه لما ذكرت. وقال آخرون: علم الملوك والنسب والخبر، وعلم أصحاب الحروب درس كتب الأيام والسير، وعلم التجار الكتاب والحساب، فأما أن يسمى الشيء علما وينهى عنه من غير أن يسأل عما هو أنفع منه فلا.
وقال محمد بن إدريس رضي الله عنه: العلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان.
وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: من أراد أن يكون عالما فليطلب فنا واحدا، ومن أراد أن يكون أديبا فليتسع في العلوم.
وقال أبو يوسف القاضي: ثلاثة لا يسلمون من ثلاثة: من طلب الدين بالفلسفة لم يسلم من الزندقة، ومن طلب " المال " بالكيمياء لم يسلم من الفقر، ومن طلب غرائب الحديث لم يسلم من الكذب.
وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا من كل شيء أحسنه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كفاك من علم الدين أن تعرف مالا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل، قال الشاعر:
وما من كاتب إلا ستبقى ... كتابته وإن فنيت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه
قال الأصمعي: وصلت بالملح، ونلت بالغريب.
وقالوا: من أكثر من النحو حمقه، ومن أكثر من الشعر بذله، ومن أكثر من الفقه شرفه.
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
كم من حديث معجب عندي لكا ... لو قد نبذت به إليك لسركا
مما تخيره الرواة مهذب ... كالدر منتظما بنحر فلكا
أتتبع العلماء أكتب عنهم ... كيما أحدث من لقيت فيضحكا
الحض على طلب العلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
وقال عليه الصلاة والسلام: الناس عالم ومتعلم وسائرهم همج.
وعنه صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، ولمداد جرت به أقلام العلماء خير من دماء الشهداء في سبيل الله.
وقال داود لابنه سليمان عليهما السلام: لف العلم حول عنقك، واكتبه في ألواح قلبك.
وقال أيضا: اجعل العلم مالك، والأدب حليتك.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمة كل إنسان ما يحسن.
وقيل لأبي عمرو بن العلاء: هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش فإنه يحسن به أن يتعلم.
وقال عروة بن الزبير رحمه الله تعالى " لبنيه " : يا بني، اطلبوا العلم فإن تكونوا صغار " قوم " لا يحتاج إليكم، فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين لا يستغني عنكم.
وقال ملك الهند لولده، وكان له أربعون ولدا: يا بني، أكثروا من النظر في الكتب، وازدادوا في كل يوم حرفا، فإن ثلاثة لا يستوحشون في غربة: الفقيه العالم، والبطل الشجاع، والحلو اللسان الكثير مخارج الرأي.
وقال المهلب لبنيه: إياكم أن تجلسوا في الأسواق إلا عند زراد أو وراق، أراد الزراد للحرب، والوراق للعلم.
وقال الشاعر:
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب ... تلهو به إن خانك الأحباب
لا مفشيا سرا إذا استودعته ... وتفاد منه حكمة وصواب
وقال " آخر " :
ولكل طالب لذة متنزه ... وألذ نزهة عالم في كتبه

(1/157)

ومر رجل بعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وهو جالس في المقبرة، وبيده كتاب، فقال له: ما أجلسك هاهنا؟ قال: إنه لا أوعظ " من " قبر، ولا أمتع من كتاب.
وقال رؤبة بن العجاج: قال لي النسابة البكري: يا رؤبة، لعلك من قوم إن سكت عنهم لم يسألوني، وإن حدثتهم لم يفهموني؟ قلت: إني أرجو أن لا أكون كذلك. قال: فما آفة العلم ونكده وهجنته؟ قلت: تخبرني؛ قال: آفته النسيان، ونكده الكذب، وهجنته نشره عند غير أهله.
وقال عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا.
وقال: ذللت طالبا فعززت مطلوبا.
وقال رجل لأبي هريرة: أريد أن أطلب العلم وأخاف أن أضيعه قال: كفاك بترك طلب العلم إضاعة له.
وقال عبد الله بن مسعود: إن الرجل لا يولد عالما، وإنما العلم بالتعلم.
وأخذه الشاعر فقال:
تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
ولآخر:
تعلم فليس المرء يخلق عالما ... وما عالم أمرا كمن هو جاهل
ولآخر:
ولم أر فرعا طال إلا بأصله ... ولم أر بدء العلم إلا تعلما
وقال آخر.
العلم يحي قلوب الميتين كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر
وقال بعض الحكماء: اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى لنفسك، وأخف على قلبك، فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له وسهولته عليك.
فضيلة العلم
حدثنا أيوب بن سليمان قال حدثنا عامر بن معاوية عن أحمد بن عمران الأخنس عن الوليد بن صالح الهاشمي عن عبد الله بن عبد الرحمن الكوفي عن أبي مخنف عن كميل النخعي، قال: أخذ بيدي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فخرج بي إلى ناحية الجبانة، فلما أسحر تنفس الصعداء، ثم قال: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، مع كل ريح يميلون، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل: العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، ومنفعة المال تزول بزواله. يا كميل: محبة العلم دين يدان به، يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. والعلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كميل: مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ها إن هاهنا لعلما جما - وأشار بيده إلى صدره - لو وجدت له حملة؛ بلى أجد لقنا غير مأمون، يستعمل " آلة " الدين للدنيا، ويستظهر بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادا لحملة الحق ولا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ " أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادخار " ، ليسا من رعاة الدين، " في شيء " ، أقرب شبها بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه؛ اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله، إما ظاهرا مشهورا، وإما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين؟ أولئك " والله " الأقلون عددا، والأعظمون " عند الله " قدرا، بهم يحفظ الله حججه " وبيناته " ، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الإيمان حتى باشروا روح اليقين، فاستلانوا ما آستخشن المترفون، وأنسوا بما آستوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالرفيق الأعلى. يا كميل: أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقا إليهم، انصرف " يا كميل " إذا شئت.

(1/158)

قيل للخليل بن أحمد: أيهما أفضل، العلم أو المال؟ قال: العلم. قيل له: فما بال العلماء يزدحمون على أبواب الملوك، والملوك لا يزدحمون على أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بحق الملوك، وجهل الملوك بحق العلماء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: فضل العلم خير من فضل العبادة.
وقال عليه الصلاة والسلام: إن قليل العمل مع العلم كثير، كما أن كثيره مع الجهل قليل.
وقال عليه الصلاة والسلام: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف القائلين، وآنتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وقال الأحنف بن قيس: كاد العلماء أنت يكونوا أربابا، وكل عز لم يوكد بعلم فإلى ذل ما يصير.
وقال أبو الأسود الدؤلي: الملوك حكام على الدنيا، والعلماء حكام على الملوك وقال أبو قلابة: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، من تركها ضل، ومن غابت عنه تحير.
وقال سفيان بن عيينة: إنما العالم مثل السراج، من جاءه اقتبس من علمه، ولا ينقصه شيئا؛ كما لا ينقص القابس من نور السراج شيئا.
وفي بعض الأحاديث: إن الله لا يقتل نفس التقي العالم جوعا.
وقيل للحسن بن أبي الحسن البصري: لم صارت الحرفة مقرونة مع العلم، والثروة مقرونة مع الجهل؟ فقال: ليس كما قلتم، ولكن طلبتم قليلا في قليل فأعجزكم: طلبتم المال وهو قليل " في الناس " في أهل العلم! وهم قليل " في الناس " ، ولو نظرتم إلى من احترق من أهل الجهل لوجدتموهم أكثر.
وقال الله تبارك وتعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء " و " وما يعقلها إلا العالمون " .
وقيل: لا تمنعوا العلم أهله فتظلموهم، ولا تعطوه غير أهله فتظلموه. ولبعضهم:
من منع الحكمة أربابها ... أصبح في الحكم لهم ظالما
وواضع الحكمة في غيرهم ... يكون في الحكم لها غاشما
سمعت يوما مثلا سائرا ... وكنت في الشعر له ناظما:
لا خير في آلمرء إذا ما غدا ... لا طالبا علما ولا عالما
وقيل لبعض العلماء: كيف رأيت العلم؟ قال: إذا اغتممت سلوتي، وإذا سلوت لذاتي.
وأنشد لسابق البربري:
العلم زين وتشريف لصاحبه ... والجهل والنوك مقرونان في قرن
ولغيره:
وإذا طلبت العلم فاعلم أنه ... حمل فأبصر أي شيء تحمل
وإذا علمت بأنه متفاضل ... فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل
الأصمعي قال:
أول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل، والخامس نشره.
ويقال: العالم والمتعلم شريكان، والباقي همج.
وأنشد:
لا ينفع العلم قلبا قاسيا أبدا ... ولا يلين لفك الماضغ الحجر
وقال معاذ بن جبل: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار سبيل أهل الجنة، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والزبن عند الإخلاء، والسلاح على الأعداء. يرفع الله به قوما فيجعلهم قادة أئمة تقتفى آثارهم، ويقتدى بفعالهم. والعلم حياة القلب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف يبلغ بالعبد منازل الأخيار، والدرجات العلا في الدنيا والآخرة، الفكر فيه يعدل الصيام، ومذاكرته القيام، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال من الحرام.
ولابن طباطبا العلوي:
" حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه،
يلوم على أن رحت في العلم طالبا ... أجمع من عند الرجال فنونه
فأملك أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه

(1/159)

ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أغال بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه "
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ضبط العلم والتثبت فيه
قيل لمحتد بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما هذا العلم الذي بنت به عن العالم؟ قال: كنت إذا أخذت كتابا جعلته مدرعة.
وقيل لرقبة بن مصقلة: ما أكثر شكك؟ قال: محاماة عن اليقين.
وسأل شعبة أيوب السختياني عن حديث، فقال: أشك فيه. فقال: شكك أحب إلي من يقيني.
وقال أيوب: إن من أصحابي من أرتجي بركة دعائه، ولا أقبل حديثه.
وقالت الحكماء: علم علمك من يجهل وتعلم ممن يعلم، فإذا فعلت ذلك حفظت ما علمت، وعلمت ما جهلت.
وسأل إبراهيم النخعي عامرا الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري؟ فقال: هذا والله العالم، سئل عما لا يدري، فقال: لا أدري.
وقال مالك بن أنس: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتلة.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: من سئل عما لا يدري فقال: لا أدري، فقد أحرز نصف العلم.
وقالوا: العلم ثلاثة: حديث مسند، وآية محكمة، ولا أدري. فجعلوا لا أدري من العلم، إذ كان صوابا من القول.
وقال الخليل بن أحمد: إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجلس عند غيره.
وكان الخليل قد غلبت عليه الإباضية حتى جالس أيوب وقالوا: عواقب المكاره محمودة.
وقالوا: الخير كله فيما أكرهت النفوس عليه.
انتحال العلم
قال بعض " الحكماء " : لا ينبغي لأحد أن ينتحل العلم، فإن الله عز وجل يقول: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " . وقال عز وجل: " وفوق كل ذي علم عليم " .
وقد ذكر عن موسى بن عمران عليه السلام، أنه لما كلمه الله تعالى تكليما، ودرس التوارة وحفظها، حدثته نفسه: أن الله لم يخلق خلقا أعلم منه. فهون الله عليه نفسه بالخضر عليه السلام.
وقال مقاتل بن سليمان، وقد دخلته أبهة العلم: سلوني عما تحت العرش إلى أسفل الثرى. فقام إليه رجل من القوم فقال: ما نسألك عما تحت العرش، ولا أسفل الثرى، ولكن نسألك عما كان في الأرض، وذكره الله في كتابه، أخبرني عن كلب أهل الكهف، ما كان لونه؟ فأفحمه.
وقال قتادة: ما سمعت شيئا قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئا قط فنسيته، ثم قال: يا غلام، هات نعلي؛ فقال: هما في رجليك، ففضحه الله.
وأنشد أبو عمرو بن العلاء في هذا المعنى:
من تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان
" وفي هذا المعنى:
من تحلى بغير ما هو فيه ... شان ما في يديه ما يدعيه
وإذا قلل الدعاوى لما في ... ه أضافوا إليه ما ليس فيه
وممك الفتى سيظهر للنا ... س وإن كان دائبا يخفيه
يحسب الذي ادعى ماعداه ... أنه عالم بما يفتريه
وقال شبيب بن شيبة لفتى من دوس: لا تنازع من فوقك، ولا تقل إلا بعلم، ولا تتعاط ما لم تبل، ولا يخالف لسانك ما في قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تدع الأمر إذا أقبل، ولا تطلبه إذا أدبر " .
وقال قتادة: حفظت ما لم يحفظ أحد، وأنسيت ما لم ينس أحد، حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي وأنا أريد قطع ما تحت يدي فقطعت ما فوقها.
ومر الشعبي بالسدي، وهو يفسر القرآن، فقال: لو كان هذا الساعة نشوان يضرب على استه بالطبل، أما كان خيرا له؟ وقال بعض المنتحلين:
يجهلني قومي وفي عقد مئزري ... تمنون أمثالا لهم محكم العلم
وما عن لي من غامض العلم غامض ... مدى الدهر إلا كنت منه على فهم
وقال عدي بن الرقاع:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:22 pm

وعلمت حتى ما أسائل عالما ... عن علم واحدة لكي أزدادها
شرائط العلم وما يصلح له
وقالوا: لا يكون العالم عالما، حتى تكون فيه ثلاث خصال: لا يحتقر من دونه، ولا يحسد من فوقه، ولا يأخذ على العلم ثمنا.
وقالوا: رأس العلم الخوف " من " الله تعالى.
وقيل للشعبي: أفتني أيها العالم؛ فقال: إنما العالم من اتقى الله.
وقال الحسن: يكون الرجل عالما ولا يكون عابدا، ويكون عابدا ولا يكون عاقلا.
وكان مسلم بن يسار عالما عابدا عاقلا.
وقالوا: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة.
وقالوا: من تمام آلة العالم أن يكون شديد الهيبة، رزين المجلس، وقورا صموتا، بطيء الالتفات، قليل الإشارات، ساكن الحركات، لا يصخب ولا يغضب، ولا يبهر في كلامه، ولا يمسح عثنونه عند كلامه في كل حين؛ فإن هذه كلها من آفات العي.
وقال الشاعر:
مليء ببهر وآلتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
ومدح خالد بن صفوان رجلا، فقال: كان بديع المنطق، جزل الألفاظ، عربي اللسان، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل. كثير الطلاوة، صموتا وقورا، يهنأ الجرب، ويداوي الدبر، ويقل " " الحز، ويطبق المفصل، لم يكن بالزمر المروءة، ولا الهذر المنطبق، متبوعا غير تابع.
كأنه علم في رأسه نار وقال عبد الله بن المبارك في مالك بن أنس رضي الله عنه:
يأتي الجواب فما يراجع هيبة ... فالسائلون نواكس الأذقان
هدي الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان
وقال عبد الله بن المبارك فيه أيضا:
صموت إذا ما الصمت زين أهله ... وفتاق أبكار الكلام المختم
وعى ما وعى القران من كل حكمة ... وسيطت له الآداب باللحم والدم
ودخل رجل على عبد الملك بن مروان، وكان لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما، فقال له: أنى لك هذا؟ فقال: لم أمنع قط يا أمير المؤمنين علما أفيده، ولم أحتقر علما أستفيده، وكنت إذا لقيت الرجل أخذت منه وأعطيته.
وقالوا: لو أن أهل العلم صانوا علمهم لسادوا أهل الدنيا، لكن وضعوه غير موضعه فقصر في حقهم أهل الدنيا.
حفظ العلم واستعماله
قال عبد الله بن مسعود: تعلموا فإذا علمتم فاعملوا.
وقال مالك بن دينار: العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلب، كما يزل الماء عن الصفا.
وقالوا: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يطلب العمل.
وقال الطائي:
ولم يحمدوا من عالم غير عامل ... ولم يحمدوا من عامل غير عالم
وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: أيها الناس، تعلموا كتاب الله تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله.
وقالوا: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وروى زياد عن مالك قال: كن عالما أو متعلما " أو مستمعا " ، وإياك والرابعة فإنها مهلكة، ولا تكون عالما حتى تكون عاملا، ولا تكون مؤمنا حتى تكون تقيا.
وقال أبو الحسن: كان " وكيع " بن الجراح يستحفظ كل يوم ثلاثة أحاديث.
وكان الشعبي والزهري يقولان: ما سمعنا حديثا قط وسألنا إعادته.
رفع العلم وقولهم فيه
قال عبد الله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يرفع.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء.
وقال عبد الله بن عباس رضوان الله عليهما، لما ووري زيد بن ثابت في قبره: من سره أن يرى كيف يقبض العلم فهكذا يقبض.
تحامل الجاهل على العالم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل لعالم أمر من جاهله.
وقالوا: إذا أردت أن تفحم عالما فأحضره جاهلا.

(1/161)

وقالوا: لا تناظر جاهلا.
وقالوا: لا تناظر جاهلا ولا لجوجا، فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلم بغير شكر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: آرحموا عزيزا ذل، ارحموا غنيا افتقر، آرحموا عالما ضاع بين جهال.
وجاء كيسان إلى الخليل بن أحمد يسأله عن شيء، ففكر فيه الخليل ليجيبه، فلما استفتح الكلام؟ قال له: لا أدري ما تقول؛ فأنشأ الخليل يقول:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتتي ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
وقال حبيب:
وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل من جهله
ما غبن المغبون مثل عقله ... من لك يوما بأخيك كله
تبجيل العلماء وتعظيمهم
الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت فأخذ عبد الله بن عباس بركابه، فقال: لا تفعل بابن عم رسول الله صلى الله عليه؛ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. قال زيد: أرني يدك، فلما أخرج يده قبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بابن عم نبينا.
وقالو: خدمة العالم عبادة.
وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: من حق العالم عليك إذا أتيته أن تسلم عليه خاصة، وعلى القوم عامة، وتجلس قدامه، ولا تشر بيدك، ولا تغمز بعيليك، ولا تقل: قال فلان خلاف قولك، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه في السؤال، فإنما هو بمنزلة النخلة المرطبة، التي لا يزال يسقط عليك منها شيء. وقالوا: إذا جلست إلى العالم فسل تفقها ولا تسل تعنتا.
عويص المسائل
الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات. قال الأوزاعي: يعني صعاب المسائل. وكان ابن سيرين إذا سئل عن مسألة فيها أغلوطة، قال للسائل: أمسكها حتى نسأل عنها أخاك إبليس.
وسأل عمر بن قيس مالك بن أنس عن محرم نزع نابي ثعلب، فلم يرد عليه شيئا.
وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال: ما تقول في رجل أمه عند رجل آخر؟ فقال: يمسك عنها، أراد عمر أن الرجل يموت وأمه عند رجل آخر، وقول علي يمسك عنها. يريد الزوج يمسك عن أم الميت حتى تستبرئ من طريق الميراث.
وسأل رجل عمر بن قيس عن الحصاة يجدها الإنسان في ثوبه أو في خفه أو في جبهته من حصى المسجد؛ فقال: ارم بها قال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى ترد إلى المسجد؛ فقال: دعها تصيح حتى ينشق حلقها؟ فقال الرجل: سبحان الله! ولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح؟ وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: " الرحمن على العرش آستوى " كيف هذا الاستواء؟ قال: الاستواء معقول والكيف مجهول، ولا أظنك إلا رجل سوء.
وروى مالك بن أنس الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. فقال له رجل: فكيف نصنع في المهراس أبا عبد الله؟ - والمهراس: حوض مكة الذي يتوضأ الناس فيه - فقال: من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، ومنا التسليم، أمروا الحديث.
وقيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: يكفيه منها كوكب الجوزاء.
وسئل علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماء والأرض؟ فقال: أين: توجب المكان، وكان الله عز وجل ولا مكان.
التصحيف
وذكر الأصمعي رجلا بالتصحيف، فقال: كان يسمع فيعي غير ما يسمع، ويكتب غير ما وعى، ويقرأ في الكتاب غير ما هو فيه.
وذكر آخر رجلا بالتصحيف، فقال: كان إذا نسخ الكتاب مرتين عاد سريانيا.
طلب العلم لغير الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:23 pm

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أعطي الناس العلم ومنعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بشر الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ العلماء إذا فسدوا.
وقال الفضيل بن عياض: كان العلماء ربيع الناس، إذ رآهم المريض لم يسره أن يكون صحيحا، وإذا نظر إليهم الفقير لم يود أن يكون غنيا، " وقد صاروا اليوم فتنة للناس " .
وقال عيسى بن مريم عليه السلام: سيكون في آخر الزمان علماء يزهدون في الدنيا ولا يزهدون، ويرغبون في الآخرة ولا يرغبون، ينهون عن إتيان الولاة ولا ينتهون، يقربون الأغنياء، ويبعدون الفقراء، ويتبسطون للكبراء، وينقبضون عن الحقراء، أولئك إخوان الشياطين وأعداء الرحمن.
وقال محمد بن واسع: لأن تطلب الدنيا بأقبح مما تطلب به الآخرة خير من أن تطلبها بأحسن مما تطلب به الآخرة.
وقال الحسن: العلم علمان، علم في القلب، فذاك العلم النافع، وعلم في اللسان، فذاك حجة الله على عباده.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الزبانية لا تخرج إلى فقيه ولا إلى حملة القران إلا قالوا لهم: إليكم عنا، دونكم عبدة الأوثان. فيشتكون إلى الله، فيقول: ليس من علم كمن لم يعلم.
وقال مالك بن دينار: من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفيه، ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة.
وقال ابن شبرمة: ذهب العلم إلا غبرات في أوعية سوء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من طلب العلم لأربع دخل النار: من طلبه ليباهي به العلماء، وليماري به السفهاء، وليستميل به وجوه الناس إليه، أو ليأخذ به من السلطان.
وتكلم مالك بن دينار فأبكى أصحابه، ثم افتقد مصحفه، فنظر إلى أصحابه وكلهم يبكي، فقال: ويحكم! كلكم يبكي، فمن أخذ هذا المصحف؟ قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبو سليمان في طريق الحج: يا أحمد، إن الله قال لموسى بن عمران: مر ظلمة بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني لا أذكر من ذكرني منهم إلا بلعنة حتى يسكت. ويحك يا أحمد! بلغني أنه من حج بمال من غير حله ثم لبى قالت الله تبارك وتعالى: لا لبيك ولا سعديك حتى تؤدي ما بيديك، فلا يؤمننا أن يقال لنا ذلك.
باب من أخبار العلماء والأدباء
أملى أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الخشني. إن عبد الله بن عباس سئل عن أبي بكر رضي الله عنه، فقال: كان والله خيرا كله مع الحدة التي كانت فيه. قالوا: فأخبرنا عن عمر رضوان الله عليه. قال: كان والله كالطير الحذر الذي نصب فخ له فهو يخاف أن يقع فيه. قالوا فأخبرنا عن عثمان، قال: كان والله صواما قواما. قالوا: فأخبرنا عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: كان والله ممن حوى علما وحلما؟ حسبك من رجل أعزته سابقته وقدمته قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلما أشرف على شيء إلا ناله. قالوا: يقال إنه كان محدودا؛ قال: أنتم تقولونه.
وذكروا أن رجلا أتى الحسن، فقال؛ أبا سعيد، إنهم يزعمون أنك تبغض عليا، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال؛ كان علي بن أبي طالب سهما صائبا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا قرابة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن بالنئومة عن أمر الله، ولا بالملولة في حق الله، ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القران عزائمه ففاز منه برياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك علي بن أبي طالب يا لكع.
وسئل خالد بن صفوان عن الحسن البصري، فقال: كان أشبه الناس علانية بسريرة، وسريرة بعلانية، واخذ الناس لنفسه بما يأمر به غيره. " يا له " من رجل استغنى عما في أيدي الناس من دنياهم، واحتاجوا إلى ما في يديه من دينهم.

(1/163)

ودخل عروة بن الزبير بستانا لعبد الملك بن مروان، فقال عروة: ما أحسن هذا البستان! فقال له عبد الملك: أنت والله أحسن منه، إن هذا يؤتي أكله كل عام، وأنت تؤتي أكلك كل يوم.
وقال محمد بن شهاب الزهري: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنا، فقال: من أنت؟ فانتسبت إليه، فعرفني، فقال: لقد كان أبوك وعمك نعاقين في فتنة ابن الزبير؟ قلت: يا أمير المؤمنين، مثلك إذا عفا يعد، وإذا صفح لم يثرب، قال لي: أين نشأت؟ قلت بالمدينة؟ قال: عند من طلبت؟ قلت: عند ابن يسار وقبيصة ابن ذؤيب وسعيد بن المسيب؟ قال لي: وأين كنت من عروة بن الزبير؟ فإنه بحر لا تكدره الدلاء.
وذكر الصحابة عند الحسن البصري، فقال: رحمهم الله، شهدوا وغبنا، وعلموا وجهلنا، فما اجتمعوا عليه اتبعنا، وما اختلفوا فيه وقفنا.
وقال جعفر بن سليمان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت أحدا أقشف من شعبة، ولا أعبد من سفيان، ولا أحفظ من ابن المبارك.
وقال: ما رأيت مثل ثلاثة: عطاء بن أبي رباح بمكة، ومحمد بن سيرين بالعراق، ورجاء بن حيوة بالشام.
وقيل لأهل مكة: كيف كان عطاء بن أبي رباح فيكم؟ فقالوا: كان مثل العافية التي لا يعرف فضلها حتى تفقد.
وكان عطاء بن أبي رباح أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي، وأمه سوادء تسمى بركة.وكان الأحنف بن قيس: أعور أعرج، ولكنه إذا تكلم جلا عن نفسه.
وقال الشعبي: لولا أني زوحمت في الرحم ما قامت لأحد معي قائمة، وكان توأما.
وقيل لطاووس: هذا قتادة يريد أن يأتيك، قال: لئن جاء لأقومن، قيل إنه فقيه، قال: ابليس أفقه منه؟ قال: " رب بما أغويتني " .
وقال الشعبي: القضاة أربعة: عمر وعلي وعبد الله وأبو موسى.
وقال الحسن: ثلاثة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، الابن والأب والجد: عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، ومعن بن يزيد بن الأخنس السلمي.
وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فقيها شاعرا، وكان أحد السبعة من فقهاء المدينة.
وقال الزهري: كنت إذا لقيت عبيد الله بن عبد الله، فكأنما أفجر به بحرا.
وقال عمر بن عبد العزيز: وددت لو أن لي مجلسا من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يفتني.
ولقيه سعيد بن المسيب فقال له: أنت الفقيه الشاعر؟ قال: لا بد للمصدور أن ينفث.
وكتب عبيد الله بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز، وبلغه عنه شيء يكرهه:
أبا حفص أتاني عنك قول ... قطعت به وضاق به جوابي
أبا حفص فلا أدري أرغمي ... تريد بما تحاول أم عتابي
فإن تك عاتبا تعتب وإلا ... فما عودي إذا بيراع غاب
وقد فارقت أعظم منك رزءا ... وواريت الأحبة في التراب
وقد عزوا علي واسلموني ... معا فلبست بعدهم ثيابي
وكان خالد بن يزيد بن معاوية أبو هاشم عالما كثير الدراسة للكتب وربما قال الشعر، ومن قوله:
هل أنت منتفع بعل ... مك مرة والعلم نافع
ومن المشير عليك بال ... رأي المسدد أنت سامع
الموت حوض لا محا ... لة فيه كل الخلق شارع
ومن التقى فازرع فإن ... ك حاصد ما أنت زارع
وقال عمر بن عبد العزيز: ما ولدت أمية مثل خالد بن يزيد، ما أستثني عثمان ولا غيره.
وكان الحسن في جنازة فيها نوائح، ومعه سعيد بن جبير، فهم سعيد بالانصراف، فقال له الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك.
وعن عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة عن ابن المبارك قال: علمني سفيان الثوري اختصار الحديث.
وقال الأصمعي: حدثنا شعبة قال: دخلت المدينة فإذا لمالك حلقة وإذا نافع قد مات قبل ذلك بسنة، وذلك سنة ثماني عشرة ومائة.

(1/164)

وقال أبو الحسن بن محمد: ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت، فيقول: هذا الحديث لذا وذا لهذا، فيكون كما قال.
وقال شريك: إني لأسمع الكلمة فيتغير لها لوني.
وقال ابن المبارك: كل من ذكر لي عنه وجدته دون ما ذكر إلا حيوة بن شريح وأبا عون.
وكان حيوة بن شريح يقعد للناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة ألق الشعير للدجاج، فيقوم.
وقال أبو الحسن: سمع سليمان التيمي من سفيان الثوري ثلاثة آلاف حديث.
وكان يحيى بن اليمان يذهب بابنه داود كل مذهب، فقال له يوما؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم كان منصور، ثم كان سفيان. ثم كان وكيع، قم يا داود: يعني أنه أهل للإمامة. ومات داود سنة أربع ومائتين.
وقال الحسن: حدثني أبي قال: أمر الحجاج أن لا يؤم بالكوفة إلا عربي.
وكان يحيى بن وثاب يؤم قومه بني أسد، وهو مولى لهم؛ فقالوا: اعتزل، فقال: ليس عن مثلي نهى، أنا لاحق بالعرب، فأبوا، فأتى الحجاج فقرأ؛ فقال: من هذا.؟ فقالوا: يحيى بن وثاب؛ قال: ماله؟ قالوا: أمرت أن لا يؤم إلا عربي فنحاه قومه؛ فقال. ليس عن مثل هذا نهيت، يصلي بهم. قال: فصلى بهم الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال: اطلبوا إماما غيري، إنما أردت أن لا تستذلوني، فأما إذ صار الأمر إلي، فأنا أؤمكم؟ لا ولا كرامة.
وقال الحسن: كان يحيى بن اليمان يصلي بقومه، فتعصب عليه قوم منهم. فقالوا: لا تصل بنا، لا نرضاك، إن تقدمت نحيناك: فجاء بالسيف فسل منه أربع أصابع ثم وضعه في المحراب، وقال: لا يدنو منى أحذ إلا ملأت السيف منه؛ فقالوا: بيننا وبينك شريك؛ فقدموه إلى شريك فقالوا: إن هذا كان يصلي بنا وكرهناه؛ فقال لهم شريك: من هو؟ قالوا: يحيى بن اليمان؛ فقال: يا أعداء الله، وهل بالكوفة أحد يشبه يحيى؛ لا يصلي بكم غيره. فلما حضرته الوفاة، قال لابنه داود: يا بني، كان ديني يذهب مع هؤلاء، فإن اضطروه إليك بعدي فلا تصل بهم. وقال يحيى بن اليمان: تزوجت أم داود وما كان عندي ليلة العرس إلا بطيخة، أكلت أنا نصفها وهي نصفها، وولدت داود، فما كان عندنا شيء نلفه فيه، فاشتريت له كسوة بحبتين، فلففناه فيها.
وقال الحسن بن محمد: كان لعلي ضفيرتان، ولابن مسعود ضفيرتان.
وذكر عبد الملك بن مروان روحا، فقال: ما أعطي أحد ما أعطي أبو زرعة، أعطي فقه الحجاز، ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام.
وروي أن مالك بن أنس كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير، فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر.
ذكر هذا محمد بن يزيد في الكامل، " ثم " ، قال: فأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم، وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان، فترحم عليه ثلاثا، ولعن قتلته ثلاثا " ويقول: لو لم نلعنهم للعنا " ؛ ثم يذكر عليا فيقول: لم يزل علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه مظفرا مؤيدا بالنعم حتى حكم، ثم يقول: ولم تحكم والحق معك؟ ألا تمضي قدما لا أبا لك.
وهذه الكلمة وإن كان فيها جفاء، فإن بعض العرب يأتي بها على معنى المدح، فيقول: انظر في أمر رعيتك لا أبا لك " وأنت على الحق " 0 وقال أعرابي:
رب العباد ما لنا وما لكا ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبا لكا
وقال ابن أبي الحواري: قلت لسفيان: بلغني في قول الله عز وجل: " إلا من أتى الله بقلب سليم " . أنه الذي يلقى الله وليس في قلبه أحد غيره. قال: فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا.
وقال ابن المبارك: كنت مع محمد بن النضر الحارثي في سفينة، فقلت: بأي شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: إنما هي المبادرة يا بن أخي. فجاءني والله بفتيا غير فتيا إبراهيم والشعبي.

(1/165)

وقال الفضيل بن عياض: اجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار في مجلس بالبصرة، فقال مالك بن دينار: ما هو إلا الله أو النار، فقال محمد بن واسع لمن كان عنده: كنا نقول: ما هو إلا عفو الله أو النار. قال مالك بن دينار: إنه ليعجبني أن تكون للإنسان معيشة قدر ما يقوته. فقال محمد بن واسع: ما هو إلا كما تقول: وليس يعجبني أن يصبح الرجل وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله عز وجل. فقال مالك: ما أحوجني إلى أن يعظني مثلك.
وكان يجلس إلى سفيان فتى كثير الفكرة، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه ليسمع كلامه، فقال: يا فتى، إن من كان قبلنا مروا على خيل عتاق وبقينا على حمير دبرة. قال: يا أبا عبد الله، إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بالقوم. الأصمعي عن شعبة قال: ما أحدثكم عن أحد ممن تعرفون، وممن لا تعرفون، إلا وأيوب ويونس وابن عون " وسليمان " خير منهم.
قال الأصمعي: وحدثني سلام بن أبي مطيع؟ قال: أيوب أفقههم: وسليمان التيمي أعبدهم، ويونس أشدهم " زهدا " ، عند الدراهم، وابن عون أضبطهم لنفسه في الكلام.
" الأصمعي قال؛ حدثنا نافع بن أبي نعيم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: ألف عن ألف خير من واحد عن واحد، " فلان عن فلان " ينتزع السنة من أيديكم " .
وكان إبراهيم النخعي في طريق فلقيه الأعمش فانصرف معه، فقال له: يا إبراهيم، إن الناس إذا رأونا قالوا: أعمش وأعور قال: وما عليك أن يأثموا ونؤجر؛ قال: وما عليك أن يسلموا ونسلم.
وروى سفيان الثوري عن واصل الأحدب قال: قلت لإبراهيم: إن سعيد بن جبير يقول: " كل امرأة أتزوجها طالق " ليس بشيء. فقال له إبراهيم: قل له ينقع أسته في الماء البارد. قال: فقلت لسعيد ما أمرني به؛ فقال: قل له: إذا مررت بوادي النوكى فاحلل به.
وقال محمد بن مناذر:
ومن يبغ الوصاة فإن عندي ... وصاة للكهول والشباب
خذوا عن مالك وعن ابن عون ... ولا ترووا أحاديت ابن داب
وقال آخر:
أيها الطالب علما ... آيت حماد بن زيد
فاقتبس حلما وعلما ... ثم قيده بقيد
وقيل لأبي نواس: قد بعثوا في أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما، قال: أما أبو عبيدة فإن مكنوه من سفره قرأ عليهم أساطير الأولين، وأما الأصمعي فبلبل في قفص يطربهم بصفيره.
وذكروا عند المنصور محمد بن إسحاق وعيسى بن دأب، فقال؛ أما ابن إسحاق فأعلم الناس بالسيرة، وأما ابن دأب فإذا أخرجته عن داحس والغبراء لم يحسن شيئا. وقال المأمون رحمه الله تعالى: من أراد لهوا بلا حرج، فليسمع كلام الحسن الظالبي.
وسئل العتابي عن الحسن الطالبي فقال: إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء، ومن الثمل على الغناء.
؟قولهم في حملة القرآن
وقال رجل لإبراهيم النخعي: إني أختم القران كل ثلاث، قال: ليتك تختمه كل ثلاثين وتدري أي شيء تقرأ.
وقال الحارث الأعور: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، والذكر العظيم، والصراط المستقيم، خذها إليك يا أعور.
وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم، عجل عليك الشيب يا رسول الله؟ قال: شيبتني هود وأخواتها.
وقال عبد الله بن مسعود: الحواميم ديباج القرآن.
وقال: إذا رتعت رتعت في رياض دمثة أتأنق فيهن.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كانت تنزل علينا الآية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحفظ حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، قبل أن نحفظها.

(1/166)

وقال صلى الله عليه وسلم: سيكون في أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، هم شر الخلق والخليقة.
وقال: إن الزبانية لأسرع إلى فساق حملة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان؛ فيشكون إلى ربهم، فيقول: ليس من علم كمن لم يعلم.
وقال الحسن: حملة القرآن ثلاثة نفر: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، ورجل حفظ حروفه، وضيع حدوده، واستدر به الولاة، واستطال به على أهل بلده، وقد كثر هذا الضرب في حملة القرآن، لا كثرهم الله عز وجل، ورجل قرأ القرآن، فوضع دواءه على داء قلبه، فسهر ليلته، وهملت عيناه، وتسربل الخشوع، وارتدى الوقار، واستشعر الحزن، ووالله لهذا الضرب من حملة القران أقل من الكبريت الأحمر، بهم يسقي الله الغيث، وينزل النصر، ويدفع البلاء.
العقل
وقال سحبان وائل: العقل بالتجارب، لأن عقل الغريزة سلم إلى عقل التجربة.
ولذلك قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
وعلى العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه " مالكا للسانه " مقبلا على شانه.
وقال الحسن البصري: لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت. وقلب الأحمق من وراء لسانه فإذا أراد أن يقول قال، " فإن كان له سكت، وإن كان عليه قال " .
وقال محمد بن الغاز: دخل رجل على سليمان بن عبد الملك، فتكلم عنده بكلام أعجب سليمان، فأراد أن يختبره لينظر أعقله على قدر كلامه أم لا، فوجده مضعوفا فقال: فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة، وخير الأمور ما صدقت بعضها بعضا، وأنشد:
وما المرء ألا الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصور
فإن تمر منه ما يروق فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول زهير:
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقال علي رضي الله عنه: العقل في الدماغ، والضحك في الكبد، والرأفة في الطحال، والصوت في الرئة.
وسئل المغيرة بن شعبة عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فقال: كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع، وهو القائل: لست بخب والخب لا يخدعني.
وقال زياد: ليس العاقل الذي إذا وقع في الأمر احتال له، ولكن العاقل يحتال للأمر حتى لا يقع فيه.
وقيل لعمرو بن العاص: ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظن، ومعرفة ما يكون بما قد كان.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكر ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لقد كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وقالوا: العاقل فطن متغافل.
وقال معاوية: العقل مكيال ثلثه فطنة وثلثاه تغافل.
وقال المغيرة بن شعبة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ عزله عن كتابة أبي موسى: أعن عجز عزلتني أم عن خيانة؟ فقال: لا عن واحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل عقلك.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه؟ فقال معاوية: لكني ما دخلت في شيء قط أريد الخروج منه.
وقال الأصمعي: ما سمعت الحسن بن سهل مذ صار في مرتبة الوزارة يتمثل إلا بهذين البيتين:
وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كانوا إذا ذكروا قليلا ... فقد صاروا أقل من القليل
وقال محمد بن عبد الله بن طاهر، " ويروي لمحمود الوراق " :
لعمرك ما بالعقل يكتسب الغنى ... ولا باكتساب المال يكتسب العقل

(1/167)

وكم من قليل المال يحمد فضله ... وآخر ذى مال وليس له فضل
وما سبقت من جاهل قط نعمة ... إلى أحد إلا أضر بها الجهل
وذو اللب إن لم يعط أحمدت عقله ... وإن هو أعطى زانه القول والفعل
وقال محمد بن مناذر:
وترى الناس كثيرا فإذا ... عد أهل العقل قلوا في العدد
لا يقل المرء في القصد ولا ... يعدم القلة من لم يقتصد
لا تعد شرا وعد خيرا ولا ... تخلف الوعد وعجل ما تعد
لا تقل شعرا ولا تهمم به ... وإذا ما قلت شعرا فأجد
ولآخر:
يعرف عقل المرء في أربع ... مشيته أولها والحرك
ودور عينيه وألفاظه ... بعد عليهن يدور الفلك
وربما أخلفن إلا التي ... آخرها منهن سمين لك
هذي دليلات على عقله ... والعقل في أركانه كالملك
إن صح صح المرء من بعده ... ويهلك المرء إذا ما هلك
فانظر إلى مخرج تدبيره ... وعقله ليس إلى ما ملك
فربما خلط أهل الحجا ... وقد يكون النوك في ذي النسك
فإن إمام سال عن فاضل ... فادلل على العاقل لا أم لك
وكان هوذة بن علي الحنفي يجيز لطيمة كسرى في كل عام - واللطيمة عير تحمل الطيب والبز - فوفد على كسرى، فسأله عن بنيه، فسمى له عددا؛ فقال: أيهم أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يرجع، والمريض حتى يفيق؟ فقال له: ما غذاؤك في بلدك؟ قال: الخبز؛ فقال كسرى لجلسائه: هذا عقل الخبز، يفضله على عقول أهل البوادي الذين غذاؤهم اللبن والتمر.
وهوذة بن علي الحنفي هو الذي يقول فيه أعشى بكر:
من ير هوذة يسجد غير متئب ... إذا تعصب فوق التاج أو وضعا
له أكاليل بالياقوت فضلها ... صواغها لا ترى عيبا ولا طبعا
وقال أبو عبيدة عن أبي عمرو: لم يتتوج معدي قط، وإنما كانت التيجان لليمن، فسألته عن هوذة بن علي الحنفي، فقال: إنما كانت خرزات تنظم له.
وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي يدعوه إلى الإسلام كما كتب إلى الملوك.
وفي بعض الحديث: إن الله عز وجل لما خلق العقل، قال: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك ولا وضعتك إلا في أحب الخلق إلي.
وبالعقل أدرك الناس معرفة الله عز وجل، ولا يشك فيه أحد من أهل العقول، يقول الله عز وجل في جميع الأمم: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " . وقال أهل التفسير في قول الله " قسم لذي حجر " قالوا: لذي عقل.
وقالوا: ظن العاقل كهانة.
وقال الحسن البصري: لو كان للناس كلهم عقول خربت الدنيا.
وقال الشاعر:
يعد رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حل أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلده بغريب
وقالوا: العاقل يقي ماله بسلطانه، ونفسه بماله، ودينه بنفسه.
وقال الأحنف بن قيس؛ أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل.
" قال: ولما أهبط الله عز وجل آدم عليه السلام إلى الأرض، أتاه جبريل عليه السلام، فقال له: يا آدم، إن الله عز وجل قد حباك بثلاث خصال لتختار منها واحدة وتتخلى عن اثنتين، قال: وما هن؟ قال: الحياء والدين والعقل. قال آدم: اللهم إني اخترت العقل. فقال جبريل عليه السلام للحياء والدين: ارتفعا؟ قالا: لن نرتفع؟ قال جبريل عليه السلام: أعصيتما؟ قالا: لا، ولكنا أمرنا أن لا نفارق العقل حيث كان.

(1/168)

وقال صلى الله عليه وسلم: لا تقتدوا بمن ليست له عقدة.
قال: وما خلق الله خلقا أحب إليه من العقل.
وكان يقال: العقل ضربان: عقل الطبيعة وعقل التجربة، وكلاهما يحتاج إليه ويؤدي إلى المنفعة.
وكان يقال: لا يكون أحد أحب إليك من وزير صالح وافر العقل كامل الأدب حنيك السن بصير بالأمور، فإذا ظفرت به فلا تباعده، فإن العاقل ليس يمانعك نصيحته وإن جفت.
وكان يقال: غريزة عقل لا يضيع معها عمل.
وكان يقال: أجل الأشياء أصلا وأحلاها ثمرة، صالح الأعمال، وحسن الأدب، وعقل مستعمل.
وكان يقال: التجارب ليس لها غاية والعاقل منها في الزيادة. ومما يؤكد هذا قول الشاعر:
ألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن كمال العقل طول التجارب
ومكتوب في الحكمة: إن العاقل لا يغتر بمودة الكذوب ولا يثق بنصيحته ويقال: من فاته العقل والفتوة فرأس ماله الجهل.
ويقال: من عير الناس الشيء ورضيه لنفسه فذاك الأحمق نفسه.
وكان يقال: العاقل دائم المودة، والأحمق سريع القطيعة.
وكان يقال: صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله.
وكان يقال: المعجب لحوح والعاقل منه في مؤونه. وأما العجب فإنه الجهل والكبر.
وقيل: أعلى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.
ويقال: ما شيء بأحسن من عقل زانه حلم، وحلم زانه علم، وعلم زانه صدق، وصدق زانه عمل، وعمل زانه رفق.
وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: ليس العاقل من عرف الخير من الشر، بل العاقل من عرف " خير " الشرين ويقال: عدو عاقل أحب إلي من صديق جاهل.
وكان يقال: الزم ذا العقل وذا الكرم واسترسل إليه، وإياك وفراقه إذا كان كريما، ولا عليك أن تصحب العاقل وإن كان غير محمود الكرم، لكن احترس من شين أخلاقه وانتفع بعقله، ولا تدع مواصلة الكريم وإن لم تحمد عقله، وانتفع بكرمه وانفعه بعقلك، وفر الفرار كله من الأحمق اللئيم.
وكان يقال: قطيعة الأحمق مثل صلة العاقل.
وقال الحسن: ما أودع الله تعالى أمرأ عقلا إلا استنقذه به يوما ما.
وأتى رجل من بني مجاشع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألست أفضل قومي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك تقي فلك دين، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة.
قال: تفاخر صفوان بن أمية مع رجل، فقال صفوان: أنا صفوان بن أمية، بخ بخ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ويلك! إن كان لك دين فإن لك حسبا، وإن كان لك عقل فإن لك أصلا، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإلا فأنت شر من حمار.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه.
وقال: وكل الله عز وجل الحرمان بالعقل، ووكل الرزق بالجهل، ليعتبر العاقل فيعلم أن ليس له في الرزق حيلة.
وقال بزرجمهر: لا ينبغي للعاقل أن ينزل بلدا ليس فيه خمسة: سلطان قاهر، وقاض عدل، وسق قائمة، ونهر جار، وطبيب عالم.
وقال أيضا: العاقل لا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يسأل ما يخاف منعه، ولا يمتهن ما لا يستعين بالقدرة عليه.
سئل أعرابي: أي الأسباب أعون على تذكية العقل وأيها أعون على صلاح السيرة؟ فقال: أعونها على تذكية العقل التعلم، وأعونها على صلاح السيرة القناعة.
وسئل عن أجود المواطن أن يختبر فيه العقل، فقال: عند التدبير.
وسئل: هل يعمل العاقل بغير الصواب؟ فقال: ما كل ما عمل بإذن العقل فهو صواب.
وسئل: أي الأشياء أدل على عقل العاقل؟ قال: حسن التدبير.
وسئل: أي منافع العقل أعظم؟ قال: اجتناب الذنوب.
وقال بزرجمهر: أفره ما يكون من الدواب لا غنى بها عن السوط، وأعف من تكون من النساء لا غنى بها عن الزوج، وأعقل من يكون من الرجال لا غنى به عن مشورة ذوي الألباب.
سئل أعرابي عن العقل متى يعرف؟ قال: إذا نهاك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: العقل نور في القلب نفرق به بين الحق والباطل، وبالعقل

(1/169)

عرف الحلال والحرام، وعرفت شرائع الإسلام ومواقع الأحكام، وجعله الله نورا في قلوب عباده يهديهم إلى هدى ويصدهم عن ردى.
" ومن جلالة قدر العقل أن الله تعالى لم يخاطب إلا ذوي العقول فقال عز وجل: " إنما يتذكر أولو الألباب " . وقال: " لتنذر من كان حيا " . أي عاقلا، وقال: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " . أي لمن كان له عقل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: العاقل يحلم عمن ظلم، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق إلى البر من فوقه. وإذا رأى باب بر أنتهزه، وإذا عرضت له فتنة اعتصم بالله وتنكبها.
وقال صلى الله عليه وسلم: قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له.
وإذا كان العقل أشرف أعلاق النفس، وكان بقدر تمكنه فيها يكون سموها لطلب الفضائل وعلوها لابتغاء المنازل، كانت قيمة كل امرىء عقله، وحليته التي يحسن بها في أعين الناظرين فضله.
ولعبد الله بن محمد:
تأمل بعينيك هذا الأنام ... وكن بعض من صانه نبله
فحلية كل فتى فضله ... وقيمة كل آمرىء عقله
ولا تتكل في طلاب العلا ... على نسب ثابت أصله
فما من فتى زانه أهله ... بشيء وخالفه فعله
ويقال: العقل إدراك الأشياء على حقائقها، فمن أدرك شيئا على حقيقته فقد كمل عقله.
وقيل: العقل مرآه الرجل.
أخذه بعض الشعراء فقال:
عقل هذا المرء مرآ ... ة ترى فيها فعاله
فإذا كان عليها ... صدأ فهو جهاله
وإذا أخلصه الل ... ه صقالا وصفا له
فهي تعطي كل حي ... ناظر فيها مثاله
ولآخر:
لا تراني أبدا أك ... رم ذا المال لماله
لا ولا تزري بمن يع ... قل عندي سوء حاله
إنما أقضي على ذا ... ك وهذا بفعاله
أنا كالمرآة ألقى ... كل وجه بمثاله
كيفما قلبني الدهر ... يجدني من رجاله
ولبعضهم:
إذا لم يكن للمرء عقل فإنه ... وإن كان ذا نبل على الناس هين
وإن كان ذا عقل أجل لعقله ... وأفضل عقل عقل من يتدين
وقال آخر:
إذا كنت ذا عقل ولم تك ذا غنى ... فأنت كذي رحل وليس له بغل
وإن كنت ذا مال ولم تك عاقلا ... فأنت كذى بغل وليس له رحل
ويقال: إن العقل عين القلب، فإذا لم يكن للمرء عقل كان قلبه أكمه.
وقال صالح بن جناح:
ألا إن عقل المرء عينا فؤاده ... وإن لم يكن عقل فلا يبصر القلب
وقال بعض الفلاسفة: الهوى مصاد العقل.
ولعبد الله بن ميحمد:
ثلاث من كن فيه حوى الفضل وإن كان راغبا عن سواها: صحة العقل، والتمسك بالعدل، وتنزيه نفسه عن هواها.
ولمحمد بن الحسن بن دريد:
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
وقال بعض الحكماء: ما عبد الله بشيء أحب إليه من العقل، وما عصي بشيء أحب إليه من الستر.
وقال مسلمة بن عبد الملك: ما قرأت كتابا قط لأحد إلا عرفت عقله منه.
وقال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها. واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلا، فقيل له: إنه حديث السن ولا نراه يضبط عملك؛ فأخذ العهد منه وقال: ما أراك تضبط عملك لحداثتك؛ فقال الفتى:
وليس يزيد المرء جهلا ولا عمى ... إذا كان ذا عقل حداثة سنه
فقال عمر: صدق، ورد عليه عهده.
وقال جثامة بن قيس يصف عاقلا:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:25 pm

بصير بأعقاب الأمور كأئما ... تخاطبه من كل أمر عواقبه
ولغيره في المعنى:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع
وقال شبيب بن شيبة لخالد بن صفوان: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى فيه اثنان إلا وجب النجح بينهما؛ قال له خالد: ما هو؟ قال العقل، فإن العاقل لا يسأل إلا ما يجوز، ولا يرد عما يمكن. فقال له خالد: نعيت إلي نفسي، إنا أهل بيت لا يموت منا أحد حتى يرى خلفه.
وقال عبد الله بن الحسن لابنه محمد، يا بني احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا، كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا؟ ويوشك الجاهل أن تورطك مشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل، وإياك ومعاداة الرجال، فإنك لا تعلمن منها مكر حليم عاقل، أو معاندة جاهل.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: لا مال أعود من عقل، ولا فقر أضر من جهل.
ويقال: لا مروءة لمن لا عقل له.
وقال بعض الحكماء: لو استغنى أحد عن الأدب لاستغنى عنه العاقل، ولا ينتفع بالأدب من لا عقل له، كما لا ينتفع بالرياضة إلا النجيب.
وكان يقال: بالعقل تنال لذة الدنيا، لأن العاقل لا يسعى إلا في ثلاث: مزية لمعاش، أو منفعة لمعاد، أو لذة في غير محرم.
ولبعضهم:
إذا أحببت أقواما فلاصق ... بأهل العقل منهم والحياء
فإن العقل ليس له إذا ما ... تفاضلت الفضائل من كفاء
لمحمد بن يزيد:
وأفضل قسم الله للمرء عقله ... وليس من الخيرات شيء يقاربه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
يعيش الفتى بالعقل في الناس إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه
ومن كان غلابا بعقل ونجدة ... فذو الجد في أمر المعيشة غالبه
فزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محصورا عليه مكاسبه
وشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
ولبعضهم:
العقل يأمر بالعفاف وبالتقى ... وإليه يأوي الحلم حين يؤول
فإن استطعت فخذ بفضلك فضله ... إن العقول يرى لها تفضيل
ولبعضهم:
إذا جمع الآفات فالبخل شرها ... وشر من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في عقل إذا لم يكن غنى ... ولا خير في غمد إذا لم يكن نصل
وإن كان للإنسان عقل فعقله ... هو النصل والإنسان من بعده فضل
ولبعضهم:
يمثل ذو العقل في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثلا
رأى الهم يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا
" وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا "
الحكمة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أخلص عبد العمل لله أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
وقال عليه الصلاة والسلام: الحكمة ضالة المؤمن يأخذها ممن سمعها ولا يبالي من أي وعاء خرجت.
وقال عليه الصلاة والسلام: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
وقال الحكماء: لا يطلب الرجل حكمة إلا بحكمة عنده.
وقالوا: إذا وجدتم الحكمة مطروحة على السكك فخذوها.
وفي الحديث: خذوا الحكمة ولو من ألسنة المشركين.
وقال زياد: أيها الناس لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تننتفعوا بأحسن ما تسمعون منا، فإن الشاعر يقول:
اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
نوادر من الحكمة

(1/171)

قيل لقس بن ساعدة: ما أفضل المعرفة؟ قال معرفة الرجل نفسه؛ قيل له: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه؛ قيل له: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه.
وقال الحسن: التقدير نصف الكسب، والتؤدة نصف العقل، وحسن طلب الحاجة نصف العلم.
وقالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كرضا عن الله، وأحق ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل.
وقالوا: أفضل البر الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقوق مكاتمة الأدنين، ورأس العقل الإصابة بالظن.
وقالوا: التفكر نور، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، والعلم حياة، والأول سابق، والآخر لاحق، والسعيد من وعظ بغيره.
حدث أبو حاتم قال: حدثني أبو عبيدة قال: حدثني غير واحد من هوازن من أولي العلم، وبعضهم قد أدرك أبوه الجاهلية " أو جده " ، قالوا: اجتمع عامر بن الظرب العدواني، وحممة بن رافع الدوسي - ويزعم النساب أن ليلى بنت الظرب أم دوس، وزينب بنت الظرب أم ثقيف " وهو قيسي " - عند ملك من ملوك حمير، فقال: تساء لا حتى أسمع ما تقولان. فقال عامر لحممة: أين تحب أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرثية العديم، وعند ذي الخلة الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضيم. قال: من أحق الناس بالمقت؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصوال، والعيي القوال، قال: فمن أحق الناس بالمنع؟ قال: الحريص الكاند، والمستميد الحاسد، والملحف الواجد. قال: فمن أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطى شكر، وإذا منع عذر، وإذا مطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إذا قرب منح، " وإذا بعد مدح " ، وإذا ظلم صفح، وإذا ضويق سمح قال: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع، ظاهره جشع، وباطنه طبع. قال: فمن أحلم الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزة الظفر. قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من لا أخذ رقاب الأمور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيب دبر أذنيه. قال: فمن أخرق الناس؟ قال: من ركب الخطار، واعتسف العثار، وأسرع في البدار قبل الاقتدار. قال: من أجود الناس؟ قال: من بذل المجهود، ولم يأس على المعهود. قال: من أبلغ الناس؟ قال: من جلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز، وطبق المفصل قبل التحزيز. قال: من أنعم الناس عيشا؟ قال: من تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى مالا يخاف. قال: فمن أشقى الناس؟ قال: من حسد على النعم، وسخط على القسم، واستشعر الندم، على فوت ما لم يحتم. قال: من أغنى الناس؟ قال: من آستشعر الياس، وأظهر التجمل للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم. قال: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فادكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغنما، والتجاوز مغرما.
وقال أبو عبيدة: الخلة: الحاجة، والخلة: الصداقة. والكاند: الذي يكفر النعمة، والكنود: الكفور، والمستميد: مثل المستمير، وهو المستعطي. ومنه اشتقاق المائدة. لأنها تماد. وكنع: تقبض؟ يقال منه: تكنع جلده، إذا تقبض. يريد أنه ممسك بخيل. والجشع: أسوأ الحرص. والطبع " الدنس. والاعتساف: ركوب الطريق على غير هداية، وركوب الأمر على غير معرفة. والمزيز: من قولهم: هذا أمز من هذا، أي أفضل منه وأزيد. والمطبق من السيوف: الذي يصيب المفاصل لا يجاوزها.
وقال عمرو بن العاص: ثلاث لا أناة فيهن: المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميت، وتزويج الكفء.
وقالوا: ثلاثة لا يندم على ما سلف إليهم: الله عز وجل فيما عمل له، والمولى الشكور فيما أسدى إليه، والأرض الكريمة فيما بذر فيها.
وقالوا: ثلاثة لا بقاء لها: ظل الغمام، وصحبة الأشرار، والثناء الكاذب.

(1/172)

وقالوا: ثلاثة لا تكون إلا في ثلاثة: الغنى في النفس، والشرف في التواضع، والكرم في التقوى.
وقالوا ثلاثة لا تعرف إلا عند ثلاثة ذو البأس لا يعرف إلا عند اللقاء، وذو الأمانة لا يعرف إلا عند الأخذ والعطاء. والإخوان لا يعرفون إلا عند النوائب.
وقالوا: من طلب ثلاثة لم يسلم من ثلاثة: من طلب المال بالكيمياء لم يسلم من الإفلاس، ومن طلب الدين بالفلسفة لم يسلم من الزندقة، ومن طلب الفقه بغرائب الحديث لم يسلم من الكذب.
وقالوا: عليكم بثلاث: جالسوا الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العلماء.
وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: أخوف ما أخاف عليكم شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
واجتمعت علماء العرب والعجم على أربع كلمات: لا تحمل على ظنك ما لا تطيق، ولا تعمل عملا لا ينفعك، ولا تغتر بامرأة، ولا تثق بمال وإن كثر.
وقال الرياحي في خطبته بالمربد: يا بني رياح، لا تحقروا صغيرا تأخذون عنه، فإني أخذت من الثعلب روغانه، ومن القرد حكايته، ومن السنور ضرعه، ومن الكلب نصرته. ومن ابن آوى حذره؛ ولقد تعلمت من القمر سير الليل، ومن الشمس ظهور الحين بعد الحين.
وقالوا: ابن آدم هو العالم الكبير الذي جمع الله فيه العالم كله، فكان فيه بسالة الليث، وصبر الحمار، وحرص الخنزير، وحذر الغراب، وروغان الثعلب، وضرع السنور، وحكاية القرد، وجبن الصفرد.
ولما قتل كسري بزرجمهر وجد في منطقته مكتوبا: إذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بالناس عجز، وإذا كان القدر حقا فالحرص باطل، وإذا كان الموت راصدا فالطمأنينة حمق.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خذ الخير من أهله، ودع الشر لأهله.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها.
وقال: بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك.
وقال: فرقوا بين المنايا، واجعلوا من الرأس رأسين، ولا تلبثوا بدرا معجزة.
وقالوا: إذا قدمت المصيبة تركت التعزية، وإذا قدم الإخاء سمج الثناء.
وفي كتاب للهند: ينبغي للعاقل أن يدع التماس ما لا سبيل إليه، لئلا يعد جاهلا، كرجل أراد أن يجري السفن في البر والعجل في البحر، وذلك ما لا سبيل إليه.
وقالوا: إحسان المسيء أن يكف عنك أذاه، وإساءة المحسن أن يمنعك جدواه.
وقال الحسن البصري: اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة، وحادثوها بالذكر فإنها سريعة الدثور، فإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية.
يقول: حادثوها بالحكمة كما يحادث السيف بالصقال، فإنها سريعة الدثور يريد الصدأ الذي يعرض للسيف. واقدعوها: من قدعت أنف الجمل، إذا دفعته. فإنها طلعة، يريد متطلعة إلى الأشياء.
قال أردشير بن بابك: إن للآذان مجة، وللقلوب مللا، ففرقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما.
البلاغة وصفتها
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغك الجنة، وعدل بك عن النار، قال السائل: ليس هذا أريد قال: فما بصرك مواضع رشدك، وعواقب غيك؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع؛ ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول: قال: ليس هذا أريد؛ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا معشر " النبيين " بكاء - أي قليلو الكلام، وهو جمع بكىء - وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله؛ قال السائل: ليس هذا أريد؟ قال: فكأنك تريد تخير الألفاظ في حسن إفهام؛ قال: نعم؛ قال: إنك إن أردت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين المعاني في قلوب المستفهمين بالألفاظ الحسنة رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الناطقة عن الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب.
وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: معرفة الوصل من الفصل.

(1/173)

وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: إيجاز الكلام، وحذف الفضول، وتقريب البعيد.
وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: أن لا يؤتى القائل من سوء فهم السامع، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل.
وقال معاوية لصحار العبدي: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ. ثم قال: أقلني يا أمير المؤمنين؛ قال: قد أقلتك. قال: لا تبطئ ولا تخطئ.
قال أبو حاتم: استطال الكلام الأول فاستقال، وتكلم بأوجز منه.
وسمع خالد بن صفوان رجلا يتكلم ويكثر فقال، اعلم رحمك الله أن البلاغة ليست بحفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى، والقصد إلى الحجة. فقال له: أبا صفوان، ما من ذنب أعظم من اتفاق الصنعة.
وتكلم ربيعة الرأي يوما فأكثر " وأعجب بالذي كان منه " وإلى جنبه أعرابي، فالتفت إليه، فقال: ما تعدون البلاغة يا أعرابي؟ قال: قلة الكلام وإيجاز الصواب، قال: فما تعدون العي؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم. فكأنما ألقمه حجرا.
ومن أمثالهم في البلاغة قولهم: يقل الحز ويطبق المفصل. وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذي يقل الكلام، ويصيب الفصول والمعاني، بالجزار الرفيق يقل حز اللحم ويصيب مفاصله.
ومثله قولهم: يضع الهناء مواضع النقب أي لا يتكلم إلا فيما يجب فيه الكلام، مثل الطالي الرفيق الذي يضع الهناء مواضع النقب. وآلهناء؛ القطران. والنقب: الجرب.
وقولهم: قرطس فلان فأصاب الثغرة، وأصاب عين القرطاس. كل هذا مثل للمصيب في كلامه الموجز في لفظه.
" قيل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق.
وقيل لأعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: أسهلهم لفظا وأحسنهم بديهة.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ فقال: نشر الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف له إذا طال.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ فقال: قرع الحجة ودنو الحاجة.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل.
وقيل لغيره: ما البلاغة؟ قال: إقلال في إيجاز، وصواب مع سرعة جواب.
قيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام.
وقيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على الإيجاز.
وكان يقال: رسول الرجل مكان رأيه، وكتابه مكان عقله.
وقال جعفر بن محمد عليه السلام: سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه.
وسئل بعض الحكماء عن البلاغة فقال: من أخذ معاني كثيرة فأداها بألفاظ قليلة، وأخذ معاني قليلة فولد منها لفظا كثيرا، فهو بليغ.
وقالوا: البلاغة ما حسن من الشعر المنظوم نثره، ومن الكلام المنثور نظمه.
وقالوا: البلاغة ما كان من الكلام حسنا عند استماعه، موجزا عند بديهته.
وقيل: البلاغة: لمحة دالة على ما في الضمير.
وقال بعضهم: إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عي، وإنما يحسن الإيجاز إذا كان هو البيان: ولبعضهم:
خير الكلام قليل ... على كثير دليل
والعي معنى قصير ... يحويه لفظ طويل
وقال بعض الكتاب: البلاغة معرفة الفصل من الوصل. وأحسن الكلام القصد وإصابة المعنى.
قال الشاعر:
وإذا نطقت فلا تكن أشرا ... وآقصد فخير الناس من قصدا
وقال آخر:
وما أحد يكون له مقال ... فيسلم من ملام أو أثام
وقال:
الدهر ينقص تارة ويطول ... والمرء يصمت مرة ويقول
والقول مختلف إذا حصلته ... بعض يرد وبعضه مقبول
وقال:
إذا وضح الصواب فلا تدعه ... فإنك كلمكا ذقت الصوابا
وجدت له على اللهوات بردا ... كبرد الماء حين صفا وطابا
وقال آخر:
ليس شأن البليغ إرساله القو ... ل بطول الإسهاب والإكثار
إنما شأنه التلطف للمع ... نى بحسن الإيراد والإصدار

(1/174)

وجوه البلاغة
البلاغة تكون على أربعة أوجه: تكون باللفظ والخط والإشارة والدلالة، وكل منها له حظ من البلاغة والبيان، وموضع لا يجوز فيه غيره، ومنه قولهم: لكل مقام مقال، ولكل كلام جواب، ورب إشارة أبلغ من لفظ. فأما الخط والإشارة فمفهومان عند الخاصة أو أكثر العامة. وأما الدلالة: فكل شيء دلك على شيء فقد أخبرك به، كما قال الحكيم: أشهد أن السموات والأرض آيات دالات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة، ويشهد لك بالربوبية.
وقال آخر: سل الأرض " فقل " : من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؛ فإن لم تجبك إخبارا، أجابتك اعتبارا.
وقال الشاعر:
لقد جئت أبغي لنفسي مجيرا ... فجئت الجبال وجئت البحورا
فقال لي البحر إذ جئته ... وكيف يجير ضرير ضريرا
وقال آخر: نطقت عينه بما في الضمير وقال نصيب بن رباح:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
يريد: لو سكتوا لأثنت عليك حقائب الإبل التي يحتقبها الركب من هباتك. وهذا الثناء إنما هو بالدلالة لا باللفظ.
وقال حبيب.
الدار ناطقة وليست تنطق ... بدثورها أن الجديد سيخلق
وهذا في قديم الشعر وحديثه، وطارف الكلام وتليده، أكثر من أن يحيط به وصف، أو يأتي من ورائه نعت.
وقال رجل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل من بلغك حاجته وأفهمك معناه، بلا إعادة ولا حبسة ولا استعانة، فهو بليغ. قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة، فما معنى الاستعانة؟ قال. أن يقول عند مقاطع كلامه: اسمع مني، وافهم عني، أو يمسح عثنونه، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته من غير موجب، أو يتساءل من غير سعلة، أو ينبهر في كلامه.
وقال الشاعر:
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
وهذا كله من العي.
وقال أبرويز لكاتبه: اعلم أن دعائم المقالات أربع، إن التمس لها خامسة لم توجد، وإن نقصت منها واحدة لم تتم، وهي: سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وإخبارك عن الشيء. فإذا طلبت فأسجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فأحكم، وإذا أخبرت فحقق. وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول.
يريد الكلام الذي تقل حروفه، وتكثر معانيه.
وقال ربيعة الرأي: إني لأسمع الحديث عطلا فأشنفه وأقرطه فيحسن، وما زدت فيه شيئا ولا غيرت له معنى.
وقالوا: خير الكلام ما لم يحتج بعده إلى كلام.
" وقال يحيى: الكلام ذو فنون، وخيره ما وفق له القائل، وانتفع به السامع وللحسن بن جعفر:
عجبت لإدلال العي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالحق أعلما
وفي الصمت ستر للعي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
وصف أعرابي بليغا فقال: كأن الألسن ريضت فما تنعقد إلا على وده، ولا تنطق إلا ببيانه.
وصف أبو الوجيه بلاغة رجل فقال: كان والله يشول بلسانه شولان البروق ويتخلل به تخلل الحية " .
وللعرب من موجز اللفظ ولطيف المعنى، فصول عجيبة، وبدائع غريبة، وسنأتي على صدر منها إن شاء الله تعالى.
فصول من البلاغة
قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها فقال: من كان في يده شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذه، وإن كان في فيه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه. فعجب الناس من حسن ما فصل.
وقيل لأبي السمال الأسدي أيام معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف، وظالم لا ينتهي.
وقيل لشبيب بن شيبة عند باب الرشيد: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا.
وقال حسان بن ثابت في عبد الله بن عباس:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا نرى بينها فضلا
كفي وشفي ما في النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا

(1/175)

ولقي الحسين بن علي رضوان الله عليهما الفرزدق في مسيره إلى العراق، فسأله عن الناس، فقال: القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر في السماء.
وقال مجاشع النهشلي: الحق ثقيل، فمن بلغه اكتفي، ومن جاوزه اعتدى.
وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم للشمس؛ قيل له: فكم بين السماء والأرض؟ قال: مسيرة ساعة لدعوة مستجابة.
وقيل لأعرابي: كم بين موضع كذا وموضع كذا؟ قال: بياض يوم وسواد ليلة.
وشكا قوم إلى المسيح عليه السلام ذنوبهم، فقال: اتركوها تغفر لكم.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمة كل إنسان ما يحسن.
وقيل لخالد بن يزيد بن معاوية: ما أقرب شيء؟ قال: الأجل؛ قيل له: فما أبعد شيء؟ قال: الأمل؛ قيل له: فما أوحش شيء؟ قال: الميت؛ قيل له: فما آنس شيء؟ قال: الصاحب المواتي.
مر عمرو بن عبيد بسارق يقطع، فقال: سارق السريرة يقطع سارق العلانية. وقيل للخليل بن أحمد: مالك تروي الشعر ولا تقوله؟ قال: لأني كالمسن، أشحذ ولا أقطع.
وقيل لعقيل بن علفة: ما لك لا تطيل الهجاء؟ قال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
ومر خالد بن صفوان برجل صلبه الخليفة، فقال: أنبتته الطاعة، وحصدته المعصية.
ومر أعرابي برجل صلبه السلطان، فقال: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالجذع راحلته.
ومن النطق بالدلالة ما حدث به العباس بن الفرج الرياشي قال: نزل النعمان بن المنذر ومعه عدي بن زيد العبادي في ظل شجرة مورقة ليلهو النعمان هناك، فقال له عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: ما تقول؟ قال تقول:
رب شرب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال
فتنغص على النعمان ما هو فيه.
" وقال ابن الأعرابي: قلت للفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد " .
وقال رجل لخالد بن صفوان: إنك لتكثر؛ قال: أكثر لضربين، أحدهما فيما لا تغني فيه القلة، والآخر لتمرين اللسان، فإن حبسه يورث العقلة.
وكان خالد بن صفوان يقول: لا تكون بليغا حتى تكلم أمتك السوداء في الليلة الظلماء في الحاجة المهمة بما تتكلم به في نادي قومك.
وإنما اللسان عضو إذا مرنته مرن، وإذا تركته لكن، كاليد تخشنها بالممارسة، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبهه، والرجل إذا عودت المشي مشت.
وكان نوفل بن مساحق إذا دخل على امرأته صمت، فإذا خرج عنها تكلم، فقالت له: إذا كنت عندي سكت، وإذا كنت عند الناس تنطق؟ قال: إني أجل عن دقيقك وتدقين عن جليلي.
وذكر شبيب بن شيبة خالد بن صفوان فقال: ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية. وهذا كلام لا يعرف قدره إلا أهل صناعته.
" ووصف رجل آخر فقال: أتيناه فأخرج لسانه كأنه مخراق لاعب.
ودخل معن بن زائدة على المنصور يقارب خطوه، فقال المنصور: لقد كبرت سنك؛ قال: في طاعتك؛ قال: وإنك لجلد؟ قال: على أعدائك؟ قال: أرى فيك بقية؟ قال: هي لك.
وكان عبد الله بن عباس بليغا، فقال فيه معاوية:
إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعي ولم يثن اللسان على هجر
يصرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر
وتكلم صعصعة بن صوحان عند معاوية فعرق، فقال له معاوية: بهرك القول، قال: الجياد نضاحة بالعرق.
وكتب ابن سيابة إلى عمرو بن بانة: إن الدهر قد كلح فجرح، وطمح فجمح، وأفسد ما صلح، فإن لم تعن عليه فضح.
ومدح رجل من طيئ كلام رجل فقال: هذا الكلام يكتفي بأولاه، ويشتفي بأخراه.
ووصف أعرابي رجلا فقال: إن رفدك لنجيح، وإن خيرك لصريح، وإن منعك لمريح.

(1/176)

ودخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام، فقدم خصما له إلى قاض لعبد الملك، " وكان خصمه شيخا كبيرا " . فقال له القاضي: أتقدم شيخا كبيرأ؟ فقال له إياس: الحق أكبر منه؟ قال له: اسكت، قال. فمن ينطق بحجتي؟ قال: ما أظنك تقول حقا حتى تقوم؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر، فقال: اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد علي الناس.
ومن الأسجاع قول ابن القرية، وقد دعي لكلام فاحتبس القول عليه فقال: قد طال السمر، وسقط القمر، واشتد المطر، فما أنتظر. فأجابه فتى من عبد القيس: قد طال الأرق، وسقط الشفق، فلينطق من نطق.
قال أحمد بن يوسف الكاتب: دخلت، على المأمون وبيده كتاب لعمرو بن مسعدة، وهو يصعد في ذراه ويقوم مرة ويقعد أخرى، ففعل ذلك مرارا ثم التفت إلي فقال: أحسبك مفكرا فيما رأيت؟ قلت: نعم، وقى الله عز وجل أمير المؤمنين المكاره، فقال: ليس بمكروه، ولكن قرأت كلاما نظير خبر خبرني به الرشيد، سمعته يقول: إن البلاغة لتقارب من المعنى البعيد وتباعد من حشو الكلام، ودلالة بالقليل على الكثير. فلم أتوهم أن هذا الكلام يستتب على هذه الصفة حتى قرأت هذا الكتاب، فكان استعطافا على الجند وهو: كتابي إلى أمير المؤمنين أيده الله، ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أفضل ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم.
فأمر بإعطائهم ثمانية أشهر.
ووقع جعفر البرمكي إلى كتابه: إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا.
وأمره هارون الرشيد أن يعزل أخاه الفضل عن الخاتم ويأخذه إليه عزلا لطيفا.
فكتب إليه: قد رأى أمير المؤمنين أن ينقل خاتم خلافته من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك، ولا خصتك دوني.
ووقع جعفر في رقعة رجل تنصل إليه من ذنب: تقدمت لك طاعة، وظهرت منك نصيحة، كانت بينهما نبوة، ولن تغلب سيئة حسنتين.
قال الفضل بن يحيى لأبيه: ما لنا نسدي إلى الناس المعروف فلا نرى من السرور في وجوههم عند انصرافهم ببرنا ما نراه في وجوههم عند آنصرافهم ببر غيرنا؟ فقال له يحيى: إن آمال الناس فينا أطول منها في غيرنا، وإنما يسر الإنسان بما بلغه أمله.
قيل ليحيى: ما الكرم؟ قال: ملك في زي مسكين؟ قيل: فما الفرعنة؟ قال: مسكين في بطش عفريت؟ قيل: فما الجود؟ قال: عفو بعد قدرة.
أتي المأمون برجل قد وجب عليه الحد، فقال وهو يضرب: قتلتني يا أمير المؤمنين؟ قال: الحق قتلك، قال: ارحمني، قال: لست أرحم بك ممن أوجب عليك الحد.
وسأل المأمون عبد الله بن طاهر في شيء، فأسرع يفي ذلك؟ فقال له المأمون: فإن الله عز وجل قد قطع عذر العجول بما مكنه من التثبت، وأوجب الحجة على القلق بما بصره من فضل الأناة. قال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أكتبه؟ قال: نعم، فكتبه.
قال إبراهيم بن المهدي قال لي المأمون: أنت الخليفة الأسود؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنت مننت علي بالعفو، وقد قال عبد بني الحسحاس:
أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود الجلد إني أبيض الخلق
فقال المأمون: يا عم، خرجك الهزل إلى الجد، ثم أنشأ يقول:
ليس يزري السواد بالرجل الشهم ... ولا بالفتى الأديب الأريب
إن يكن للسواد منك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي
قال المأمون: أستحسن من قول الحكماء: الجود بذل الموجود، والبخل بطر بالمعبود عز وجل.

(1/177)

قالت أم جعفر زبيدة بنت جعفر للمأمون حين دخلت عليه بعد قتل ابنها: الحمد لله الذي ادخرك لي لما أثكلني ولدي، ما ثكلت ولدا كنت لي عوضا منه. فلما خرجت قال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما ظننت أن نساء جبلن على مثل هذا الصبر " .
وقال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أعني بأصحابك يا أبا عثمان، قال: ارفع علم الحق يتبعك أهله.
آفات البلاغة
قال محمد بن منصور كاتب إبراهيم، وكان شاعرا راويا وطالبا للنحو علامة، قال سمعت أبا دواد " بن جرير الإيادي " ، وجرى شيء من ذكر الخطب وتمييز الكلام، فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلع، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب.
قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، " وجناحاها رواية الكلام " ، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير اللفظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه. وأنشدني بيتا في خطباء إياد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
وقال ابن الأعرابي: قلت للفضل: ما الايجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وتكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع " كلامه " ،، فلما دخل " إليها " قال لها: كيف سمعت كلامي؟ " قالت: ما أحسنه! لولا أنك تكثر ترداده! قال: أردده حتى يفهمه، من لم يفهمه " ؛ قالت: إلى أن تفهمه من لم يفهمه يكون " قد " مله من فهمه.
باب الحلم ودفع السيئة بالحسنة
قال الله تبارك وتعالى: " ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " .
وقال رجل لعمرو بن العاص: والله لأتفرغن لك، قال: هنالك وقعت في الشغل؟ قال: كأنك تهددني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولن لك عشرا، قال: وانت والله لئن قلت لي عشرا لم اقل لك واحدة وقال رجل لأبي بكر رضي الله عنه: والله لأسبنك سبا يدخل القبر معك؟ قال: معك يدخل لا معي.
وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك اليوم أيوب السختياني حتى رحمناك، قال: إياه فارحموا. وشتم رجل الشعبي، فقال له: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
وشتم رجل أبا ذر فقال: يا هذا، لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنا لا نكافيء من عمى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
ومر المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم من اليهود، فقالوا له شرا، فقال خيرا؛ فقيل له: إنهم يقولون شرا وتقول لهم خيرا؟ فقال: كل واحد ينفق مما عنده.
وقال الشاعر:
ثالبني عمرو وثالبته ... فأثم المثلوب والثالب
قلت له خيرا وقال الخنى ... كل على صاحبه كاذب
وقال آخر.
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه حين ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السفاهة والإثم
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما كان في كفه السهم
" وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ما تجرع عبد في الدنيا جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ ردها بحلم، أو جرعة مصيبة ردها بصبر " وكتب رجل إلى صديق له، وبلغه أنه وقع فيه:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
وأنشد طاهر بن عبد العزيز:
إذا ما خليلي أسا مرة ... وقد كان فيما مضى مجملا
ذكرت المقدم من فعله ... فلم يفسد الآخر الأولا
صفة الحلم وما يصلح له
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:27 pm

قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيته قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه؟ حتى أتي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك؟ فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال له: يا بن أخي، أثمت بربك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة، ثم أنشأ يقول:
إني امرؤ لا شائن حسبي ... دنس يهجنه ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حي يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفه لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
وقال رجل للأحنف بن قيس: علمني الحلم يا أبا بحر، قال: هو الذل يا بن أخي، أفتصبر عليه؟ وقال الأحنف: لست حليما ولكني أتحالم.
وقيل " له " : من أحلم: أنت أم معاوية؟ قال: تا لله ما رأيت أجهل منكم، إن معاوية يقدر فيحلم، وأنا أحلم ولا أقدر، فكيف أقاس عليه أو أدانيه! وقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ؟ قال: إن شئت أخبرتك بخلة، وإن شئت بخلتين، وإن شئت بثلاث قال: فما الخلة؟ قال: كان أقوى الناس على نفسه قال: فما الخلتان؟ قال: كان موقي الشر ملقي الخير؟ قال: فما الثلاث؟ قال: كان لا يجهل ولا يبغي ولا يبخل.
وقيل لقيس بن عاصم: ما الحلم؟ قال: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
وقالوا: ما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة.
وقال لقمان الحكيم: ثلاثة لا تعرفهم إلا في ثلاثة: لا تعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا تعرف أخاك إلا إذا احتجت إليه.
وقال الشاعر:
ليست الأحلام في حي الرضا ... إنما الأحلام في حين الغضب
وفي الحديث. أقرب ما يكون المرء من غضب الله إذا غضب.
وقال الحسن: المؤمن حليم لا يجهل وإن جهل عليه، وتلا قول الله عز وجل: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " .
وقال معاوية: إني لأستحي من ربي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو عورة لا أواريها بستري.
وقال مؤرق العجلي: ما تكلمت في الغضب بكلمة ندمت عليها في الرضا. وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما غضبي في نعلي، فإذا سمعت ما أكره أخذتهما ومضيت.
وقالوا: إذا غضب الرجل فليستلق على قفاه، وإذا عيي فليراوح بين رجليه.
وقيل للأحنف: ما الحلم؟ فقال: قول إن لم يكن فعل، وصمت إن ضر قول.
وقال " أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من لانت كلمته، وجبت محبته.
وقال: حلمك على السفيه يكثر أنصارك عليه.
وقال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات.
وقال: رب غيظ تجرعته مخافة ما هو أشد منه، وأنشد:
رضيت ببعض الذل خوف جميعه ... كذلك بعض الشر أهون من بعض
وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره، فقال؛ لا عليك، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا، انصرف إذا شئت.
وقال الشاعر في هذا المعنى:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان كاسفة ... لا ذل عجز ولكن ذل أحلام
ولآخر:
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وأحسن بيت في الحلم قول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنى ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقال الأحنف آفة الحلم الذل.
وقال؛ لا حلم لمن لا سفيه له.
وقال: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا. وأنشد:

(1/179)

لابد للسودد من رماح ... ومن رجال مصلتي السلاح
يدافعون دونه بالراح ... ومن سفيه دائم النباح
وقال النابغة الجعدي:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
" ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا "
ولما أنشد هذين البيتن للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا يفضض الله فاك، " قال " : فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنغض له ثنية.
وقالوا: لا يظهر الحلم إلا مع الانتصار، كما لا يظهر العفو إلا مع الاقتدار.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: كان سنان بن أبي حارثة أحلم من فرخ الطائر؛ قلت: وما حلم فرخ الطائر؟ قال: إنه يخرج من بيضة في رأس نيق ولا يتحول حتى يتوفر ريشه، ويقوى على الطيران.
" وللأشننداني:
وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعر
وللفقر خير من غنى في دناءة ... وللموت خير من حياة على صغر
وما كل حين ينفع الحلم أهله ... ولا كل حال يقبح الجهل بالصبر
وما بي على من لان لي من فظاظة ... ولكنني فظ أبي على القسر
وقال آخر في مدح الحلم:
إني أرى الحلم محمودا عواقبه ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما
ولسابق:
ألم تر أن الحلم زين مسود ... لصاحبه والجهل للمرء شائن
فكن دافنا للجهل بالحلم تسترح ... من الجهل إن الحلم للجهل دافن
ولغيره:
ألا إن حلم المرء أكبر نسبة ... يسامى بها عند الفخار كريم
فيا رب هب لي منك حلما فإنني ... أرى الحلم لم يندم عليه حليم
وقال بعض الحكماء: ما حلا عندي أفضل من غيظ أتجرعه.
وقال بعضهم:
وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى ... وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا
فتندم إذ لا تنفعنك ندامة ... كما ندم المغبون لما تفرقا
وقال علي عليه السلام: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل.
سئل كسرى أنو شروان: ما قدر الحلم؟ فقال: وكيف تعرف قدر ما لم ير كماله أحد.
وقال معاوية لخالد بن المعمر: كيف حبك لعلي بن أبي طالب عليه السلام؟ قال: أحبه لثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقة إذا قال، وعلى وفائه إذا وعد.
وكان يقال: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الظلم والباطل، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا سمعت الكلمة تؤذيك فطأطىء لها حتى تتخطاك.
وقال الحسن: إنما يعرف الحلم عند الغضب. فإذا لم تغضب لم تكن حليما وقال الشاعر:
وليس يتم الحلم للمرء راضيا ... إذا هو عند السخط لم يتحلم
كما لا يتم الجود للمرء موسرا ... إذا هو عند العسر لم يتجشم
وقال بعض الحكماء: إن أفضل واد ترى به الحلم، فإذا لم تكن حليما فتحلم، فإذا لم تكن عليما فتعلم، فقلما تشبه رجل بقوم إلا كان منهم.
وقال بعضهم: الحلم عدة على السفيه، لأنك لا تقابل سفيها بالإعراض عنه والاستخفاف بفعله إلا أذللته.
ويقال: ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتقم، ولكن الحليم من ظلم فحلم ثم قدر فعفا.
وللأحنف أو غيره:
ولربما ضحك الحليم من الأذى ... وفؤاده من حره يتأوه
ولربما شكل الحليم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوه
وقيل: ما استب اثنان إلا غلب ألأمهما.

(1/180)

وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
وقال بعضهم: إياك وعزة الغضب فإنها تصيرك إلى ذل الاعتذار.
وقيل: من حلم ساد، ومن تفهم ازداد.
وقال الأحنف: ما نازعني أحد قط إلا أخذت أمري بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت قدره، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. ولقد أحسن الذي أخذ هذا المعنى فنظمه فقال:
إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن تقارع بالجهل
وإن كان مثلي ثم جاء بزلة ... هويت لصفحي أن يضاف إلى العدل
وان كنت أدنى منه قدرا ومنصبا ... عرفت له حق التقدم والفضل
وفي مثله قال بعض الشعراء:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلي الجرائم
ولا الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق قائم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته نفسي وإن لام لائم
وأما الذين مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل للحر لازم
ولأصرم بن قيس، ويقال إنها لعلي عليه السلام:
أصم عن الكلم المحفظات ... وأحلم والحلم بي أشبه
وإني لأترك جل الكلام ... لئلا أجاب بما أكره
إذا ما اجتررت سفاه السفيه ... علي فإني أنا الأسفه
فلا تغترر برواء الرجال ... وما زخرفوا لك أو موهوا
فكم من فتى يعجب الناظرين ... له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرمات ... وعند الدناءة يستنبه
وللحسن بن رجاء:
أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
ومن قضت الرجال له حقوقا ... ولم يقض الحقوق فما أصابا
وقال محمد بن علي رضوان الله عنهما: من حلم وقى عرضه، ومن جادت كفه حسن ثناؤه، ومن أصلح ماله استغنى، ومن احتمل المكروه كثرت محاسنه، ومن صبر حمد أمره، ومن كظم غيظه فشا إحسانه، ومن عفا عن الذنوب كثرت أياديه، ومن اتقى الله كفاه ما أهمه.
وسأل أمير المؤمنين علي عليه السلام كبيرا من كبراء الفرس: أي شيء لملوككم كان أحمد عندكم؟ قال: كان لأردشير فضل السبق في المملكة، غير أن أحمدهم سيرة أنو شروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. قال: هما توأمان ينتجهما علو الهمة.
ولمحمود بن الحسن الوراق:
إني وهبت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علم
ورأيته أسدى إلي يدا ... لما أبان بجهله حلمي
رجعت إساءته عليه وإح ... ساني إلي مضاعف الغنم
وغدوت ذا أجر ومحمدة ... وغدا بكسب الظلم والإثم
وكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم
ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم
ولمحمد بن زياد يصف حلماء:
نخالهم في الناس صما عن الخنى ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر
كأن لهم وصما يخافون عاره ... وما ذاك إلا لاتقاء المعاير
وله أيضا:
وأرفع نفسي عن نفوس وربما ... تذللت في إكرامها لنفوس

(1/181)

وإن رامني يوما خسيس بجهله ... أبى الله أن أرضى بعرض خسيس
قال وهب: مكتوب في الإنجيل: لا ينبغي لإمام أن يكون جائرا ومنه يلتمس العدل، ولا سفيها ومنه يقتبس الحلم.
ولبعضهم:
وإذا استشارك من تود فقل له ... أطع الحليم إذا الحليم نهاكا
واعلم بأنك لن تسود ولن ترى ... سبل الرشاد إذا أطعت هواكا
وقال آخر:
وكن معدنا للحلم واصفح عن الأذى ... فإنك راء ما عملت وسامع
وأحبب إذا أجبت حثا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت غير مباين ... فإنك لا تدري متى أنت راجع، "
باب السودد
قيل لعدي بن حاتم: ما السودد؟ قال: السيد الأحمق في ماله، الذليل في عرضه، المطرح لحقده.
وقيل لقيس بن عاصم: بم سودك قومك؟ قال: بكف الأذى، وبذل الندى، ونصر المولى.
وقال رجل للأحنف، بم سودك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟ قال: بخلاف ما فيك با بن أخي، قال: وما ذاك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا؛ قال؛ كذبت لو كنت كذلك لم تقله.
وقال ابن الكلبي: قدم أوس بن حارثة بن لأم الطائي وحاتم بن عبد الله الطائي على النعمان بن المنذر، فقال لإياس بن قبيصة الطائي: أيهما أفضل؟ قال: أبيت اللعن أيها الملك. إني من أحدهما، ولكن سلهما عن أنفسهما فإنهما يخبرانك. فدخل عليه أوس، فقال أنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن، إن أدنى ولد حاتم أفضل مني، ولو كنت أنا وولدي ومالي لحاتم لأنهبنا في غداة واحدة. ثم دخل عليه حاتم، فقال له: أنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن، إن أدنى ولد لأوس أفضل مني. فقال النعمان: هذا والله السودد، وأمر لكل واحد منهما بمائة من الإبل.
وسأل عبد الملك بن مروان روح بن زنباع عن مالك بن مسمع، فقال: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف سيف لا يسأله واحد منهم: لم غضبت؟ فقال عبد الملك: هذا والله السودد.
أبو حاتم عن العتبي قال: أهدى ملك اليمن سبع جزائر إلى مكة، وأوصى أن ينحرها أعز قرشي بها، فأتت وأبو سفيان عروس بهند، فقالت له هند: يا هذا، لا تشغلك النساء عن هذه الأكرومة التي لعلك أن تسبق إليها؛ فقال لها: يا هذه، ذري زوجك وما اختار لنفسه، فوالله لا نحرها أحد إلا نحرته. فكانت في عقلها حتى خرج إليها بعد السابع فنحرها.
ونظر رجل إلى معاوية، وهو غلام صغير، فقال: إني أظن أن هذا الغلام سيسود قومه، فسمعته أمه هند فقالت: ثكلته إذا إن لم يسد غير قومه.
وقال الهيثم بن عدي: كانوا يقولون: إذا كان الصبي سابل الغرة، طويل الغرلة، ملتاث الإزرة، فذاك الذي لا يشك في سودده.
ودخل ضمرة بن ضمرة على النعمان بن المنذر، وكانت به دمامة شديدة، فالتفت النعمان إلى أصحابه، وقال: تسمع بالمعيدي خير من أن ترإه.
فقال: أيها الملك، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإن قال قال ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان قال: صدقت، وبحق سودك قومك.
وقيل لعرابة الأوسي: بم سودك قومك؟ قال: بأربع خلال: أنخدع لهم في مالي، وأذل لهم في عرضي، ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم.
وفي عرابة الأوسي يقول الشماخ، وهو " ابن " ضرار:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وقالوا: يسود الرجل بأربعة أشياء: بالعقل والأدب والعلم والمال.
وكان سلم بن نوفل سيد بني كنانة فوثب رجل على ابنه وابن أخيه، فجرحهما، فأتي به، فقال " له " : ما أمنك من انتقامي؟ قال: فلم سودناك إذا، إلا أن تكظم الغيظ، وتحلم عن الجاهل، وتحتمل المكروه، فخلى سبيله، فقال فيه الشاعر:

(1/182)

يسود أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد الصنديد سلم بن نوفل
وقال ابن الكلبي: قال لي خالد العنبري: ما تعدون السودد؟ قلت: أما في الجاهلية فالرياسة، وأما في الإسلام فالولاية، وخير من ذا وذاك التقوى؛ قال: صدقت؛ كان أبي يقول: لم يدرك الأول الشرف إلا بالعقل، ولم يدرك الآخر إلا بما أدرك به الأول قلت له: صدق أبوك، إنما ساد الأحنف بن قيس بحلمه، ومالك بن مسمع بحب العشيرة له، وقتيبة بن مسلم بدهائه، وساد المهلب بهذه الخلال كلها. الأصمعي قال: قيل لأعرابي يقال له منتجع بن نبهان: ما السميدع؟ قال: السيد الموطأ الأكناف.
وكان عمر بن الخطاب " رضي الله عنه " يفرش له فراش في بيته في وقت خلافته، فلا يجلس عليه أحد إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان: كل الصيد في جوف الفرأ. والفرأ: الحمار الوحشي، وهو مهموز، وجمعه فراء، ومعناه: أنه في الناس مثل الحمار الوحشي في الوحش.
ودخل عمرو بن العاص مكة، فرأى قوما من قريش قد تحلقوا حلقة، فلما رأوه رموا بأبصارهم إليه، فعدل إليهم، فقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري؟ قالوا: أجل، كنا نماثل بينك وبن أخيك هشام، أيكما أفضل. فقال عمرو: إن لهشام علي أربعة: أمه ابنة هشام بن المغيرة، وأمي من قد عرفتم؟ وكان أحب الناس إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد؛ وأسلم قبلي، واستشهد وبقيت.
قال قيس بن عاصم لبنيه لما حضرته الوفاة: " يا بني " ، احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني، أما إذا أنامت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم، فيحقر الناس كباركم.
وقال الأحنف بن قيس: السودد مع السواد.
وهذا المعنى يحتمل وجهين من التفسير: أحدهما، أن يكون أراد بالسواد سواد الشعر، يقول: من لم يسد مع الحداثة لم يسد مع الشيخوخة. والوجه الآخر أن يكون أراد بالسواد سواد الناس ودهماءهم، يقول: من لم يطر له اسم على ألسنة العامة بالسودد لم ينفعه ما طار له في الخاصة.
وقال أبان بن مسلمة:
ولسنا كقوم محدثين سيادة ... يرى ما لها ولا تحس فعالها
مساعيهم مقصورة في بيوتهم ... ومسعاتنا ذبيان طرا عيالها
الهيثم بن عدي قال: لما انفرد سفيان بن عيينة ومات نظراؤه من العلماء تكاثر الناس عليه، فأنشأ يقول:
خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسودد
سودد الرجل بنفسه
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أسرع به عمله لم يبطىء به حسبه، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه وقال قس بن ساعدة: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه.
وقالوا: إنما الناس بأبدانهم.
وقال الشاعر:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما
وقال عبد الله بن معاوية:
لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقال قس بن ساعدة: لأقضين بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي، ولا يردها أحد بعدي، أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم فلا لوم عليه، وأيما رجل أدعى كرما دونه لؤم فلا كرم له.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لوم دونه كرم فالكرم أولى به.
تريد أن أولى الأمور بالإنسان خصال نفسه، فإن كان كريما وآباؤه لئام لم يضره ذلك، وإن كان لئيما وآباؤه كرام لم ينفعه ذلك.
وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بجد ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
وتكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كل مذهب، فأعجب عبد الملك ما سمع من كلامه، فقل له: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي بها توصلت إليك، قال: صدقت.

(1/183)

فأخذ الشاعر هذا المعنى، فقال:
ما لي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي
إذا انتمى منتم إلى أحد فإنني منتم إلى أدبي، وقال بعض المحدثين:
رأيت رجال بني دالق ... ملوكا بفضل تجاراتهم
وبربرنا عند حيطانهم ... يخوضون في ذكر أمواتهم
وما الناس إلا بأبدانهم ... وأحسابهم في حر اماتهم
المروءة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا دين إلا بمروءة.
وقال ربيعة الرأي: المروءة ست خصال: ثلاثة في الحضر وثلاثة في السفر، فأما التي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، ومداعبه الرفيق، وأما التي في الحضر: فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد، وعفاف الفرج.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المروءة مروءتان: مروءة ظاهرة، ومروءة باطنة، فالمروءة الظاهرة الرياش، والمروءة الباطنة العفاف.
وقدم وفد على معاوية فقال لهم: ما تعدون المروءة؟ قالوا: العفاف وإصلاح المعيشة، قال اسمع يا يزيد.
وقيل لأبي هريرة: ما المروءة؟ قال: تقوى تالله وتفقد الضيعة.
وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنا معشر قريش لا نعد الحلم والجود سوددا، ونعمد العفاف وإصلاح المال مروءة.
قال الأحنف: لا مروءة لكذوب، ولا سودد لبخيل، ولا ورع لسيء الخلق وقال النبي صلى الله عليه وسلم: تجاوزوا لذوي المروآت عن عثراتهم، فوالذي نفسي بيده إن أحدهم ليعثر وإن يده لبيد الله.
وقال العتبي عن أبيه: لا تتم مروءة الرجل إلا بخمس: أن يكون عالما، صادقا، عاقلا، ذا بيان، مستغينا عن الناس.
وقال الشاعر:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
وقيل لعبد الملك بن مروان: أكان مصعب بن الزبير يشرب الطلاء؟ فقال: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شر به.
وقالوا: من أخذ من الديك ثلاثة أشياء، ومن الغراب ثلاثة أشياء، تم بها أدبه ومروءته: من أخذ من الديك سخاءه وشجاعته وغيرته، ومن الغراب بكوره لطلب الرزق وشدة حذره وستر سفاده.
طبقات الرجال
قال خالد بن صفوان: الناس ثلاث طبقات: طبقة علماء، وطبقة خطباء، وطبقة أدباء ورجرجة بين ذلك يغلون الأسعار، ويضيقون الأسواق، ويكدرون المياه.
وقال الحسن: الرجال ثلاثة: فرجل كالغذاء لا يستغنى عنه، ورجل كالدواء لا يحتاج إليه إلا حينا بعد حين، ورجل كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: الناس ثلاثة: ناس ونسناس وناس غمسوا في ماء الناس.
وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: فرجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فسلوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك الناسي فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك الجاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك الأحمق فارفضوه.
وقال الشاعر:
أليس من البلوى بأنك جاهل ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري
إذا كنت لا تدري ولست كمن درى ... فكيف إذا تدري بأنك لا تدري
ولآخر:
وما الداء إلا أن تعلم جاهلا ... ويزعم جهلا أنه منك أعلم
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، ورعاع همج يميلون مع كل ريح.
وقالت الحكماء: الإخوان ثلاثة: فأخ يخلص لك وده، ويبذل لك رفده، ويستفرغ في مهمك جهده؟ وأخ ذو نية يقتصر بك على حسن نيته دون رفده ومعونته، وأخ يتملق لك بلسانه ويتشاغل عنك بشانه، ويوسعك من كذبه وأيمانه.
وقال الشعبي. مر رجل بعبد الله بن مسعود، فقال لأصحابه: هذا لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم، ولا يتعلم ممن يعلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كن عالما أو متعلما ولا تكن الثالثة فتهلك.
الغوغاء
الغوغاء: الدبا، وهي صغار الجراد، وشبه بها سواد الناس.

(1/184)

وذكر الغوغاء عند عبد الله بن عباس فقال: ما اجتمعوا قط إلا ضروا، ولا افترقوا إلا نفعوا وقيل له: قد علمنا ما ضر اجتماعهم، فما نفع افتراقهم؟ قال: يذهب الحجام إلى دكانه، والحداد إلى أكياره، وكل صانع إلى صناعته.
ونظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قوم يتبعون رجلا أخذ في ريبة، فقال: لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ترى إلا في كل شر.
وقال حبيب بن أوس الطائي:
إن شئت أن يسود ظنك كله ... فأجله في هذا السواد الأعظم
وقال دعبل:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
الثقلاء
قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: نزلت آية في الثقلاء: " فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث " .
وقال الشعبي: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء.
وقيل لجالينوس: بم صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن الرجل الثقيل إنما ثقله على القلب دون الجوارح. والحمل الثقيل يستعين فيه المرء بالجوارح.
وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه، وغمك بسؤاله، فأعره أذنا صماء، وعينا عمياء.
وكان أبو هريرة إذا استثقل رجلا، قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه.
وكان الأعمش إذا حضر مجلسه ثقيل يقول:
فما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا
وقال أبو حنيفة للأعمش، وأتاه عائدا في مرضه: لولا أن أثقل عليك أبا محمد لعدتك والله في كل يوم مرتين، فقال له الأعمش: والله يا بن أخي، أنت ثقيل علي وأنت في بيتك، فكيف لو جئتني في كل يوم مرتين.
وذكر رجل ثقيلا كان يجلس إليه، فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه إذا جلس إلي.
ونقش رجل على خاتمه: أبرمت فقم. فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إياه وقال: اقرأ ما على هذا الخاتم.
وكان حماد بن سلمة إذا رأى من يستثقله قال: " ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون " .
وقال بشار العقيلي في ثقيل يكنى أبا عمران:
ربما يثقل الجليس وإن كا ... ن حنيفا في كفة الميزان
ولقد قلت إذ أطل على القو ... م ثقيل يربي على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا عمران
ولآخر:
أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل
أنت في المنظر إنسا ... ن وفي الميزان فيل
وقال الحسن بن هانئ في رجل ثقيل:
ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سره رغم أنفي ألم
أقوله له إذا بدا لا بدا ... ولا حملته إلينا قدم
فقدت خيالك لا من عمى ... وصوت كلامك لا من صمم
وله فيه:
وما أظن القلاص منجيتي ... منك ولا الفلك أيها الرجل
ولو ركبت البراق أدركني ... منك على نأي دارك الثقل
هل لك فيما ملكته هبة ... تاخذه جملة وترتحل
وله فيه:
يا من على الجلاس كالفتق ... كلامك التخديش في الحلق
هل لك في مالي وما قد حوت ... يداي من جل ومن دق
تأخذه مني كذا فدية ... واذهب ففي البعد وفي السحق
وله فيه:
ألا يا جبل المقت ال ... ذي أرسى فما يبرح
لقد أكثرت تفكيري ... فما أدري لما تصلح
فما تصلح أن تهجى ... ولا تصلح أن تمدح
أهدى رجل من الثقلاء إلى رجل من الظرفاء جملا، ثم نزل عليه حتى أبرمه، فقال فيه:
يا مبرما أهدى جمل ... خذ وانصرف ألفي جمل

(1/185)

قال وما أوقارها ... قلت زبيب وعسل
قال ومن يقودها ... قلت له ألفا رجل
قال ومن يسوقها ... قلت له ألفا بطل
قال وما لباسهم ... قلت حلي وحلل
قال وما سلاحهم ... قلت سيوف وأسل
قال عبيد لي إذن ... قلت نعم ثم خول
قال بهذا فاكتبوا ... إذن عليكم لي سجل
قلت له ألفي سجل ... فاضمن لنا أن ترتحل
قال وقد أضجرتكم ... قلت أجل ثم أجل
قال وقد أبرمتكم ... قلت له الأمر جلل
قال وقد أثقلتكم ... قلت له فوق الثقل
قال فإني راحل ... قلت العجل ثم العجل
يا كوكب الشؤم ومن ... أربى على نحس زحل
يا جبلا من جبل ... في جبل فوق جبل
وقال الحمدوني في رجل بغيض مقيت:
أيابن البغيضة وابن البغيض ... ومن هو في البغض لا يلحق
سألتك بالله إلا صدقت ... وعلمي بأنك لا تصدق
أتبغض نفسك من بغضها ... وإلا فأنت إذن أحمق
وله فيه:
في حمير الناس إن كن ... ت من الناس تعد
ولقد أنبئت: إبلي ... س إذا راك يصد
ولحبيب الطائي في مثله، أي في رجل مقيت:
يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالرمد
يمشي على الأرض مختالا فأحسبه ... لبغض طلعته يمشي على كبدي
لو أن في الأرض جزءا من سماجته ... لم يقدم الموت إشفاقا على أحد
وللحسن بن هانئ في الفضل الرقاشي:
رأيت الرقاشي في موضع ... وكان إلي بغيضا مقيتا
فقال اقترح بعض ما تشتهي ... فقلت اقترحت عليك السكوتا
وأنشد الشعبي:
إني بليت بمعشر ... نوكى أخفهم ثقيل
بله إذا جالستهم ... صدئت لقربهم العقول
لا يفهموني قولهم ... ويدق عنهم ما أقول
فهم كثير بي كما ... أني بقربهم قليل
وقال العتبي: كتب الكسائي إلى الرقاشي:
شكوت إلينا مجانينكم ... وأشكو إليك مجانيننا
وأنشأت تذكر قذاركم ... فأنتن وأقذر بمن عندنا
فلولا السلامة كنا كهم ... ولولا البلاء لكانوا كنا
وقال حبيب الطائي:
وصاحب لي مللت صحبته ... أفقدني الله شخصه عجلا
سرقت سكينه وخاتمه ... أقطع ما بيننا فما فعلا
وقال حبيب:
يا من له في وجهه إذ بدا ... كنوز قارون من البغض
لو فر شيء قط من شكله ... فر إذا بعضك من بعض
كونك في صلب أبينا، الذي ... أهبطنا جمعا إلى الأرض
وقال أبو حاتم:
وأنشدني أبو زيد الأنصاري النحوي صاحب النوادر:
وجه يحيى يدعو إلى البصق فيه ... غير أني أصون عنه بصاقي
قال أبو حاتم: وأنشدني العتبي:
له وجه يحل البصق فيه ... ويحرم أن يلقى بالتحية
قال وأنشدني:
قميص أبي أمية ما علمتم ... وأوسخ منه جلد أبي أميه
التفاؤل بالأسماء
سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا أراد أن يستعين به على عمل عن اسمه واسم أبيه. فقال: ظالم بن سراقة، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك؟ ولم يستعن به في شيء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:29 pm

وأقبل رجل إلى عمر بن الخطاب فقال له عمر: ما اسمك؟ فقال: شهاب ابن حرقة، قال: ممن؟ قال: من أهل حرة النار، قال: وأين مسكنك؟ قال: بذات لظى، قال: اذهب فإن أهلك قد احترقوا. فكان كما قال عمر رضي الله عنه. ولقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مسروق بن الأجدع، فقال له: من أنت؟ قال: مسروق بن الأجدع. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الأجدع شيطان.
وروى سفيان عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمرائه: لا تبردوا بريدا إلا حسن الوجه، حسن الاسم.
ولما فرغ المهلب بن أبي صفرة من حرب الأزارقة وجه بالفتح إلى الحجاج رجلا يقال له مالك بن بشير؟ فلما دخل على الحجاج، قال له: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير، محال: ملك وبشارة.
وقال الشاعر:
وإذا تكون كريهة فرجتها ... أدعو بأسلم مرة ورباح
يريد التطير بأسلم ورباح، للسلامة والربح.
الرياشي عن الأصمعي قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينه على رجل من الأنصار، فصاح الرجل بغلاميه: يا سالم ويا يسار؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم: سلمت لنا الدار في يسر.
وقال سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي: قدم جدي حزن بن أبي وهب على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: كيف اسمك؟ قال: حزن، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل مهل؟ قال: ما كنت لأدع اسما سمتني به أمي قال: سعيد: فإنا لنجد تلك الحزونة في أخلاقنا إلى اليوم.
وإنما تطيرت العرب من الغراب للغربة، إذ كان اسمه مشتقا منها.
وقال أبو الشيص:
أشاقك والليل ملقي الجران ... غراب ينوح على غصن بان
وفي نعبات الغراب اغتراب ... وفي البان بين بعيد التداني
ولآخر في السفرجل:
أهدى إليه سفرجلا فتطيرا ... منه فظل مفكرا مستعبرا
خوف الفراق لأن شطر هجائه ... سفر وحق له بأن يتطيرا
ولآخر في السوسن:
ياذا الذي أهدئ لنا السوسنا ... ما كنت في إهدائه محسنا
شطر اسمه سوء فقد سؤتني ... ياليت أني لم أر السوسنا
ولآخر في الأترج:
أهدى إليه حبيبه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
خاف التبدل والتلون إنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
وقال الطائي في الحمام:
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة، فلما أراد الخروج سألها أن تعطيه خاتم ذهب في يدها ليذكرها به، قالت: إن ذهب، وأخاف أن تذهب، ولكن هذا العود فلعلك أن تعود.
باب الطيرة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكاد يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد، قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ.
وقال أبو حاتم: السانح ما ولاك ميامنه، والبارح ما ولاك مياسره، والجابه ما استقبلك من تجاهك، والقعيد الذي يأتيك من خلفك.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا عدوى ولا طيرة.
وقال: ليس منا من تطير.
وقال: إذا رأى أحدكم الطيرة فقال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، لم تضره.
وقد كانت العرب تتطير، ويأتي ذلك في أشعارهم، وقال بعضهم:
وما صدقتك الطير يوم لقيتنا ... وما كان من دلاك فينا بخابر
وقال حسان رضي الله تعالى عنه:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان بين علي وابن عفانا
لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقال الحسن بن هانئ:

(1/187)

قام الأمير بأمر الله في البشر ... واستقبل الملك في مستقبل الثمر
فالطير تخبرنا والطير صادقة ... عن طيب عيش وعن طول من العمر
وقال الشيباني: لما قدم قتيبة بن مسلم واليا على خراسان، قام خطيبا، فسقطت المخصرة من يده فتطير بها أهل خراسان، فقال: أيها الناس، ليس كما ظننتم ولكنه كما قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
اتخاذ الإخوان وما يجب لهم
روى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن داود قال لابنه سليمان عليهما السلام: يا بني لا تستقل عدوا واحدا ولا تستكثر ألف صديق، ولا تستبدل بأخ قديم أخا مستحدثا ما استقام لك.
وفي الحديث المرفوع: المرء كثير بأخيه.
وقاد شبيب بن شيبة؟ إخوان الصفاء خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، ومعونة على الأعداء.
وأنشد ابن الأعرابي:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الصفاء الذخائر
وقال الأحنف بن قيس: خير الإخوان إن استغنيت عنه لم يزدك في المودة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن كوثرت عضدك، وإن استرفدت رفدك، وأنشد:
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
ولآخر:
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
ومما يجب للصديق على الصديق النصيحة جهده. فقد قالوا: صديق الرجل مرآته تريه حسناته وسيآته.
وقالوا الصديق من صدقك وده، وبذل لك رفده.
" وقالوا: أربعة لا تعرف إلا عند أربعة: لا يعرف الشجاع إلا عند الحرب، ولا الحليم إلا عند الغضب، ولا الأمين إلا عند الأخذ والعطاء، ولا الأخوان إلا عند النوائب " .
وقالوا: خير الإخوان من أقبل عليك إذا أدبر الزمان عنك.
وقال الشاعر:
فإن أولى الموالي أن تواليه ... عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
ولآخر:
البر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعة
ترك التعهد للصدي ... ق يكون داعية القطيعة
أنشد محمد بن يزيد المبرد لعبد الصمد بن المعذل في الحسن بن إبراهيم.
يا من فدت نفسه نفسي ومن جعلت ... له وقاء لما يخشى وأخشاه
أبلغ أخاك وان شط المزار به ... أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وأن طرفي موصول برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه
الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
عدوا فهل حسن لم يحوه حسن ... وهل فتى عدلت جدواه جدواه
فالدهر يفنى ولا تفنى مكارمه ... والقطر يحمى ولا تحصى عطاياه
وقيل لبعض الولاة: كم صديقا لك؟ قال: لا أدري، الدنيا مقبلة علي والناس كلهم أصدقائي، وإنما أعرف ذلك إذا أدبرت عني.
ولما صارت الخلافة إلى المنصور كتب إليه رجل من إخوانه كتابا فيه هذه الأبيات:
انا بطانتك الآلي ... كنا نكابد ما تكابد
ونرى فنعرف بالعدا ... وة والبعاد لمن تباعد
ونبيت في شفق علي ... ك ربيئة والليل هاجد
أصناف الإخوان

(1/188)

قال العتابي: الإخوان ثلاثة أصناف: فرع بائن من أصله، وأصل متصل بفرعه، وفرع ليس له أصل. فأما الفرع البائن من أصله، فإخاء بني على مودة ثم انقطعت فحفظ على ذمام الصحبة؛ وأما الأصل المتصل بفرعه، فإخاء أصله الكرم وأغصانه التقوى؛ وأما الفرع الذي لا أصل له، فالمموه الظاهر الذي ليس له باطن.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصاحب رقعة في قميصك فانظر بم ترقعه.
ويقال: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا ولعدوه عدوا.
وقدم دحية الكلبي على أمير المؤمنين علي عليه السلام، فما زال يذكر معاوية ويطريه في مجلسه؛ فقال علي عليه السلام:
صديق عدوي داخل في عداواتي ... وإني لمن ود الصديق ودود
فلا تقربا مني وأنت صديقه ... فإن الذي بين القلوب بعيد
وفي هذا المعنى قول العتابي:
تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الرأي عنك لعازب
وليس أخي من دوني رأي عينه ... ولكن أخي من دوني وهو غائب
وقال آخر:
ليس الصديق الذي إن زل صاحبه ... يوما رأى الذنب منه غير مغفور
وإن أضاع له حقا فعاتبه ... فيه أتاه بتزويق المعاذير
إن الصديق الذي ألقاه يعذر لي ... ما ليس صاحبه فيه بمعذور
وقال الآخر:
كم من أخ لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا
صاف الكرام إذا أردت إخاءهم ... واعلم بأن أخا الحفاظ أخوكا
والناس ما استغنيت كنت أخاهم ... وإذا افتقرت إليهم رفضوكا
وقال بعضهم:
أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا ... لتضربه لم يستغشك في الود
وإن جئت تبغي كفه لتبينها ... لبادر إشفاقا عليك من الرد
يرى أنه في الود وان مقصر ... على أنه قد زاد فيه على الجهد
وقال آخر:
إن كنت متخذا خليلا ... فتنق وانتقد الخليلا
من لم يكن لك منصفا ... في الود فابغ به بديلا
ولقلما تلقى اللئيم ... عليك إلا مستطيلا
وللعطوي:
صن الود إلا عن الاكرمين ... ومن بمؤاخاته تشرف
ولا تغترر من ذوي خلة ... بما موهوا لك أو زخرفوا
وكم من أخ ظاهر وده ... ضمير مودته أحيف
إذا أنت عاتبته في الإخا ... ء تنكر منه الذي تعرف
وكتب العباس بن جرير إلى الحسن بن مخلد:
ارع الإخاء أبا محم ... د للذي يصفو وصنه
وإذا رأيت منافسا ... في نيل مكرمة فكنه
إن الصديق هو الذي ... يرعاك حيث تغيب عنه
فإذا كشفت إخاءه ... أحمدت ما كشفت منه
مثل الحسام إذا انتضا ... ه أخو الحفيظة لم يخنه
يسعى لما تسعى له ... كرما وإن لم تستعنه
وقال آخر:
خير إخوانك آلمشارك في المر ... وأين الشريك في المر أينا
الذي إن شهدت زادك في البر ... وإن غبت كان أذنا وعينا
وقال آخر:
ومن البلاء أخ جنايته ... علق بنا ولغيرنا سلبه
ولآخر:
إذا رأيت انحرافا من أخي ثقة ... ضاقت علي برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان
وكتب بعضهم إلى محمد بن بشار:
من لم يردك فلا ترده ... لتكن كمن لم تستفده
باعد أخاك لبعده ... وإذا دنا شبرا فزده
كم من أخ لك يا بن بش ... ا ر وأمك لم تلده

(1/189)

وأخي مناسبة يسو ... ءك، غيبه لم تفتقده
فأجابه محمد بن بشار:
غلط الفتى في قوله: ... من لم يردك فلا ترده
من يأنس الإخوان لم ... يبد العتاب ولم يعده
عاتب أخاك إذا هفا ... واعطف بودك واستعده
وإذا أتاك بعيبه ... واش فقل لم تعتمده
معاتبة الصديق واستبقاء مودته
قالت الحكماء: مما يجب للصديق على الصديق الإغضاء عن زلاته، والتجاوز عن سيآته، فإن رجع وأعتب وإلا عاتبته بلا إكثار، فإن كثرة العتاب مدرجة للقطيعة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا تقطع أخاك على ارتياب، ولا تهجره دون استعتاب.
وقال أبو الدرداء: من لك بأخيك كله.
وقالوا؛ أي الرجال المهذب.
وقال بشار العقيلي:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وقالوا: معاتبة الأخ خير من فقده.
وقال الشاعر:
إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب
ولمحمد بن أبان:
إذا أنا لم أصبر على الذنب من أخ ... وكنت أجازيه فأين التفاضل
" إذا ما دهاني مفصل فقطعته ... بقيت وما لي للنهوص مفاصل، "
ولكن أداويه فإن صح سرني وإن هو أعيا كان فيه تحامل وقال الأحنف: من حق الصديق أن يتحمل ثلاثا: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة.
لعبد الله بن معاوية:
ولست ببادي صاحبي بقطيعة ... ولست بمفش سره حين يغضب
عليك بإخوان الثقات فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحب
وما الخدن إلا من صفا لك وده ... ومن هو ذو نصح وأنت مغيب
ما يستجلب الإخاء
والمودة ولين الكلمة
قال علي بن أبي طالب عليه السلام: من لانت كلمته وجبت محبته. وأنشد: كيف أصبحت كيف أمسيت مما ينبت الود في فؤاد الكريم وعلى الصديق ألا يلقى صديقه إلا بما يحب، ولا يؤذي جليسه، فيما هو عنه بمعزل، ولا يأتي ما يعيب مثله، ولا يعيب ما يأتي شكله. وقد قال المتوكل الليثي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث تثبت لك الود في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه.
وقال: ليس شيء أبلغ في خير ولا شر من صاحب.
وقال الشاعر:
إن كنت تبغي الأمر أو أصله ... وشاهدا يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بأشباهها ... واعتبر الصاحب بالصاحب
لعدي بن زيد:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
و لعمرو بن جميل التغلبي:
سأصبر من صديقي إن جفاني ... على كل الأذى إلا الهوانا
فإن الحر يأنف في خلاء ... وإن حضر الجماعة أن يهانا
وقال رجل لمطيع بن إياس: جئتك خاطبا مودتك؛ قال: قد زوجتكها على شرط أن تجعل صداقها أن لا تسمع في مقال الناس.
ويقال في المثل: من لم يزدرد الريق لم يستكثر من الصديق.
وما أحسن ما قال إبراهيم بن العباس:
يا صديقي الذي بذلت له الو ... د وأنزلته على أحشائي
إن عينا أقذيتها لتراعي ... ك على ما بها من الإقذاء
ما بها حاجة إليك ولكن ... هي معقودة بحبل الوفاء
ولابن أبي حازم:
ارض من المرء في مودته ... بما يؤدي إليك ظاهره
من يكشف الناس لا يرى أحدا ... تصح منه له سرائره

(1/190)

توشك أن لا تتم وصل أخ ... في كل زلاته تنافره
إن ساءني صاحبي احتملت وإن ... سر فإني أخوه شاكره
أصفح عن ذنبه وإن طلب ال ... عذر فإني عليه عاذره
ولغيره:
لعمري لئن أبطأت عنك فلم أزل ... لأحداث دهر لا يزال يعوق
لقد أصبحت نفسي علي شفيقة ... ومثلي على أهل الوفاء شفيق
أسر بما فيه سرورك إنني ... جدير بمكنون الإخاء حقيق
عدو لمن عاديت سلم مسالم ... لكل آمرئ يهوى هواك صديق
ولأبي عبد الله بن عرفة:
هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمي من الدنيا صديق مساعد
يكون كروح بين جسمين فرقا ... فجسماهما جسمان والروح واحد
قال بعض الحكماء: الإخاء جوهرة رقيقة، وهي ما لم توقها وتحرسها معرضة للآفات، فرض الإخاء بالحد له حتى تصل إلى قربه، وبالكظم حتى يعتذر إليك من ظلمك، وبالرضى حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير.
لمحمود الوراق:
لا بر أعظم من مساعدة ... فاشكر أخاك على مساعدته
وإذا هفا فأقله هفوته ... حتى يعود أخا كعادته
فالصفح عن زلل الصديق وإن ... أعياك خير من معاندته
لعبد الصمد بن المعذل:
من لم يدرك ولم ترده ... لم يستفدك ولم تفده
قرب صديقك ما نأى ... وزد التقارب واستزده
وإذا وهت أركان ود ... من أخي ثقة فشده
فضل الصداقة على القرابة
قيل لبزرجمهر: من أحب إليك: أخوك أم صديقك؟ فقال: ما أحب أخي إلا إذا كان لي صديقا.
وقال أكثم بن صيفي: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة.
وقال عبد الله بن عباس: القرابة تقطع، والمعروف يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب.
وقالوا: إياكم ومن تكرهه قلوبكم فإن القلوب تجاري القلوب.
وقال عبد الله بن طاهر الخراساني:
أميل مع الذمام على ابن أمي ... وأحمل للصديق على الشقيق
وإن ألفيتني ملكا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق
أفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق
وقال حبيب الطائي:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... ووصفت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأنساب
وللمبرد:
ما القرب إلا لمن صحت مودته ... ولم يخنك وليس القرب للنسب
كم من قريب دوي الصدر مضطغن ... ومن بعيد سليم غير مقترب
وقالت الحكماء: رب أخ لك لم تلده أمك.
وقالوا: القريب من قرب نفعه.
وقالوا: رب بعيد أقرب من قريب.
وقال آخر:
رب بعيد ناصح الجيب ... وابن أب متهم الغيب
وقال آخر:
أخو ثقة يسر ببعض شاني ... وإن لم تدنه مني قرابه
أحب إلي من ألفي قريب ... لبيت صدورهم لي مسترابه
وقال آخر:
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إن قطعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
فارض من الدهر ما أتاك به ... من قرعينا بعيشه نفعه
وقال.
لكل شيء من الهموم سعه ... والليل والصبح لا بقاء معه
لا تحقرن الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
وقال ابن هرمة:
لله درك من فتى فجعت به ... يوم البقيع حوادث الأيام

(1/191)

هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
التحبب إلى الناس
في الحديث المرفوع: أحب الناس إلى الله أكثرهم تحببا إلى الناس.
وفيه أيضا: إذا أحب الله عبدا حببه إلى الناس.
ومن قولنا في هذا المعنى.
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن مالك عند الله مثل ما للناس عندك.
وقال أبو دهمان لسعيد بن مسلم ووقف إلى بابه فحجبه حينا، ثم أذن له، فمثل بين يديه وقال: إن هذا الأمر الذي صار إليك وفي يديك، قد كان في يدي غيرك فأمسى والله حديثا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قتحبب إلى عباد الله بحسن البشر، وتسهيل الحجاب، ولين الجانب، فإن حب عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغض الله، لأنهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من أعوج عن سبيله. وقال الجارود: سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.
وقيل لمعاوية: من أحب الناس إليك؟ قال: من كانت له عندي يد صالحة؛ قيل له: ثم من؟ قال: من كانت لي عنده يد صالحة.
وقال محمد بن يزيد النحوي: أتيت الخليل فوجدته جالسا على طنفسة صغيرة، فوسع لي وكرهت أن أضيق عليه، فانقبضت، فأخذ بعضدي وقربي إلى نفسه، وقال: إنه لا يضيق سم الخياط بمتحابين، ولا تسع الدنيا متباغضين.
ومن قولنا في هذا المعنى.
صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين
واقطع حبائل خدن لا تلائمه ... فربما ضاقت الدنيا بإثنين
صفة المحبة
أبو بكر الوراق قال: سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب ما هو، فقال: يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة انبعثت منها لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، فتحرك لإشراقها طبائع الحياة، فيتصور من ذلك خلق حاضر للنفس، متصل بخواطرها يسمى الحب.
وسئل حماد الراوية عن الحب، فقال: شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر، وأوراقها الأسقام، وثمرتها المنية.
وقال معاذ بن سهل: الحب أصعب ما ركب، وأسكر، ما شرب، وأفظع ما لقي، وأحلى ما اشتهي، وأوجع ما بطن، وأشهى ما علن، وهو كما قال الشاعر:
وللحب آيات إذا هي صرحت ... تبدت علامات لها غرر صفر
فباطنه سقم وظاهره جوى ... وأوله ذكر وآخره فكر
وقالوا: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك سرفا.
وقال بشار العقيلي.
هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدني إليك فإن الحب أقصاني
وقال غيره:
أحبك حبا لو تحبين مثله ... أصابك من وجد علي جنون
لطيفا مع الأحشاء أما نهاره ... فدمع وأما ليله فأنين
مواصلتك لمن كان يواصل أباك
من حديث ابن أبي شيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقطع من كان يواصل أباك تطفيء بذلك نوره، فإن ودك ود أبيك.
وقال عبد الله بن مسعود: من بر الحي بالميت أن يصل من كان يصل أباه.
وقال أبو بكر: الحب والبغض يتوارثان.
ومن أمثالهم في هذا المعنى: لا تقتن من كلب سوء جروا.
وقال الشاعر:
ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولدا

(1/192)

واجتمع عند ملك من ملوك العرب. تميم بن مر وبكر بن وائل، فوقعت بينهما منازعة ومفاخرة، فقالا: أيها الملك، أعطنا سيفين نتجالد بهما بين يديك حتى تعلم أينا أجلد. فأمر الملك فنحت لهما سيفان من عودين، فأعطاهما " إياهما " ، فجعلا يضطربان مليا من النهار، فقال بكر بن وائل:
لو كان سيفانا حديدا قطعا
قال تميم بن مر:
أو نحتا من جندل تصدعا
وحال الملك بينهما، فقال تميم بن مر لبكر بن وائل:
أساجلك العداوة ما بقينا
فقال له بكر:
وإن متنا نورثها البنينا
فيقال إن عداوة بكر وتميم من أجل ذلك إلى اليوم.
أبو زيد: قال أبو عبيدة: بني دكان بسجستان بنته بكر بن وائل، فهدمته تميم، ثم بنته تميم فهدمته بكر، فتواقعوا في ذلك أربعة وعشرين وقعة. فقال ابن حلزة اليشكري في ذلك:
قربي ياخلي ويحك درعي ... لقحت حربنا وحرب تميم
إخوة قرشوا الذنوب علينا ... في حديث من دهرهم وقديم
طلبوا صلحنا ولات أوان ... إن ما يطلبون فوق النجوم
الحسد
قال علي رضي الله عنه: لا راحة لحسود، ولا إخاء لملول، ولا محب لسيىء الخلق.
وقال الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وغم لاينفد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كاد الحسد يغلب القدر.
وقال معاوية: كل الناس أقدر أرضيهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها.
وقال الشاعر:
كل العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله؛ قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. يقول الله في بعض الكتب: الحسود عدو نعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي.
ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي الله به في الأرض؟ فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل هابيل. وقال بعض أهل التفسير، في قوله تعالى: " ربنا أرنا اللذين أضلأنا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " . إنه أراد بالذي من الجن إبليس، والذي من الإنس قابيل، وذلك أن إبليس أول من سن الكفر، وقابيل أول من سن القتل؛ وإنما كان أصل ذلك كله الحسد.
ولأبي العتاهية:
فيا رب إن الناس لا ينصفونني ... وكيف ولو أنصفتهم ظلموني
وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه ... وإن جئت أبغي سيبهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني
وإن طرقتني نقمة فرحوا بها ... وإن صحبتني نعمة حسدوني
سأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأحجب عنهم ناظري وجفوني
أبو عبيدة معمر بن المثني قال: مر قيس بن زهير ببلاد غطفان، فرأى ثروة وعددا، فكره ذلك، فقيل له: أيسوؤك ما يسر الناس؟ قال: إنك لا تدري أن مع النعمة والثروة التحاسد والتخاذل، وأن مع القلة التحاسد والتناصر.
وكان يقال: ما أثرى قوم قط إلا تحاسدوا وتخاذلوا.
وقال بعض الحكماء: ألزم الناس للكآبة أربعة: رجل حديد، ورجل حسود، وخليط الأدباء وهو غير أديب، وحكيم محقر لدى الأقوام.
علي بن بشر المروزي قال: كتب إلي ابن المبارك هذه الأبيات:
كل العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد
فإن في القلب منها عقدة عقدت ... وليس يفتحها راق إلى الأبد
إلا الإله فإن يرحم تحل به ... وإن أباه فلا ترجوه من أحد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:32 pm

سئل بعض الحكماء: أي أعدائك لا تحب أن يعود لك صديقا؟ قال " : الحاسد الذي لا يرده إلى " مودتي " إلا زوال نعمتي.
وقال سليمان التيمي: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويثر الهم.
الأحنف بن قيس صلى على حارثة بن قدامة السعدي، فقال: رحمك الله، كنت لا تحسد غنيا ولا تحقر فقيرا.
وكان يقال: لا يوجد الحر حريصا، ولا الكريم حسدا.
وقال بعض الحكماء: أجهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا موليا، وابن عم شامتا وجارا حاسدا، ووليا قد تحول عدوا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبدا يحقرك، وولدا ينتهرك، فانظر أين موضع جهدك في الهرب: لرجل من قريش:
حسدوا النعمة لما ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم
وإذا ما الله أسدى نعمة ... لم يضرها قول أعداء النعم
وقيل: إذا سرك أن تسلم من الحاسد فعم عليه أمرك.
وكانت عائشة رضى الله عنها تتمثل بهذين البيتين:
إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
ولبعضهم:
إياك والحسد الذي هو آفة ... فتوقه وتوق غيرة من حسد
إن الحسود إذا أرك مودة ... بالقول فهو لك العدو المجتهد
الليث بن سعد قال: بلغني أن إبليس لقي نوحا صلى الله عليه وسلم، فقال له إبليس: اتق الحسد والشح، فإني حسدت آدم فخرجت من الجنة، وشح آدم على شجرة واحدة منع منها حتى خرج من الجنة.
وقال الحسن: أصول الشر " ثلاثة " وفروعه ستة، فالأصول الثلاثة: الحسد، والحرص، وحب الدنيا. والفروع الستة: " حب النوم، وحب الشبع، وحب الراحة، وحب الرئاسة وحب الثناء، وحب الفخر.
وقال الحسن: يحسد أحدهم أخاه حتى يقع في سريرته وما يعرف علانيته، ويلومه على ما لا يعلمه منه، ويتعلم منه في الصداقة ما يعيره به إذا كانت العداوة، والله ما أرى هذا بمسلم.
ابن أبي الدنيا قال: بلغني عن عمر بن ذر أنه قال: اللهم من أرادنا بشر فاكفناه بأي حكميك شئت، إما بتوبة وإما براحة. قال ابن عباس: ما حسدت أحدا على هاتين " الكلمتين " .
وقال ابن عباس: لا تحقرن كلمة الحكمة أن تسمعها من الفاجر، فإنما مثله كما قال الأول: رب رمية من غير رام.
وقال بعض الحكماء: ما أمحق للإيمان، ولا أهتك للستر من الحسد، وذلك أن الحاسد معاند لحكم الله. باغ على عباده، عات على ربه، يعتد نعم الله نقما، ومزيده غيرا، وعدل قضائة حيفا، للناس حال وله حال، ليس يهدأ، ولا ينام جشعه، ولا ينفعه عيشه، محتقر لنعم الله عليه، متسخط ما جرت به أقداره، لا يبرد غليله، ولا تؤمن غوائله، إن سالمته وترك، وأن واصلته قطعك، وإن صرمته سبقك.
ذكر حاسد عند بعض الحكماء فقال: يا عجبا لرجل أسلكه الشيطان مهاوي الضلالة، وأورده قحم الهلكة، فصار لنعم الله تعالى بالمرصاد، إن أنالها من أحب من عباده أشعر قلبه الأسف على ما لم يقدر له، وأغاره الكلف بما لم يكن ليناله.
أنشدني فتى بالرملة:
اصبر على حاسد الحسو ... د فإن صبرك قاتله
النار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تاكله
وقال عبد الملك بن مروان للحجاح: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فصف لي عيوبك. قال: أعفنى يا أمير المؤمنين؛ قال: لست أفعل؛ قال: أنا لجوج لدود حقود حسود؛ قال: ما في إبليس شر من هذا.
وقال المنصور لسليمان بن معاوية المهلبي: ما أسرع الناس إلى قومك! فقال: يا أمير المؤمنين:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حسادا
وأنشد أبو موسى لنصر بن سيار:

(1/194)

إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن يحسدوني على حسن البلاء بهم ... فمثل حسن بلائي جر لي حسدا
وقال آخر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... وما أكثرنا غيظا بما يجد
وقال آخر:
إن الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال
" فأضل مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك كنوه أبا مرقال "
وقال حبيب الطائي:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت، أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وقال محمد بن مناذر:
بأيها العائبي وما بي من ... عيب ألا ترعوي وتزدجر
هل لك عندي وتر فتطلبه ... أم أنت مما أتيت معتذر
إن يك قسم الإله فضلني ... وأنت صلد ما فيك معتصر
فالحمد والشكر والثناء له ... وللحسود التراب والحجر
فما الذي يجتني جليسك أو ... يبدو له منك حين يختبر
اقرأ لنا سورة تذكرنا ... فإن خير المواعظ السور
أو صف لنا الحكم في فرائضنا ... ما تستحق الأنثى أو الذكر
أو ارو فقها تحيى القلوب به ... جاء به عن نبينا الأثر
أو من أعاجيب جاهليتنا ... فإنها حكمة ومختبر
أو آرو عن فارس لنا مثلا ... فإن أمثالها لنا عبر
فإن تكن قد جهلت ذاك وذا ... ففيك للناظرين معتبر
فغن صوتا تشجى النفوس به ... وبعض ما قد أتيت يغتفر
الأصمعي قال: كان رجل من أهل البصرة بذيئا شريرا، يؤذي جيرانه ويشتم أعراضهم، فأتاه رجل فوعظه، فقال له: ما بال جيرانك يشكونك؟ قال: إنهم يحسدونني؛ قال له: على أي شيء يحسدونك؟ قال: على الصلب، قال: وكيف ذاك؟ قال: أقبل معي. فأقبل معه إلى جيرانه، فقعد متحازنا، فقالوا له: ما لك؟ قال: طرق الليلة كتاب معاوية أنا أصلب أنا ومالك بن المنذر وفلان وفلان - فذكر رجالا من أشراف أهل البصرة - فوثبوا عليه، وقالوا: يا عدو الله، أنت تصلب مع هؤلاء ولا كرامة لك! فالتفت إلى الرجل فقال: أما تراهم قد حسدوني، على الصلب، فكيف لو كان خيرا! وقيل لأبي عاصم النبيل: إن يحيى بن سعيد يحسدك وربما قرضك، فأنشأ يقول:
فلست بحي ولا ميت ... إذا لم تعاد ولم تحسد
محاسدة الأقارب
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا.
وقال أكثم بن صيفي: تباعدوا في الدار تقاربوا في المودة.
وقالوا: أزهد الناس في عالم أهله.
فرج بن سلام قال: وقف أمية بن الأسكر على ابن عم له فقال:
نشدتك بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من لؤي بن غالب
فإنك قد جربتني فوجدتني ... أعينك في الجلى وأكفيك جانبي
وإن دب من قومي إليك عداوة ... عقاربهم دبت إليهم عقاربي
قال أكذلك أنت؟ قال: نعم، قال: فما بال مئبرك لا يزال إلي دسيسا؟ قال: لا أعود؛ قال: قد رضيت، وعفا الله عما سلف وقال يحيى بن سعيد: من أراد أن يبين عمله، ويظهر علمه، فليجلس في غير مجلس رهطه.
وقالوا الأقارب هم العقارب.

(1/195)

وقيل لعطاء بن مصعب: كيف غلبت على البرامكة وكان عندهم من هو آدب منك؟ قال: كنت بعيد الدار منهم، غريب الاسم، عظيم الكبر، صغير الجرم، كثير الالتوإء، فقربني إليهم تبعدي منهم، ورغبهم في رغبتي عنهم، وليس للقرباء طرافة الغرباء.
وقال رجل لخالد بن صفوان: إني أحبك؛ قال: وما يمنعك من ذلك ولست لك بجار ولا أخ ولا ابن عم. يريد أن الحسد موكل بالأدنى فالأدنى.
الشيباني قال: خرج أبو العباس أمير المؤمنين متنزها بالأنبار فأمعن في نزهتة وانتبذ من أصحابه، فوافي خباء لأعرابي. فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة؟ قال: من أي كنانة قال: من أبغض كنانة إلى كنانة؛ قال: فأنت إذا من قريش؟ قال: نعم؛ قال: فمن أي قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش؛ قال: فأنت إذا من ولد عبد المطلب؛ قال: نعم؛ قال: فمن أي ولد عبد المطلب أنت؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب؛ قال: فأنت إذا أمير المؤمنين، السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فاستحسن ما رأى منه وأمر له بجائزة.
وقال ذو الإصبع العدواني.
لي ابن عم على ما كان من خلق ... محاسد لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني عونه أو خلته دوني
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ... أن لا أحبكم إن لم تحبوني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
وقال آخر:
مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لاتنبشوا بيننا ما كان مدفونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنا لانحبكم ... ولا نلومكم إن لم تحبونا
وقال آخر:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... ووصفت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأنساب
المشاكلة ومعرفة الرجل لصاحبه
قالوا: أقرب القرابة المشاكلة، وقالوا: الصاحب المناسب.
وقال حبيب:
وقلت أخي؟ قالوا أخ من قرابة؟ ... فقلت لهم إن الشكول أقارب
وقال أيضا:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
وقال أيضا:
إن نفترق نسبا يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
أو نختلف فالوصل منا ماؤه ... عذب تحدر من غمام واحد
وقال آخر:
إن النفوس لأجناد مجندة ... بالإذن من ربنا تجري وتختلف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنفس أجناد مجندة، وإنها لتتشام في الهوى كما تتشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وقال صلى الله عليه وسلم: الصاحب رقعة في الثوب، فلينظر الإنسان بم يرقع ثوبه.
وقال عليه الصلاة والسلام: امتحنوا الناس بإخوانهم.
وقال الشاعر:
فاعتبر الأرض بأشباهها ... واعتبر الصاحب بالصاحب
وقيل: كل إلف إلى إلفه ينزع وقال الشاعر:
والإلف ينزع نحو الآلفين كما ... طير السماء على ألافها تقع
وقال امرؤ القيس:
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وقال آخر:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال آخر:
اصحب ذوي الفضل وأهل الدين ... فالمرء منسوب إلى القرين

(1/196)

أيوب بن سليمان قال: حدثنا أبان بن عيسى عن أبيه عن ابن القاسم، قال: بينما سليمان بن داود عليهما السلام تحمله الريح، إذ مر بنسر واقع على قصر، فقال له: كم لك مذ وقعت هاهنا؟ قال: سبعمائة سنة؛ قال: فمن بنى هذا القصر؟ قال: لا أدري، هكذا وجدته؟ ثم نظر فإذا فيه كتاب منقور بأبيات من شعر وهي:
خرجنا من قرى اصطخر ... إلى القصر فقلناه
فمن يسأل عن القصر ... فمبنيا وجدناه
فلا تصحب أخا السوء ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حكيما حي آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ماشاه
وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للعين ... أن تنطق أفواه
السعاية والبغي
قال الله تعالى ذكره: " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " . وقال عز وجل: " ثم بغي عليه لينصرنه الله " .
وقال الشاعر:
فلا تسبق إلى أحد ببغي ... فإن البغي مصرعه وخيم
وقال العتابي:
بغيت فلم تقع إلا صريعا ... كذاك البغي يصرع كل باغي
وقال المأمون يوما لبعض ولده: إياك وأن تصغي لاستماع قول السعاة، فإنه ما سعى رجل برجل إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا.
ووقع في رقعة ساع: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.
ووقع في رقعة رجل سعى إليه ببعض عماله: قد سمعنا ما ذكره الله عز وجل في كتابه، فانصرف رحمك الله.
فكان إذا ذكر عند السعاة، قال: ما ظنكم بقوم يلعنهم الله على الصدق؟ وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة، فقال له: انصرف حتى أكشف عما ذكرت.
ثم كشف عن ذلك فإذا هو لغير رشدة، فقال: أنا أبو عمرو وما كذبت ولا كذبت.
حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الساعي لغير رشدة.
وسأل رجل عبد الملك الخلوة، فقال لأصحابه: إذا شئتم فقوموا. فلما تهيأ الرجل للكلام، قال له: إياك أن تمدحني، فأنا أعلم بنفسي منك، أو تكذبني، فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إلي بأحد، وإن شئت أقلتك؟ قال: أقلني.
ودخل رجل على الوليد بن عبد الملك، وهو والي دمشق لأبيه، فقال: للأمير عندي نصيحة؟ فقال: إن كانت لنا فاذكرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا فيها؟ قال: جار لي عصى وفر من بعثه؛ قال: أما أنت فتخبر أنك جار سوء، وإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك، قال: تاركني.
وفي سير العجم: أن رجلا وشى برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحب أن تقبل منه عليك ومنك عليه؟ قال: لا، قال: فكف الشر يكف عنك الشر.
وقال الشاعر:
إذا الواشي نعى يوما صديقا ... فلا تدع الصديق لقول واشي
وقال ذو الرياستين: قبول النميمة شر من النميمة، لأن النميمة دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه.
ذكر السعاة عند المأمون، فقال لرجل ممن حضر،: لو لم يكن من عيبهم إلا أنهم أصدق ما يكونون أبغض ما يكونون إلى الله تعالى " لكفاهم " .
وعاتب مصعب بن الزبير الأحنف في شيء، فأنكره، فقال: أخبرني الثقة؛ قال: كلا، إن الثقة لا يبلغ.
وقد جعل الله السامع شريك القائل. فقال: " سماعون للكذب أكالون للسحت " .
وقيل: حسبك من شر سماعه.
وقال الشاعر:
لعمرك ما سب الأمير عدوه ... ولكنما سب الأمير المبلغ
وقال آخر:
لا تقبلن نميمة بلغتها ... وتحفظن من الذي أنباكها
إن الذي أنباك عنه نميمة ... سيدب عنك بمثلها قد حاكها
لا تنقشن برجل غيرك شوكة ... فتفي برجلك رجل من قد شاكها
وقال دعبل:

(1/197)

وقد قطع الواشون ما كان بيننا ... ونحن إلى أن نوصل الحبل أحوج
رأوا عورة فاستقبلوها بألبهم ... فلم ينههم حلم ولم يتحرجوا
وكانوا أناسا كنت آمن غيبهم ... فراحوا على ما لا نحب فأدلجوا
الغيبة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قلت في الرجل ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته: ومر محمد سيرين بقوم، فقال إليه رجل منهم فقال: أبا بكر، إنا قد نلنا منك فحللنا؟ فقال: " إني " ، لا أحل لك ما حرم الله عليك، " فأما ما كان إلي فهو لك " . وكان رقبة بن مصقلة جالسا مع أصحابه فذكروا رجلا بشيء، فاطلع ذلك الرجل، فقال " له " بعض أصحابه: ألا أخبره بما قلنا فيه لئلا تكون غيبة؟ قال: أخبره حتى تكون نميمة.
اغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم، فقال له " قتيبة " : أمسك عليك أيها الرجل، فوالله لقد تلمظت بمضغة طالما لفظها الكرام.
محمد بن مسلم الطائفي قال: جاء رجل إلى ابن سيرين، فقال له: بلغني أنك نلت مني، قال: نفسي أعز " علي " ، من ذلك.
وقال رجل لبكر بن محمد بن عصمة: بلغني أنك تقع في؟ قال: أنت إذا علي أكرم من نفسي.
ووقع رجل في طلحة والزبير عند سعد بن أبي وقاص، فقال له: اسكت، فإن الذي بيننا لم يبلغ ديننا.
وعاب رجل رجلا عند بعض الأشراف، فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيوب الناس، لأن طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها، أما سمعت قول الشاعر:
لا تهتكن من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
وقال آخر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
وقال محمد بن السماك: تجنب القول في أخيك لخلتين: أما واحدة، فعلك تعيبه بشيء هو فيك؟ وأما الأخرى، فإن يكن الله عافاك مما ابتلاه به، كان شكرك الله على العافية تعبيرا لأخيك على البلاء.
وقيل لبعض الحكماء: فلان يعيبك؛ قال: إنما يقرض الدرهم الوازن.
" قيل لبزرجمهر: هل تعلم أحدا لا عيب فيه؟ قال: إن الذي لا عيب فيه لا يموت " .
وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك أيوب السختياني حتى رحمناك؟ قال: إياه فارحموا. " وقال ابن عباس: اذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، ودع منه ما تحب أن يدع منك.
وقدم العلاء بن الحضرمي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هل تروي من الشعر شيئا؟ قال: نعم؟ قال: فأنشدني؟ فأنشده:
تحبب ذوي الأضغان تسب نفوسهم ... تحببك القربى فقد ترقع النعل
وإن دحسوا بالكره فاعف تكرما ... وإن غيبوا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
فقال النبي عليه السلام: إن من الشعر لحكمة.
وقال الحسن البصري: لا غيبة في ثلاثة: فاسق مجاهر " بالفسق " ، وإمام جائر، وصاحب بدعة لم يدع بدعته.
وكتب الكسائي إلى الرقاشي:
تركت المسجد آلجام ... ع والترك له ريبه
فلا نافلة تقضي ... ولا تقضي لمكتوبه
وأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه
فإن زدت من الغيب ... بة زدناك من الغيبه
مداراة أهل الشر
قال النبي عليه الصلاة والسلام: شر الناس من اتقاه الناس لشره.
وقال عليه الصلاة والسلام: إذا لقيت اللئيم فخالفه، وإذا لقيت الكريم فخالطه.
وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم وسئل شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان، فقال: ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية.

(1/198)

وقال الأحنف: رب رجل لا تغيب فوائده وإن غاب، وآخر لا يسلم منه جليسه وإن احترس.
وقال كثير بن هراسة: إن من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عندهم إذا خاصصتهم، ليس لرضاهم موضع تعرفه، ولا لسخطهم موضع تحذره، فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فابذل لهم موضع المودة، واحرمهم موضع يكن ما بذلت لهم من المودة حائلا دون شرهم، وما حرمتهم من الخاصة، قاطعا لحرمتهم.
وأنشد العتبي:
لي صديق يرى حقوقي عليه ... نافلات وحقه الدهر فرضا
لو قطعت البلاد طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا
لرأى ما فعلت غير كثير ... وآشتهى أن يزيد في الأرض أرضا
وفي هذه الطبقة من الناس يقول دعبل الخزاعي:
اسقهم السم إن ظفرت بهم ... وآمزج لهم من لسانك العسلا
كتب سهل بن هارون إلى موسى بن عمران في أبي الهذيل العلاف:
إن الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
" فألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة ولا رفد "
حتى إذا طالت شقاوة جده ... وعناؤه فاجبهه بالرد
وقال صالح بن عبد القدوس:
تجنب صديق السوء وآصرم حباله ... وإن لم تجد عنه محيصا فداره
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجده وراء البحر أو في قراره
ولله في عرض السموات جنة ... ولكنها محفوفة بالمكاره
وقال آخر:
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ليرتع منك في عرض مصون
عرض على أبي مسلم صاحب الدعوة فرس جواد، فقال لقواده: لماذا يصلح مثل هذا الفرس؟ قالوا: إنا نغزو عليه العدو؛ قال: لا، ولكن يركبه الرجل فيهرب عليه من جار السوء.
ذم الزمان
قالت الحكماء: جبل الناس على ذم زمانهم وقلة الرضا عن أهل عصرهم، فمنه قولهم: رضا الناس غاية لا تدرك. وقولهم: لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة. وقولهم: الناس يعيرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعير.
وفي الحديث: لو أن المؤمن كالقدح المقوم لقال الناس: ليت ولو.
وقال الشاعر:
من لابس الناس لم يسلم من الناس ... وضرسوه بأنياب وأضراس
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: رحم الله لبيدا كان يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فكيف لو أبصر زماننا هذا.
قال عروة: ونحن نقول: رحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا.
وكان بعضهم يقول: ذهب الناس وبقي النسناس، فكيف لو أدرك زماننا هذا.
دخل مسلم بن يزيد بن وهب على عبد الملك بن مروان،. فقال له عبد الملك: أي زمان أدركت أفضل، وأي الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر إلا حامدا أو ذاما، وأما الزمان فيرفع أقواما، وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم، ويفرق عديدهم، ويهرم صغيرهم؛ ويهلك كبيرهم.
وقال الشاعر:
أيا دهر إن كنت عاديتنا ... فها قد صنعت بنا ما كفاكا
جعلت الشرار علينا خيارا ... ووليتنا بعد وجه قفاكا
وقال آخر:
إذا كان الزمان زمان تيم ... وعكل فالسلام على الزمان
زمان صار فيه الصدر عجزا ... وصار الزج قدام السنان
لعل زماننا سيعود يوما ... كما عاد الزمان على بطان
أبو جعفر الشيباني قال: أتانا يوما أبو مياس الشاعر ونحن في جماعة، فقال: ما أنتم " فيه " وما تتذاكرون؟ قلنا: نذكر الزمان وفساده؟ قال: كلا، إنما الزمان وعاء وما ألقي فيه من خير أو شر كان على حاله، ثم أنشأ يقول:

(1/199)

أرى حللا تصان على أناس ... وأخلاقا تداس فما تصان
يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان
أنشد فرج بن سلام:
هذا الزمان الذي كنا نحذره ... فيما يحدث كعب وابن مسعود
إن دام ذا الدهر لم نحزن على أحد ... يموت منا ولم نفرح بمولود
وقال حبيب الطائي:
لم أبك في زمن لم أرض خلته ... إلا بكيت عليه حين ينصرم
وقال آخر في طاهر بن الحسين:
إذا كانت الدنيا تنال بطاهر ... تجنبت منها كل ما فيه طاهر
وأعرضت عنها عفة وتكرما ... وأرجأتها حتى تدور الدوائر
وقال مؤمن بن سعيد في معقل الضبي وابن أخيه عثمان:
لقد ذلت الدنيا وقد ذل أهلها ... وقد ملها أهل الندى والتفضل
إذا كانت الدنيا تميل بخيرها ... إلى مثل عثمان ومثل المحول
ففي است ام دنيانا وفي آست ام خيرها ... وفي آست آم عثمان وفي آست ام معقل
وقال محمد بن مناذر:
يا طالب الأشعار والنحو ... هذا زمان فاسد الحشو
نهاره أوحش من ليله ... ونشوه من أخبث النشو
فدع طلاب النحو لا تبغه ... ولا تقل شعرا ولا ترو
فما يجوز اليوم إلا آمرؤ ... مستحكم العزف أو الشدو
أو طرمذان قوله كذب ... لا يفعل الخير ولا ينوي
ومن قولنا في هذا المعنى:
رجاء دون أقربه السحاب ... ووعد مثل ما لمع السراب
ودهر سادت العبدان فيه ... وعاثت في جوانبه الذئاب
وأيام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا ... لقالوا عندنا آنقطع التراب
يعاقب من أساء القول فيهم ... وإن يحسن فليس له ثواب
كتب عمرو بن بحر الجاحظ إلى بعض إخوانه في ذم الزمان: بسم الله الرحمن الرحيم، حفظك الله حفظ من وفقه للقناعة، واستعمله في الطاعة. كتبت إليك وحالي حال من كثفت غمومه، وأشكلت عليه أموره، واشتبه عليه حال دهره، ومخرج أمره، وقل عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبة إخائه، لاستحالة زماننا، وفساد أيامنا، ودولة أنذالنا. وقدما كان يقال من قدم الحياء على نفسه، وحكم الصدق في قوله، وآثر الحق في أموره، ونبذ المشتبهات عليه من شئونه، تمت له السلامة، وفاز بوفور حظ العافية. وحمد مغبة مكروه العاقبة؛ فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحولت دولته، فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد في الطلب برك استعمال القحة وإخلاق العرض في طريق التوكل دليلا على سخافة الرأي، إذا صارت الخطوة السابقة والنعمة السابغة في لؤم النية، وتناول الرزق من جهة محاشاة الوفاء وملابسة معرة العار. ثم نظرنا في تعقب المتعقب لقولنا، والكاسر لحجتنا، فأقمنا له علما واضحا، وشاهدا قائما، ومنارا بينا، إذ وجدنا من فيه السفولية الواضحة، والمثالب الفاضحة، والكذب المبرح، والخلف المصرح، والجهالة المفرطة، والركاكة المستخفة؛ وضعف اليقين والاستيثاب، وسرعة الغضب والخفة، قد استكمل سروره، واعتدلت أموره، وفاز بالسهم الأغلب، والحظ الأوفر، والقدر الرفيع، والجواب الطائع، والأمر النافذ، إن زل قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان، قيل رؤيا صادقة في سنة مباركة، فهذه حجتنا " أبقاك الله " على من زعم أن الجهل يخفض، وأن الحمق يضع، وأن النوك يردي، وأن الكذب يضر وأن الخلف يزري.

(1/200)

ثم نظرنا في الوفاء والأمانة، والنبل والبراعة، وحسن المذهب وكماله المروءة، وسعة الصدر، وقلة الغضب، وكرم الطبيعة، والفائق في سعة علمه، والحاكم على نفسه، والغالب لهواه، فوجدنا فلان بن فلان، ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقه، ولا قام له بوظائف فرضه. ووجدنا فضائله القائمة له قاعده به. فهذا دليل على أن الطلاح أجدى من الصلاح، وأن الفضل قد مضى زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه، كما كانت الدائرة على ضده؛ ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى به خدينه. ووجدنا الشعر ناطقا على الزمان، ومعربا عن الأيام حيث يقول:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل
وخلط إذا لاقت يوما مخلطا ... يخلط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
فبقيت أبقاك الله مثل من أصبح على أوفاز، ومن النقلة على جهاز، لا تسوغ له نعمة، ولا يطعم عينيه غمضة؛ في أهاويل يباكره مكروهها، وتراوحه عقابيلها، فلو أن الدعاء أجيب، والتضرع سمع، لكانت الهدة العظمى، والرجفة الكبرى؟ فليت الذي يا أخي ما أستبطئه من النفخة، ومن فجأة الصيحة، قضي فحان، وأذن به فكان؟ فوالله ما عذبت أمة برجفة، ولا ريح ولا سخطة، عذاب عيني برؤية المغايظة المضنية، والأخبار المهلكة، كأن الزمان توكل بعذابي، أو انتصب لإيلامي؟ فما عيش من لا يسر بأخ شقيق، " ولا خدن شفيق " ، ولا يصطبح في أول نهاره إلا برؤية من تكره " رؤيته " ونغمة من تغمه طلعته، فبدل الله " لي أي، أخي بالمسكن مسكنا وبالربع ربعا، فقد طالت الغمة، وواطنت الكربة، ادلهمت الظلمة، وخمد السراج، وتباطأ الانفراج. " والسلام " .
فساد الإخوان
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه.
وقيل لعروة بن الزبير: ألا تنتقل إلى المدينة؟ قال: ما بقى بالمدينة إلا حاسد على نعمة، أو شامت بمصيبة.
الخشني قال أنشدني الرياشي:
إذا ذهب التكرم والوفاء ... وباد رجاله وبقي الغثاء
وأسلمني الزمان إلى رجال ... كأمثال الذئاب لها عواء
صديق كلما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا جهد البلاء
إذا ما جئتهم يتدافعوني ... كأني أجرب آذاه داء
أقول ولا ألام على مقالعلى الإخوان كلهم العفاء
وقالت الحكماء: لا شيء أضيع من مودة من لا وفاء له: واصطناع من لا شكر عنده، والكريم يود الكريم عن لقية واحدة، واللئيم لا يصل أحدا إلا عن رغبة أو رهبة.
وفي كتاب للهند: إن الرجل السوء لا يتغير عن طبعه، كما أن الشجرة المرة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مرا.
وسمع رجل أبا العتاهية ينشد:
فارم بطرفك حيث شئ ... ت فلا ترى إلا بخيلا
" فقال له: بخلت الناس كلهم؛ قال: فأكذبني بسخي واحد " .
وقال أيضا في هذا المعنى:
لله در أبيك أي زمان ... أصبحت فيه وأي أهل زمان
كل يوازنك المودة جاهدا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبة خردل ... مالت مودته مع الرجحان
وقال فيه أيضا:
أرى قوما وجوههم حسان ... إذا كانت حوائجهم إلينا
وإن كانت حوائجنا إليهم ... يقبح حسن أوجههم علينا
فإن منع الأشحة ما لديهم ... فإنا سوف نمنح ما لدينا
وقال:
موالينا إذا احتاجوا إلينا ... وليس لنا إذا احتجنا موالى
للبكري:
وخليل لم أخنه ساعة ... في دمي كفيه ظلما قد غمس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:37 pm

كان في سري وجهري ثقتي ... لست عنه في مهم أحترس
ستر البغض بألفاظ الهوى ... وادعى الود بغش ودلس
إن رآني قال لي خيرا وإن ... غبت عنه الود بغش ودلس
ثم لما أمكنته فرصة ... حمل السيف على مجرى النفس
وأراد الروح لكن خانه ... قدر أيقظ من كان نعس
وأنشد العتبي:
إذا كنت تغضب من غير ذنب ... وتعتب من غير جرم عليا
طلبت رضاك فإن عزني ... عددتك ميتا وإن كنت حيا
فلا تعجبن بما في يديكا ... فأكثر منه الذي في يديا
وقال ابن أبي حازم:
وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد
كنا كساق تسعى بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد
حتى إذا دبت الحوادث في ... عظمي وحل الزمان من عقدي
ازور عني وكان ينظر من ... طرفي ويرمي بساعدي ويدي
وقال:
وخل كان يخفض لي جناحا ... أعاد غنى فنابذني جماحا
فقلت له ولي نفس عزوف ... إذا حميت تقحمت الرماحا
سأبدل بالمطامع فيك يأسا ... وباليأس آستراح من استراحا
وقال عبد الله بن معاوية بن " عبد الله بن " جعفر:
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلا تماديا
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وقال البحتري:
أشرق أم أغرب يا سعيد ... وأنقص من ذمامي أو أزيد
عدتني عن نصيبين العوادي ... فبختى أبله فيها بليد
وخلفني الزمان على رجال ... وجوههم وأيديهم حديد
لهم حلل فهن بيض ... وأخلاق سمجن فهن سود
ألا ليت المقادر لم تقدر ... ولم تكن العطايا والجدود
وقال ابن أبي حازم:
وقالوا لو مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم
بليت ومر بي خمسون حولا ... وحسبك بالمجرب من عليم
فلا أحد يعد ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم
وقال:
قد بلوت الناس طرا ... لم أحد في الناس حرا
صار حلو الناس في العي ... ن إذا ما ذيق مرا
وقال:
من سلا عني أطلق ... ت حبالي من حباله
أو أجد الوصل سارع ... ت بجهدي في وصاله
إنما أحذو على فع ... ل صديقي بمثاله
غير مستجد إذا ازور ... ر كأني من عياله
لن تراني أبدا أع ... ظم ذا مال لماله
لا ولا أزرى بمن يع ... قل عندي سوء حاله
إنما أقضي على ذا ... ك وهذا بفعاله
كيفما صرفني الده ... ر فإني من رجاله
ومن قولنا في هذا المعنى:
أبا صالح جاءت على الناس غفلة ... على غفلة بانت بكل كريم
فليت الآلي باتوا يفادون بالألى ... أقاموا فيفدى ظاعن بمقيم
وياليتها الكبرى فتطوى سماؤنا ... لها وتمد الأرض مد أديم
فما الموت إلا عيش كل مبخل ... وما العيش إلا موت كل ذميم

(1/202)

وأعذر ما أدمى الجفون من البكا ... كريم رأى الدنيا بكف لئيم
ومثله في هذا المعنى:
أبا صالح أين الكرام بأسرهم ... أفدني كريما فالكريم رضاء
أحقا يقول الناس في جود حاتم ... وابن سنان كان فيه سخاء
عذيري من خلق تخلق منهم ... غباء ولؤم فاضح وجفاء
حجارة بخل ما تجود وربما ... تفجر من صم الحجارة ماء
ولو أن موسى جاء يضرب بالعصا ... لما انبجست من ضربه البخلاء
بقاء لئام الناس موت عليهم ... كما أن موت الأكرمين بقاء
عزيز عليهم أن تجود أكفهم ... عليهم من الله العزيز عفاء
ومثله قولنا في هذا المعنى:
ساق ترنح يشدو فوقه ساق ... كأنه لحنين الصوت مشتاق
يا ضيعة الشعر في بله جرامقة ... تشابهت منهم في اللؤم أخلاق
" غلت باعناقهم أيد مقفعة ... لا بوركت منهم أيد وأعناق
كأنما بينهم في منع سائلهم ... وحبس نائلهم عهد وميثاق
كم سقتهم بأماديحي وقدتهم ... نحو المعالي فما انقادوا ولا انساقوا
وإن نبا بي في ساحاتهم وطن ... فالأرض واسعة والناس أفراق
ما كنت أول ظمآن بمهمهة ... يغره من سراب القفر رقراق
رزق من الله أرضاهم وأسخطني ... الله للأنوك المعتوه رزاق
يا قابض الكف لا زالت مقبضة ... فما أناملها للناس أرزاق
وغب إذا شئت حتى لا ترى أبدا ... فما لفقدك في الأحشاء إقلاق
ولا إليك سبيل الجود شارعة ... ولا عليك لنور المجد إشراق
لم يكتنفني رجاء لا ولا أمل ... إلا تكنفه ذل وإملاق
وقال مؤمل بن سعيد في هذا المعنى:
إنما أزرى بقدري أنني ... لست من نابه أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقلية ... لذوي الألباب أو ذي حسد
يتحامون لقائي مثل ما ... يتحامون لقاء الأسد
طلعتي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد
لو رأوني وسط بحر لم يكن ... أحد يأخذ منهم بيدى "
باب في الكبر
أقال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما قصمته وأهنته.
وقال عليه السلام: لا يدخل حضرة القدس متكبر.
وقال: فضل الإزار في النار. معناه: من سحب ذيله في الخيلاء قاده ذلك إلى النار.
و " نظر الحسن إلى عبد الله بن الأهتم يخطر في المسجد، فقال: انظروا إلى هذا، ليس منه عضو إلا ولله عليه نعمة، وللشيطان في لعنة.
وقال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني: إياك والكبر، وليكن فيما تستعين به على تركه: علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير، وكيف الكبر مع النطفة التي منها خلقت، والرحم التي منها قذفت، والغذاء الذي به غذيت.
وقال يحيى بن حيان: الشريف إذا تقوى تواضع، والوضيع إذا تقوى تكبر.
وقال بعض الحكماء: كيف يستقر الكبر فيمن خلق من تراب، وطوي على القذر، وجرى مجرى البول.
وقال الحسن: عجبا لابن آدم كيف يتكبر وفيه تسع سموم كلها يؤذي وذكر الحسن المتكبرين فقال: يلفي أحدهم ينص " رقبته " نصا، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يملخ في الباطل ملخا، يقول: ها أناذا فاعرفوني؟ قد عرفناك يا أحمق، مقتك الله ومقتك الصالحون.

(1/203)

ووقف عيينة بن حصن بباب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: استأذنوا لي على أمير المؤمنين وقولوا له: هذا ابن الأخيار بالباب. فأذن له، فلما دخل عليه، قال له: أنت ابن الأخيار؟ قال نعم؛ قال له: بل أنت ابن الأشرار، وأما ابن الأخيار فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وقيل لعبيد الله بن ظبيان: كثر الله في العشيرة أمثالك، فقال: لقد سألتم الله شططا.
وقيل لرجل من بني عبد الدار عظيم الكبر: ألا تأتي الخليفة؟ قال: أخشى ألا يحمل الجسر شرفي.
وقيل له: ألا تلبس فإن البرد شديد؟ قال: حسبي يدفئني.
قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق أيها الأمير؟ قال: خير منزل، لو أدركت بها أربعة نفر فتقربت إلى الله سبحانه وتعالى بدمائهم؛ قيل له: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، ولي سجستان، فأتاه الناس فأعطاهم الأموال؛ فلما قدم البصرة بسط له الناس أرديتهم فمشى عليها؛ فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون. وعبيد الله بن ظبيان خطب خطبة أوجز فيها، فناداه الناس من أعراض المسجد. كثر الله فينا أمثالك؟ قال: لقد كلفتم ربكم شططا. ومعبد بن زرارة، كان ذات يوم جالسا على طريق، فمرت به امرأة، فقالت: يا عبد الله، أين الطريق لمكان كذا؟ فقال لمثلي يقال يا عبد الله! ويلك! وأبو السمال الحنفي، أضل ناقته، فقال: والله لئن لم ترد علي ناقتي لا صليت أبدا.
وقال ناقل الحديث: ونسي الحجاج نفسه، وهو خامس هؤلاء الأربعة، بل هو أشدهم كفرا وأعظمهم إلحادا، حين كتب إلى عبد الملك بن مروان في عطسة عطسها فشمته أصحابه ورد عليهم: بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين وتشميت أصحابه له ورده عليهم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما.
وكتابه إليه: إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين.
العتبي قال: رأيت محرزا مولى باهلة يطوف على بغلة بين الصفا والمروة، ثم رأيته بعد ذلك على جسر بغداد راجلا، فقلت له: أراجل أنت في مثل هذا الموضع؟ قال: نعم، إني ركبت في موضع يمشي الناس فيه، فكان حقيقا على الله أن يرجلني في موضع يركب الناس فيه.
وقال بعض الحكماء " لابنه: يا بني، عليك بالترحيب والبشر، وإياك والتقطيب والكبر، فأن الأحرار أحب إليهم أن يلقوا بما يحبون ويحرموا، من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا. فانظر إلى خصلة غطت على مثل اللؤم فالزمها، وانظر إلى خصلة عفت على مثل الكرة فاجتنبها. ألم تسمع قول حاتم الطائي:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي المحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
وقال محمود الوراق:
التيه مفسدة للدين منقصة ... للعقل لمجلبة للذم والسخط
منع العطاء وبسط الوجه أحسن من ... بذل العطاء بوجه غير منبسط
وقال أيضا:
بشر البخيل يكاد يصلح بخله ... والتيه مفسدة لكل جواد
ونقيصة تبقى على أيامه ... ومسبة في الأهل والأولاد
وقال آخر في الكبر:
مع الأرض يا بن الأرض في الطيران ... أتأمل أن ترقى إلى الدبران
فوالله ما أبصرت يوما محلقا ... ولو حل بين الجدي والسرطان
حماه مكان البعد من أن تناله ... بسهم من البلوى يد الحدثان
التسامح مع النعمة
والتذلل مع المصيبة
قالوا: من عز بإقبال الدهر ذل بإدباره.
وقالوا: من أبطره الغنى أذله الفقر.
وقالوا: من ولي ولاية يرى نفسه أكبر منها لم يتغير لها، ومن ولي ولاية يراها أكبر من نفسه تغير لها.
وقال يحيى بن حيان: الشريف إذا تقوى تواضع، والوضيع إذا تقوى تكبر.

(1/204)

وقال كسرى: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
وكتب علي بن الجهم إلى ابن الزيات:
أبا جعفر عرج على خلطائكا ... وأقصر قليلا من مدى غلوائكا
فإن كنت قد أوتيت في اليوم رفعة ... فإن رجائي في غد كرجائكا
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي:
لقد عجبت منه الليالي لأنه ... صبور على عضلاء تلك البلابل
إذا نال لم يفرح وليس لنكبة ... ألمت به بالخاشع المتضائل
وقال الحسن بن هانئ:
لقد حزنت فلم أمت ترحا ... ولقد فرحت فلم أمت فرحا
كتب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام يسأله عن حاله، فكتب إليه علي رضي الله عنه:
فإن تسأليني كيف أنت فإنني ... جليد على عض الزمان صليب
عزيز علي أن ترى بي كآبة ... فيفرح واش أو يساء حبيب
ما جاء في ذم الحمق والجهل
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الجاهل يظلم من خالطه، ويعتدي على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، ويتكلم بغير تمييز، وإن رأى كريمة أعرض عنها، وإن عرضت فتنة أردته وتهور فيها.
وقال أبو الدرداء: علامة الجاهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق، وأن ينهى عن شيء ويأتيه.
وقال أردشير: حسبكم دلالة على عيب الجهل أن كل الناس تنفر منه وتغضب من أن تنسب إليه.
وكان يقال: لا تغررك من الجاهل قرابة ولا أخوة ولا إلف، فإن أحق الناس بتحريق النار أقربهم منها.
وقيل: خصلتان تقربانك من الأحمق، كثرة الالتفات، وسرعة الجواب. وقيل: لا تصطحب الجاهل، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.
ولبعضهم:
لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
ولأبى العتاهية:
احذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب ... زعزعته الريح يوما فانخرق
أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق
فإذا عاتبته كي يرعوي ... زاد شرا وتمادى في الحمق
باب في التواضع
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من تواضع لله رفعه الله.
قالت الحكماء: كل نعمة يحسد عليها إلا التواضع.
وقال عبد الملك بن مروان، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة.
وقال ابن السماك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أكبر من شرفك.
وأصبح النجاشي يوما جالسا على الأرض والتاج عليه، فأعظمت بطارقته ذلك، وسألوه عن السبب الذي أوجبه، فقال: إني وجدت فيما أنزل الله على المسيح: إذا أنعمت على عبدي نعمة فتواضع أتممتها عليه، وإنه ولد لي هذه الليلة غلام فتواضعت شكرا لله.
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويده على المعلى بن الجارود العبدي، فلقيته امرأة من قريش، فقالت له: يا عمر، فوقف لها؟ فقالت: كنا نعرفك مدة عميرا، ثم صرت من بعد عمير عمر، ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يا بن الخطاب وانظر في أمور الناس، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال المعلى: إيها يا أمة الله، فقد أبكيت أمير المؤمنين. فقال له عمر: اسكت، أتدري من هذه " ويحك " ؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به.
وقال أبو عباد " الكاتب " : ما جلس إلي رجل قط إلا خيل إلي أني سأجلس إليه.
وسئل الحسن عن التواضع فقال: هو أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلا رأيت له الفضل عليك.

(1/205)

وقال رجل لبكر بن عبد الله: علمني التواضع؛ فقال: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، فهو خير مني، وإذا رأيت " من هو " أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والعمل السيئ، فأنا شر منه.
وقال أبو العتاهية:
يا من تشرف بالدنيا وزينتها ... ليس التشرف رفع الطين بالطين
إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين
" ذاك الذي عظمت في الناس همته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين "
الرفق والأناة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أوتي حظه من الرفق فقد أوتي حظه من خير الدنيا والآخرة.
وقالت الحكماء: يدرك بالرفق ما لا يدرك بالعنف، ألا ترى أن الماء على لينه يقطع الحجر على شدته؟ وقال أشجع " بن عمرو " السلمي لجعفر بن يحيى بن خالد:
ما كان يدرك بالرجال ولا ... بالمال ما أدركت بالرفق
وقال النابغة:
الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا
وقالوا: العجل بريد الزلل.
أخذ القطامى التغلبي هذا المعنى فقال:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقال عدي بن زيد:
قد يدرك المبطىء من حظه ... والحين قد يسبق جهد الحريص
استراحة الرجل بمكنون سره إلى صديقة
تقول العرب: أفضيت إليك بشقوري. وأطلعتك على عجري وبجري. لوكان في جسدي برص ما كتمته.
وقال الله تبارك وتعالى: " لكل نبأ مستقر " .
وقالت الحكماء: لكل سر مستودع.
وقالوا: مكاتمة الأدنين صريح العقوق.
وقال الشاعر:
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرعته من مر ما أتجرع
" ولا بد من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفس تطلع "
وقال حبيب:
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها
وأنشد أبو الحسن محمد البصري:
لعب الهوى بمعالمي ورسومي ... ودفنت حيا تحت ردم همومي
وشكوت همي حين ضقت ومن شكا ... هما يضيق به فغير ملوم
وقال آخر:
إذا لم أطق صبرا رجعت إلى الشكوى ... وناديت تحت الليل يا سامع النجوى
وأمطرت صحن الخد غيثا من البكا ... على كبد حرى لتروى فما تروى
الاستدلال باللحظ على الضمير
قالت الحكماء: العين باب القلب، فما كان في القلب ظهر في العين.
أبو حاتم عن الأصمعي عن يونس بن مصعب عن عثمان بن إبراهيم بن محمد قال: إني لأعرف في العين إذا عرفت، وأعرف فيها إذا أنكرت، وأعرف فيها إذا لم تعرف ولم تنكر، أما إذا عرفت فتخواص، وأما إذا أنكرت فتجحظ، وأما إذا لم تعرف ولم تنكر فتسجو.
وقال صريع الغواني:
جلنا علامات المودة بيننا ... مصايد لحظ هن أخفي من السحر
فأعرف فيها الوصل في لين طرفها ... وأعرف فيها الهجر في النظر الشزر
وقال محمود الوراق:
إن العيون على القلوب شواهد ... فبغيضها لك بين وحبيبها
وإذا تلاحظت العيون تفاوضت ... وتحدثت عما تجن قلوبها
ينطقن والأفواه صامتة فما ... يخفي عليك بريئها ومريبها
وقال ابن أبي حازم:
خذ من العيش ما كفي ... ومن الدهر ما صفا
عين من لا يحب وصلك تبدي لك آلجفا
ومن قولنا في هذا المعنى:
صاحب في الحب مكذوب ... دمعة للشوق مسكوب
كل ما تطوي جوانحه ... فهو في العينين مكتوب
وقال الحسن بن هانئ:

(1/206)

وإني لطير العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفي علي ضمير
الاستدلال بالضمير على الضمير
كتب حكيم إلى حكيم: إذا أردت معرفة مالك عندي فضع يدك على صدرك فكما تجدني كذلك أجدك.
وقالوا: إياكم ومن تبغضه قلوبكم، فإن القلوب تجازي القلوب.
وقال ذو الإصبع:
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفينى
وقال محمود الوراق:
لا تسألن المرء عما عنده ... واستمل ما في قلبه من قلبكا
إن كان بغضا كان عندك مثله ... أو كان حبا فاز منك بحبكا
الإصابة بالظن
قيل لعمرو بن العاص: ما العقل؟ قال الإصابة بالظن ومعرفة ما يكون بما قد كان.
أو قال عمر بن الخطاب: من لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه،.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لله در عباس، إن كان، لينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وقال الشاعر:
وقلما يفجأ المكروه صاحبه ... حتى يرى لوجوه الشر أسبابا
وإنما ركب الله العقل في الإنسان دون سائر الحيوان ليستدل بالظاهر على الباطن، ويفهم الكثير بالقليل.
ومن قولنا في هذا المعنى:
يا غافلا ما يرى إلا محاسنه ... ولو درى ما رأى إلا مساويه
انظر إلى باطن الدنيا، فظاهرها ... كل البهائم يجري طرفها فيه
تقديم القرابة وتفضيل المعارف
قال الشيباني: أول من آثر القرابة والأولياء عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمنع أقاربه ابتغاء وجه الله. فلا يرى أفضل من عمر.
وقال لما آوى طريد النبي صلى الله عليه وسلم: ما نقم الناس علي أن وصلت رحما وقربت عما.
وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: إن آذنك يقدم معارفه وأصدقاءه في الإذن على أشراف الناس ووجوههم؛ فقال: ويلكم! إن المعرفة لتنفع في الكلب العقور، والجمل الصؤول، فكيف في رجل حسيب ذي كرم ودين.
وقال رجل لزياد: أصلح الله الأمير، إن هذا يدل بمكانة يدعيها منك؛ قال: نعم، وأخبرك بما ينفعه من ذلك، إن كان الحق له عليك أخذتك به أخذا شديدا، وإن كان لك عليه قضيته عنه.
وقال الشاعر:
أقول لجاري إن أتاني مخاصما ... يدل بحق أو يدل بباطل
إذا لم يصل خيري وأنت مجاوري ... إليك فما شري إليك بواصل
العتبي قال: ولي عبد الله بن خالد بن عبد الله القسري " قضاء " البصرة، فكان يحابى أهل مودته؛ فقيل له: أي رجل أنت لولا أنك تحابي! قال: وما خير الصديق إذا لم يقطع لصديقه قطعة من دينه.
وولي ابن شبرمة قضاء البصرة وهو كاره، فأحسن السيرة. فلما عزل اجتمع إليه أهل خاصته ومودته، فقال لهم: والله لقد وليت هذه الولاية وأنا كاره، وعزلت عنها وأنا كاره، وما بي من ذلك إلا مخافة أن يلي هذه الوجوه من لا يعرف حقها. ثم تمثل بقول الشاعر:
فما السجن أبكاني ولا القيد شفني ... ولا أنني من خشية الموت أجزع
بلى إن أقواما أخاف عليهم ... إذا مت أن يعطوا الذي كنت أمنع
" وتقول العامة: محبة السلطان أرد عليك من شهودك " وقال الشاعر:
إذا كان الأمير عليك خصما ... فليس بقابل منك الشهودا
وقال زياد: أحب الولاية لثلاث، وأكرهها لثلاث: أحبها لنفع الأولياء، وضر الأعداء، واسترخاص الأشياء؛ وأكرهها لروعة البريد، وقرب العزل، وشماتة العدو.
ويقول الحكماء: أحق من شاركك في النعمة شركاؤك في المصيبة.
أخذه الشاعر فقال:
وإن أولى الموالي أن تواسيه ... عند السرور لمن آساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
وقال حبيب:

(1/207)

قبح الإله عداوة لا تتقى ... ومودة يدلى بها لا تنفع
فضل العشيرة
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عشيرة الرجل خير للرجل من الرجل للعشيرة، إن كف عنهم يدا واحدة كفوا عنه أيديا كثيرة، مع مودتهم وحفاظهم ونصرتهم. إن الرجل ليغضب للرجل لا يعرفه إلا بنسبه، وسأتلو عليكم في ذلك آيات من كتاب الله " تعالى " ، قال الله عز وجل فيما حكاه عن لوط: " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد " ! يعني العشيرة، ولم يكن للوط عشيرة: فوالذي نفسي بيده ما بعث الله نبيا من بعده إلا في ثروة من قومه، ومنعة من عشيرته، ثم ذكر شعيبا إذ قال له قومه: " إنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك " ، وكان مكفوفا، والله ما هابوا " الله ولا هابوا " إلا عشيرته.
وقبل لبزرجمهر: ما تقول في ابن العم؟ قال: هو عدوك وعدو عدوك.
الدين
من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الدين ينقص ذا الحسب.
وقال عمر " ألا إن " لأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج ألا وإنه قد أدان معرضا وأصبح قدرين به، فمن كان له عنده شيء فليأتنا بالغداة نقسم " له " ما " له " بين غرمائه، وإياكم والدين فإن أوله هم وآخره حزن.
وقال مولى قضاعة:
فلو كنت مولى قيس غيلان لم تجد ... علي لإنسان من الناس درهما
ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما
وقال آخر:
إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم
وقال سفيان الثوري: الدين هم بالليل وذل بالنهار، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله قلادة في عنقه.
ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا متقنعا، فقال له: كان لقمان الحكيم يقول: القناع ريبة بالليل ذل بالنهار؛ فقال الرجل: إن لقمان الحكيم لم يكن عليه دين.
وقال المقنع الكندي:
يعيبونني بالدين قومي وإنما ... تداينت في أشياء تكسبهم حمدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
مجانبة الخلف والكذب
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الكذب مجانب الإيمان.
وقالت الحكماء: ليس لكذاب مروءة.
وقالوا: من عرف بالكذب لم يجز صدقه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يجوز الكذب في جد ولا هزل.
وقال: لا يكون المؤمن كذابا.
وقال عبد الله بن عمر: خلف الوعد ثلث النفاق.
وقال حبيب الطائي في عياش:
يا أكثر الناس وعدا حشوه خلف ... وأكثر الناس قولا حشوه كذب
ومن قولنا في هذا المعنى:
صحيفة أفنيت ليت بها وعسى ... عنوانها راحة الراجي إذا يئسا
وعد له هاجس في القلب قد برمت ... أحشاء صدري به من طول ما آنحبسا
مواعد غرني منها وميض سنى ... حتى مددت أيها الكف مقتبسا
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما آنبجسا
كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا
التنزه عن استماع الخنا
والقول به
اعلم أن السامع شريك القائل في الشر. قال الله " تعالى " : " سماعون للكذب " .
وقال العتبي: حدثني أبي عن سعد القصير قال: نظر إلي عمرو بن عتبة ورجل يشتم رجلا بين يدي، فقال لي، ويلك - وما قال لي ويلك قبلها - نزه سمعك عن استماع الخنا كما تنزه لسانك عن الكلام به، فإن السامع شريك القائل، وإنه عمد إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو ردت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها كما شقي قائلها.
باب في الغلو في الدين

(1/208)

توفي رجل في عهد عمر بن ذر ممن أسرف على نفسه في الذنوب، وجاوز في الطغيان، فتحامى الناس عن جنازته، فحضرها عمر بن ذر وصلى عليه، فلما أدلي في قبره قال: يرحمك الله أبا فلان، صحبت عمرك بالتوحيد، وعفرت وجهك لله بالسجود، فإن قالوا مذنب وذو خطايا، فمن منا غير مذنب وذي خطايا.
ومن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: " يأ يها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم " وقال: " يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقنا كم " ، ثم ذكر الرجل يرى أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني بالحنيفية السمحة ولم يبعثني بالرهبانية المبتدعة، سنتي الصلاة والنوم، والإفطار والصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير هذه الأمة هذا النمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي.
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير لابنه، وكان قد تعبد: يا بني، إن الحسنة بين السيئتين - يعني أن الدين بين الإفراط والتقصير - وخير الأمور أوسطها، وشر السير الحقحقة.
وقال سلمان الفارسي: القصد والدوام فأنت الجواد السابق.
وقالوا: " طالب العلم و " عامل البر كآكل الطعام، إن أكل منه قوتا عصمه وإن أسرف منه أبشمه.
وفي بعض الحديث: إن عيسى بن مريم عليه السلام لقي رجلا فقال له: ما تصنع؟ قال: أتعبد، قال: فمن يعود عليك؟ قال: أخي؛ قال: هو أعبد منك.
ونظير هذا أن رفقة من الأشعريين كانوا في سفر، فلما قدموا قالوا: ما رأينا يا رسول الله بعدك أفضل من فلان، كان يصوم النهار، فإذا نزلنا قام من الليل حتى نرتحل؛ قال: فمن كان يمهن له ويكفله؟ قالوا: كلنا قال: كلكم أفضل منه.
وقيل للزهري: ما الزهد في الدنيا؟ قال " أما " إنه ما هو بتشعيث اللمة، ولا قشف الهيئة، ولكنه ظلف النفس عن الشهوة.
علي بن عاصم عن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيت محمد بن الحنفية واقفا بعرفات على برذون وعليه مطرف خز أصفر.
السدي عن ابن جريج عن " عثمان بن أبي سليمان: أن " ابن عباس كان يرتدي رداء بألف.
إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة.
وقال معمر: رأيت قميص أيوب السختياني يكاد يمس الأرض، فسألته عن ذلك؟ فقال: إن الشهرة كانت فيما مضى في تذييل القميص، وإنها اليوم في تشميره.
أبو حاتم عن الأصمعي: أن ابن عون اشترى برنسا فمر على معاذة العدوية، فقالت: مثلك يلبس هذا؟ فذكرت ذلك لابن سيربن، قال: أفلا أخبرتها أن تميما الدارمي اشترى حلة بألف فصلى فيها.
قدم حماد بن سلمة البصرة فجاءه فرقد السبخي وعليه ثياب صوف، فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم " فيخرج إلينا " وعليه معصفرة، ونحن نرى أن الميتة قد حلت له أبو الحسن المدائني قال: دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم والي خراسان في مدرعة صوف، فقال له: ما يدعوك إلى لباس هذه؟ فسكت؟ فقال له قتيبة: أكلمك ولا تجيبني؟ قال: أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي، أو أقول فقرا فأشكو ربي، فما جوابك إلا السكوت.
قال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم وفقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد هلكتم.
وكان القاسم بن محمد يلبس الخز، وسالم بن عبد الله يلبس الصوف، ويقعدان في مجلس المدينة، فلا ينكر هذا على هذا " شيئا " ولا ذا على هذا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:38 pm

ودخل رجل على محمد بن المنكدر فوجده قاعدا على حشايا مضاعفة، وجارية تغلفه بالغالية، فقال: رحمك الله، جئت أسألك عن شيء وجدتك فيه - يريد التزين - قال: على هذا أدركت الناس.
وصلى الأعمش في مسجد قوم فأطال بهم الإمام، فلما فرغ، قال له: يا هذا، لا تطل صلاتك، فإنه يكون خلفك ذو الحاجة والكبير والضعيف؟ قال الإمام: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين؛ فقال له الأعمش: أنا رسول الخاشعين إليك، إنهم لا يحتاجون إلى هذا منك.
العتبي قال: أصابت الربيع بن زياد نشابة في جبينه، فكانت تنتقض عليه كل عام، فأتاه علي بن أبي طالب عائدا، فقال له: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجدني لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه، قال له: وما قيمة بصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدنيا فديته بها؟ قال: لا جرم، ليعطينك الله على قدر الدنيا، لو كانت لك لأنفقتها في سبيله، إن الله يعطي على قدر الألم والمصيبة وعنده بعد تضعيف كثير. قال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألا أشكو إليك عاصم بن زياد؟ قال: وماله؟ قال: لبس العباء، وترك الملاء، وغم أهله، وأحزن ولده؛ قال: علي عاصما. فلما أتاه عبس في وجهه، وقال: ويلك يا عاصم! أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره " منك " أخذك منها، أنت أهون على الله من ذلك، أو ما سمعته يقول: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان " حتى قال: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " . وتالله لابتذال نعم الله بالفعال، أحب إلي من ابتذالها بالمقال، وقد سمعته يقول: " وأما بنعمة ربك فحدث " وقوله: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " . قال عاصم: فعلام اقتصرت أنت يا أمير المؤمنين؟ على لبس الخشن وأكل الحشف؟ قال: إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يشنع بالفقير فقره. فما برح حتى لبس الملاء وترك العباء.

(1/210)

محمد بن حاطب الجمحي قال: حدثني من سمع عمرو بن شعيب، وكنت سمعته أنا وأبي جميعا، قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن " عبد الله بن مسعود قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أم " عبد الله بن عمرو " بن العاص " ، وكانت امرأة تلطف برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم، فقال: كيف أنت يا أم عبد الله؟ كيف أكون وعبد الله بن عمرو رجل قد تخلى من الدنيا، قال لها: كيف ذلك؟ قالت: حرم النوم فلا ينام، ولا يفطر، ولا يطعم اللحم، ولا يؤدي إلى أهله حقهم؟ قال: فأين هو؟ قالت: خرج ويوشك أن يرجع الساعة، قال: فإذا رجع فاحبسيه علي. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عبد الله وأوشك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجعة، فقال: يا عبد الله بن عمرو، ما هذا الذي بلغني عنك، " قال: وما ذاك يا رسول الله؟ قال بلغني، أنك لا تنام " ولا تفطر " ؟ قال: أردت بذلك الأمن من الفزع الأكبر قال: وبلغني أنك لا تطعم اللحم، قال: أردت بذلك ما هو خير منه في الجنة؛ قال: وبلغني أنك لا تؤدي إلى أهلك حقهم؛ قال: أردت بذلك نساء هن خير منهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم يا عبد الله بن عمرو، إن لك في رسول الله أسوة حسنة، فرسول الله يصوم ويفطر ويأكل اللحم، ويؤدي إلى أهله حقوقهم. يا عبد الله بن عمرو، إن لله عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا. فقال: يا رسول الله، ما تأمرني أن أصوم خمسة أيام وأفطر يوما؟ قال: لا؛ قال: فأصوم أربعة وأفطر يوما؟ قال: لا؛ قال: فأصوم ثلاثة وأفطر يوما؟ قال: لا؛ قال: فيومين وأفطر يوما؟ قال: لا، قال: فيوما " وأفطر يوما " ؟ قال: ذلك صيام أخي داود، يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم ومواثيقهم فكانوا هكذا - وخالف بين أصابعه قال: فما تأمرني " به " يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتعمل بخاصة نفسك، وتدع الناس وعوام أمرهم. قال: ثم أخذه بيده وجعل يمشي به حتى وضع يده في يد أبيه، وقال له. أطع أباك. فلما كان يوم صفين، قال له أبوه عمرو: يا عبد الله، اخرج فقاتل، فقال: يا أبتاه، أتأمرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت وعهد إلي " ما عهد " ؟ قال: أنشدك الله، ألم يكن آخر ما قال لك أن أخذ بيدك فوضعها في يدي، وقال لك: أطع أباك؟ قال: اللهم بلى؛ قال: فإني أعزم عليك أن تخرج فتقاتل. قال: فخرج فقاتل متقلدا بسيفين.
القول في القدر
أتى قوم من أهل القدر محمد بن المنكدر. فقالوا له: أنت الذي تقول: إن الله يعذب الخلق على ما قدر عليهم؟ فصرف وجهه عنهم ولم يجبهم. فقالوا له: أصلحك الله، إن كنت لا تجيبنا فلا تخلنا من بركة دعائك، فقال: اللهم لا تردنا بعقوبتك، ولا تمكر بنا حيلتك، ولا تؤاخذنا بتقصيرنا عن رضاك، قليل أعمالنا تقبل، وعظيم خطايانا اغفر، أنت الله الذي لم يكن شيء قبلك، ولا يكون شيء بعدك، ولي الأشياء، ترفع بالهدى من تشاء؛ لا من أحسن استغنى عن عونك، ولا من أساء غلبك، ولا استبد شيء عن حكومتك وقدرتك، " لا ملجأ إلا إليك " ، فكيف لنا بالمغفرة وليست إلا في يديك، وكيف لنا بالرحمة وليست إلا عندك، حفيظ لا ينسى، قديم لا يبلى، حي لا يموت، بك عرفناك، وبك اهتدينا إليك، ولولا أنت لم ندر ما أنت، سبحانك وتعاليت. فقال القوم: قد والله أخبر وما قصر.
وقال: ذكر القدر في مجلس الحسن البصري، فقال: إن الله خلق الخلق للابتلاء، لم يطيعوه بإكراه، ولم يعصوه بغلبة، لم يهملهم من الملك وهو القادر على ما أقدرهم عليه، والمالك لما ملكهم إياه، فإن يأتمر العباد بطاعة الله لم يكن الله مثبطا " لهم " بل يزيدهم هدى إلى هداهم، وتقوى إلى تقواهم، وإن يأتمروا بمعصية الله، كان الله قادرا على صرفهم إن شاء، وإن خلى بينهم وبين المعصية، فمن بعد إعذار وإنذار.

(1/211)

مروان بن موسى قال: حدثنا أبو ضمرة أن غيلان قدم بكلمة قد صاغها حتى وقف على ربيعة، فقال له: أنت الذي تزعم أن الله أحب أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى كرها؟ فكأنما ألقمه حجرا.
قيل لطاوس: هذا قتادة يحب أن يأتيك، فقال: إن جاء لأقومن؟ قيل له: إنه فقيه؟ قال: إبليس أفقه منه، قال: " رب بما أغويتني " .
وقيل للشعبى: رأيت قتادة؟ قال: نعم، رأيت كناسة بين حشين، القدر هو العلم والكتاب والكلمة والإذن والمشيئة.
قال الأصمعي: سألت أعرابيا فقلت له: ما فضل بني فلان على بني فلان؟ قال: الكتاب، يعني القدر.
وقال الله عز وجل: " إنا كل شيء خلقناه بقدر " . وقال: " كل في كتاب مبين " . وقال: " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين " يعني القدر. وقال: " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما " .
قال الخشني أبو عبد الله محمد بن السلام: شاعران من فحول الجاهلية لهما " بيتان " ذهب " أحدهما في بيته " مذهب العدلية، والآخر ذهب مذهب الجبرية، فالذي ذهب مذهب العدلية أعشى بكر حيث يقول:
آستأثر الله بالوفاء وبالعدل وولى اللامة الرجلا
والذي ذهب مذهب الجبرية لبيد بن ربيعة حيث يقول:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل
وقال إياس بن معاوية: كلمت الفرق كلها ببعض عقلي، وكلمت القدري بعقلي كله، فقلت له: دخولك فيما ليس لك ظلم منك؟ قال: نعم؟ قلت: فإن الأمر كله لله.
ومن قول الله عز وجل في القدر: " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " . وقال: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم لإيمان إن كنتم صادقين " ابن شهاب قال: أنزل الله على نبيه آية في القدرية: " الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين وقال: " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " .
وقال محمد بن سيرين: ما ينكر القدرية أن يكون الله " قد " علم من خلقه علما فكتبه عليهم.
وقال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما تقول في القدر؟ قال: ويحك! أخبرني عن رحمة الله، أكانت قبل طاعة العباد؟ قال نعم؟ قال علي: أسلم صاحبكم وقد كان كافرا؟ فقال الرجل له: أليس بالمشيئة الأولى التي أنشأني بها " وقوم خلقي " ، أقوم وأقعد، وأقبض وأبسط؟ قال له " علي " ، إنك بعد في المشيئة؛ أما إني أسألك عن ثلاث، فإن قلت في واحدة منهن لا، كفرت؛ وإن قلت نعم، فأنت أنت، فمد القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول، فقال له علي: أخبرني عنك، أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟ قال: بل كما شاء؛ قال: فخلقك الله لما شئت أو لما شاء؟ قال: بل لما شاء؟ قال: فيوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟ قال: بل بما شاء؟ قال: قم فلا مشيئة لك.

(1/212)

قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان هشام بن عبد الملك قد أنكر على غيلان التكلم في القدر، وتقدم إليه في ذلك أشد التقدم، وقال له في بعض ما توعده به من الكلام: ما أحسبك تنتهي حتى تنزل بك دعوة عمر بن عبد العزيز إذا احتج عليك في المشيئة بقول الله عز وجل: " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " ، فزعمت أنك لم تلق الا بالا، فقال عمر: اللهم ان كان كاذبا فاقطع يده ورجله ولسانه واضرب عنقه، فانته أولى لك، ودع عنك ما ضره إليك أقرب من نفعه، فقال له غيلان، لحينه وشقوته: ابعث إلي يا أمير المؤمنين من يكلمني ويحتج علي، فإن أخذته حجتي أمسكت عني فلا سبيل لك إلي، وإن أخذتنى حجته، فسألتك بالذي أكرمك بالخلافة إلا نفذت في ما دعا به عمر علي. فغاظ قوله هشاما، فعبث إلى الأوزاعي فحكى له ما قال لغيلان، وما رد غيلان: فالتفت إليه الأوزاعي، فقال له: اسألك عن خمس أو عن ثلاث؟ فقال غيلان: بل عن ثلاث؛ قال الأوزاعي: هل علمت أن الله أعان على ما حرم؟ قال غيلان: ما علمت، " وعظمت عنده " . قال: فهل علمت أن الله قضى على ما نهى؟ قال غيلان: هذه أعظم! ما لي بهذا من علم؛ قال: فهل علمت أن الله حال دون ما أمر؟ قال غيلان - : حال دون ما أمر؟ ما علمت؛ قال الأوزاعي: هذا مرتاب من أهل الزيع. فأمر هشام بقطع يده ورجله، ثم ألقي في الكناسة. فاحتوشه الناس، يعجبون من عظيم ما أنزل الله به من نقمته. ثم أقبل رجل كان كثيرا ما ينكر عليه التكلم في القدر، فتخلل الناس حتى وصل إليه، فقال يا غيلان، اذكر دعاء عمر رحمه الله؟ فقال غيلان: أفلح إذا هشام، إن كان الذي نزل بي بدعاء عمر أو بقضاء سابق فإنه لا حرج على هشام فيما أمر به، فبلغت كلمته هشاما، فأمر بقطع لسانه وضرب عنقه لتمام دعوة عمر. ثم التفت هشام إلى الأوزاعي وقال له: قد قلت يا أبا عمرو ففسر؛ فقال: نعم، قضى على ما نهى عنه، نهى آدم عن أكل الشجرة، وقضى عليه بأكلها؛ وحال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم، وحال بينه وبين ذلك؛ وأعان على ما حرم، الميتة، وأعان المضطر على أكلها.
الرياشي عن سعيد بن عامر بن جويرية عن سعيد بن أبي عروبة، قال: لما سألت قتادة عن القدر، فقال: رأى العرب تريد فيه أم رأي العجم؟ فقلت: بل رأي العرب: قال: فإنه لم يكن أحد من العرب إلا وهو يثبت " القدر " ، وأنشد:
ما كان قطعي هول كل تنوفة ... إلا كتابا قد خلا مسطورا
وقال أعرابي: الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، يعرف ضوءها ولا يختم على حدودها.
وقال كعب بن زهير:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة وآلهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
وقال آخر:
والجد أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجد في الحوادث أو ذر
ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر
عبد الرحمن القصير قال: حدثنا يونس بن بلال عن يزيد بن أبي حبيب، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أيقدر الله علي الشر ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم، وأنت أظلم.
وحدث أبو عبد الرحمن المقرىء، يرفعه إلى أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم.
ومن حديث عبد الله بن مسعود، قال: ما كان كفر بعد نبوة قط، إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر.

(1/213)

ثمامة بن أشرس قال: دخل أبو العتاهية على المأمون لما قدم العراق، فأمر له بمال، وجعل يحادثه، فقال له يوما: ما في الناس أجهل من القدرية، فقال له المأمون: أنت بصناعتك أبصر، فلا تتخطها إلى غيرها؟ قال له: يا أمير المؤمنين، اجمع بيني وبين من شئت منهم. فأرسل إلي، فدخلت عليه، فقال لي: هذا يزعم أنك وأصحابك لا حجة عندكم. قلت: فليسأل عما بدا له. فحرك أبو العتاهية يده وقال: من حرك هذه؟ قلت من ناك أمه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، شتمني؛ قلت له: نقضت أصلك يا ماص بظر أمه؛ فضحك المأمون؛ فقلت له: يا جاهل، تحرك يدك، ثم تقول: من حركها؟ " فإن كان الله حركها " فلم أشتمك، وإن كنت أنت المحرك لها، فهو قولي؛ قال له المأمون: عندك زيادة في المسألة.
قال الكندي في الفن التاسع من التوحيد: اعلم أن العالم كله مسوس بالقضاء والقدر - أعنى بالقضاء - ما قسم لكل معلول مما هو أصلح وأحكم وأتقن في بنية الكل، لأنه - جل ثناؤه - خلق وأبدع مضطرا ومختارا بتمام القدرة، فلما كان المختار غير تام الحكمة، لأن تمام آلحكمة لمبدع الكل، كان لو أطلق واختياره لاختار كثيرا مما فيه فساد الكل، فقدر - جل ثناؤه - بنية للكل تقديرا محكما. فصير بعضه سوانح لبعض، يختار بإرادته ومشيئته غير مقهور مما هو أصلح وأحكم في بنية اكل، فتقدير هذه السوانح هو القدر، فبالقضاء والقدر ساس - جل ثناؤه - جميع ما أبدع بهذه السياسة المحكمة المنظمة، التي لا يدخلها زلل ولا نقص، فاتضح أن كل معلول فيما قسم له ربه من الأحوال لا خارج عنها، وأن بعض ذلك باضطرار وبعضه باختيار، وأن المختار عن سوانح قدره " اختار " ، وبإرادته لا بالكره " منه " فعل.
سئل أعرابي عن القدر فقال: ذاك علم اختصمت فيه الظنون، وكثر فيه المختلفون، والواجب علينا أن نرد ما أتشكل من حكمه إلى ما سبق في علمه.
واصطحب مجوسي وقدري في سفر، فقال القدري للمجوسي: مالك لا تسلم؟ قال: إن أذن الله في ذلك كان؛ قال: إن الله قد أذن إلا أن الشيطان لا يدعك؛ قال: فأنا مع أقواهما.
وقال رجل لهشام بن الحكم: أنت تزعم أن الله في فضله وكرمه وعدله كلفنا ما لا نطيقه، ثم يعذبنا عليه؟ قال هشام: قد والله فعل، ولكن لا نستطيع أن نتكلم. اجتمع عمرو بن عبيد مع الحارث بن مسكين بمنى، فقال له: إن مثلى ومثلك لا يجتمعان في مثل هذا الموضع، فيفترقان من غير فائدة، فإن شئت فقل، وإن شئت فأنا أقول؟ قال له: قل، قال: هل تعلم أحدا أقبل للعذر من الله عز وجل؟ قال: لا؛ قال: فهل تعلم عذرا أبين من عذر من قال لا أقدر، فيما تعلم أنت أنه لا يقدر عليه؟ قال: لا؛ قال: فلم لا يقبل - من لا أقبل للعذر منه - عذر من لا أبين من عذره؟ فانقطع الحارث بن مسكين فلم يرد شيئا.
رد المأمون على الملحدين
وأهل الأهواء
قال المأمون للثنوي الذي تكلم عنده: أسألك عن حرفين لا أزيد عليهما، هل ندم مسيء قط على إساءته؟ قال: بلى؟ قال: فالندم على الإساءة إساءة أم إحسان؟ قال: بل إحسان؛ قال: فالذي ندم هو الذي أساء أم غيره؟ قال: بل هو الذي أساء، قال: فأرى صاحب الخير هو صاحب الشر؛ قال: فإني أقول: إن الذي ندم غير الذي أساء؟ قال: فندم على شيء كان منه أم على شيء كان من غيره، فسكت. قال له أيضا: أخبرني عن قولك باثنين، هل يستطيع أحدهما أن يخلق خلقا لا يستعين فيه بصاحبه؟ قال: نعم؛ قال: فما تصنع باثنين؟ واحد يخلق كل شيء خير لك وأصح.

(1/214)

وقال المأمون للمرتد الخراساني الذي أسلم على يديه وحمله معه إلى العراق فارتد عن الإسلام: أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسا من ديننا؟ فوالله لأن أستحييك بحق، أحب إلي من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلما بعد أن كنت كافرا، ثم عدت كافرا بعد أن صرت مسلما، وإن وجدت عندنا دواء لدائك تداويت به، وإن أخطأك الشفاء، وتباعد عنك، كنت قد أبليت العذر في نفسك، ولم تقصر في الاجتهاد لها، فإن قتلناك قتلناك في الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار واليقين، ولم تفرط في الدخول من باب الحزم؛ قال المرتد: أوحشني منكم ما رأيت من كثرة الاختلاف في دينكم؛ قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا في الآذان، وتكبير الجنائز، وصلاة العيدين، والتشهد، والتسليم من الصلاة، ووجوه القراآت، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك، وهذا ليس باختلاف، وإنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من السنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يأثم، ومن ربع لم يأثم. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب الله، وتأويل الحديث عن نبينا، مع اجتماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان إنما أوحشك هذا، فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقا على تأويله كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، ولو شاء الله أن ينزل كتبه مفسرة، ويجعل كلام أنبيائه ورسله لا يختلف في تأويله لفعل، ولكنا لم نجد شيئا من أمور الدين والدنيا وقع إلينا على الكفاية إلا مع طول البحث والتحصيل والنظر، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحن، وذهب التفاضل والتباين، ولما عرف الحازم من العاجز، ولا الجاهل من العالم، وليس على " هذا " بنيت الدنيا. قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن المسيح عبد الله، وأن محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين " حقا " .
وقال المأمون لعلي بن موسى الرضا: بم تدعون هذا الأمر؟ قال: بقرابة علي من رسول الله صلى الله عليه وسلم " وعلى آله وبقرابة فاطمة منه " ؟ فقال له المأمون: إن لم يكن ها هنا إلا القرابة، فقد خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بيته من كان أقرب إليه من علي، أو من في مثل قعدده، وإن كان بقرابة فاطمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحق بعد فاطمة للحسن والحسين، وليس لعلي في هذا الأمر حق وهما حيان، فإذا كان الأمر كذلك، فإن عليا قد ابتزهما حقهما وهما صحيحان، واستولى على ما لا يجب له. فما أجابه علي بن موسى بشيء.

(1/215)

كتب واصل بن عطاء الغزال إلى عمرو بن عبيد: أما بعد، فإن استلاب نعمة العبد وتعجيل المعاقبة بيد الله، ومهما يكن ذلك فباستكمال الآثام، والمجاورة للجدال الذي يحول بين المرء وقلبه، وقد عرفت ما كان يطعن به عليك وينسب إليك ونحن بين ظهراني الحسن بن أبي الحسن رحمه الله، لاستبشاع قبح مذهبك، نحن ومن قد عرفته من جميع أصحابنا، ولمة إخواننا، الحاملين الواعين عن الحسن، فلله تلكم لمة وأوعياء وحفظة، ما أدمث الطبائع، وأرزن المجالس، وأبين الزهد، وأصدق الألسنة، اقتدوا والله بمن مضى شبها بهم، وأخذوا بهديهم. عهدي والله بالحسن وعهدكم به أمس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرقي الأجنحة، وآخر حديث حدثنا إذ ذكر الموت وهول المطلع، فأسف على نفسه واعترف بذنبه، ثم التفت والله يمنة ويسرة معتبرا باكيا، فكأني أنظر إليه يمسح مرفض العرق عن جبينه، ثم قال: اللهم إني قد شددت وضين راحلتي، وأخذت في أهبة سفري إلى محل القبر وفرش العفر، فلا تؤاخذني بما ينسبون إلي من بعدي، اللهم إني قد بلغت ما بلغني عن رسولك، وفسرت من محكم تأويلك ما قد صدقه حديث نبيك، ألا وإني خائف عمرا، ألا وإني خائف عمرا، شكاية لك إلى ربه جهرا، وأنت عن يمين أبي حذيفة أقر بنا إليه؛ وفد يلغني كبير ما حملته نفسك، وقلدته عنقك، من تفسير التنزيل، وعبارة التأويل، ثم نظرت في كتبك، وما أدته إلينا روايتك من تنقيص المعاني، وتفريق المباني، فدلت شكاية الحسن عليك بالتحقيق بظهور ما ابتدعت، وعظيم ما تحملت، فلا يغررك " أي أخي " تدبير من حولك، وتعظيمهم طولك، وخفضهم أعينهم عنك إجلالا لك، غدا والله تمضي الخيلاء والتفاخر، وتجزى كل نفس بما تسعى، ولم يكن كتابي إليك، وتجليبي عليك، إلا لتذكيرك بحديث الحسن رحمه الله، وهو آخر حديث حدثناه، فأد المسموع، وانطق بالمفروض، ودع تأويلك الأحاديث على غير وجهها، وكن من الله وجلا " فكأن قد " .
باب من أخبار الخوارج
لما خرجت الخوارج على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا من أصحابه، وكان من أمر الحكمين ما كان، واختداع عمرو لأبي موسى " الأشعري " ؛ قالوا: لا حكم إلا لله. فلما سمع علي رضي الله عنه نداءهم، قال: كلمة حق يراد بها باطل، وإنما مذهبهم أن لا يكون أمير، ولا بد من أمير برا كان أو فاجرا. وقالوا لعلي: شككت في أمرك، وحكمت عدوك في نفسك. وخرجوا إلى حروراء، وخرج إليهم علي رضي الله عنه، فخطبهم متوكئا على قوسه، وقال: هذا مقام من أفلح فيه أفلح يوم القيامة، أنشدكم الله، هل علمتم أن أحدا كان أكره للحكومة مني؟ قالوا: اللهم لا؛ " قال: أفعلتم أنكم أكرهتموني عليها حتى قبلتها؟ قالوا: اللهم نعم " ، قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: إنا أتينا ذنبا عظيما فتبنا إلى الله منه، فتب إلى الله منه، واستغفره نعد إليك. فقال علي: إني أستغفر الله من كل ذنب، فرجعوا معه وهم في ستة آلاف. فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا رجع عن التحكيم، وتاب منه، ورآه ضلالا. فأتى الأشعث بن قيس عليا رضي الله عنه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا والإقامة عليها كفرا وتبت. فخطب علي الناس فقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالا فهو أضل منها. فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت، فقيل لعلي: إنهم خارجون " عليك " ؛ فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون.

(1/216)

فوجه إليهم عبد الله بن العباس، فلما سار إليهم رحبوا به وأكرموه، فرأى لهم جباها قرحة لطول السجود، وأيديا كثفنات الإبل، وعليهم قمص مرحضة وهم مشمرون، فقالوا: ما جاء بك يا بن عباس؟ قال: جئتكم من عند صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار؟ فقالوا: إنا أتينا عظيما حين حكمنا الرجال في دين الله، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا. فقال ابن عباس: نشدتكم الله إلا ما صدقتم أنفسكم، أما علمتم أن الله أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق رجل وامرأته؟ فقالوا: اللهم نعم؛ قال: فأنشدكم الله، هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين أهل الحديبية؟ قالوا: نعم، ولكن عليا محا نفسه من خلافة المسلمين قال ابن عباس: ليس ذلك يزيلها عنه، وقد محا رسول الله صلى الله عليه وسلم " اسمه " من النبوة، وقال سهيل بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله ما حاربتك، فقال للكاتب: اكتب: محمد بن عبد الله. وقد أخذ على الحكمين أن لا يجورا، " وإن يجورا " ، فعلي أولى من معاوية وغيره، قالوا: إن معاوية يدعي مثل دعوى علي؛ قال فأيهما رأيتموه أولى فولوه، قالوا: صدقت. قال ابن عباس: ومتى جار الحكمان فلا طاعة لهما ولا قبول لقولهما. فاتبعه منهم ألفان وبقي أربعة آلاف.
فصلى بهم صلاتهم ابن الكواء، وقال: متى كانت حرب فرئيسكم شبث بن ربعي الرياحي. فلم يزالوا على ذلك حتى أجمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، فخرج بهم إلى النهروان، فأوقع بهم علي، فقتل منهم ألفين وثمانمائة، وكان عددهم ستة آلاف، وكان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يسر أمره، فخرج منهم رجل بعد أن قال علي رضي الله عنه: ارجعوا وادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب؟ قالوا: كلنا قتله وشرك في دمه، وذلك أنهم لما خرجوا إلى النهروان لقوا مسلما ونصرانيا، فقتلوا المسلم وأوصو! بالنصراني خيرا، وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم. ولقوا عبد الله بن خباب، وفي عنقه المصحف ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا: إن هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك؛ فقال لهم: أحيوا ما أحيا القرآن، وأميتوا ما أمات القرآن، قالوا: حدثنا عن أبيك؛ قال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسى مؤمنا ويصبح كافرا، فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل؛ قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى خيرا؟ " قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان؟ فأثنى خيرا " ؟ قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: أقول: إن عليا أعلم بكتاب الله منكم، وأشد توقيا على دينه وأبعد بصيرة؛ قالوا: إنك لست تتيع الهدى بل الرجال على أسمائها، ثم قربوه إلى شاطئ البحر فذبحوه، فا مذقر دمه، أي جرى مستقيما على دقة وساموا رجلا نصرانيا بنخلة، فقال: هي لكم هبة، قالوا: ما كنا نأخذها إلا بثمن؟ فقال: ما أعجب هذا! أتقتلون مثل عبد الله بن خباب، ولا تقبلون منا " جنى " نخلة إلا بثمن! ثم افترقت الخوارج على أربعة أضرب: الإباضية، أصحاب عبد الله بن إباض؟ والصفرية، واختلفوا في نسبهم، فقال قوم: سموا بابن الصفار، وقال قوم: نهكتهم العبادة فاصفرت وجوههم، ومنهم البيهسية، وهم أصحاب ابن بيهس؟ ومنهم الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي، وكانوا قبل على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ.

(1/217)

فبلغهم خروج مسلم بن عقبة إلى المدينة، وقتله أهل حرة، وأنه مقبل إلى مكة، فقالوا: يجب علينا أن نمنع حرم الله منهم، ونمتحن ابن الزبير، فإن كان على رأينا تابعناه. فلما صاروا إلى ابن الزبير عرفوه أنفسهم، وما قدموا له، فأظهر لهم أنه على رأيهم، حتى أتاهم مسلم بن عقبة وأهل الشام، فدافعوه إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يتابعوا ابن الزبير، ثم تناظروا فيما بينهم، فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فنظر ما عنده، فإن قدم أبا بكر وعمر وبرىء من عثمان وعلي، وكفر أباه وطلحة بايعناه، وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده، وتشاغلنا بما يجدي علينا. فدخلوا على ابن الزبير وهو متبذل وأصحابه متفرقون عنه، فقالوا له: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنت على صواب بايعناك، وإن كنت على خلافة دعوناك إلى الحق، ما تقول في الشيخين؟ قال: خيرا؛ قالوا: فما تقول في عثمان الذي حمى الحمى، وآوى الطريد، وأظهر لأهل مصر شيئا وكتب بخلافه، وأوطأ آل بني معيط رقاب الناس، وآثرهم بفيء المسلمين؛ وفي الذي بعده الذي حكم " في دين الله " الرجال، وأقام على ذلك عير تائب ولا نادم؛ وفي أبيك وصاحبه، وقد بايعا عليا، وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بيعته، وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة، فإن أنت قبلت كل ما نقول " لك " فلك الزلفي عند الله، والنصر على أيدينا، إن شاء الله، ونسأل الله لك التوفيق وإن أبيت خذلك الله والنصر منك بأيدينا.
فقال ابن الزبير: إن الله أمر، وله العزة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين، وأعتى العانين، بأرق من هذا القول، فقال لموسى وأخيه صلى الله عليهما: " اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى " . فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدو الله وعدو رسوله والمقيم على الشرك، والجاد في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، والمحارب له بعدها، وكفي بالشرك ذنبا، وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟ فإن كانا منهم دخلا في غمار الناس، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسب أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جل وعز قال للمؤمن في أبويه: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا " . وقال: " وقولوا للناس حسنا " . وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح، ولعمري إن ذلك أحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى بأن يعرف كل صاحبه من عدوه، فروحوا إلي من عشيتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى.

(1/218)

فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلما رأى ذلك نجدة، قال: هذا خروج منا بذلكم، فجلس على رفع من الأرض، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم ذكرا أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته، ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية؛ وأخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاصي بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحمى ومما كان فيه من الصلاح، وأن القوم آستعتبوه " من أمور " ما كان له أن يفعلها؟ أولا مصيبا، ثم أعتبهم بعد ذلك محسنا، وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العتبى، ثم كتب ذلك الكتاب بقتلهم، فدفعوا الكتاب إليه، فحلف بالله أنه لم يكتبه ولم يأمر به، وقد أمر الله عز وجل بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته، مع ما اجتمع له من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه " من " الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف على حق، فافتداها بمائة ألف ولم يحلف؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع: " من حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليقبل " . وعثمان أمير المؤمنين " كصاحبيه " وأنا ولي وليه، وعدو عدوه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، " ورسول الله " يقول " عن الله " عز وجل يوم أحد لما قطعت إصبع طلحة: " سبقته إلى الجنة " . وقال: " أوجب طلحة " . وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله " أو جله " لطلحة. والزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وقد ذكر أنه في الجنة، وقال عز وجل: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " . وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم؟ وإن يكن ما صنعوا حقا فأهل ذلك هم، وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصها، وفيما وفقهم له من السابقة مع نبيهم صلى الله عليه وسلم ومهما ذكرتموهما به، فقد بدأتم بأمكم عائشة، فإن أبى آب أن تكون له أما، نبذ اسم الإيمان عنه، وقد قال جل ذكره: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " . فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه.
وكتب بعد ذلك نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن الزبير يدعوه إلى أمره: أما بعد، فإني أحذرك من الله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، " ويحذركم الله نفسه " . فاتق الله ربك ولا تتول الظالمين فإن الله يقول: " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " . وقال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء " . وقد حضرت عثمان يوم قتل، فلعمري لئن كان قتل مظلوما لقد كفر قاتلوه وخاذلوه، وإن كان قاتلوه مهتدين، وإنهم لمهتدون، لقد كفر من تولاه ونصره. ولقد علمت أن أباك وطلحة وعليا كانوا أشد الناس عليه، وكانوا في أمره بين قاتل وخاذل، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولاية قاتل متعمد ومقتول في دين واحد، ولقد ملك على بعده فنفي الشبهات، وأقام الحدود، وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثم خلعا بيعته ظالمين له، وإن القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس رحمه الله: إن يكن علي في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمنا لقد كفرتم بقتال المؤمنين وائمة العدل، وإن كان كافرا كما زعمتم، وفي الحكم جائرا، فقد بؤتم بغضب من الله لفراركم من الزحف. ولقد كنت له عدوا، ولسيرته عائبا، فكيف توليته بعد موته.

(1/219)

وكتب نجدة وكان من الصفرية القعدية إلى نافع بن الأزرق، لما بلغه عنه استعراضه للناس، وقتله الأطفال، واستحلاله الأمانة: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله عليه وسلم، أما بعد، فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ البر، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم، " كذلك كنت أنت وأصحابك، أما تذكر قولك: لولا أني أعلم أن للإمام العاذل مثل أجر جميع رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين " فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من الحق فصه، " وركبت مرة " تجرد لك الشيطان، فلم يكن أحد أثقل وطأة عليه منك ومن أصحابك، فاستمالك واستغواك، فعويت وأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق، ووعده الصدق: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله " ثم سماهم أحسن الأسماء فقال: " ما على المحسنين من سبيل " . ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم، وقال جل ثناؤه: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " . وقال في القعد خيرا، وفضل الله من جاهد عليهم، ولا يدفع منزلة أكثر الناس عملا منزلة من هو دونه، إلا إذا اشتركا في أصل، أو ما سمعت قوله تبارك وتعالى: " لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله " فجعلهم الله من المؤمنين، وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم، ورأيت من رأيك أن لا تؤدي الأمانة إلى من يخالفك، والله يأمرك أن تؤدي الأمانات إلى أهلها، فإتق الله وانظر لنفسك، واتق يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، فإن الله بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل، والسلام.
فكتب إليه نافع بن الأزرق: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فقد أتاني كتابك تعظني فيه وتذكرني، وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنت عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب، وأنا أسأل الله أن يجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وعبت على ما دنت به من إكفار القعد، وقتل الأطفال، واستحلال الأمانة؛ وسأفسر لك " لم " ذلك إن شاء الله: أما هؤلاء القعد فليسوا كمن ذكرت ممن كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلا، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا؛ وهؤلاء قد فقهوا في الدين، وقرءوا القرآن؛ والطريق لهم نهج واضح؛ وقد عرفت ما يقول الله فيمن كان مثلهم إذ قال: " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم. قالوا كنا مستضعفين في الأرض. قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " . وقال: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وقال: " وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم. وقعد الذين كذبوا الله ورسوله " " فخبر بتعذيرهم وأنهم كذبوا الله ورسوله " . وقال: " سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم " فانظر إلى أسمائهم وسماتهم.
وأما أمر الأطفال فإن نبي الله نوحا كان أعرف بالله يا نجدة مني ومنك قال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " ، فسماهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يولدوا، فكيف جاز ذلك في قوم نوح ولا يجوز في قومنا؟ والله يقول: " أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر " . وهؤلاء كمشركي العرب لا تقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:40 pm

وأما استحلال الأمانات ممن خالفنا، فإن الله عز وجل أحل لنا أموالهم، كما أحل لنا دماءهم، فدماؤهم حلال طلق، وأموالهم فيء للمسلمين، فاتق الله وراجع نفسك، فإنه لا عذر لك إلا بالتوبة، ولا يسعك خذلاننا، والقعود دوننا، " وترك ما نهجناه لك من طريقتنا ومقالتنا " ، والسلام على من أقر بالحق وعمل به.
وكان مرداس أبو بلال من الخوارج وكان مستترا، فلما رأى جد ابن زياد في قتل الخوارج وحبسهم، قال لأصحابه: إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم! مجانبين للعدل؛ مفارقين للعقل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا لا نبتدئهم ولا نجرد سيفا ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع عليه أصحابه، وهم ثلاثون رجلا، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريث بن حجل، فأبى، فولوا أمرهم مرداسا أبا بلال. فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري، وكان له صديقا، فقال له: يا أخي، أين تريد؟ قال: أريد أن أهرب بديني ودين أصحابي هؤلاء من أحكام هؤلاء الجورة والظلمة؛ فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا؟ قال: فارجع؛ قال أو تخاف علي مكروها؟ قال: نعم، " وأن يؤتى بك " ؛ قال: فلا تخف، فإني لا أجرد سيفا، ولا أخيف أحدا، ولا أقاتل إلا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل آسك، وهو موضع دون خراسان، فمر به مال يحمل إلى ابن زياد، وقد بلغ أصحابه أربعين رجلا، فحط ذلك المال، وأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، ورد الباقي على الرسل، فقال: قولوا لصاحبكم إنا قبضنا أعطياتنا؛ فقال بعض أصحابه: فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة، فلا نقاتلهم.
ولأبي بلال مرداس هذا أشعار في الخروج، منها قوله:
أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ... ومن خاض في تلك الحروب المهالكا
أحب بقاء أو أرجي سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا
فيا رب سلم نيتي وبصيرتي ... وهب لي التقى حتى ألاقي أولئكا
وقالوا: إن رجلا من أصحاب زياد، قال: خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بمرداس وأصحابه، وهم أربعون رجلا، فقال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ قلنا: لا، إنما نريد خراسان؛ قال: فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروع أحدا، ولكن هربنا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من قاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، ثم قال: أندب لنا أحد؟ فقلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي، قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا له: يوم كذا وكذا؛ فقال أبو بلال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وندب عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة الكلابي ووجهه إليهم في ألفين، فلما صار إليهم صاح به أبو بلال: اتق الله يا أسلم، فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجز مالا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد؟ قال: إذا يقتلنا؛ قال: وإن قتلكم؛ قال: أفتشركه في دمائنا؟ قال: نعم، إنه محق وأنتم مبطلون؛ قال أبو بلال: وكيف هو محق وهو فاجر يطيع الظلمة. ثم حملوا عليه حملة رجل واحد، فانهزم هو وأصحابه. فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضبا شديدا، وقال: انهزمت وأنت في ألفين عن أربعين رجلا! قال له أسلم: والله لأن تذمني حيا أحب إلي من أن تحمدني ميتا. وكان إذا خرج إلى السوق ومر بالصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك؟ حتى شكا إلى ابن زياد، فأمر الشرط أن يكفوا الناس عنه.
رد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على شوذب الخارجي

(1/221)

الهيثم بن عدي قال: أخبرنى عوانة بن الحكم عن محمد بن الزبير قال: بعثني عمر بن عبد العزيز مع عون بن عبد الله بن مسعود إلى شوذب الخارجي وأصحابه إذ خرجوا بالجزيرة، وكتب معنا كتابا، فقدمنا عليهم ودفعنا كتابه إليهم، فبعثوا معنا رجلا من بني شيبان ورجلا فيه حبشية يقال له شوذب. فقدما معنا على عمر وهو بخناصرة، فصعدنا إليه، وكان في غرفة ومعه ابنه عبد الملك وحاجبه مزاحم، فأخبرناه بمكان الخارجيين؟ فقال عمر: فتشوهما لا يكن معهما حديد وأدخلوهما، فلما دخلا قالا: السلام عليكم، ثم جلسا؛ فقال لهما عمر: أخبراني ما الذي أخرجكم عن حكمي هذا وما نقمتم علي؟ فتكلم الأسود منهما، فقال: إنا والله ما نقمنا عليك في سيرتك، وتحريك العدل والإحسان إلى من وليت، ولكن بيننا وبينك أمرا إن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك؟ قال عمر: ما هو؟ قالا: رأيناك خالفت أهل بيتك وسميتها مظالم وسلكت غير طريقهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلال فالعنهم وابرأ منهم؛ فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق. فتكلم عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني قد علمت أو ظننت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب الدنيا ومتاعها، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها، وإني سائلكما عن أمر، فبالله اصدقاني فيه مبلغ علمكما؛ قالا: نعم؟ قال: أخبراني عن أبي بكر وعمر، أليسا من أسلافكما، ومن تتوليان وتشهدان لهما بالنجاة؟ قالا: اللهم نعم؛ قال: فهل علمتما أن أبا بكر حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم له فارتدت العرب قاتلهم فسفك الدماء وأخذ الأموال وسبى الذراري؟ قالا: نعم؛ قال: فهل علمتم أن عمر قام بعد أبي بكر فرد تلك السبايا إلى عشائرها؟ قالا: نعم؟ قال: فهل برىء عمر من أبي بكر أو تبرءون أنتم من أحد منهما؟ قالا: لا، قال: فأخبراني عن أهل النهروان، أليسوا من صالحي أسلافكم وممن تشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: نعم؛ قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا كفوا أيديهم، فلم يسفكوا دما، ولم يخيفوا آمنا، ولم يأخذوا مالا؟ قالا: نعم؛ قال: فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا مع مسعر بن فديك استعرضوا الناس، يقتلونهم، ولفوا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم قتلوا النساء والأطفال، حتى جعلوا يلقونهم في قدور الأقط وهي تفور؟ قالا: قد كان ذلك؛ قال: فهل برىء أهل الكوفة من أهل البصرة؟ قالا: لا، قال: فهل تبرءون أنتم من إحدى الفئتين؟ قالا: لا؛ قال: أفرأيتم الدين، إليس هو واحد، أم الدين اثنان؟ قالا: بل واحدة قال: فهل يسعكم منه شيء يعجزني؟ قالا: لا؟ قال؛ فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر وتولى كل واحد منهما صاحبه، وتوليتم أهل الكوفة والبصرة وتولى بعضهم بعضا، وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: الدماء والفروج والأموال؛ ولا يسعني إلا لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم؟ أو رأيت لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها؟ فإن كان ذلك فمتى عهدك بلعن فرعون، وقد قال: أنا ربكم الأعلى؟ قال: ما أذكر أني لعنته؛ قال: ويحك! أيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق، ولا يسعني إلا أن ألعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحكم! إنكم قوم جهال أردتم أمرا فأخطأتموه، فأنتم تردون على الناس ما قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه الله إليهم وهم عبدة أوثان، فدعاهم إلا أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فمن قال ذلك حقن بذلك دمه، وأحرز ماله، ووجبت حرمته، وأمن به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسوة المسلمين، وكان حسابه على الله، أفلستم تلقون من خلع الأوثان، ورفض الأديان، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله تستحلون دمه وماله، ويلعن عندكم، ومن ترك ذلك وأباه من اليهود والنصارى وأهل الأديان فتحرمون دمه وماله " ويأمن عندكم " ؛ فقال الأسود: ما سمعت كاليوم أحدا أبين

(1/222)

حجة، ولا أقرب مأخذا، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأني بريء ممن برىء منك. فقال عمر لصاحبه: يا أخا بني شيبان، ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما قلت ووصفت، غير أني لا أفتات على الناس بأمر حتى ألقاهم بما ذكرت وأنظر ما حجتهم؛ قال: أنت وذاك. فأقام الحبشي مع عمر، وأمر له بالعطاء فلم يلبث أن مات، ولحق الشيباني بأصحابه، فقتل معهم بعد وفاة عمر " رضي الله عنه " .حجة، ولا أقرب مأخذا، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأني بريء ممن برىء منك. فقال عمر لصاحبه: يا أخا بني شيبان، ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما قلت ووصفت، غير أني لا أفتات على الناس بأمر حتى ألقاهم بما ذكرت وأنظر ما حجتهم؛ قال: أنت وذاك. فأقام الحبشي مع عمر، وأمر له بالعطاء فلم يلبث أن مات، ولحق الشيباني بأصحابه، فقتل معهم بعد وفاة عمر " رضي الله عنه " .
القول في أصاب الأهواء
وذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا فضله وشدة اجتهاده في العبادة. فبينما هم في ذكره حتى طلع عليهم الرجل، فقالوا: يا رسول الله، هو هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إني أرى بين عينيه سفعة من الشيطان، فأقبل الرجل حتى وقف فسلم عليهم، فقال: هل حدثتك نفسك إذ طلعت علينا أنه ليس في القوم أحسن منك؟ قال نعم، ثم ذهب إلى المسجد فصف بين قدميه يصلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيكم يقوم إليه فيقتله؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقام إليه فوجده يصلي فهابه فانصرف؛ فقال: ما صنعت؟ قال وجدته يصلي يا رسول الله فهبته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيكم يقوم إليه فيقتله؟ قال عمر: أنا يا رسول الله. فقام إليه فوجده يصلي فهابه فانصرف، فقال: يا رسول الله، وجدته يصلي فهبته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يقوم إليه فيقتله؟ فقال علي: أنا يا رسول الله؟ قال: أنت له إن أدركته. فقام إليه فوجده قد انصرف. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا أول قرن يطلع في أمتي، لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان، إن بني إسرائيل افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي الجماعة.
الرافضة
إنما قيل لهم رافضة، لأنهم رفضوا أبا بكر وعمر ولم يرفضهما أحد من أهل الأهواء غيرهم، والشيعة دونهم، وهم الذين يفضلون عليا على عثمان، ويتولون أبا بكر وعمر. فأما الرافضة فلها غلو شديد في علي، ذهب بعضهم مذهب النصارى في المسيح، وهم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، عليهم لعنة الله، وفيهم يقول السيد الحميري:
قوم غلوا في علي لا أبالهم ... وأجشموا أنفسا في حبه تعبا
قالوا هو الله، جل الله خالقنا ... من أن يكون ابن شيء أو يكون أبا
وقد أحرقهم علي رضي الله عنه بالنار.
ومن الروافض: المغيرة بن سعد مولى بجيلة. قال الأعمش: دخلت على المغيرة بن سعد، فسألته عن فضائل علي؛ فقال: إنك لا تحتملها؛ قلت: بلى. فذكر آدم صلوات الله عليه، فقال: علي خير منه، ثم ذكر من دونه من الأنبياء، فقال علي خير منهم، حتى انتهى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: علي مثله، فقلت: كذبت، عليك لعنة الله؛ قال: قد أعلمتك أنك لا تحتملها.
ومن الروافض: من يزعم أن عليا رضي الله عنه في السحاب، فإذا أطلت عليهم سحابة قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن. وقد ذكرهم الشاعر فقال:
برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليا ... يردون السلام على السحاب
ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حقا ... به أرجو غدا حسن الثواب

(1/223)

وهؤلاء من الرافضة يقال لهم: المنصورية. وهم أصحاب أبي منصور الكسف، وإنما سمي الكسف لأنه كان يتأول قي قول الله عز وجل: " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " ، فالكسف علي وهو في السحاب.
وكان المغيرة بن سعد من السبئية الذين أحرقهم علي رضي الله تعالى عنه بالنار، وكان يقول: لو شاء علي لأحيا عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا. " وقد " خرج " على " خالد بن عبد الله، فقتل خالد وصلبه بواسط عند قنطرة العاشر.
ومن الروافض كثير عزة الشاعر. ولما حضرته الوفاة، دعا ابنة أخ له، فقال: يا بنت أخي، إن عمك كان يحب هذا الرجل فأحبيه - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - فقالت: نصيحتك يا عم مردودة عليك، أحبه والله خلاف الحب الذي أحببته أنت؛ فقال لها: برئت منك، وأنشد يقول:
برئت إلى الإله من ابن أروى ... ومن قول الخوارج أجمعينا
ومن عمر برئت ومن عتيق ... غداة دعي أمير المؤمنينا
ابن أروى: عثمان.
والروافض كلها تؤمن بالرجعة، وتقول: لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي، وهو محمد بن علي، فيملؤها عدلا كما ملئت جورا، ويحيى لهم موتاهم فيرجعون إلى الدنيا، ويكون الناس أمة واحدة. وفي ذلك يقول الشاعر:
ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة العدل أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء
أراد بالأسباط الثلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وهو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان.
ومن الروافض: السيد الحميري، وكان يلقى له وسائد في مسجد الكوفة يجلس عليها، وكان يؤمن بالرجعة، وفي ذلك يقول:
إذا ما المرء شاب له قذال ... وعلله المواشط بالخضاب
فقد ذهبت بشاشته وأودى ... فقم بأبيك فابك على الشباب
فليس بعائد ما فات منه ... إلى أحد إلى يوم المآب
إلى يوم يؤوب الناس فيه ... إلى دنياهم قبل الحساب
أدين بأن ذاك كذاك حقا ... وما أنا في النشور بذي ارتياب
لأن الله خبر عن رجال ... حيوا من بعد دس في التراب
وقال يرثي أخاه:
يابن أمي فدتك نفسي ومالي ... كنت ركني ومفزعي وجمالي
ولعمري لئن تركتك ميتا ... رهن رمس ضنك عليك مهال
لوشيكا ألقاك حيا صحيحا ... سامعا مبصرا على خير حال
قد بعثتم من القبور فأبتم ... بعد ما رفت العظام البوالي
أو كسبعين وافدا مع موسى ... عاينوا هائلا من الأهوال
حين راموا من خبثهم رؤية الله ... وأنى برؤية المتعالي
فرماهم بصعقة أحرقتهم ... ثم أحياهم شديد المحال
دخل رجل من الحسبانية على المأمون، فقال: لثمامة بن أشرس كلمه؟ فقال له: ما تقول وما مذهبك؟ فقال: أقول إن الأشياء كلها على التوهم والحسبان، وإنما يدرك منها الناس على قدر عقولهم، ولا حتى في الحقيقة. فقام إليه ثمامة، فلطمه لطمة سودت وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين، يفعل بي مثل هذا في مجلسك! فقال له ثمامة: وما فعلت بك؟ قال: لطمتني، قال: ولعل إنما دهنتك بالبان، ثم أنشأ يقول:
ولعل آدم أمنا ... والأب حوا في الحساب
ولعل ما أبصرت من ... بيض الطيور هو الغراب
وعساك حين قعدت قم ... ت وحين جئت هو الذهاب
وعسى البنفسج زئبقا ... وعسى البهار هو السذاب
وعساك تأكل من خرا ... ك وأنت تحسبه الكباب

(1/224)

ومن حديث ابن أبي شيبة أن عبد الله بن شداد قال: قال لي عبد الله بن عباس: لأخبرنك بأعجب شيء: قرع اليوم علي الباب رجل لما وضعت ثيابي للظهيرة، فقلت: ما أتى به في مثل هذا الحين إلا أمر مهم، أدخله. فلما دخل قال: متى يبعث ذلك الرجل؟ قلت: أي رجل؟ قال: علي بن أبي طالب؟ قلت: لا يبعث حتى يبعث الله من في القبور، قال: وإنك لتقول بقول هذه الجهلة! قلت: أخرجوه عني لعنه الله.
ومن الروافض الكيسانية، قلت: وهم أصحاب المختار بن أبي عبيد، ويقولون إن اسمه كيسان.
ومن الرافضة الحسينية، وهم أصحاب إبراهيم بن الاشتر، وكانوا يطوفون بالليل في أزقة الكوفة وينادون: يا ثارات الحسين؛ فقيل لهم: الحسينية.
ومن الرافضة الغرابية: سميت بذلك لقولهم: علي أشبه بالنبي من الغراب بالغراب.
ومن الرافضة: الزيدية، وهم أصحاب زيد بن علي المقتول بخراسان، وهم أقل الرافضة غلوا، غير أنهم يرون الخروج مع كل من خرج.
مالك بن معاوية قال: قال لي الشعبي، وذكرنا الرافضة: يا مالك، لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا وأن يملئوا بيتي ذهبا علي على أن أكذب لهم على علي كذبة واحدة لقبلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدا، يا مالك، إني درست الأهواء كلها فلم أر قوما أحمق من الرافضة، فلو كانوا من الدواب لكانوا حميرا، أو كانوا من الطير لكانوا رخما. ثم قال: أحذرك الأهواء المضلة شرها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام، كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتا لأهل الإسلام وبغيا عليهم، وقد أحرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم: عبد الله بن سبأ، نفاه إلى ساباط، وعبد الله بن سباب، نفاه إلى الجازر، وأبو الكروس، وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود، قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالب، وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر، وينادي مناد من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي، وينزل سبب من السماء، واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة، واليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئا، وكذا الرافضة واليهود لا ترى على النساء عدة وكذلك الرافضة، واليهود تستحل دم كل مسلم، وكذلك الرافضة، واليهود حرفوا التوراة وكذلك الرافضة حرفت القران، واليهود تبغض جبريل وتقول: هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب، واليهود لا تأكل لحم الجزور، وكذلك الرافضة. ولليهود والئصارى فضيلة على الرافضة في خصلتين، سئل اليهود من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمرهم الله بالاستغفار لهم فشتموهم، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة، لا تثبت لهم قدم، ولا تقوم لهم راية، ولا تجمع لهم كلمة، دعوتهم مدحورة، وكلمتهم، مختلفة، وجمعهم مفرق، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله.
وذكرت الرافضة يوما عند الشعبي فقال: لقد بغضوا إلينا حديث علي بن أبي طالب.
وقال الشعبي: ما شبهت تأويل الروافض في القرآن إلا بتأويل رجل مضعوف من بني مخزوم من أهل مكة وجدته قاعدا بفناء الكعبة، فقال يا شعبي: ما عندك في تأويل هذا البيت؟ فإن بني تميم يغلطون فيه ويزعمون أنه إنما قيل في رجل منهم، وهو قول الشاعر:
بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:41 pm

فقلت له: وما عندك أنت فيه؟ قال: البيت هو هذا البيت، وأشار بيده إلى الكعبة، وزرارة الحجر، زرر حول البيت؟ فقلت له: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء؟ قلت: فأبو الفوارس؟ قال: هو أبو قبيس جبل مكة؟ قلت: فنهشل؟ ففكر فيه طويلا ثم قال: أصبته، هو مصباح الكعبة طويل أسود، وهو النهشل.
قولهم في الشيعة
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: أخبرني رجل من رؤساء التجار قال: كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الإطراق، وكان إذا ذكر له الشيعة غضب واربد وجهه وزوى من جاجبيه، فقلت له يوما: يرحمك الله، ما الذي تكرهه من الشيعة فإني رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال: ما أكره منهم إلا هذه الشين في أول اسمهم، فإني لم أجدها قط إلا في كل شر وشؤم وشيطان وشغب وشقاء وشنار وشرر وشين وشوك وشكوى وشهوة وشتم وشح. قال أبو عثمان: فما ثبت لشيعي بعدها قائمة.
باب من كلام المتكلمين
دخل الموبذ على هشام بن الحكم، والموبذ هو عالم الفرس، فقال له: يا هشام: حول الدنيا شيء؟ قال: لا؛ قال: فإن اخرجت يدي فثم شيء يردها؟ قال هشام: ليس ثم شيء يردها ولا شيء تخرج يدك فيه؛ قال: فكيف أعلم هذا؟ قال له يا موبذ، أنا وأنت على طرف الدنيا فقلت لك يا موبذ. إني لا أرى شيئا، فقلت لي: ولم لا ترى؟ فقلت لك: ليس هاهنا ظلام يمنعني، قلت لي أنت: يا هشام، إني لا أرى شيئا، فقلت لك: ولم لا ترى؟ قلت: ليس ضياء أنظر به، فهل تكافأت الملتان في التناقض؟ قال: نعم؛ قال: فإذا تكافأتا في التناقض لم تتكافآ في الإبطال أن ليس شيء؟ فأشار الموبذ بيده أن أصبت " .
قال رجل لبعض ولاة بني العباس: أنا أجعل هشام بن الحكم يقول في علي رضي الله عنه إنه ظالم " فقال: إن فعلت ذلك فلك كذا وكذا ثم أحضر هشام " فقال له نشدتك الله أبا محمد، أما تعلم أن عليا نازع العباس عند أبي بكر؟ قال: نعم؛ قال: فمن الظالم منهما؟ فكره أن يقول: العباس، فيواقع سخط الخليفة، أو يقول: علي فينقض أصله، قال: ما منهما ظالم؟ قال: فكيف يتنازع اثنان في شيء لا يكون أحدهما ظالما؟ قال: قد تنازع الملكان عند داود عليه السلام وما فيهما ظالم، ولكن لينبها داود على الخطيئة، وكذلك هذان أرادا تنبيه أبي بكر من خطيئته، فأسكت الرجل، وأمر الخليفة لهشام بصلة عظيمة.
" دخل إبراهيم النظام على أبي الهذيل العلاف وقد أسن وبعد عهده بالمناظرة، وإبراهيم حدث السن، فقال: أخبرني عن قراركم: أن يكون جوهرا مخافة أن يكون حسما، فهل قررتم أن لا يكون جوهرا مخافة أن يكون عرضا، والعرض أضعف من الجوهر. فبصق أبو الهذيل في وجهه؟ فقال له إبراهيم: قبحك الله من شيخ! ما أضعف حجتك وأسفه حلمك.
قال: لقي جهم رجلا من اليونانيين فقال له: هل لك أن تكلمني وأكلمك عن معبودك هذا، أرأيته قط؟ قال: لا؟ قال: فلمسته؟ قال: لا؛ قال: فذقته؟ قال: لا؟ قال: فمن أين عرفته وأنت لم تدركه بحس من حواسك الخمس وإنما عقلك معبر عنها فلا يدرك إلا ما أوصلت إليه من جميع المعلومات. قال: فتلجلج جهم ساعة ثم استدرك فعكس المسألة عليه فقال له: ما تقر أن لك روحا؟ قال: نعم؛ قال: فهل رأيته أو ذقته أو سمعته أو شممته أو لمسته؟ قال: لا؛ قال: فكيف علمت أن لك روحا؟ فأقر له اليوناني.
باب في الحياء
قال النبي صلى الله عليه وسلم الحياء خير كله. الحياء شعبة من الإيمان.
وقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى يحب الحي الحليم المتعفف، ويكره البذىء السأل الملحف.
وقال عون بن عبد الله: الحياء والحلم والصمت من الإيمان.
وقال ابن عمر: الحياء والإيمان مقرونان جميعا، فإذا رفع أحدهما ارتفع الآخر معه.
وقال: مكتوب في التوراة: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء. وقال: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه.

(1/226)

وذكر أعرابي رجلا حيا فقال: لا تراه الدهر إلا وكأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، وإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء.
لليلى الأخيلية:
فتى هو أحيا من فتاة حيية ... وأشجع من ليث بخفان خادر
ولابن قيس أيضا:
تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر
وقال الشعبي: تعاشر الناس فيما بينهم زمانا بالدين والتقوى، ثم رفع ذلك فتعاشروا بالحياء والتذمم، ثم رفع ذلك، فما يتعاشر الناس إلا بالرغبة والرهبة، وسيجىء ما هو شرمن ذلك.
وقيل: الحياء يزيد في النبل.
ولبعضهم:
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
وقال آخر:
إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء
ولم يك للدواء ولا لشيء ... تعالجه به فيه غناء
ورث قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان. وقد قيل:
ارفع حياءك فيما جئت طالبه ... إن لحياء مع الحرمان مقرون
وفي المثل: كثرة الحياء من التخنث.
قال الحسن: من استتر بالحياء لبس الجهل سرباله، فقطعوا سرابيل الحياء، فإنه من رق وجهه رق علمه.
وصف رجل الحياء عند الأحنف فقال: إن الحياء " ليتتم " لمقدار من المقادير، فما زاد على ذلك فسمه بما أحببت.
وقال بعضهم:
إن الحياء مع الحرمان مقترن ... كذاك قال أمير المؤمنين علي
واعلم بأن من التخنيث أكثره ... فارفعه في طلب الحاجات والأمل
وللشماخ:
أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم باد علي مراضها
ولابن أبي حازم:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وعن شتم ذي القربى خلائق أربع
حياء وإسلام وتقوى وأنني كريم ... ومثلي قد يضر وينفع
وقال آخر:
إذا حرم المرء الحياء فإنه ... بكل قبيح كان منه جدير
له قحة في كل أمر وسره ... مباح وجدواه جفا وغرور
يرى الشتم مدحا والدناءة رفعة ... وللسمع منه في العظات نفور
فرج الفتى ما دام حيا فإنه ... إلى خير حالات المنيب يصير "
باب جامع الآداب
أدب الله لنبيه
صلى الله عليه وسلم

(1/227)

قال أبو عمر أحمد ببن محمد: أول ما نبدأ أدب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أدبه صلى الله عليه وسلم لأمته، ثم الحكماء والعلماء، وقد أدب الله نبيه بأحسن الآداب كلها، فقال له: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ببسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " . فنهاه عن التقتير كما نهاه عن التبذير، وأمره بتوسط الحالين، كما قال عز وجل: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " ، وقد جمع الله " تبارك و " تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم في كتابه المحككم، ونظم له مكارم الأخلاق كلها في ثلاث كلمات منه، فقال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " . ففي أخذه اللعفو صلة من قطعه، والصفح عمن ظلمه؛ وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وغض الطرف عن المحارم، وصون اللسان عن الكذب؛ وفي الإعراض عن الجاهلين تنزيه النفس عن مماراة السفيه، ومنازعة اللجوج. ثم أمره تبارك وتعالى فيما أدبه باللين في عريكته والرفق بأمته فقال: " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " . وقال: " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " . وقال تبارك وتعالى: " لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " . فلما وعى عن الله عز وجل وكملت فيه هذه الآداب، قال الله تبارك وتعالى: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليكم ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت عليه وهو رب العرش العظيم " .
باب أدب النبي لأمته
صلى الله عليه وسلم لأمته
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أدب به أمته وحضها عليه من مكارم الأخلاق وجميل المعاشرة وإصلاح ذات البين وصلة الأرحام: أوصاني ربي بتسع " وأنا " أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا تقعدوا على ظهور الطرق، فإن أبيتم فغضوا الأبصار، وأفشوا السلام، واهدوا الضال، وأعينوا الضعيف.
وقال صلى الله عليه وسلم: أوكوا السقاء، واكفئوإ الإناء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف الإناء.
وقال صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بشر الناس؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: من أكل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده. ثم قال: ألا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا. بلى يا رسول الله، قال: " من لا يقيل عزة ولا يقبل معذرة ثم قال؛ ألا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال: من يبغض الناس ويبغضونه.
وقال: حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلاء بالدعاء وقال: ما قل وكفي خير مما كثر وألهى.
وقال المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
وقال: اليد العليا خير من اليد السفلي.
" وقال " : وابدأ بمن تعول.
وقال: لا تجن يمينك على شمالك، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
وقال: المرء كثير بأخيه.
وقال: افصلوا بين حديثكم بالاستغفار، واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان.
وقال: أفضل الأصحاب من إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك.
وقال: لا يؤم ذو سلطان في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.

(1/228)

وقال صلى الله عليه وسلم: يقول ابن آدم مالي مالي، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو وهب فأمضى.
وقال: ستحرصون على الإمارة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
وقال: لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان.
وقال: لو تكاشفتم ما تدافنتم، وما هلك امرؤ عرف قدره.
وقال: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة واحدة، والناس كلهم سواء كأسنان المشط.
وقال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم.
وقال: خير المال سكة مأبورة، ومهرة مأمورة، وخير المال عين ساهرة لعين نائمة.
وقال في إناث الخيل: بطونها كنز وظهورها حرز.
وقال: ما أملق تاجر صدوق، وما أقفر بيت فيه خل.
وقال: قيدوا العلم بالكتابة.
وقال: زر غبا تزدد حبا.
وقال: علق سوطك حيث يراه أهلك.
باب في آداب الحكماء والعلماء
فضيلة الأدب أوصى بعض الحكماء بنيه فقال: الأدب أكرم الجواهر طبيعة، وأنفسها قيمة، يرفع الأحساب الوضيعة، ويفيد الرغائب الجليله، ويعز بلا عشيرة، ويكثر الأنصار بغير رزية، فالبسوه حلة، وتزينوه حلية، يؤنسكم في الوحشة، ويجمع لكم القلوب المختلفة.
ومن كلام علي عليه السلام: فيما يروى عنه أنه قال: من حلم ساد، ومن ساد استفاد، ومن استحيا حرم، ومن هاب خاب، ومن طلب الرآسة صبر على السياسة؛ ومن أبصر عيب نفسه عمي عن عيب غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتقر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن نسى زلته استعظم زلة غيره، ومن هتك حجاب غيره انهتكت عورات بيته، ومن كابر في الأمور عطب، ومن اقتحم اللجج غرق، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تجبر على الناس ذل، ومن تعمق في العمل مل؛ ومن صاحب الأنذال حقر، ومن جالس العلماء وقر؛ ومن دخل مداخل السوء اتهم؛ ومن حسن خلقه، سهلت له طرقه؛ ومن حسن كلامه، كانت الهيبة أمامه؛ ومن خشي الله فاز؛ ومن استقاد الجهل، ترك طريق العدل؛ ومن عرف أجله، قصر أمله؛ ثم أنشأ يقول:
البس أخاك على عيوبه ... واستر وغط على ذنوبه
واصبر على بهت السفيه ... وللزمان على خطوبه
ودع الجواب تفضلا ... وكل الظلوم إلى حسيبه
وقال شبيب بن شيبة: اطلبوا الأدب فإنه مادة للعقل؛ ودليل على المروءة، وصاحب في الغربة، ومؤنس في الوحشة، وحلية في المجلس، " ويجمع لكم القلوب المختلفة " .
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: عليكم بطلب الأدب فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا.
وقال بعض الحكماء: اعلم أن جاها بالمال إنما يصحبك ما صحبك المال، وجاها بالأدب غير زائل عنك.
وقال ابن المقفع: إذا أكرمك الناس لمال أو لسلطان فلا يعجبك ذلك، فإن الكرامة تزول بزوالهما، ولكن ليعجبك إذا أكرموك لدين أو أدب.
وقال الأحنف بن قيس: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع، ولا في صدق إلا بنيه.
وقال مصقلة الزبيري: لا يستغني الأديب عن ثلاثة واثنن؛ فأما الثلاثة: فالبلاغة والفصاحة وحسن العبارة، وأما الاثنان، فالعلم بالأثر والحفظ للخبر.
وقالوا: الحسب محتاج إلى الأدب، والمعرفة محتاجة إلى التجربة.
وقال بزرجمهر: ما ورث الآباء الابناء شيئا خيرا من الأدب، لأن بالأدب يكسبون المال، وبالجهل يتلفونه وقال الفضيل بن عياض: رأس الأدب معرفة الرجل قدره.
وقالوا: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتوفيق خير قائد.
وقال سفيان الثوري: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه.

(1/229)

وقال أنو شروان للموبذ، وهو العالم " بالفارسية " : ما كان أفضل الأشياء؟ قال: الطبيعة النقية تكتفي من الأدب بالرائحة، ومن العلم بالإشارة، وكلما يموت البذر في السباخ، كذلك تموت الحكمة بموت الطبيعة، قال له: صدقت، ونحن لهذا قلدناك ما قلدناك.
وقيل لاردشير: الأدب أغلب أم الطبيعة؟ فقال: الأدب زيادة في العقل، ومنبهة للرأي، ومكسبة للصواب، والطبيعة أملك، لأن بها الاعتقاد، ونماء الغراسة، وتمام الغذاء.
وقيل لبعض الحكماء: أي أعون للعقل بعد الطبيعة المولودة؟ قال: أدب مكتسب.
وقالوا: الأدب أدبان: أدب الغريزة وهو الأصل، وأدب الرواية وهو الفرع، ولا يتفرع شيء إلا عن أصله، ولا ينمى الأصل إلا باتصال المادة.
وقال الشاعر:
" ولم أر فرعا طال إلا بأصله ... ولم أر بدء العلم إلا تعلما
وقال حبيب " :
وما السيف إلا زبرة لو تركته ... على الحالة الأولى لما كان يقطع
وقال آخر:
ما وهب الله لامرىء هبة ... أفضل من عقله ومن أدبه
هما حياة الفتى فإن فقدا ... فإن فقد الحياة أحسن به
وقال ابن عباس: كفاك من علم الدين أن تعرف مالا يسعك جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثالل.
قال ابن قتيبة: إذا أردت أن تكون " عالما فاطلب فنا واحدا؛ وإذ أردت أن " تكون أديبا فتفنن في العلوم.
وقالت الحكماء: إذا كان الرجل طاهر الأثواب، كثير الآداب، حسن المذهب، تأدب بأدبه وصلح لصلاحه جميع أهله وولده. قال الشاعر:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويفسدهم رب الفساد إذا فسد
يعظم في الدنيا لفضل صلاحه ... وحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وسئل ديوجانس: أي الخصال أحمد عاقبة؟ قال: الإيمان بالله عز وجل، وبر الوالدين، ومحبة العلماء، وقبول الأدب.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لا أدب له لا عقل له.
وقالوا: الأدب يزيد العاقل فضلا ونباهة، ويفيده رقة وظرفا.
في رقة الأدب قال أبو بكر بن أبي شيبة: قيل للعباس بن عبد المطلب: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو أكبر مني وأنا أسن منه.
وقيل لأبي وائل: أيكما أكبر، أنت أم الربيع بن خثيم؟ قال: أنا أكبر منه سنا، وهو أكبر مني عقلا.
وقال أبان بن عثمان لطويس المغنى: أنا أكبر أم أنت؟ قال: جعلت فداك، لقد شهدت زفاف أمك المباركة " على أبيك الطيب. انظر إلى حذقه ورقة أدبه كيف لم يقل أمك الطيبة إلى أبيك المبارك " .
وقيل لعمر بن ذر: كيف بر ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقى علية وأنا تحته.
ومن حديث عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبجل أحدا تبجيله لعمه العباس.
وكان عمر وعثمان إذا لقيا العباس نزلا إعظاما له، إذا كانا راكبين.
الرياشي عن الأصمعي قال: قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: هذا منزلك؟ وقد تقدم هذا الخبر في الخبر الذي فيه مخاطبة الملوك، وكذلك قول الحجاج للشعبي: كم عطاؤك؟ ومن قولنا في رقة الأدب:
أدب كمثل الماء لو أفرغته ... يوما لسال كما يسيل الماء
أحمد بن بي طاهر قال: قلت لعلي بن يحيى، ما رأيت أكمل أدبا منك؛ قال: كيف لو رأيت إسحاق بن إبراهيم؟ فقلت ذلك لإسحاق بن إبراهيم؛ قال: كيف لو رأيت إبراهيم بن المهدي؟ فقلت ذلك لإبراهيم؛ فقال: كيف لو رأيت جعفر بن يحيى؟

(1/230)

وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: قال لي رجاء بن حيوة: ما رأيت أكرم أدبا ولا أكرم عشرة من أبيك، سمرت عنده ليلة، فبينا نحن كذلك إذ عشى المصباح ونام الغلام، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد عشى المصباح ونام الغلام، فلو أذنت لي أصلحته، فقال: إنه ليس من مروءة الرجل أن يستخدم ضيفه، ثم حط رداءه عن منكبيه، وقام إلى الدبة فصب من الزيت في المصباح وأشخص الفتيلة، ثم رجع " وأخذ رداءه وقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر.
العتبي عن أبيه قال: صوت رجل عند عمر بن الخطاب في المسجد، فلما كانت الصلاة قال عمر: عزمت على صاحب الصوت إلا قم فتوضأ " ؟ فلم يقم أحد. فقال جرير بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، اعزم علينا كلنا أن نقوم فنتوضأ؟ قال: صدقت، ولا علمتك إلا سيدا في الجاهلية، فقيها في الإسلام، قوموا فتوضئوا.
الرياشي عن الأصمعي قال: حدثني عثمان الشحام، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، قال: لبيك؛ قلت: أتقول لي لبيك؟ قال: إني أقولها لخادمي.
وقال الشاعر:
يا حبذا حين تمسى الريح باردة ... وادي أشي وفتيان به هضم
مخدمون كرام في مجالسهم ... وفي الرحال إذا جربتهم خدم
وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم
الأدب في الحديث والاستماع وقالت الحكماء: رأس الأدب كله حسن الفهم والتفهم والإصغاء للمتكلم.
وذكر الشعبي قوما فقال: ما رأيت مثلهم أسد تناوبا في مجلس، ولا أحسن فهما من محدث.
وقال الشعبي، فيما يصف به عبد الملك بن مروان: والله ما علمته إلا آخذا بثلاث، تاركا لثلاث آخذا بحسن الحديث إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، تاركا لمجاوبة اللئيم، ومماراة السفيه، ومنازعة اللجوج.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني، تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث، وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول، فاحذر أن تسرع في القول فيما تحب عنه الرجوع بالفعل، حتى يعلم الناس أنك على فعل ما لم تقل منك إلى قول ما لم تفعل.
وقالوا: من حسن الأدب أن لا تغالب أحدا على كلامه، وإذا سئل غيرك فلا تجب عنه، وإذا حدث بحديث فلا تنازعه إياه، ولا تقتحم عليه فيه، ولا تره أنك تعلمه، وإذا كلمت صاحبك فأخذته حجتك فحسن مخرج ذلك عليه، ولا تظهر الظفر به، وتعلم حسن الاستماع، كما تعلم حسن الكلام.
وقال الحسن البصري: حدثوا الناس ما أقبلوا عليكم بوجوههم.
وقال أبو عباد " الكاتب " : إذا أنكر المتكلم عين السامع فليسأله عن مقاطع حديثه، والسبب الذي أجري ذلك له؛ فإن وجده يقف على الحق أتم له الحديث، وإلا قطعه عنه وحرمه مؤانسته، وعرفه ما في سوء الاستماع من الفسولة والحرمان للفائدة.
الأدب في المجالسة ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقم الرجل " للرجل " عن مجلسه ولكن ليوسع له.
وكان عبد الله بن عمر إذا قام له الرجل عن مجلسه لم يجلس فيه؛ وقال: لا يقم أحد لأحد عن مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم.
أبو أمامة قال: خرج إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فقمنا إليه؛ فقال: لا تقوموا كما يقوم العجم لعظمائها. فما قام إليه أحد منا بعد ذلك.
ومن حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن خرجت عليكم وأنتم جلوس فلا يقومن أحد منكم في وجهي، وإن قمت فكما أنتم، وإن جلست فكما أنتم، فإن ذلك خلق من أخلاق المشركين.
وقال صلى الله عليه وسلم: الرجل أحق بصدر دابته وصدر مجلسه وصدر فراشه، ومن قام من مجلسه ورجع إليه فهو أحق به.
وقال صلى الله عليه وسلم: إذا جلس إليك أحد فلا تقم حتى تستأذنه وجلس رجل إلى الحسن بن علي عليهما الرضوان، فقال له: إنك جلست إلينا، ونحن نريد القيام؛ أفتأذن؟ وقال سعيد بن العاص: ما مددت رجلي قط بين يدي جليسي، ولا قمت " عن مجلسي " حتى يقوم.

(1/231)

وقال إبراهيم النخعي: إذا دخل أحدكم بيتا فليجلس حيث أجلسه أهله.
وطرح أبو قلابة لرجل جلس إليه وسادة فردها؟ فقال: أما سمعت الحديث؛ لا ترد على أخيك كرامته؟ وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لا يأبى الكرامة إلا حمار.
وقال سعيد بن العاص: لجليسي علي ثلاث: إذا دنا رحبت به، وإذا جلس وسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه. وقال: إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه.
الهيثم بن عدي " عن عامر الشعبي " قال: دخل الأحنف بن قيس على معاوية فأشار إليه إلى وسادة فلم يجلس عليها، فقال له: ما منعك يا أحنف أن تجلس على الوسادة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم ولده أن قال: لا تسع للسلطان حتى يملك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وسادة، واجعل! بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين.
وقال الحسن: " مجالسة الرجل من غير أن يسأل عن اسمه واسم أبيه مجالسة النوكى.
ولذلك قال شبيب بن شيبة لأبي جعفر، ولقيه في الطواف وهو لا يعرفه، فأعجبه حسن هيئته وسمته: أصلحك الله، إني أحب المعرفة، وأجلك عن المسألة؟ فقال: أنا فلان بن فلان.
قال زياد: ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو جلست فيه لكان لي؛ وترك ما لي أحب من أخذ ما ليس لي.
وقال: إياك وصدور المجالس وإن صدرك صاحبها، فإنها مجالس قلعة.
وقال " الشعبي " : لأن أدعي من بعد إلى قرب أحب إلي من أقصى من قرب إلى بعد.
وذكروا أنه كان يوما أبو السمراء عند عبد الله بن طاهر، وعنده إسحاق ابن إبراهيم، فاستدعى عبد الله إسحاق فناجاه بشيء، وطالت النجوى بينهما. قال: فاعترتني حيرة فيما بين القعود على ما هما عليه والقيام، حتى انقطع ما بينهما وتنحى إسحاق إلى موقفه، ونظر عبد الله إلي، " يا أبا السمراء "
إذا النجيان سرا عنك أمرهما ... فانزح بسمعك تجهل ما يقولان
ولا تحملهما ثقلا لخوفهما ... على تناجيهما بالمجلس الداني
فما رأيت أكرم منه، ولا أرفق أدبا، ترك مطالبتي في هفوتي بحق الأمراء، وأدبني أدب النظراء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى عليه أذى فليمطه عنه، وإذا أخذ أحدكم على أخيه شيئا فليقل: لا بك السوء، وصرف الله عنك السوء.
وقالوا: إذا اجتمعت حرمتان، أسقطت الكبرى الصغرى: وقال المهلب بن أبي صفرة: العيش كله في الجليس الممتع.
الأدب في المماشاة وجه هشام بن عبد الملك ابنه على الصائفة، ووجه معه ابن أخيه، وأوصى كل واحد منهما بصاحبه؛ فلما قدما عليه، قال لابن أخيه: كيف رأيت ابن عمك؟ فقال: إن شئت أجملت، وإن شئت فسرت؛ قال: بل أجمل؛ قال: عرضت بيننا جادة فتركها كل واحد منا لصاحبه فما ركبناها حتى رجعنا إليك.
وقال يحيى بن أكثم: ما شيت المأمون يوما من الأيام في بستان مؤنسة بنت المهدي، فكنت من الجانب الذي يستره من الشمس، فلما انتهى إلى آخره وأراد الرجوع، وأردت أن أدور إلى الجانب الذي يستره من الشمس، فقال: لا تفعل، ولكن كن بحالك حتى أسترك كما سترتني، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو قدرت أن أقيك حر النار لفعلت فكيف الشمس؟ فقال: ليس هذا من كرم الصحبة، ومشى ساترا لي من الشمس كما سترته.
وقيل لعمر بن ذر: كيف بر ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحا وأنا تحته.
وقيل لزياد: إنك تستخلص حارثة بن بدر وهو يواقع الشراب؛ فقال: وكيف لا أستخلصه وما سألته عن شيء قط إلا وجدت عنده منه علما، ولا استودعته سرا قط فضيعته، ولا راكبني قط فمست ركبتي ركبته.
محمد بن يزيد بن عمر بن عبد العزيز قال: خرجت مع موسى الهادي أمير المؤمنين من جرجان؛ فقال لي: إما أن تحملين، وإما أن أحملك، فعلمت ما أراد، فأنشدته أبيات ابن صرمة:

(1/232)

أوصيكم بالله أول وهلة ... وأحسابكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلا تحسدوهم ... وإن كنتم أهل السيادة فاعدلوا
وإن أنتم أعوزتم فتعففوا ... وإن كان فضل المال فيكم فأفضلوا
وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم ... فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا
وإن طلبوا عرفا فلا تحرموهم ... وما حملوكم في الملمات فاحملوا
قال: فأمر لي بعشرين ألف درهم.
وقيل: إن سعيد بن سلم راكب موسى الهادي، والحربة بيد عبد الله بن مالك، وكانت الريح تسفي التراب، وعبد الله يلحظ موضع مسير موسى، فيتكلف أن يسير على محاذاته، وإذا حاذاه ناله ذلك التراب، فلما طال ذلك عليه أقبل على سعيد بن سلم، فقال: أما ترى ما نلقى من هذا الخائن؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصر في الاجتهاد، ولكن حرم التوفيق.
باب السلام والإذن قال النبي صلى الله عليه وسلم: أطيبوا الكلام، وأفشوا السلام، وأطعموا الأيتام، وصلوا بالليل والناس نيام.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن أبخل الناس الذي يبخل بالسلام.
وأتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: عليك السلام يا رسول الله؛ فقال: لا تقل: عليك السلام، فإنها تحية الموتى، وقل: السلام عليك.
وقال صاحب حرس عمر بن عبد العزيز: خرج علينا عمر في يوم عيد وعليه قميص كتان وعمامة؛ على قلنسوة لاطئة، فقمنا إليه وسلمنا عليه؛ فقال: مه، أنا واحد وأنتم جماعة، السلام علي والرد عليكم. ثم سلم ورددنا عليه ومشى، فمشينا معه إلى المسجد.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: يسلم الماشي على القاعد، والراكب على الراجل، والصغير على الكبير.
ودخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبي يقرئك السلام؛ فقال: عليك وعلى أبيك السلام.
إبراهيم عن الأسود قال قال " لي " عبد الله بن مسعود: إذا لقيت عمر فاقرأ علية السلام قال: فلقيته فأقرأته السلام؛ فقال: عليك وعليه السلام.
دخل ميمون بن مهران على سليمان بن هشام، وهو والي الجزيرة، فقال: السلام عليكم؛ فقال له سليمان: ما منعك أن تسلم بالأمرة؟ فقال: إنما يسلم على الوالي بالإمرة إذا كان عنده الناس.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: كان الحسن وإبراهيم وميمون بن مهران يكرهون أن يقول الرجل: حياك الله حتى يقول السلام.
وسئل عبد الله بن عمر عن الرجل يدخل المسجد أو البيت ليس فيه أحد؛ قال يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ومر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام.
وقال رجل لعائشة " رضي الله عنها " : كيف أصبحت " يا أم المؤمنين " ؟ قالت: بنعمة من الله.
وقال رجل لشريح: كيف أصبحت؟ " قال: بنعمة " ومد إصبعه السبابة إلى السماء.
وقيل لمحمد بن وكيع: كيف أصبحت؟ " قال: أصبحت طويلا أملى، قصيرا أجلى، سيئا عملي.
وقيل لسفيان الثوري: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في دار حارت فيها الأدلاء.
واستأذن رجل من بني عامر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، وقل له يقول: السلام عليكم، أدخل؟ جابر بن عبد الله قال: استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من أنت؟ فقلت: أنا؛ قال: أنا أنا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الاستئذان ثلاثة، فإن أذن لك وإلا فارجع.
وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: الأولى إذن، والثانية مؤامرة، والثالثة عزيمة، إما أن يأذنوا وإما أن يردوا.
باب في تأديب الصغير
قالت الحكماء: من أدب ولده صغيرا سر به كبيرا.
وقالوا: اطبع الطن ما كان رطبا، واغمز العود ما كان لدنا.
وقالوا: من أدب ولده غم حاسده.
وقال ابن عباس: من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحب قال الشاعر:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:43 pm

إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقالوا: ما أشد فطام الكبير وأعسر رياضة الهرم.
قال الشاعر:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
وكتب شريح إلى معلم ولده:
ترك الصلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرجس
" فليأتينك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمس "
فإذا أتاك فعضه بملامة ... وعظته موعظة الأديب الكبس
فإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا بلغت بها ثلاثا فاحبس
واعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما تجرعني اعز الأنفس
وقال صالح بن عبد القدوس:
وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد له جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
وقال عمرو بن عتبة لمعلم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت. علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه؛ روهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم سنن الحكماء، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك.
باب في حب الولد
أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال: " يا أمير المؤمنين " ، ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا؛ ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم؛ يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك، ويحبوا وفاتك. فقال: لله أنت يا أحنف، لقد دخلت علي وإني لمملوء غضبا على يزيد فسللته من قلبي. فلما خرج الأحنف من عنده، بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فبعث يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب، شاطره إياها.
وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، حتى لامه الناس فيه، فقال:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وقال: إن ابني سالما ليحب حبا لو لم يخفه لم يعصه.
وكان يحيى بن اليمان يذهب بولده داود كل مذهب، حتى قال يوما: أئمة الحديث أربعة، كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم أنت يا داود. وقال تزوجت أم داود، فما كان عندنا شيء ألفه فيه، حتى اشتريت له كسوة بدانق.
وقال زيد بن علي لابنه: يا بني، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذرنيك، واعلم أن الآباء للأبناء من لم تدعه المودة إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.
وفي الحديث المرفوع: ريح الولد من ريح الجنة.
وفيه أيضا: الأولاد من ريحان الله.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بفاطمة: ريحانة أشمها ورزقها على الله.
ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: من هذه يا " أمير المؤمنين " ؟ فقال: هذه تفاحة القلب؛ فقال له: انبذوها عنك " يا أمير المؤمنين " فوالله إنهن ليلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل ذاك يا عمرو، فوالله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلهن، ورب ابن أخت قد نفع خاله.
وقال المعلي الطائي:
لولا بنيات كزغب القطا ... حططن من بعض إلى بعض

(1/234)

لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
إن هبت الريح على بعضهم ... لم تشبع العين من الغمض
وقال عبد الله بن أبي بكرة: موت الولد صدع في الكبد: لا ينجبر آخر الأبد.
ونظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رجل يحمل طفلا على عنقه، فقال: ما هذا منك؟ قال: ابني يا أمير المؤمنين، قالت: أما إنه إن عاش فتنك، وإن مات حزنك.
وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقص الحسين بن علي رضي الله عنهما وتقول:
إن بني شبه النبي ... ليس شبيها بعلي
وكان الزبير يرقص " ولده " عروة ويقول:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصديق
ألذه كما ألذ ريقي
وقال أعرابي وهو يرقص ولده:
أحبه حب الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر تم ناله
إذا يريد بذله بدالة وقال آخر وهو يرقص ولده:
أعرف منه قلة النعاس ... وخفة في رأسة من راسي
وكان رجل من طيء يقطع الطريق، فمات وترك بنيا رضيعا، فجعلت أمه ترقصه وتقول:
ياليته قد قطع الطريقا ... ولم يرد في أمره رفيقا
وقد أخاف الفج والمضيقا ... فقل أن كان به شفيقا
وقال عبد الملك بن مروان: أضر بنا في الوليد حبنا له فلم نؤدبه، وكأن الوليد أدبنا.
وقال هارون الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك " فلان " ؟ قال: مات فاستراح من الكتاب؛ قال أو بلغ منك الكتاب هذا المبلغ! والله لا حضرته أبدا، ووجهه إلى البادية، فتعلم الفصاحة، وكان أميا، وهو المعروف بابن ماردة.
وفي بعض الحديث أن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه كان من أغير الناس، فلما حضرته الوفاة، دخل عليه ملك الموت في صورة رجل أنكره فقال له؛ من أدخلك داري؟ قال الذي أسكنك فيها منذ كذا وكذا سنة؛ قال: ومن أنت، قال: أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك؟ قال: أتاركي أنت حتى أودع ابني إسحاق؟ قال: نعم، فأرسل إلى إسحاق، فلما أتاه أخبره، فتعلق إسحاق بأبيه إبراهيم وجعل يتقطع عليه بكاء؛ فخرج عنهما ملك الموت، وقال: يا رب ذبيحك إسحاق متعلق بخليلك؛ فقال له الله: قل له إني قد أمهلتك، ففعل. وانحل إسحاق عن أبيه، ودخل إبراهيم بيتا ينام فيه، فقبض ملك الموت روحه وهو نائم.
باب الاعتضاد بالولد
قال الله تبارك وتعالى فيما حكاه عن عبده زكريا ودعائه إليه في الولد: " وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " . وقال: " وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " . والموالي ها هنا بنو العم.
وقال الشاعر:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناضره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
العتبى قال: لما أسن أبو براء عامر بن مالك وضعفه بنو أخيه وخرفوه ولم يكن له ولد يحميه، أنشأ يقول:
دفعتكم عني وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل
يضعفني حلمي وكثرة جهلكم ... علي وأني لا أصول بجاهل
وقال آخر:
تعدو الذنائب على من لا كلاب له ... وتتقي سورة المستنفر الحامي
باب في التجارب والتأدب بالزمان
قالت الحكماء: كفي بالتجارب تأديبا، وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: كفي بالدهر مؤدبا، وبالعقل مرشدا.
وقال حبيب:
أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي ... أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي
وقال إبراهيم بن شكلة:
من لم يؤدبه والده ... أدبه الليل والنهار

(1/235)

كم قد أذلأ كريم قوم ... ليس له منهما انتصار
من ذا يد الدهر لم تنله ... أو اطمأنت به الديار
كل عن الحادثات مغض ... وعنده للزمان ثار
وقال آخر:
وما أبقت لك الأيام عذرا ... وبالأيام يتعظ! اللبيب
وقالوا: كفي بالدهر مخبرا بما مضى عما بقي.
وقالوا: كفي مخبرا لذوي الألباب ما جربوا.
وقالوا لعيسى بن مريم عليهما السلام: من أدبك؟ قال: ما أدبني أحد، رأيت الجهل قبيحا فاجتنبته.
باب في صحبة الأيام بالموادعة
قالت الحكماء: اصحب الأيام بالموادعة ولا تسابق الدهر فتكبو.
وقال الشاعر:
من سابق الدهر كبا كبوة ... لم يستقلها من خطا الدهر
فاخط مع الدهر إذ ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجري
وقال بشار العقيلي:
أعاذل إن العسر سوف يفيق ... وإن يسارا من غد لخليق
وما كنت إلا كالزمان إذا صحا ... صحوت وإن ماق الزمان أموق
وقال آخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل ذوي الجهل
وخلط إذا لاقيت يوما مخلطا ... يخلط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشفي بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
وقال آخر:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم
وقال الآخر:
والسبب المانع حظ العاقل ... هو الذي سبب حظ الجاهل
ومن أمثالهم في ذلك " قولهم " : تطامن لها تخطك.
ومن قولنا في هذا المعنى:
وتطامن للزمان يجزك عفوا ... وإن قالوا ذليل قل ذليل
وقال حبيب:
وكانت لوعة ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلة قرار
وقال آخر:
ماذا يريك الدهر من هوانه ... ازفن لقرد السوء في زمانه
ولآخر:
الدهر لا يبقى على حالة ... لا بد أن يقبل أو يدبر
فإن تلقاك بمروهه ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر
ولآخر:
اصبر لدهر نال من ... ك؛ فهكذا مضت الدهور
فرحا وحزنا مرة ... لا الحزن دام ولا السرور
ولآخر:
عفا الله عمن صير الهم واحدا ... وأيقن أن الدائرات تدرر
تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وتجري الليالي باجتماع وفرقة ... وتطلع فيها أنجم وتغور
وتطمع أن يبقى السرور لأهله ... وهذا محال أن يدوم سرور
ولآخر:
سأنتظر الأيام فيك لعلها ... تعود إلى الوصل الذي هو أجمل
باب التحفظ من المقالة القبيحة
وإن كانت باطلا
قالت الحكماء: إياك وما يعتذر منه.
وقالوا: من عرض نفسه للتهم فلا يأمن من إساءة الظن.
وقالوا: حسبك من شر سماعه.
وقالوا: كفي بالقول عارا وإن كان باطلا.
وقال الشاعر:
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
وقال آخر:
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
وقال أرسططاليس للإسكندر: إن الناس إذا قدروا أن يقولوا قدروا أن يفعلوا، فاحترس من أن يقولوا تسلم من أن يفعلوا.
وقال آمرؤ القيس:
وجرع اللسان كجرح اليد
وقال الأخطل:
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
وقال يعقوب الحمدوني:
وقد يرجى لجرح السيف برء ... ولا برء لما جرح اللسان
ولآخر:
قالوا ولو صح ما قالوا لفزت به ... من لي بتصديق ما قالوا وتكذيبي

(1/236)

باب الأدب في تشميت العاطس
ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشمت العاطس حتى يحمد الله، فإن لم يحمده فلا تشمتوه.
وقال: اذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد فلا تشمته.
وقال علي رضي الله عنه: يشمت العاطس إلى ثلاث، فإن زاد فهو داء يخرج من رأسه.
عطس ابن عمر، فقالوا له: يرحمك الله؛ فقال: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وعطس علي بن أبي طالب فحمد الله، فقيل له: يرحمك الله؟ فقال: يغفر الله لنا و لكم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا عطس أحدكم فشمتوه ثلاثا؟ فإن زاد فقولوا: إنك مضنوك.
وقال بعضهم: التشميت مرة واحدة.
باب الإذن في القبلة
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر قال: كنا نقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم.
وكيع عن سفيان قال: قبل أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب.
ومن حديث الشعبي قال: لقي النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبل بين عينيه.
وقال إياس بن دغفل: رأيت أبا نضرة يقبل خد الحسن.
الشيباني عن أبي الحسن عن مصعب قال: رأيت رجلا دخل على علي بن الحسين رضي الله عنهما في المسجد فقبل يده ووضعها على عينيه فلم ينهه.
العتبي قال: دخل رجل على هشام بن عبد الملك فقبل يده، فقال: أف! إن العرب ما قبلت الأيدي إلا هلوعا، ولا قبلتها العجم إلا خضوعا.
واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده، فقال: إن القبلة من المؤمن ذلة، ومن الذمي خديعة، ولا حاجة بك أن تذل، ولا حاجة بنا أن نخدع.
واستأذن أبو دلامة المهدي في تقبيل يده فمنعه، فقال: ما منعتني شيئا أيسر على عيالي فقدا منه.
الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجري على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، نغض فمي، وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي فقبلت رأسك لعل الله كان يمسك علي ما بقي من أسناني؟ قال: اختر بينها وبين الجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهون من ذهاب درهم من الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكة. فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
وقالوا: قبلة الإمام في اليد، وقبلة الأب في الرأس، وقبلة الأخ في الخد، وقبلة الأخت في الصدر، وقبلة الزوجة في الفم.
باب الأدب في العيادة
مرض أبو عمرو بن العلاء، فدخل عليه رجل من أصحابه، فقال له: أريد أن أساهرك الليلة؛ قال له: أنت معافي وأنا مبتلي، فالعافية لا تدعك أن تسهر، والبلاء لا يدعني أن أنام، وأسأل الله أن يهب لأهل العافية الشكر، ولأهل البلاء الصبر.
ودخل كثير عزة على عبد العزيز بن مروان وهو مريض، فقال: لو أن سرورك لا يتم إلا بأن تسلم وأسقم لدعوت ربي أن يصرف ما بك إلي، ولكن أسأل الله لك أيها الأمير العافية، ولي في كنفك النعمة. فضحك وأمر له بجائزة، فخرج وهو يقول:
ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد
لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفي من طارفي وتلادي
وكتب رجل من أهل الأدب إلى عليل:
نبئت أنك معتل فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور
يا ليت علته بي ثم كان له ... أجر العليل وأني غير مأجور
وكتب آخر إلى عليل:
وقيناك لو نعطى الهوى فيك والمنى ... لكان بنا الشكوى وكان لك الأجر
وكان شاعر يختلف إلى يحيى بن خالد بن برمك ويمتدحه، فغاب عنه أياما لعلة عرضت له، فلم يفتقده يحيى ولم يسأل عنه، فلما أفاق الرجل من علته كتب إليه:
أيهذا الأمير أكرمك الل ... ه وأبقاك لي بقاء طويلا
أجميلا تراه أصلحك الل ... ه لكيما أراه أيضا جميلا
أنني قد أقمت عنك قليلا ... لا ترى منفذا إلي رسولا
ألذنب فما علمت سوى الشك ... ر لما قد أوليتنيه جزيلا

(1/237)

أم ملالا فما علمتك للحا ... فظ مثلي على الزمان ملولا
قد أتى الله بالصلاح فما أن ... كرت مما عهدت إلا قليلا
وأكلت الدراج وهو غذاء ... أفلت علتي عليه أفولا
وكأني قدمت قبلك آتي ... ك غدا إن أجد إليك سبيلا
فكتب إليه الوزير يعتذر:
دفع الله عنك نائبة الده ... ر وحاشاك أن تكون عليلا
أشهد الله ما علمت وما ذا ... ك من العذر جائزا مقبولا
ولعلي لو قد علمت لعاود ... تك شهرا وكان ذاك قليلا
فاجعلن لي إلى التعلق بالعذ ... ر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا
فقديما ما جاء ذو الفضل بالفض ... ل وما سامح الخليل خليلا
وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر:
أعزر على بأن أراك عليلا ... أو أن يكون بك السقام نزيلا
فوددت أني مالك لسلامتي ... فأعيرها لك بكرة وأصيلا
فتكون تبقى سالما بسلامتي ... وأكون مما قد عراك بديلا
هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحب خليلا
ومرض يحيى بن خالد فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا دخل عليه يعوده وقف عند رأسه ودعا له، ثم يخرج فيسأل الحاجب عن منامه وشرابه وطعامه، فلما أفاق، قال يحيى بن خالد: ما عادني في مرضي هذا إلا إسماعيل ابن صبيح.
وقال الشاعر:
عيادة المرء يوم بين يومين ... وجلسة لك مثل اللحظ بالعين
لا تبرمن مريضا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسآل بحرفين
وقال بكر بن عبد الله لقوم عادوه في مرضه فأطالوا الجلوس عنده: المريض يعاد والصحيح يزار.
وقال سفيان الثوري: حمق العواد أشد على المرضى من أمراضهم، يجيئون في غير وقت ويطيلون الجلوس.
ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعوده في مرضه، فسأله عن علته، فلما أخبره قال: من هذه العلة مات فلان ومات فلان. فقال له عمر: إذا عدت المرضى فلا تنع إليهم الموتى، وإذا خرجت عنا فلا تعد إلينا.
وقال ابن عباس: إذا دخلتم على الرجل وهو في الموت فبشروه ليلقى ربه وهو حسن الظن، ولقنوه الشهادة ولا تضجروه.
ومرض الأعمش فأبرمه الناس بالسؤال عن حاله، فكتب قصته في كتاب وجعله عند رأسه، فإذا سأله أحد، قال: عندك القصة في الكتاب فاقرأها.
ولبعضهم:
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
وأتى إلي يعودني ... فبرئت من نظري إليه
ومرض محمد بن عبد الله بن طاهر، فكتب إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله:
إني وجدت على جفا ... ئك من فعالك شاهدا
إني اعتللت في فقد ... ت سوى رسولك عائدا
ولو اعتللت فلم أجد ... سببا إليك مساعدا
لاستشعرت عيني الكرى ... حتى أعودك راقدا
فأجابه:
كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق مذ حممت طعم الرقاد
يا أخي الباذل المودة والنا ... زل من مقلتي مكان السواد
منعتني عليك رقة قلبي ... من دخولي إليك في العواد
لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتفرى مع الأنين فؤادي
ولمحمد بن يزيد:
يا عليلا أفديك من ألم العل ... ة هل لي إلى اللقاء سبيل
إن يحل! دونك الحجاب فما يح ... جب عني بك الضنى والعويل
وأنشد محمد بن يزيد قال أنشدني أبو دهمان لنفسه وقد دخل على بعض الأمراء يعوده:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلد ... نقيك الذي تخفي من السقم أو تبدي

(1/238)

بنا معشر العواد ما بك من أذى ... فإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي
وكتب أبو تمام الطائي إلى مالك بن طوق في شكاة له:
كم لوعة للندى وكم قلق ... للمجد والمكرمات في قلقك
ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعتري وفي أرقك
تخرج عن جسمك السقام كما ... أخرج ذم الفعال من عنقك
ودخل محمد بن عبد الله على المتوكل في شكاة له يعوده، فقال:
الله يدفع عن نفس الإمام لنا ... وكلنا للمنايا دونه غرض
فليت أن الذي يعروه من مرض ... العائدين جميعا لا به المرض
فبالإمام لنا من غيرنا عوض ... وليس في غيره منه لنا عوض
فما أبالي إذا ما نفسه سلمت ... لو باد كل عباد الله وانقرضوا
وقال آخر في بعض الأمراء:
واعتل فاعتلت الدنيا لعلته ... واعتل فاعتل فيه البأس والكرم
لما استقل أنار المجد وانقشعت ... عنه الضبابة والأحزان والسقم
وبلغ قيسا مجنون بني عامر أن ليلى بالعراق مريضة، فقال:
يقولون ليلى بالعراق مريضة ... فما لك تجفوها وأنت صديق
شفي الله مرضى بالعراق فإنني ... على كل شاك بالعراق شفيق
ولمحمد بن عبد الله بن طاهر:
ألبسك الله منه عافية ... تغنيك عن دعوتي وعن جلدك
سقمك ذا لا لعلة عرضت ... بل سقم عينيك رد في جسدك
" فيا مريض الجفون أحيي فتى ... قتلته بالجفون لا بيدك "
وقال غيره:
يا أملي كيف أنت من ألمك ... وكيف ما تشتكيه من سقمك
هذان يومان لي أعدهما ... مذ لم تلح لي بروق مبتسمك
حسدت حماك حين قيل لنا ... بأنها قبلتك فوق فمك
ولسحيم عبد بني الحسحاس:
تجمعن شتى من ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا
وأقبلن من أقصى الخيام يعدنني ... ألا إنما بعض العوائد دائيا
وللعباس بن الأحف:
قالت مرضت فعدتها فتبرمت ... وهي الصحيحة والمريض العائد
والله لو قست القلوب كقلبها ... ما رق للولد الضعيف الوالد
وقال الواثق:
لا بك السقم ولكن كان بي ... وبنفسي وبأمي وأبي
قيل لي إنك صدعت فما ... خالطت سمعي حتى دير بي
وأنشد محمد بن يزيد المبرد لعلية بنت المهدي:
تمارضت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
وقولك للعواد كيف ترونه ... فقالوا قتيلا قلت أهون هالك
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
ومن قولنا في هذا المعنى:
روح الندى بين أثواب العلا وصب ... يعتن في جسد للمجد موصوب
ما أنت وحدك مكسوا شحوب ضنى ... بل كلنا بك من مضنى ومشحوب
يا من عليه حجاب من جلالته ... وإن بدا لك يوما غير محجوب
ألقى عليك يدا للضر كاشفة ... كشاف ضر نبي الله أيوب
ومثله من قولنا:
لا غرو إن نال منك السقم والضرر ... قد تكسف الشمس لا بل يخسف القمر
يا غرة القمر الذاوي غضارتها ... فدا لنورك مني السمع والبصر
إن يمس جسمك موعوكا بصالية ... فهكذا يوعك الضرغامة الهصر
أنت الحسام فإن تقلل مضاربه ... فقبله ما يفل الصارم الذكر
روح من المجد في جثمان مكرمة ... كأنما الصبح من خديه ينفجر

(1/239)

لو غال مجلوده شيء سوى قدر ... أكبرت ذاك ولكن غاله القدر
ومن قولنا في هذا المعنى:
لا غرو إن نال منك السقم ما سألا ... قد يكسف البدر أحيانا إذا كملا
ما تشتكي علة في الدهر واحدة ... إلا اشتكي الجود من وجد بها عللا
الأدب في الاعتناق
أبو بكر بن محمد قال: حدثنا سعيد بن " إسحاق عن علي بن يونس المديني " قال: كنت جالسا عند مالك " بن أنس " فإذا سفيان بن عيينة يستأذن بالباب، فقال مالك: رجل صالح صاحب سنة، أدخلوه؛ فدخل فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد السلام، فقال: سلام خاص وعام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله؛ فقال مالك: وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله، فصافحه مالك، وقال: يا أبا محمد، لولا أنها بدعة لعانقناك؟ فقال سفيان: قد عانق من هو خير منا، رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال مالك: جعفرا؟ قال: نعم؟ فقال مالك: ذاك حديث خاص يا أبا محمد ليس بعام؛ فقال سفيان: ما عم جعفرا يعمنا وما خصه يخصنا إذا كنا صالحين، أفتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ قال: نعم يا أبا محمد؟ فقال: حدثني عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عباس، أنه لما قدم جعفر من أرض الحبشة اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل بين عينيه، وقال: جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا.
باب الأدب في إصلاح المعيشة
قالوا: من أشبع أرضه عملا أشبعت " بيته " خبزا.
وقالوا: يقول الثوب لصاحبه: أكرمني داخلا أكرمك خارجا.
وقالت عائشة: المغزل بيد المرأة أحسن من الرمح بيد المجاهد في سبيل الله.
وقال عمر بن الخطاب: لا تنهكوا وجه الأرض، فإن شحمها في وجهها.
وقال: فرقوا بين المنايا واجعلوا من الرأس رأسين.
وقال: أملكوا العجين فإنه أحد الريعين.
وقال أبو بكر لغلام له كان يتجر بالثياب: إذا كان الثوب سابغا فانشره وأنت قائم، وإذا كان قصيرا فانشره وأنت جالس، وإنما البيع مكاس.
وقال عبد الملك بن مروان: من كان في يده شيء فليصلحه، فإنه في زمان إن احتاج فيه فأول ما يبذل دينه.
باب الأدب في المؤاكلة
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله.
محمد بن سلام الجمحي قال: قال بلال بن أبي بردة وهو أمير على البصرة للجارود بن أبي سترة الهذلي: أتحضر طعام هذا الشيخ؟ - يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر - قال: نعم؛ قال: فصفه لي؛ قال: نأتيه فنجده منبطحا - يعني نائما - فنجلس حتى يستيقظ، فيأذن فنساقطه الحديث، فإن حدثناه أحسن الاستماع، وإن حدثنا أحسن الحديث، ثم يدعو بمائدته وقد تقدم إلى جواريه وأمهات أولاده أن لا تلطفه واحدة منهن " إلا " إذا وضعت مائدته، ثم يقبل خبازه فيمثل بين يديه قائما، فيقول له: ما عندك؟ فيقول: عندي كذا وكذا، فيعدد ما عنده - يريد بذلك أن يحبس كل رجل نفسه وشهوته على ما يريد من الطعام، وتقبل الألوان من هاهنا ومن هاهنا، فتوضع على المائدة، ثم يؤتى بثريدة شهباء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من العراق، فيأكل معذرا، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون جثا على ركبتيه، ثم استأنف الأكل معهم. قال ابن أبي بردة: لله ذر عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.
حضر أعرابي سفرة هشام بن عبد الملك، فبينا هو يأكل معه إذ تعلقت شعرة في لقمة الأعرابي. فقال له هشام: عندك شعرة في لقمتك يا أعرابي؟ فقال: وإنك لتلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة في لقمتي، والله لا أكلت عندك أبدا. ثم خرج وهو يقول:
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد

(1/240)

محمد بن يزيد قال: أكل قائد لأبي جعفر المنصور معه يوما، وكان على المائدة محمد المهدي وصالح ابناه، فبينا الرجل يأكل من ثريدة بين أيديهم إذ سقط بعض الطعام من فيه في الغضارة، وكأن المهدي وأخاه عافا الأكل معه، فأخذ أبو جعفر الطعام الذي سقط من فم الرجل فأكله. فالتفت إليه الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين أما الدنيا فهي أقل وأيسر من أن أتركها لك، لكن والله لأتركن في مرضاتك الدنيا والآخرة.
وحدث إبراهيم بن السندي قال: كان فتى من بني هاشم يدخل على المنصور كثيرا، " يسلم من بعيد وينصرف " . فأتاه يوما فأدناه، ثم دعاه إلى الغداء، فقال: قد تغذيت. فأمهله الربيع حاجب المنصور حتى ظن أنه لم يفهم الخطيئة، فلما انصرف وصار وراء الستر دفع في قفاه. فلما رأى من الحاجب دفعه في قفاه شكا الفتى حالته وما ناله إلى عمومته، فأقبلوا من غد إلى أبي جعفر، وقالوا: إن الربيع نال من هذا الفتى كذا وكذا؛ فقال لهم أبو جعفر: إن الربيع لا يقدم على مثل هذا إلا وفي يده حجة، فإن شئتم أمسكنا عن ذلك وأغضينا، وإن شئتم سألته وأسمعتكم؛ قالوا: بل يسأله أمير المؤمنين ونسمع. فدعاه فسأله فقال: إن هذا الفتى كان يأتي فيسلم وينصرف من بعيد، فلما كان أمس أدناه أمير المؤمنين حتى سلم من قرب، وتبذل بين يديه ودعاه إلى غدائه، فبلغ من جهله بحق المرتبة التي أحله فيها أن قال: قد تغديت، وإذا هو ليس عنده لمن أكل مع أمير المؤمنين وشاركه في يده إلا سد خلة الجوع، ومثل هذا لا يقومه القول دون الفعل. فسكت القوم وانصرفوا.
وقال بكر بن عبيد الله: أحق الناس بلطمة من أني طعاما لم يدع إليه؛ وأحق الناس بلطمتين من يقول له صاحب البيت اجلس ها هنا، فيقول: لا، ها هنا؛ وأحق الناس بثلاث لطمات من دعي إلى طعام فقال لصاحب المنزل: ادع ربة البيت تأكل معنا.
وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: لا ينبغي للفتى أن يكون مكحلا ولا مقببا ولا مكوكبا ولا شكامدا ولا حرامدا ولا نقامدا، ثم فسره فقال: أما المكحل فالذي يتعرق العظم حتى يدعه كأنه مكحلة عاج والمقبب فالذي يركب اللحم بين يديه حتى يجعله كأنه قبة. والمكوكب: الذي يبصق في الطست ويتنخم فيها حتى يصير بصاقه كأنه الكواكب في الطست. والحرامد: الذي يأتي في وقت الغداء والعشاء فيقول: ما تأكلون؟ فيقولون من بغضه: سما، فيدخل يده ويقول في حرام العيش بعدكم. والشكامد: الذي يتبع اللقمة بأخرى قبل أن يسيغها فيختنق كأنه ديك قد ابتلع فأرة. والنقامد: الذي يضع الطعام بين يديه ويأكل من بين يدي غيره.
ومن الأدب: أن يبدأ صاحب الطعام بغسل يده قبل الطعام، ثم يقول لجلسائه: من شاء منكم فليغسل، فإذا غسل بعد الطعام فليقدمهم ويتأخر.
أدب الملوك
وقال العلماء: لا يؤم ذو سلطان في لسطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه. وقال زياد: لا يسلم على قادم بين يدي أمير المؤمنين: ودخل عبد الله بن عباس على معاوية وعنده زياد، فرحب به معاوية، ووسع له إلى جنبه، وأقبل عليه يسائله ويحادثه، وزياد ساكت، فقال له ابن عباس: كيف حالك أبا المغيرة، كأنك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرة؟ فقال: لا، ولكنه لا يسلم على قادم بين يدي أمير المؤمنين. قال ابن عباس: ما أدركت الناس إلا وهم يسلمون على إخوانهم بين يدي أمرائهم. فقال له معاوية: كف عنه يابن عباس، فإنك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت.
الشيباني قال: بصق ابن مروان فقصر في بصقته، فوقعت في طرف البساط، فقام رجل من المجلس فمسحه بكمه. فقال عبد الملك بن مروان: أربعة لا يستحي من خدمتهم: الإمام والعالم والوالد والضيف.
وقال يحيى بن خالد: مساءلة الملوك عن حالها من تحية النوكى، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح الأمير، فقل: صبح الله الأمير بالنعمة والكرامة؛ وإن كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:45 pm

وقالوا: إذا زادك الملك إكراما فزده إعظاما، ماذا جعلك عبدا فاجعله ربا، ولا تديمن النظر إليه، ولا تكثر من الدعاء له في كل كلمة. ولا تتغير له إذا سخط، ولا تغتر به إذا رضي، ولا تلحف في مسألته.
وقالوا: الملوك لا تسال ولا تشمت ولا تكيف. وقال الشاعر:
إن الملوك لا يخاطبونا ... ولا إذا ملوا يعاتبونا
وفي المقال لا ينازعونا ... وفي العطاس لا يشمتونا
وفي الخطاب لا يكيفونا ... يثنى عليهم ويبجلونا
فافهم وصاتي لا تكن مجنونا
وقالوا: من تمام خدمة الملوك أن يقرب الخادم إليه نعليه، ولا يدعه يمشي إليهما، ويجعل النعل اليمنى قبالة الرجل اليمنى، واليسرى قبالة الرجل اليسرى، وإذا رأى متكأ يحتاج إلى إصلاح أصلحه، ولا ينتظر فيه أمره، ويتفقد الدواة قبل أن يأمره، وينفض عنها الغبار إذا قربها إليه، وإن رأى بين يديه قرطاسا قد تباعد عنه قربه إليه ووضعه بي يديه على كسره.
وقال أصحاب معاوية لمعاوية: إنا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فأنت تكره أن تستخفنا فتأمر بالقيام، ونحن نكره أن نثقل عليك في الجلوس، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها ذلك؟ فقال: علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم.
وقيل مثل ذلك ليزيد بن معاوية. فقال: إذا قلت على بركة الله.
وقيل مثل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال. إذا وضعت الخيزرانة.
وما سمعت بألطف معنى، ولا أكمل أدبا، ولا أحسن مذهبا في مساءلة الملوك من شبيب بن شيبة، وقوله لأبي جعفر: أصلحك الله إني أحب المعرفة، وأجلك عن السؤال. فقال له: فلان بن فلان.
باب الكناية والتعريض
ومن أحسن الكناية اللطيفة عن المعنى الذي يقبح ظاهره: قيل لعمر بن عبد العزيز وقد نبت له حبن تحت أنثييه: أين نبت بك هذا الحبن؟ قال بين الرانفة والصفن.
وقال آخر ونبت به حبن في إبطه: أين نبت بك هذا الحبن؟ قال: تحت منكبي.
وقد كنى الله تعالى في كتابة عن الجماع بالملامسة، وعن الحدث بالغائط فقال: " أو جاء أحد منكم من الغائط " ، والغائط: الفحص، " وهو المطمئن من الأرض " ؛ وجمعه: غيطان. " وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام " . وإنما كنى " به " عن الحدث. وقال تعالى: " واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء " . فكنى " بالسوء " عن البرص.
ودخل الربيع بن زياد على النعمان بن المنذر وبه وضح، فقال: ما هذا البياض بك؟ فقال: سيف الله جلاه.
ودخل حارثة بن بدر على زياد وفي وجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر الذي في وجهك؟ قال: ركبت فرسي الأشقر فجمح بي، فقال: أما إنك لو ركبت الأشهب لما فعل ذلك. فكنى حارثة بالأشقر عن النبيذ، وكنى زياد بالأشهب عن اللبن.
وقال معاوية للأحنف بن قيس: أخبرني عن قول الشاعر.
إذا ما مات ميت من تميم ... وسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف في الافاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
ما هذا الشيء الملفف في البجاد؟ قال الأحنف: السخينة يا أمير المؤمنين. قال معاوية: واحدة بأخرى والبادي أظلم - والسخينة طعام كانت تعمله قريش من دقيق، وهو الخريزة، فكانت تسب به، وفيه يقول حسان بن ثابت:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
وقال آخر:
تعشوا من خزيرتهم فناموا

(1/242)

ولما عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر وولاها ابن أبي سرح، دخل عمرو على عثمان وعليه جبة محشوة، فقال له عثمان: ما حشو جبتك يا عمرو؟ قال: أنا؛ قال: قد علمت أنك فيها. ثم قال له يا عمرو: أشعرت أن اللقاح درت بعدك ألبانها؟ فقال: لأنكم أعجفتم أولادها. فكنى عثمان عن خراج مصر باللقاح، وكنى عمرو عن جور الوالي بعده، وأنه حرم الرزق أهل العطاء ووفره على السلطان.
وكان في المدينة رجل يسمى جعدة يرجل شعره ويتعرض للنساء المعزبات، فكتب رجل من الأنصار كان في الغزو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار
يعقلهن جعد شيظمي ... وبئس معقل الذود الظؤار
فكنى بالقلائص عن النساء. وعرض برجل يقال له جعدة. فسأل عنه عمر، فدل عليه، فجز شعره، ونفاه عن المدينة.
وسمع عمر بن الخطاب امرأة في الطواف تقول:
فمنهن من تسقى بعذب مبرد ... نقاخ فتلكم عند ذلك قرت
ومنهن من تسقى بأخضرآجن ... أجاج ولولا خشية الله فرت
ففهم شكواها، فبعث إلى زوجها، فوجده متغير الفم. فخيره بين خمسمائة من الدراهم وطلاقها. فاختار الدراهم، فأعطاه وطلقها.
ودخل على زياد رجل من أشراف البصرة فقال له زياد: أين مسكنك من البصرة؟ قال: في وسطها، قال له: كم لك من الولد؟ قال: تسعة، فلما خرج من عنده قيل له: إنه ليس كذلك في كل ما سألته، وليس له من الولد إلا واحد، وهو ساكن في طرف البصرة. فلما عاد إليه سأله زياد عن ذلك، فقال له: ما كذبتك، لي تسعة من الولد قدمت منهم ثمانية فهم لي، وبقي معي واحد، فلا أدري إلي يكون أم علي، ومنزلي بين المدينة والجبانة، فأنا بين الأحياء والأموات، فمنزلي في وسط البصرة؛ قال: صدقت.
الكناية يورى بها عن الكذب والكفر
لما هزم الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث وقتل أصحابه وأسر بعضهم، كتب إليه عبد الملك بن مروان أن يعرض الأسرى على السيف، فمن أقر منهم بالكفر خلى سبيله، ومن أبى يقتله، فأتي منهم بعامر الشعبي ومطرف ابن عبد الله بن الشخير وسعيد بن جبير؟ فأما الشعبي ومطرف فذهبا إلى التعريض والكناية ولم يصرحا بالكفر، فقبل كلامهما وعفا عنهما؟ وأما سعيد ابن جبير فأبى ذلك فقتل.
وكان مما عرض به الشعبي، فقال؛ أصلح الله الأمير، نبا المنزل، وأحزن بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. قال؛ صدق والله، ما بروا بخروجهم علينا ولا قووا، خليا عنه ثم قدم " إليه " مطرف بن عبد الله، فقال له الحجاج: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: إن من شق العصا، وسفك الدماء، ونكث البيعة، وأخاف المسلمين لجدير بالكفر؟ قال: خليا عنه. ثم قدم إليه سعيد بن جبير، فقال له: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت بالله مذ آمنت به؟ قال: آضربوا عنقه.
ولما ولي الواثق وأقعد للناس أحمد بن أبي دواد للمحنة في القرآن ودعا إليه الفقهاء، أتي فيهم بالحارث بن مسكين، فقيل له: أتشهد أن القرآن مخلوق؟ قال: أشهد أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، هذه الأربعة مخلوقة، ومد أصابعه الأربع، فعرض بها وكنى عن خلق القرآن وخلص مهجته من القتل: وعجز أحمد بن نصر فقيه بغداد عن الكناية فأباها، فقتل وصلب.
ودخل بعض النساك على بعض الخلفاء فدعاه إلى طعامه، فقال له: الصائم لا يأكل يا أمير المؤمنين، وما أذكي نفسي بل الله يزكي من يشاء؛ وإنما كره طعامه.
الأصمعي عن عيسى بن عمر قال؛ بينما ابن عرباض يمشي مقدما لطيته، إذ استقبلته الخوارج يجزون الناس بسيوفهم، فقال لهم: هل خرج إليكم في اليهود شيء؟ قالوا: لا؟ قال: فامضوا راشدين، فمضوا وتركوه.

(1/243)

ولقي شيطان الطاق رجلا من الخوارج وبيده سيف، فقال له الخارجي: والله لأقتلنك أو تبرأ من علي؛ فقال له: أنا من علي، ومن عثمان بريء " يريد أنه من علي، وبريء من عثمان " 0 أبو بكر بن أبي شيبة قال: قال الوليد " بن عقبة " على المنبر بالكوفة: أقسم على من سماني أشعر بركا إلا قام " فخرج عني " ، فقام إليه رجل من أهل الكوفة، فقال له: ومن هذا الذي يقوم بين يديك فيقول: أنا الذى سميتك أشعر بركا؟ " قال " : وكان هو الذي سماه " بذاك " .
" وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: اصعد المنبر فالعن عليا " ، فامتنع من ذلك وقال: أو تعفيني؟ قال: لا. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس، إن معاوية أمرني أن ألعن عليا، فالعنوه لعنه الله " .
الكناية عن الكذب في طريق المدح
المدائني قال: أتي العريان بن الهيثم بغلام سكران، فقال له: من أنت؟ فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود
فظنه ولدا لبعض الأشراف، فأمر بتخليته. فلما كشف عنه، قيل له: إنه ابن باقلاني.
ودخل رجل على عيسى بن موسى وعنده ابن شبرمة " القاضي " ، فقال له: أتعرف هذا الرجل؟ - وكان رمي عنده بريبة - فقال " نعم " ، إن له بيتا وقدما وشرفا، فخلى سبيله. فلما انصرف ابن شبرمة قال له " أصحابه " : أكنت تعرف هذا الرجل؟ قال: لا، ولكني عرف أن له بيتا يأوي إليه، وقدما يمشي عليها، وشرفه أذناه ومنكباه.
وخطب رجل لرجل إلى قوم، فسألوه: ما حرفته؟ فقال: هو نخاس الدواب، فزوجوه، فلما كشف عنه وجدوه يبيع السنانير، فلما عنفوه في ذلك قال: أو ما السنانير دواب؟ ما كذبتكم في شيء.
ودخل معلى الطائي على ابن السري يعوده في مرضه، فأنشده شعرا يقول فيه:
فأقسم إن من الإله بصحة ... ونال السري بن السري شفاء
لأرتحلن العيس شهرا بحجة ... وأعتق شكرإ سالما وصفاء
فلما خرج من عنده قال له أصحابه: والله ما نعلم عبدك سالما ولا عبدك صفاء، فمن أردت أن تعتق؟ قال؟ هما هرتان عندي، والحج فريضة واجبة، فما علي في قولي شيءإن شاء الله تعالى.
باب في الكناية والتعريض في طريق الدعابة
سئل ابن سيرين عن رجل، فقال: توفي البارحة. فلما رأى جزع السائل، قال: " الله يتوفئ الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " وإنما أردت بالوفاة النوم.
ومرض زياد فدخل عليه شريح القاضي يعوده. فلما خرج بعث إليه مسروق بن الأجدع يسأله: كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهى؛ فقال مسروق: إن شريحا صاحب تعريض " عويص " فاسألوه، فسألوه فقال: تركته يأمر بالوصية وينهى عن البكاء.
وكان سنان بن مكمل النميري يساير عمر بن هبيرة الفزاري يوما على بغلة، فقال له ابن هبيرة: غض من عنان بغلتك؛ فقال: إنها مكتوبة، أصلح الله الأمير. أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأراد سنان قول الشاعر:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
ومر رجل من بني تميم برجل من بني نمير على يده بازي، فقال التميمي للنميري: هذا البازي لك؟ فقال له النميري: نعم، وهو أهدى من القطا.
أراد التميمي قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتحت لها من الجو انصبابا
وأراد النميري قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت

(1/244)

ودخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو والي أرمينية وقريب منه غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله بن يزيد: ما تركتنا شيوخ محارب ننام الليلة؛ فقال له المحاربي: أصلح الله الأمير، أو تدري لم ذلك؟ قال: ولم؟ قال: لأنها أضفت برقعا لها؛ قال: قبحك الله وقبح ما جئت به. أراد ابن يزيد الهلالي قول الأخطل:
تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبرى
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وقميص
وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: استعرض لي هذين الفرسين؛ فقال: أحدهما أجش والآخر هزيم، يعني قول النجاشي:
ونجى ابن هند سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني
فقال معاوية: أما إن صاحبهما على ما فيه " لا " ، يشئب بكنائنه.
وكان عبد الرحمن يرمى بكنته.
وشاور زياد رجلا من ثقاته في آمرأة يتزوجها، فقال: لا خير لك فيها، إني رأيت رجلا يقبلها، فتركها؛ وخالفه الرجل إليها وتزوجها. فلما بلغ زيادا خبره أرسل إليه وقال له: أما قلت لي إنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال: نعم، رأيت أباها يقبلها.
وقال أعرابي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، احملني وسحيما على جمل؟ فقال: نشدتك الله يا أعرابي، أسحيم هذازق؟ قال: نعم؟ ثم قال: من لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه.
وودع رجل رجلا كان يبغضه، فقال: امض في سر من حفظ الله، وحجاب من كلاءته. ففطن له الرجل، فقال: رفع الله مكانك، وشد ظهرك، وجعلك منظورا إليك.
والشيباني قال: كان ابن أبي عتيق صاحب هزل ولهو، واسمه عبد الله بن محمد بن أبي بكر " الصديق رضي الله عنهم " ، وكانت له آمرأة من أشراف قريش، وكان لها فتيات يغنين في الأعراس والمآتم، فأمرت جارية منهن أن تغني بشعر لها قالته في زوجها، فتغنت الجارية وهو يسمع:
ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت لبك أيما قمر
أنفقت مالك غير محتشم ... في كل زانية وفي الخمر
فقال للجارية: لمن هذا الشعر؟ قالت: لمولاتي. فأخذ قرطاسا فكتبه وخرج به، فإذا هو بعبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، قف قليلا أكلمك، فوقف عبد الله بن عمر؛ فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا الشعر؟ وأنشد البيتن؟ قال: أرى أن تعفو وتصفح؛ قال: أما وإلله لئن لقيته لأنيكنه، فأخذ ابن عمر ينكله ويزجره، وقال: قبحك الله. ثم لقيه بعد ذلك بأيام، فلما أبصره ابن عمر أعرض عنه بوجهه، فاستقبله ابن أبي عتيق؟ فقال له: سألتك بالقبر ومن فيه إلا سمعت مني حرفين؟ فولاه قفاه وأنصت له، قال: علمت أبا عبد الرحمن أني لقيت قائل ذلك الشعر ونكته؟ فصعق عبد الله ولبط به؟ فلما رأى ما نزل به دنا من أذنه، وقال: أصلحك الله، إنها امرأتي " فلانة " . فقام ابن عمر، وقبل ما بي عينيه " وتبسم ضاحكا " .
باب في الصمت
كان لقمان الحكيم يجلس إلى داود صلى اله عليه وسلم " مقتبسا " ، وكان عبدا أسود، فوجده وهو يعمل درعا من حديد؛ فعجب منه ولم ير درعا قبل ذلك، فلم يسأله لقمان عما يعمل ولم يخبره داود، حتى تمت الدرع بعد سنة، فقاسها داود على نفسه، وقال: زرد طافا ليوم قرافا. تفسيره: درع حصينة ليوم قتال. فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله.
وقال أبو عبيد الله كاتب المهدى: كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام، إن البلاء موكل بالمنطق.
وقال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان اثنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقوله ابن عوف عن الحسن، قال: جلسوا عند معاوية فتكلموا وسكت الأحنف فقال معاوية: مالك لا تتكلم أبا بحر؟ قال: أخافك إن صدقت، وأخاف الله إن كذبت.

(1/245)

وقال المهلب بن أبي صفرة: لأن أرى لعقل الرجل فضلا على لسانه أحب إلي من أن أرى للسانه فضلا على عقله.
وقال سالم بن عبد الملك: فضل العقل على اللسان مروءة، وفضل اللسان على العقل هجنة.
وقالوا: من ضاق صدره اتسع لسانه، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن ساء خلقه قل صديقه.
وقال هرم ابن حيان: صاحب الكلام بين إحدى منزلتين، إن قصر فيه خصم، وإن أغرق فيه أثم.
وقال شبيب بن شيبة: من سمع الكلمة يكرهها فسكت عنها انقطع ضرها عنه.
وقال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكيه.
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم:
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل
وقال الشاعر:
الحلم زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
ما إن ندمت على سكوتي مرة ... لكن ندمت على الكلام مرارا
وقال لحسن بن هانيء:
خل جنبيك لرامي ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
رب لفظ ساق آجا ... ل فئام وفئام
إنما السالم من أل ... جم فاه بلجام
وقال بعض الحكماء: حظي من الصمت لي ونفعه مقصور علي، وحظي من الكلام لغيري ووباله راجع علي.
وقالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت أن تصمت؟ قال: فمتى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت أن تتكلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعطي العبد شرا من طلاقة اللسان.
وسمع عبد الله بن الأهتم رجلا يتكلم فيخطىء، فقال: بكلامك رزق الصمت المحبة.
باب في المنطق
قال الذين فضلوا المنطق: إنما بعثت الأنبياء بالكلام ولم يبعثوا بالسكوت. وبالكلام وصف فضل الصمت، ولم يوصف القول بالصمت، وبالكلام يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعظم الله ويسبح بحمده " ، والبيان من الكلام هو الذي من الله به على عباده، فقال: " خلق الإنسان علمه البيان " . والعلم كله لا يؤديه إلى أوعية القلوب إلا اللسان، فنفع المنطق عام لقائله وسامعه " ومن بلغه " ، ونفع الصمت خاص بفاعله.
وأعدل شيء قيل في الصمت والمنطق قولهم: الكلام في الخير كله أفضل من الصمت، والصمت في الشر كله أفضل من الكلام.
وقال عبد الله المبارك صاحب الرقائق يرثي مالك بن أنس المدني:
صموت إذا ما الصمت زين أهله ... وفتاق أبكار الكلام المختم
وعى ما وعى القرآن من كل حكمة ... وسيطت له الآداب باللحم والدم
وقال عمر بن الخطاب: ترك الحركة غفلة.
وقال بكر بن عبد الله المزني: طول الصمت حبسة.
وقالوا: الصمت نوم، والكلام يقظة.
وقالوا: ما شيء ثني إلا قصر، إلا الكلام فإنه كلما ثني طال. " وقال الشاعر:
الصمت شيمته فإن ... أبدى مقالا كان فصلا
أبدى السكوت فإن تك ... لم لم يدع في القول فضلا "
باب في الفصاحة
محمد بن سيرين قال: ما رأيت على آمرأة أجمل من شحم، ولا رأيت على رجل أجمل من فصاحة.
وقال الله تبارك و تعالى فيما حكاه عن نبيه موسى صلى الله عليه وسلم وآستيحاشه بعدم الفصاحة: " وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني " .
آفات المنطق
تكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع كلامه، فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تردده؛ قال: أردده ليفهمه من لم يفهمه؛ قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه.

(1/246)

" الأصمعي قال " : قال معاوية يوما لجلسائه: أي الناس أفصح؟ فقال رجل من السماط: يا أمير المؤمنين، قوم قد ارتفعوا عن رتة العراق، وتياسروا عن كشكشة بكر، وتيامنوا عن: شنشنة تغلب، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير.
قال: من هم؟ قال: قومك يا أمير المؤمنين قريش؛ قال: صدقت، فمن أنت؟ قال: من جرم قال الأصمعي: جرم فصحى الناس.
وهذا الحديث قد وقع في فضائل قريش، وهذا موضعه أيضا فأعدناه.
قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي. التمتمة في المنطق: التردد في التاء، والعقلة: هي التواء اللسان عند إرادة الكلام؟ والحبسة: تعذر الكلام عند إرادته؛ واللفف: إدخال حرف في حرف؟ والرتة: كالرتج تمنع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل به " . والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف. وأما الرتة: فإنها تكون غريزية، وقال الراجز:
يأيها المخلط الأرت
ويقال إنها تكثر في الأشراف. وأما الغمغمة: فإنها قد تكون من الكلام وغيره.
لأنها صوت من لا يفهم تقطيع حروفه.
قال عنترة:
" وصاحب ناديته فغمغما ... يريد لبيك وما تكلما
قد صار من خوف الكلام أعجما "
والطمطمة: أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم؟ واللكنة: أن تعترض في الكلام اللغة الأعجمية - وسنفسر هذا حرفا حرفا، وما قيل فيه إن شاء الله - واللثغة: أن يعدل بحرف إلى حرف؛ والغنة: أن يشرب الحرف صوت الخيشوم؛ والخنة: أشد منها؟ والزخيم: حذف الكلام؛ والفأفأة: التردد في الفاء: يقال: رجل فأفاء، تقديره فاعال، ونظيره من الكلام ساباط وخاتام، قال الراجز:
يامي ذات الجورب المنشق ... أخذت خاتامي بغير حق
وقال آخر:
ليس بفأفاء ولا تمتام ... ولا محب سقط الكلام
وأما كشكشة تميم: فإن بني عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنث فوقفت عليها أبدلت منها شينا، لقرب الشين من الكاف في المخرج، وقال راجزهم:
هل لك أن تنتفعي وأنفعش ... فتدخلين اللذ معي في اللذ معش
وأما كسكسة بكر. فقوم منهم يبدلون من الكاف سينا كما فعل التميميون في الشين. وأما طمطمانية حمير: ففيها يقول عنترة:
تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم
وكان صهيب أبو يحيى رحمه الله يرتضخ لكنة رومية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صهيب سابق الروم.
وكان عبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية من قبل زوج أمه شيرويه الأسواري.
وكان زياد الأعجم، وهو رجل من بني عبد القيس. يرتضخ لكنة أعجمية، وأنشد المهلب في مدحه إياه:
فتى زاده السلتان في الحمد رغبة ... إذا غير السلتان كل خليل
بريد السلطان - وذلك أن بين التاء والطاء نسبا، لأن التاء من مخرج الطاء.
وأما الغنة فتستحسن من الجارية الحديثة السن. قال ابن الرقاع " في الظبية " :
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
وقال ابن المقفع: إذا كثر تقليب اللسان رقت حواشيه ولانت عذبته.
وقال العتابي: إذا حبس اللسان عن الاستعمال اشتدت عليه مخارج الحروف.
وقال الراجز:
كأن فيه لففا إذا نطق ... من طول تحبيس وهم وأرق
باب في الإعراب واللحن
أبو عبيدة قال: مر الشعبي بقوم من الموالي يتذاكرون النحو، فقال لهم: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.
قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخالد بن صفوان وخاقان والفتح بن خاقان والوليد بن عبد الملك.
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب والجدري في الوجه.
وقيل له: لقد عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيبنى ارتقاء المنابر وتوقع اللحن.
وقال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: لا، إلا أنه ربما سبقك لسانك ببعضه في آن وآن؛ قال: فإذا كان ذلك فعرفني.

(1/247)

وقال المأمون لأبي علي المعروف بأبي يعلى المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا وكان لا ينشد الشعر؟ قال المأمون: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني عيبا رابعا، وهو الجهل، ياجاهل، إن ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لنفي الظنة عنه، لا لعيب في الشعر والكتاب، وقد قال تبارك وتعالى: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " .
وقال عبد الملك بن مروان: الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف.
وقال: تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض.
وقال رجل للحسن: إن لنا إماما يلحن؟ قال: أميطوه " عنكم، فإن الإعراب حلية الكلام " .
وقال الشاعر:
النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
فإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن
وقال آخر:
النحو صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد؟ فقال: أحسب أن الدوانق شغلتك عن أن تقول: يا أبا سعيد.
وكان عمر بن عبد العزيز جالسا عند الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد لحانا، فقال: ياغلام، ادع لي صالح؛ فقال الغلام: ياصالحا؛ قال له الوليد: انقص ألفا؛ فقال عمر: وأنت يا أمير المؤمنين فزد ألفا.
ودخل على الوليد بن عبد الملك رجل من أشراف قريش، فقال له الوليد: من ختنك؟ قال له: فلان اليهودي؛ فقال: ما تقول؟ ويحك! قال: لعلك إنما تسأل عن ختني يا أمير المؤمنين، هو فلان بن فلان.
وقال عبد الملك بن مروان: أضر بنا في الوليد حبنا له، فلم نلزمه البادية. وقد يستثقل الإعراب في بعض المواضع كما يستخف اللحن في بعضها.
وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري:
منطق بارع وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
وذلك أنه من حكى نادرة مضحكة، وأراد أن يوفي حروفها حظها من الإعراب، طمس حسنها، وأخرجها عن مقدارها، ألا ترى أن مزبدا المديني أكل طعاما فكظه، فقيل له: ألا تقي؟ قال: وما أقي؟ خبز نقي ولحم طري؟ مرتي طالق، لو وجدت هذا فيئا لأكلته.
قال: وكذلك يستقبح الإعراب في غير موضعه كما استقبح من عيسى بن عمر إذ قال وابن هبيرة يضربه بالسياط: والله إن كانت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك.
وحكي عن بعض المغربين في اللحن أن جارية له غنته:
إذا ما سمعت اللوم فيها رفضته ... فيدخل من أذن ويخرج من أخرى
فقال لها: من أخرى يا فاعلة، أما علمتك أن " من " تخفض؟.
وقال رجل لشريح: ما تقول في رجل توفي وترك أباه وأخيه؟ فقال له: أباه وأخاه؛ فقال: كم لأباه وأخاه؟ قال لأبيه وأخيه؛ قال: أنت علمتني فما أصنع؟ وقال بعض الشعراء، وأدرك عليه رجل من المتفصحين يقال له حفص لحنا في شعره، وكان حفص به اختلاف في عينيه وتشويه في وجهه، فقال فيه:
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كمثل الطود عما تتبع
تتبع لحنا من كلام مرقش ... وخلقك مبني من اللحن أجمع
فعينك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إبطاء فما فيك مرقع
باب في اللحن والتصحيف
وكان أبو حنيفة لحانا، على أنه كان في الفتيا ولطف النظر واحد زمانه. وسأله رجل يوما فقال له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده به؟ قال: لا، ولو ضربه بأبا قبيس.

(1/248)

وكان بشر المريسي يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها، فسمع قاسم التمار قوما يضحكون، فقال: هذا كما قال الشاعر:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
وبشر المريسي رأس في الرأي، وقاسم التمار متقدم في أصحاب الكلام، واحتجاجه لبشر أعجب من لحن بشر.
ودخل شبيب بن شيبة على إسحاق بن عيسى يعزيه عن طفل أصيب به، فقال في بعض كلامه: أصلح الله الأمير، إن الطفل لا يزال محبنظيا على باب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي، قال إسحاق بن عيسى: سبحان الله! ماذا جئت به؟ إنما هو محبنطى، أما سمعت قول الراجز:
إني إذا أنشدت لا أحبنطي ... ولا أحب كثرة التمطي
قال شبيب: ألي يقال مثل هذا وما بين لا بتيها أعلم مني بها؟ فقال له إسحاق: وهذه أيضا، أللبصرة لابتان يالكع؟ فأبان بتقريعه عواره، فأخجله فسكت.
قوله المحبنطي: الممتنع امتناع طلب لا امتناع إباء، وهو بالطاء غير معجمة، ورواه شبيب بالظاء المعجمة. وقوله ما بين لا بتيها، خطأ، إذ ليس للبصرة لابتان، وإنما اللابة للمدينة والكوفة. واللابة: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود.
نوادر من الكلام
يقال: ماء نقاخ، للماء العذب؟ وماء فرات، وهو أعذب العذب؛ وماء قعاع، وهو شديد الملوحة؛ وماء حراق، وهو الذي يحرق من ملوحته، وماء شروب، وهو دون العذب قليلا؛ وماء مسوس، وهو دون الشروب، وماء شريب، وهو العذب.
اجتمع المفضل الضبي وعبد الملك بن قريب الأصمعي، فأنشد المفضل:
تصمت بالملك تولبا جذعا
فقال له الأسمعي: تولبا جدعا، والجدع: السيء الغذاء. فضج المفضل وأكثر؛ فقال له الأصمعي: لو نفخت في الشبور ما نفعك، تكلم بكلام الئمل وأصب.
وقال مروان بن أبي حفصة في قوم من رواة الشعر لا يعلمون ما هو على كثرة استكثارهم من روايته:
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر
باب نوادر من النحو
قال الخليل بن أحمد: أنشدني أعرابي:
وإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت برىء من قبائلها العشر
قال: فجعلت أعجب من قوله عشر أبطن " حيث أنث، لأنه عنى القبيلة " فلما رأى عجبي، قال: أليس هكذا قول الآخر:
وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وقال أبو زيد قلت للخليل: لم قالوا في تصغير واصل: أو يصل، ولم يقولوا وويصل؟ قال: كرهوا أن يشبه كلامهم بنبح الكلاب.
وقال أبو الأسود الدؤلي: من العرب من يقول: لولاى لكان كذا وكذا. وقال الشاعر:
وكم موطن لولاي طحت كما هوي ... بأجرامه من قنة النيق منهوي
وكذلك لولا أنتم ولولاكم، ابتداء وخبره محذوف.
وقال أبو زيد: وراء وقدام لا يصرفان لأنهما مؤنثان، وتصغير قدام قديدمة وتصغير وراء وريئة، وقدام خمسة أحرف، لأن الدال مشددة: فأسقطوا الألف لأنها زائدة، ولئلا يصغر اسم على خمسة أحرف.
أبو حاتم قال: يقال أم بينة الأمومة: وعم بين العمومة. ويقال: مأموم، إذ شج أم رأسه. ورجل مموم: إذأ أصابه الموم.
وقال المازني. يقال في حسب الرجل أرفة ووصمة وابنة، وكذلك يقال للعصا إذا كان فيها عيب. ويقال: قذيت عينه، إذا أصاجها الرمد. وقد يقال في التقديم والتأخير مثل قول الشاعر:
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج حملا
يريد: ركبت عنز " بحدج جملا في شر يوميها: نصب لأنه ظرف.
وقد يسمى الشيء باسم الشيء إذا جاوره. قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
قوله: لنا قمراها: يريد الشمس والقمر.
وكذلك قول الناس في العمرين: أبي بكر وعمر.
الرياشي: يقال أخذ قضتها وكعبتها، إذا أخذ عذرتها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سرى الزغاليل
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
مشرفة منتدى السيرة النبويــة وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم
avatar

عدد المساهمات : 817
تاريخ التسجيل : 19/08/2012
الموقــــع : موطني العالم الاسلامي

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب : العقد الفريد المؤلف : ابن عبد ربه الأندلسي   السبت ديسمبر 15, 2012 7:46 pm

قال أبو عبيدة: المعيون الذي ليس له منظر ولا مخبر، والمعين - الذي قد أصيب بالعين. والمعين: الماء الظاهر.
أبو عبيدة قال: سمعت رؤبة يقول: أباريق، يريد على الريق.
الأصمعي قال: لقي أبو عمرو بن العلاء عيسى بن عمر. فقال له: كيف رحلك؟ قال: ما تزداد إلا مثالة؛ قال: فما هذه المعيوراء التي تركض، يريد ما هذه الحمير التي تركب.
يقال: معيوراء ومشيوخاء ومعبوداء.
قال الأصمعي: إنما يقال: اقرأ عليه السلام. وأنشد:
اقرأ على عصر الشباب تحية ... وإذا لقيت ددا فقطنى من دد
وقال الفرزدق:
وما سبق القيسي من ضعف عقله ... ولكن طفت علماء قلفة خالد
" أراد: على الماء، فحذف " . وهذا آخر كتاب سيبويه. وقال بعض الوراقين:
رأيت يا حماد في الصيد ... أرانبا تؤخذ بالأيدي
إن ذوي النحو لهم أنفس ... معروفة بالمكر والكيد
يضرب عبد الله زيدا وما ... يريد عبد الله من زيد؟
وأنشد أبو زيد الأنصاري:
يا قرط قرط حيي لا أبالكم ... ياقرط إني عليكم خائف حذر
قلتم له اهج تميما لا أبا لكم ... في فم قائل هذا التراب والحجر
فإن بيت تميم ذو سمعت به ... بيت به رأست في عزها مضر
ذو هنا في مكان الذي، لا يتغير عن حاله في جميع الإعراب. وهذه لغة طيء تجعل ذو في مكان الذي.
وقال الحسن بن هانئ:
حب المدامة ذو سمعت به ... لم يبق في لغيرها فضلا
وبعض العرب يقول: لا أباك في مكان لا أبا لك، " ولأن أبا لك " مضاف. لذلك بقيت الألف، ولو كانت غير معربة لقلت: لا أب لك، بغير ألف: وليس في الإضافة شيء يشبه هذا لأنه حال بين المضاف والمضاف إليه وقال الشاعر:
أبالموت الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني
وقال آخر:
وقد مات شماح ومات مزرد ... وأي كريم لا أباك يخلد
وأنشد الفراء لابن مالك العقيلي:
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء
هذا مثل قولهم: بين بين.
وقال محمود الوراق:
مزج للصدود وصالهن فكان أمرا بين بين
وقال الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي: في هذا البيت شيء مستطرف عند أهل النحو. وذلك أنه جمع فاعل على فواعل، وإذا كان هكذا لم يكن بين المذكر والمؤنث فرق، لأنك تقول: ضاربة وضوارب، ولا يقال في المذكر فواعل إلا في موضعين، وذلك قولهم: فوارس وهوالك، ولكنه اضطر في الشعر فأخرجه عن الأصل ولولا الضرورة ما جاز له.
وقال أبو غسان " رفيع بن سلمة " تلميذ أبي عبيدة " المعروف بدماذ، يخاطب أبا عثمان النحوي المازني " :
تفكرت في النحو حتى ملل ... ت وأتعبت نفسي له والبدن
وأتعبت بكرا وأصحابه ... بكل المسائل في كل فن
سوى أن بابا عليه العفا ... ء للفاء ياليته لم يكن
فكنت بظاهره عالما ... وكنت بباطنه ذا فطن
وللواو باب إلى جنبه ... من المقت أحسبه قد لعن
إذا قلت هاتوا لما يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين
" أجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النصب قالوا لإضمار أن
وما إن رأيت لها موضعا ... فأعرف ما قيل إلا بفن
فقد خفت يا بكر من طول ما ... أفكر في أمر " أن " أو أجن "
باب في الغريب والتقعيب

(1/250)

دخل أبو علقمة على أعين الطبيب، فقال: أصلحك الله، أكلت من لحوم هذه الجوازل وطسئت طسأة فأصابني وجع بين الوابلة ودأية العنق، فلم يزل ينمو ويربو حتى خالط الخلب والشراسيف، فهل عندك دواء؟ قال: نعم، خذ خربقا وسلفقا وشبرقا فزهزقه " وزقزقه " و اغسله بماء ذوب واشربه؛ فقال له أبو علقمة: لم أفهمك، فقال: ما أفهمتك إلا كما أفهمتني.
وقال له مرة أخرى: إني أجد معمعة وقرقرة؛ فقال: أما معمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة: فضراط لم ينضج.
وقال أبو الأسود الدؤلي لأبي علقمة: ما حال ابنك؟ قال: أخذته الحمى فطبخته طبخا، ورضخته رضخا، " وفتخته فتخا " فتركته فرخا؛ قال: فما فعلت زوجته التي كانت تشاره وتهاره وتماره وتزاره؟ قال: طلقها. فتزوجت بعده فحظيت وبظيت؟ فقال له: قد عرفنا " حظيت " فما " بظيت " ؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك؛ فقال: يابن أخي، كل حرف لا يعرفه عمك فاستره كما تستر السنور خرأها.
ودعا أبو علقمة بحجام يحجمه فقال له: أنق غسل المحاجم، واشدد قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطكم وخزا، ومصك نهزا، ولا تردن آتيا، ولا تكرهن آبيا. فوضع الحجام محاجمه في جونته ومضى عنه.
وسمع أعرابي أبا المكنون النحوي " في حلقته " وهو يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم ربنا وإلهنا ومولانا فصل على محمد نبينا، " اللهم " ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامته، كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غيثا مغيثا " مريئا " مريعا مجلجلا مسحنفرا " هزجا " سحا سفوحا طبقا غدقا مثعنجرا، ناقعا لعامتنا، وغير ضار لخاصتنا. فقال الأعرابي: يا خليفة نوح هذا الطوفان ورب الكعبة، دعني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء.
وسمعه مرة أخرى يقول في يوم برد: إن هذا يوم بلة عصبصب بارد هلوف، فارتعد الأعرابي وقال: والله هذا مما يزيدني بردا.
وخطب أبو بكر المنكور فأغرب في خطبته وتقعر في كلامه، وعند أصل المنبر رجل من أهل الكوفة يقال له حنش، فقال لرجل إلى جنبه: إني لأبغض الخطيب يكون فصيحا بليغا متقعرا. وسمعه أبو بكر المنكور الخطيب،. فقال له: ما أحوجك يا حنش إلى مدحرج مفتول لي الجلاز لدن المهزة عظيم الثمرة، تؤخذ به من مغرز العنق إلى عجب الذنب " فتعلى به " فتكثر له رقصاتك من غير جذل.
وقال حبيب الطائي:
فما لك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
أما لو أن جهلك عاد علما ... إذا لرسخت في علم الغيوب
ومن قولنا نمدح رجلا باستسهال اللفظ وحسن الكلام:
قول كأن فريده ... لسحر على ذهن اللبيب
لا يشمئز على اللسا ... ن ولا يشذ عن القلوب
لم يغل في شنع اللغا ... ت ولا توحش بالغريب
سيف تقلد مثله ... عطف القضيب على القضيب
هذا تجذ به الرقا ... ب وذا تجذ به الخطوب
باب في تكليف الرجل ما ليس من طبعه
قالوا: ليس الفقه بالتفقه، ولا الفصاحة بالتفصح، لأنه